الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام المفوضة > بعض المسائل في أحكام المفوضة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةيُزوِّجَ الأبُ ابنتَه المُجبَرَةَ بغيرِ صَداقٍ، أو تأذَنَ المَرأةُ لوليِّها أنْ يُزوِّجَها بغيرِ صَداقٍ، سواءٌ سَكتَ عن الصَّداقِ أو شرَطَ نَفيَه.
والضَّربُ الثَّاني: تَفويضُ المَهرِ، وهو أنْ يَتزوَّجَها على ما شاءَتْ أو على ما شاءَ الزَّوجُ أو الوليُّ أو على ما شاءَ أجنَبيٌّ -أي غَيرُ الزَّوجَينِ- أو يقولَ الوَليُّ: «زَوَّجتُكَها على ما شِئْنا، أو على حُكمِنا» ونَحوِه ك: «على حُكمِكَ، أو حُكمِ زيدٍ» (١).
وهُنا بعضُ المَسائلِ في أحكامِ المُفوّضةِ:
حكمُ نكاحِ التَّفويضِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ وغَيرُهم على أنَّ نِكاحَ المُفوّضةِ بأنْ تَزوَّجَ امرأةً ولمْ يُسمِّ لها صَداقًا أنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ.
وكذا عِنْدَ الجُمهورِ خِلافاً للمالكيَّةِ -كما تقدَّمَ- لو اشتَرَطَا في عَقدِ النَّكاحِ إسقاطَ المَهرِ أو نَفيَه أو أنْ لا مَهرَ؛ فإنَّ النَّكاحَ صَحيحٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فأثبَتَ الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ فَرضٍ، والطَّلاقُ لا يَقعُ إلَّا في نِكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ اللهَ ﷾ رفَعَ الجُناحَ عمَّن طلَّقَ في نكاحٍ لا تَسميةَ فيهِ، والطَّلاقُ لا يكونُ إلَّا بعْدَ النِّكاحِ، فدَلَّ على جَوازِ النِّكاحِ بلا تَسميةٍ.
(١) «المغني» (٧/ ١٨٣)، و «الفروع» (٥/ ٢١٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٩٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٣، ١٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧٢)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٥).
ولقَولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمُرادُ منهُ الطَّلاقُ في نِكاحٍ لا تَسميةَ فيهِ، بدَليلِ أنهُ أوجَبَ المُتعةَ بقَولِه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾، والمُتعةُ إنِّما تَجبُ في نِكاحٍ لا تَسميةَ فيهِ، فدَلَّ على جَوازِ النِّكاحِ مِنْ غَيرِ تَسميةٍ.
وعَن عَلقَمةَ والأسوَدِ عنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّ رَجلًا أتاهُ فسَألَهُ عنْ رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً فماتَ عَنها ولمْ يَدخُلْ بها ولمْ يَفرِضْ لها، فلم يَقُلْ شيئًا ورَدَّدهُم شَهرًا، ثمَّ قالَ: أقولُ برأيِي، فإنْ كانَ صوابًا فمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خطأً فمِن قِبَلِي، أرَى لها صَداقَ نِسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ ولها الميراثُ، فقامَ فُلانٌ الأشجَعيُّ وقالَ: قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في بَروَعَ بِنتِ واشِقٍ بمِثلِ ذلكَ، قالَ: ففَرِحَ عبدُ اللهِ بذلكَ وكبَّرَ» (١).
ولأنَّ المَقصودَ في النِّكاحِ أَعيانُ الزَّوجَينِ دُونَ المَهرِ، ولهذا يَجبُ ذِكرُ الزَّوجَينِ في العَقدِ، وإنِّما العِوضُ فيه تَبَعٌ، بخلافِ البَيعِ فإنَّ المَقصودَ فيهِ العِوضُ، ولهذا لا يَجبُ ذِكرُ البائعِ والمُشتري في العَقدِ إذا وقَعَ بيْنَ وكيلَيهما (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٢١٤)، والترمذي (١١٤٥)، وابن ماجه (١٨٩١)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٠٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٤)، و «الهداية» (١/ ٢٠٤)، و «العناية» (٤/ ٤٧٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٧)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٦٦، ٣٦٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣١٧)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٥٢)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٩٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٧٣)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٤٧٢)، و «البيان» (٩/ ٤٤٤)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٢٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٧٥)، و «الديباج» (٣/ ٣٢٣)، و «المغني» (٧/ ١٨٣)، و «المبدع» (٧/ ١٦٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧٣)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٧).
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: نِكاحُ التَّفويضِ جائزٌ، وهو كُلُّ نِكاحٍ عُقدَ مِنْ غيرِ ذِكرِ الصَّداقِ، ولا خِلافَ فيه، ويُفرضُ بعدَ ذلكَ الصَّداقُ، فإنْ فُرِضَ التَحقَ بالعَقدِ وجازَ، وإنْ لَم يُفرَضْ لها وكانَ الطَّلاقُ لم يَجبْ صَداقٌ إجماعًا (١). أيْ: قَبْلَ الدُّخولِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ نِكاحَ التَّفويضِ جائزٌ، وهوَ أنْ يُعقدَ النكاحُ دُونَ صداقٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] (٢).
وقالَ ابنُ جُزَي رحمة الله عليه: نِكاحُ التَّفويضِ جائزٌ اتِّفاقًا (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ عُلماءُ المُسلمينَ أنهُ لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يَطَأ فَرجًا وُهِبَ له دُونَ رَقبتِه، وأنهُ لا يَجوزُ له وَطءٌ في نِكاحٍ بغَيرِ صَداقٍ مُسمًّى، دَينًا أو نَقدًا، وأنَّ المُفوَّضَ إليه لا يَدخلُ حتَّى يُسمِّي صَداقًا، فإنْ وَقعَ الدُّخولُ في ذلكَ لَزمَ فيهِ صَداقُ المِثلِ (٤).
(١) «أحكام القرآن» (١/ ٢٩٢)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ١٩٧).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩).
(٣) «القوانين الفقهية» ص (١٣٦).
(٤) «الاستذكار» (٥/ ٤٠٨).
ارجع إلى أحكام المفوضة للاطلاع على جميع المسائل.