الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الرجعة وشروطها > الحكم إذا راجعها ولم تعلم حتى انقضت عدتها ثم تزوجت بزوج آخر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةزوْجتُه بتلكَ الرجعةِ، إلا الحسَنَ البَصريَّ فإنه قالَ: لا تَكونُ تلكَ رَجعةً إلا أنْ يُعلِمَها بها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ الأولَ أحَقُّ بها لو جاءَ قبْلَ أنْ تتزوَّجَ كانَتِ امرَأتَه لرَجعتِه إيَّاها، وهذا يَدلُّ على صحَّةِ الرجعةِ معَ جَهلِ المَرأةِ بها (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: العُلماءُ قد أجمَعُوا على أنَّ الرَّجعةَ صَحيحةٌ وإنْ لم تَعلمْ بها المَرأةُ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: زَوجُ الرجعيةِ إذا راجَعَها وهي لا تَعلمُ صَحَّتِ المُراجَعةُ؛ لأنها لا تَفتقرُ إلى رضاها، فلمْ تَفتقرْ إلى عِلمِها كطَلاقِها (٤).
الحُكمُ إذا راجَعَها ولم تَعلمْ حتَّى انقَضَتْ عدَّتُها ثمَّ تَزوَّجتْ بزَوجٍ آخَرَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الزوجِ إذا طلَّقَ امرأتَه ثمَّ راجَعَها بغَيرِ أنْ تَعلمَ ثمَّ تزوَّجَتْ بزَوجٍ آخَرَ ثم ادَّعَى الزوجُ أنه راجَعَها وأتَى على ذلكَ بشُهودٍ، هل تَكونُ له أم للزَّوجِ الثاني؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ يَدخلَ بها الثاني أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا راجَعَ زَوجتَه ولم تَعلمْ برَجعتِها حتَّى انقضَتْ عدَّتُها ثم تزوَّجَتْ بزَوجٍ آخَرَ
(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٢٨٤)، رقم (٢٣٤٢).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ١٣٧).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٦٥).
(٤) «المغني» (٧/ ٤١١).
ثم جاءَ زَوجُها الأولُ وادَّعى أنه راجَعَها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها وأقامَ البيِّنةَ على ذلكَ أنها زَوجتُه وأنَّ نكاحَ الثاني فاسِدٌ؛ لأنه تزوَّجَ امرأةَ غيرِه، وتُرَدُّ إلى الأولِ، سَواءٌ دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ بها، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: هذا هو الصَّحيحُ، وهو مَذهبُ أكثَرِ الفُقهاءِ، مِنهم الثوريُّ والشافِعيُّ وأبو عُبيدٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ورُويَ ذلكَ عن عَليٍّ رضي الله عنه (١).
والدَّليلُ عليهِ قَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد فعَلَ.
ولأنَّ العُلماءَ أجمَعُوا أنَّ الأولَ أحَقُّ بها لو جاءَ قبلَ أنْ تتزوَّجَ كانَتِ امرَأتَه؛ لرَجعتِه إياها، وهذا يَدلُّ على صحَّةِ الرجعةِ معَ جَهلِ المَرأةِ بها، وإذا صحَّتِ الرجعةُ كانَتِ امرأةَ الأولِ، فلا يَصحُّ زَواجُ الثاني.
فإنْ كانَ الثاني لم يَدخلْ بها فرِّقَ بينَهُما ورُدَّتْ إلى الأولِ ولا شيءَ على الثاني، وإنْ كانَ دخَلَ بها فلها عليهِ مَهرُ المِثلِ؛ لأنَّ هذا وَطءُ شُبهةٍ، وتَعتدُّ ولا تَحلُّ للأولِ حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها منهُ (٢).
(١) «المغني» (٧/ ٤١١).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ١٣٧)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣٩٠، ٣٩١)، و «اختلاف العلماء» للمروزي ص (١٧٩)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨١)، و «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (١٠/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «المغني» (٧/ ٤١١)، و «المبدع» (٧/ ٣٩٧)، و «الإنصاف» (٩/ ١٥٩، ١٦٠).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو راجَعَها ولم يُعلِمْها حتَّى انقضَتْ مدَّةُ عدَّتِها وتزوَّجَتْ بزَوجٍ آخَرَ ثم جاءَ زَوجُها الأولُ فهي امرأتُه، سواءٌ كانَ دخَلَ بها الثاني أو لَم يَدخلْ، ويُفرَّقُ بينَها وبينَ الثاني؛ لأنَّ الرجعةَ قد صحَّتْ بدُونِ عِلمِها فتَزوَّجَها الثاني وهي امرَأةُ الأولِ، فلم يَصحَّ (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: لا يُشترطُ لصحَّةِ الرجوعِ رضَا وعِلمُ الزوجةِ، وماذا لو تَزوَّجَتْ بآخَرَ وادَّعى الزوجُ رَجعتَها؟ وتَصحُّ الرجعةُ مِنْ غيرِ عِلمِ الزوجةِ؛ لأنَّ ما لا تَفتقرُ صحَّتُه إلى رِضاها .. لم تَفتقرْ صحَّتُه إلى عِلمِها كالطلاقِ.
إذا ثبتَ هذا: فإنِ انقَضَتْ عدَّتُها فتزوَّجَتْ بآخَرَ وادَّعَى الزوجُ الأولُ أنه كانَ راجَعَها قبلَ انقضاءِ عدَّتها منه وقالَ الزوجُ الثاني: «بل انقضَتْ عدَّتُها قبلَ أنْ تُراجِعَها» .. نَظَرت: فإنْ أقامَ الزوجُ الأولُ بيَّنةً أنه راجَعَها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها منهُ .. حُكِمَ بزَوجيَّتِها للأولِ وبطَلَ نكاحُ الثاني، سَواءٌ دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ بها، وبهِ قالَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ وأكثرُ الفُقهاءِ.
وقالَ مالكٌ: (إنْ دخَلَ بها الثاني .. فهو أحَقُّ بها)، وإنْ لم يَدخلْ بها الثاني .. ففيهِ رِوايتانِ:
(إحداهُما: أنه أحَقُّ بها، والثانيةُ: أنَّ الأولَ أحَقُّ بها)، ورُويَ ذلكَ عَنْ عُمرَ رضي الله عنه.
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨١).
دَليلُنا: قَولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قَولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، و (المُحصَنةُ): مَنْ لها زَوجٌ، وهذه لها زَوجٌ وهو الأولُ، فلمْ يَصحَّ نكاحُ الثاني.
إذا ثبَتَ هذا: فإنْ كانَ الثاني لم يَدخلْ بها .. فرِّقَ بينَهُما ولا شيءَ عليهِ، وإنْ دخَلَ بها .. فرِّقَ بينَهُما وعليهِ مَهرُ مِثلِها وعليها العدَّةُ؛ لأنه وَطءُ شُبهةٍ، ولا تَحلُّ للأوَّلِ حتى تَنقضيَ عدَّتُها مِنْ الثاني.
وإنْ لم يَكنْ معَ الأولِ بيِّنةٌ .. فله أنْ يُخاصِمَ الزوجَ الثاني، وله أنْ يُخاصِمَ الزوجةَ، والأَولى أنْ يَبتدِئَ بخُصومةِ الثاني؛ لأنه أقرَبُ … (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجَ إذا راجَعَها ولم تَعلمْ برَجعتِه حتَّى انقضَتْ عدَّتُها ثم تزوَّجَتْ إنْ دخَلَ بها الثاني فهي امرَأتُه ويَبطلُ نِكاحُ الأولِ، رُويَ ذلكَ عَنْ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه، ورُويَ مَعناهُ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ ونافعٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما عقَدَ عليها وهي ممَّن يَجوزُ له العَقدُ في الظاهرِ، ومع الثاني مَزيَّةُ الدُّخولِ، فقدِّمَ بها.
قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأمَّا بَلاغُ مالكٍ عن عُمرَ في الذي طلَّقَ فأعلَمَها فارتَجعَ ولم يُعلمْها حتَّى رجعَتْ نكَحَتْ فهو غَيرُ مَشهورٍ عن عُمرَ مِنْ رِوايةِ أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ.
(١) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (١٠/ ٢٥٤، ٢٥٥).
وذكَرَ عبدُ الرَّزاقِ قالَ: أخبَرَنا مَعمرٌ عن عَبدِ الكَريمِ الجزَريِّ عن سَعيدِ ابنِ المُسيبِ ومَعمر عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ: «أنَّ أبا كَنَفٍ طلَّقَ امرَأتَه ثمَّ خرَجَ مُسافِرًا وأشهَدَ على رَجعتِها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها ولا عِلمَ لها بذلكَ حتَّى تزوَّجَتْ، فسَألَ عن ذلكَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ فقالَ: «إنْ دخَلَ بها فهيَ امرأتُه، وإلا فهي امرَأتُكَ إنْ أدرَكْتَها قبلَ أنْ يَدخلَ بها».
قالَ: وأخبَرَناهُ الثَّوريُّ عن حمَّادٍ ومَنصورٌ والأعمَشُ عَنْ إبرَاهيمَ قالَ: «طلَّقَ أبو كَنَفٍ -رَجلٌ مِنْ نَجدٍ- امرَأتَه واحِدةً أو اثنتَينِ ثمَّ أشهَدَ على الرجعةِ، فلمْ يَبلغْها حتَّى انقَضَتْ عدَّتُها ثمَّ تزوَّجَتْ، فجاءَ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ فكتَبَ له إلى أميرِ مِصرَ: «إنْ كانَ دخَلَ بها الآخَرُ فهي امرَأتُه، وإلا فهي امرَأةُ الأولِ».
وقالَ عليٌّ رضي الله عنه: «هي للأولِ، دخَلَ بها الآخَرُ أو لم يَدخلْ بها».
ورَوى وَكيعٌ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالِدٍ عن الحكَمِ أنَّ أبا كَنَفٍ طلَّقَ امرَأتَه ولم يُعلِمْها وأشهَدَ على عدَّتِها فلم يُعلِمْها، فقالَ لهُ عُمرُ رضي الله عنه: «إذا أدرَكْتَها قبلَ أنْ تتزوَّجَ فأنتَ أحَقُّ بها»، هكذا قالَ: أنْ تَتزوَّجَ، المَحفوظُ في هذا الحَديثِ: إلا أنْ يَدخُلَ.
وأمَّا قَولُه: «طلَّق امرَأتَه ولم يُعلِمْها» فخَطأٌ مِنْ الكاتِبِ، واللهُ أعلَمُ؛ وإنما هو: «طلَّقَ وأعلَمَها وأشهَدَ على رَجعتِها ولم يُعلِمْها».
وَكيعٌ عن شُعبةَ عن الحكَمِ قالَ: قالَ عَليٌّ رضي الله عنه: «إذا طلَّقَها ثمَّ أشهَدَ على رَجعتِها فهي امرَأتُه، أعلَمَها أو لم يُعلِمْها».
وقالَ أبو بَكرٍ: حدَّثَناهُ عَبدةُ عن سَعيدٍ عَنْ عُمرَ بنِ عامِرٍ عن حمَّادٍ عَنْ إبراهِيمَ عن عليٍّ كانَ يَقولُ: «هو أحقُّ بها، دخَلَ أو لَم يَدخلْ بها».
قالَ أبو عُمرَ: قالَ بقَولِ عُمرَ في هذهِ المَسألةِ شُريحٌ والحسَنُ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ وعَطاءٌ وابنُ شِهابٍ وجابرُ بنُ زَيدٍ وغيرُهم، وبه قالَ مالكٌ والأوزاعيُّ واللَّيثُ وطائِفةٌ مع أهلِ المَدينةِ.
ومِن حُجَّتِهم ما رَواهُ ابنُ وَهبٍ عن يُونسَ عن ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ «أنَّ السُّنةَ مضَتْ في الذي يُطلِّقُ امرَأتَه ثم يُراجِعُها فيَكتمُها رَجْعتَها ثم تَحِلُّ فتَنكحُ زَوجًا غيرَه أنه ليسَ له مِنْ أمرِها شيءٌ، ولكنَّها مِنْ زَوجِها الآخَرِ».
وهذا الخبَرُ إنَّما يُروى عنِ ابنِ شِهابٍ أنه قالَ: مضَتِ السُّنةُ لا أذكُرُ فيها سَعيدًا.
ويَرويهِ ابنُ شِهابٍ وغيرُه عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ عَنْ عُمرَ أنه قضَى بذلكَ، لا ذِكرَ فيهِ للسُّنةِ، ولا يَصحُّ فيهِ ذِكرُ السُّنةِ، وهو عن عُمرَ مع وُجوهٍ كَثيرةٍ، وقد خالَفَه عَليٌّ في ذلكَ.
وقد رَوى قَتادةُ عِن خِلاسٍ عن عليٍّ في هذهِ المَسألةِ أنه غرَّرَ الشُّهودَ الذينَ شَهِدوا في الرجعةِ واستكتَمُوا واتَّهمَهم فجلَدَهم وأجازَ الطلاقَ ولم يَردَّها إلى زَوجِها الأولِ.
وهي رِوايةٌ منكَرةٌ، ولو قَبِلَ شَهادتَهم في الرجعةِ ما جلَدَهم، ولا يَصحُّ جَلدُ الشُّهودِ عنه ولا في شيءٍ مِنْ الأصولِ.
والمَعروفُ عن عليٍّ ما رَواهُ إبراهيمُ والحكَمُ عنه.
وأجمَعُوا أنَّ مَراسيلَ إبراهيمَ صِحاحٌ.
وهو قَولُ إبراهيمَ وفُقهاءِ الكُوفيِّينَ أبي حَنيفةَ وأصحابِه والثوريِّ والحسَنِ بنِ حيٍّ، وبهِ قالَ الشافعيُّ وأبو ثَورٍ وداودُ، كلُّهم يَقولُ في ذلكَ بقَولٍ عليٍّ: «الأولُ أحَقُّ بها، دخَلَ الثاني أم لا».
وأجمَعَ العلماءُ أنَّ الأولَ أحَقُّ بها لو جاءَ قبلَ أنْ تتزوَّجَ كانَتْ امرَأتَه؛ لرَجعتِه إياها، وهذا يَدلُّ على صِحةِ الرجعةِ مع جَهلِ المَرأةِ بها.
وإذا صحَّتِ الرجعةُ كانَتْ امرَأةَ الأولِ وفُسخَ نكاحُ الآخَرِ وأُمرَ بفِراقِها ورُدَّتْ إلى الأولِ بعدَ العدَّةِ مِنْ الآخَرِ؛ لوَطءِ الشُّبهةِ، واستَحقَّتْ مَهرَها منه إنْ كانَ دخَلَ بها.
والحُجَّةُ في ذلكَ قَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد فعَلَ، وهذا القَولُ أقْيَسُ.
وقَولُ مالكٍ مِنْ طَريقِ الاتِّباعِ أظهَرُ، واللهُ الموفِّقُ لا شَريكَ له وباللهِ التَّوفيقُ (١).
(١) «الاستذكار» (٦/ ١٣٦، ١٣٨).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في هذا البابِ في الرَّجلِ يُطلِّقُ زَوجتَه طَلقةً رَجعيةً وهو غائِبٌ ثمَّ يُراجِعُها فيَبلُغُها الطلاقُ ولا يَبلغُها الرجعةُ فتَتزوَّجُ إذا انقضَتْ عدَّتُها، فذهَبَ مالِكٌ إلى أنها للذي عقَدَ عليها النكاحَ، دخَلَ بها أو لم يَدخلْ، هذا قَولُه في «المُوطَّأ»، وبه قالَ الأوزاعيُّ واللَّيثُ.
ورَوى عنهُ ابنُ القاسِمِ أنه رجَعَ عن القَولِ الأولِ وأنه قالَ: الأولُ أَولى بها إلا أنْ يَدخلَ الثاني، وبالقَولِ الأولِ قالَ المَدنيُّونَ مِنْ أصحابِه، قالُوا: ولم يَرجعْ عنه؛ لأنه أثبَتَه في «مُوطِّئِه» إلى يَومِ ماتَ وهو يُقرأُ عليهِ، وهو قَولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ، ورواهُ عنه مالكٌ في «المُوطَّأ».
وأمَّا الشافِعيُّ والكُوفيُّونَ وأبو حَنيفةَ وغيرُهم فقالُوا: زَوجُها الأولُ الذي ارتَجعَها أحَقُّ بها، دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ، وبه قالَ داودُ وأبو ثَورٍ، وهو مَرويٌّ عن عليٍّ، وهو الأبْيَنُ.
وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه أنه قالَ في هَذهِ المَسألةِ: «إنَّ الزوجَ الذي ارتَجعَها مُخيَّرٌ بينَ أنْ تَكونَ امرَأتَه أو أنْ يَرجعَ عليها بما كانَ أصدَقَها».
وحجَّةُ مالكٍ في الرِّوايةِ الأُولَى ما رواهُ ابنُ وَهبٍ عن يُونسَ عن ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مضَتِ السُّنةُ في الذي يُطلِّقُ امرَأتَه ثمَّ يُراجِعُها فيَكتمُها رَجْعتَها حتى تَحِلَّ فتَنكحُ زَوجًا غيرَه أنه ليس له مِنْ
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الثالثة في الرجعة بعد الطلاق
الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْمِيمِ وَالتَّخْصِيصِ: فَاسْتِحْسَانٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا عَمَّمَ فَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى النِّكَاحِ الْحَلَالِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَنَتًا بِهِ وَحَرَجًا، وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ. وَأَمَّا إِذَا خَصَّصَ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِذَا أَلْزَمْنَاهُ الطَّلَاقَ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا طَلَاقَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» . وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ. وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَضَعَّفَ قَوْمٌ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ
الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ. وَلَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: بَائِنٍ، وَرَجْعِيٍّ ; وَكَانَتْ أَحْكَامُ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ غَيْرَ أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْجِنْسِ بَابَانِ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِ الِارْتِجَاعِ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ.
ارجع إلى أركان الرجعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.