الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الرجعة وشروطها > القسم الأول: الصريح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةالقِسمُ الأولُ: الصَّريحُ:
اللَّفظُ الصَّريحُ: وهو لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ.
وألفاظُ الصَّريحِ عندَ الحَنفيةِ: «راجَعْتُكِ» في حالِ خِطابها، و «راجَعْتُ امرأتي» في حالِ غَيبتِها وحُضورِها أيضًا، ومِن الصَّريحِ «ارتَجَعتُكِ، ورجَعْتُكِ، وردَدْتُكِ، وأمسَكْتُكِ»، ومسَكْتُكِ بمَنزلةِ أمسكْتُكِ، وهُما لُغتانِ، فهذه يَصيرُ مُراجِعًا بها بلا نيَّةٍ، وقِيلَ: يُشترطُ في «ردَدْتُكِ» ذِكرُ الصِّلةِ فيَقول: «إلَيَّ، أو إلى نكاحِي، أو إلى عِصمَتي»، ولا يُشترطُ في الارتجاعِ والمُراجَعةِ (١).
وألفاظُ الصَّريحِ في الرجعةِ الذي لا يَحتملُ غيرَها عندَ المالِكيةِ: «رجَعْتُ لزَوجتِي، أو ارتَجعْتُ زَوجتي»، وكذا «راجَعْتُها، وردَدْتُها لعِصمَتي، أو لنِكاحِي»، فلا يَكونُ صريحًا إلا بذِكرِ المُتعلِّقِ الذي هو قولُه: «لعِصمَتي، أو لنكاحِي»، وإلا كانَ مِنْ المُحتملِ.
والمَشهورُ مِنْ مذهَبِ «المُدوَّنة» أنَّ القولَ الصريحَ المجرَّدَ عن النِّيةِ يَكونُ كافيًا في صحَّةِ الرجعةِ ولو كانَ هازِلًا فيهِ؛ لأنَّ هزْلَه جِدٌّ، ويَنفعُه ذلك في ظاهِرِ الحالِ، ولا يُصدَّقُ فيما ادَّعاهُ مِنْ عدَمِ النِّيةِ، فيُؤخَذُ بالنَّفقةِ وغيرِها مِنْ الأحكامِ، لا فيما بينَه وبينَ اللهِ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٣)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ١٥٩)، و «العناية شرح الهداية» (٥/ ٣٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٧٥)، و «الاختيار» (٣/ ١٨١)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٤٠٥)، و «اللباب» (٢/ ٩٨)، و «الفتاوى الهندية» (٤٦٨) ..
(٢) «التاج والإكليل» (٣/ ١١٦)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٨٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٢٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٢٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٤١٧، ٤١٩).
وألفاظُ الرَّجعةِ الصَّريحةُ عندَ الشافِعيةِ تَحصلُ ب: «راجَعْتُكِ، ورجَعْتُكِ، وارتَجعْتُكِ»، وهذهِ الثلاثةُ صريحةٌ؛ لشُيوعِها ووُرودِ الأخبارِ بها؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «مُرْهُ فليُراجِعْها»، ولا خلافَ في هذهِ الألفاظِ إذا وصَلَها باسمِ المَرأةِ أو ضَميرِها أو أشارَ إليها، ولا يَكفي مجرَّدُ «راجَعْتُ، أو ارتَجعْتُ» أو نحوُ ذلكَ؛ بَلْ لا بدَّ مِنْ إضافةِ ذلكَ إلى مُظهَرٍ ك: «راجَعْتُ فُلانةَ» أو مُضمَرٍ ك: «راجَعتُكِ» أو مُشارٍ إليهِ ك: «راجَعْتُ هذهِ».
ويلحَقُ بها ما اشتُقَّ مِنْ لَفظِها كقَولِه: «أنتِ مُراجَعةٌ، أو مُرتجَعةٌ، أو مُسترجَعةٌ» أو نحوُ ذلكَ.
وتَحصلُ الرجعةُ بمَعنى هذه الألفاظِ وما بعدَها مِنْ سائرِ اللُّغاتِ، سواءٌ أعَرَفَ العَربيةَ أم لا، وسواءٌ أضافَ إليهِ أو إلى نكاحِه كقولِه: «إليَّ، أو إلى نكاحِي» أم لا، لكنَّه يُستحبُّ.
والأصحُّ أنَّ الردَّ والإمساكَ ك: «ردَدْتُكِ، أو أمسَكْتُكِ» وفي لُغةٍ قليلةٍ: «مسَكْتُكِ» صريحانِ في الرجعةِ أيضًا؛ لوُرودِهما في القُرآنِ، قالَ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: في العدَّةِ، ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: رَجعةً، وقالَ تعالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١].
ولْيَقلْ: «ردَدْتُها إليَّ، أو إلى نِكاحِي»؛ ليَكونَ صَريحًا؛ إذ يُفهَمُ منهُ الردُّ إلى أهلِها بسَببِ الفِراقِ.
والثاني: أنَّهما كِنايتانِ؛ لعدَمِ اشتِهارِهما في الرجعةِ اشتِهارَ الصَّرائحِ.
والصحيحُ أنَّ صرائحَ الرجعةِ مُنحصِرةٌ؛ لأنَّ الطلاقَ صرائِحُه مَحصورةٌ، فالرجعةُ التي هي تَحصيلُ إباحةٍ أَولى.
وفي وَجهٍ أنَّ كلَّ لَفظٍ يُؤدِّي معنَى الصريحِ صَريحٌ، كقولِه: «رفَعْتُ تَحريمَكِ، وأعَدْتُ حِلَّكِ» ونَحوِهما (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: وألفاظُ الرَّجعةِ الصريحةُ: «راجَعْتُ امرَأتي، أو رجَعْتُها، أو ارتَجعْتُها، أو ردَدْتُها، أو أمسَكْتُها».
وإنْ خاطَبَها -أي المُطلَّقةَ- بالرجعةِ فصِفتُها أنْ يقولَ: «راجَعْتُكِ، أو ارتَجعْتُكِ، أو أرجَعْتُكِ، أو ردَدْتُكِ، أو أمسَكتُكِ»؛ لوُرودِ السُّنةِ بلَفظِ الرجعةِ في حَديثِ ابنِ عمَرَ، واشتَهرَ هذا الاسمُ فيهِ عُرفًا فسُمِّي رَجعةً والمَرأةَ رَجعيةً، وورَدَ الكتابُ بلَفظِ الرَّدِ في قولِه تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وبلَفظِ الإمساكِ في قولِه تَعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأُلحقَ بها ما هو بمَعناها ولو لم يَنوِ مَنْ
(١) «البيان» (١٠/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٢٦، ٥٢٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٨، ١٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٦، ٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥٩٦، ٥٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٦٦، ٦٧)، و «الديباج» (٣/ ٤٧٩، ٤٨٠).
أتَى بلَفظةٍ ممَّا تقدَّمَ شَيئًا؛ لأنها صَرائحُ، والصريحُ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ.
فإنْ زادَ بعدَ هذهِ الألفاظِ «للمَحبَّةِ، أو الإهانةِ» لم يقدَحْ في الرجعةِ، أو قالَ: «أردْتُ أني رجَعْتُكِ لمَحبَّتي إياكِ، أو إهانَةً لكِ» لم يَقدحْ في الرجعةِ؛ لأنه أتَى بالرجعةِ وبيَّنَ سبَبَها.
وإنْ قالَ: «أردْتُ أني كنتُ أُهينُكِ، أو أُحبُّكِ وقد ردَدْتُكِ بفراقِي إلى ذلكَ» -أي المحبَّةِ أو الإهانةِ- فليسَ برَجعةٍ؛ لحُصولِ التَّضادِّ؛ لأنَّ الرجعةَ لا تُرادُ بالفِراقِ.
وإنْ أطلَقَ ولم يَنوِ شَيئًا بقولِه: «راجَعْتُكِ للمحبَّةِ، أو الإهانةِ» ونحوِه صحَّتِ الرجعةُ؛ لأنه أتَى بصَريحِها وضَمَّ إليهِ ما يُحتملُ أنْ يكونَ سبَبُها وأنْ يكونَ غَيرُه، فلا يَزولُ اللَّفظُ عن مُقتضاهُ بالشكِّ.
ولا تَحصلُ الرجعةُ بقَولِ مُطلِّقٍ: «نكَحْتُها، وتَزوَّجْتُها»؛ لأنه كِنايةٌ، والرجعةُ استِباحةُ بُضعٍ مَقصودٍ، فلا تَحصلُ بكنايةٍ كالنكاحِ.
وفي قَولٍ: تَحصلُ بهِ الرجعةُ، أومَأَ إليهِ الإمامُ أحمَدُ واختارَهُ ابنُ حامدٍ، لأنه تُباحُ بهِ الأجنَبيةُ، وعلى هذا يَحتاجُ أنْ يَنويَ به الرجعةَ؛ لأنَّ ما كانَ كنايةً تُعتبَرُ له النيَّةُ ككِناياتِ الطلاقِ (١).
(١) «المغني» (٧/ ٤٠٤، ٤٠٥)، و «المبدع» (٧/ ٣٩١)، و «الروض المربع» (٢/ ٤١١)، و «الإنصاف» (٩/ ١٥٠، ١٥١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٠٦، ٥٠٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٧٨).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الظهار
الفصل الأول في ألفاظ الظهار
كِتَابُ الظِّهَارِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الظِّهَارِ
كِتَابُ الظِّهَارِ وَالْأَصْلُ فِي الظِّهَارِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَأَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} المجادلة: ٣ الْآيَةَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: «ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أُوَيْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْكُو إِلَيْهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ يُجَادِلُنِي فِيهِ وَيَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ، فَمَا خَرَجْتُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} المجادلة: ١ الْآيَاتِ، فَقَالَ: لِيُعْتِقْ رَقَبَةً، قَالَتْ: لَا يَجِدُ، قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرْقٍ مِنْ تَمْرٍ، قَالَتْ: وَأَنَا أُعِينُهُ بِعَرْقٍ آخَرَ، قَالَ: أَحْسَنْتِ اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَالْكَلَامُ فِي أُصُولِ الظِّهَارِ يَنْحَصِرُ فِي سَبْعَةِ فُصُولٍ:
ارجع إلى أركان الرجعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.