الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الرجعة وشروطها > تزين المطلقة الرجعية لزوجها والخلوة بها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةوذهَبَ الحَنفيةُ -خِلافًا لزُفرَ- والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يَجوزُ للزوجِ السَّفرُ بمُطلَّقتِه الرجعيةِ حتى يُراجِعَها؛ لقَولِه تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، نزَلَتْ في المُعتدَّاتِ مِنْ الرجعيِّ.
ولأنها مُعتدَّةٌ، والمُعتدَّةُ مَمنوعةٌ مِنْ إنشاءِ السَّفرِ معَ زَوجِها كما تُمنَعُ مِنْ إنشاءِ السفرِ معَ المَحرَمِ، وربَّما تَنقضِي عدَّتُها في الطريقِ فتَبقَى بغَيرِ محرَمٍ ولا زَوجٍ (١).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: أما المُسافَرةُ بها فقدْ قالَ زُفرُ مِنْ أصحابِنا أنه يَحلُّ له المُسافَرةُ بها قبلَ الرجعةِ، وأما على قَولِ أصحابِنا الثلاثةِ فإنما لا تَحلُّ لا لزَوالِ المِلكِ؛ بل لكَونِها مُعتدَّةً، وقد قالَ اللهُ تعالَى في المُعتدَّاتِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، نهَى الرِّجالَ عَنْ الإخراجِ والنِّساءَ عن الخُروجِ، فيُسقِطُ الزوجُ العدَّةَ بالرجعةِ؛ لتَزولَ الحُرمةُ ثمَّ يُسافِرُ (٢).
تَزيُّنُ المطلَّقةِ الرَّجعيةِ لزَوجِها والخَلوةُ بها:
نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والحَنابلةِ على أنه يَجوزُ للزوجةِ المطلَّقةِ طَلاقًا رَجعيًّا أنْ تَتزيَّنَ لزَوجِها.
(١) «المبسوط» (٦/ ٣٤)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣٨٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٨٦)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ١٧٤، ١٧٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٢٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٣٨)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٣٠٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٢٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٠).
قالَ الحَنفيةُ: المُعتدَّةُ مِنْ الطلاقِ الرجعيِّ تتزيَّنُ لزَوجِها وتَتشوَّفُ له إذا كانَتِ المُراجَعةُ مَرجوَّةً؛ لأنها حَلالٌ للزوجِ؛ إذِ النكاحُ قائِمٌ بينَهُما، ثمَّ الرجعةُ مُستحبَّةٌ، والتَزيُّنُ حامِلٌ عليها.
فأما إذا كانَتِ المَرأةُ تَعلمُ أنه لا يُراجِعُها لشِدَّةِ غَضبِه عليها فإنها لا تَفعلُ ذلكَ، وإذا كانَ مِنْ شَأنِه أنْ لا يُراجِعَها فالأحسَنُ أنْ يُعلِمَها بدُخولِه عليها إما بالتَّنحنُحِ أو تَحقُّقِ الفِعلِ؛ لأنَّ الدُّخولَ عليها ليسَ بمُباحٍ، ولكنْ لأنَّ المَرأةَ في بَيتِها تكونُ في ثِيابِ مِهنتِها، فربَّما يَراها مُتجرِّدةً فيقَعُ بصَرُه على مَوضعٍ يَصيرُ به مُراجِعًا ثمَّ يُطلِّقُها فتَطولُ عليها العدَّةُ، وقد نَهى اللهُ عَنْ ذلكَ بقَولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، نزَلَتْ هذه الآيَةُ في ثابتِ بنِ يَسارٍ الأنصارِيِّ، «طلَّقَ امرَأتَه حتى إذا انقَضَتْ عدَّتُها إلا بيَومٍ أو يومَينِ وكادَتْ تَبِينُ منه راجَعَها ثمَّ طلَّقَها، ففعَلَ بها مثلَ ذلكَ حتى مضَتْ عليها سَبعةُ أشهُرٍ، مضارَّةً بها»، ويُكرهُ لهُ أنْ يَراها مُتجرِّدةً إذا لم يَكنْ مِنْ شأنِه الرجعةُ (١).
وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: في الطلاقِ الرجعيِّ هل تُحظَرُ الزِّينةُ والطِّيبُ؟
قالَ أصحابُنا: لا بأسَ بذلكَ.
وقالَ بِشرُ بنُ الوليدِ عن أبي يُوسفَ: لا بأسَ بأنْ تَتشوَّفَ المطلَّقةُ وتَتطيَّبَ وتَلبسَ الحُليَّ إذا كانَ طلاقًا رَجعيًّا.
(١) «المحيط البرهاني» (٤/ ١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٨٤، ٤٨٦).
قالَ: ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ.
قالَ: وله فيها قولٌ آخَرُ أنه يَدخلُ عليها بغَيرِ إذنٍ، إلا أنه يَتنحنَحُ ويَخفِقُ نَعلَيهِ، ولا بأسَ بأنْ يَنظرَ إلى شَعرِها ومَحارِمِها، ولا يَنظرُ على مُحرَّمٍ منها حتى يُشهِدَ على رَجعتِها … (١).
وقالَ الحَنابلةُ: الزوجةُ الرجعيةُ لها أنْ تَتزيَّنَ لزَوجِها كما تتزيَّنُ النِّساءُ لأزواجِهنَّ؛ لإباحَتِها لهُ كما قبلَ الطلاقِ، ولها أنْ تَستشرِفَ لهُ بأنْ تَتعرَّضَ لهُ وتُريَه نفسَها ليَرغبَ فيها (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَتزيَّنَ لزَوجِها؛ لأنه يَحرمُ عليهِ الاستِمتاعُ بها بأيِّ وَجهٍ كانَ.
قالَ المالِكيةُ: يَحرمُ الاستِمتاعُ بالرجعيةِ قبْلَ المُراجَعةِ بنَظرَةٍ أو غيرِها مِنْ رُؤيةِ شَعرٍ واختِلاءٍ بها؛ لأنَّ الطلاقَ مُضادٌّ للنكاحِ الذي هو سَببٌ للإباحةِ، ولا بقاءَ للضِّدِّ معَ وُجودِ ضِدِّه، ولا يُكلِّمُها ولا يَدخلُ عليها ولو كانَ معَها مَنْ يَحفظُها، ولا يَأكلُ مَعها ولو كانَ معها مَنْ يَحفظُها، وكذا لا يكلِّمُها ولو كانَتْ نِيتُه رَجعتُها حتى يُراجِعَها، وهذا تَشديدٌ عليهِ لِئلَّا يَتذاكَرَا ما كانَ فيُجامِعَها.
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣٨٣).
(٢) «المغني» (٨/ ١٢٥)، و «الكافي» (٣/ ٢٢٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٩٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٠٨).
ولا بأسَ أنْ يَرى وَجهَها وكفَّيْها لغَيرِ لذَّةٍ اتفاقًا؛ إذْ للأجنَبيِّ ذلك، ولهُ السُّكنى معها في دارٍ جامِعةٍ لها وللناسِ ولو أعزَبَ، وأمَّا الخَلوةُ بها والسُّكنَى معَها فلا تَجوزُ.
قالَ مالكٌ رحمة الله عليه: مَنْ طلَّقَ امرَأتَه طَلاقًا يَملكُ فيهِ الرجعةَ لا يَتلذَّذُ مِنها بنَظرةٍ أو غَيرِها ولا يَأكلُ مَعها ولا يَرى شعْرَها ولا يَخلُو معها، وكانَ يَقولُ: لا بأسَ أنْ يَدخلَ عليها ويَأكلَ معها إذا كانَ معَها مَنْ يَتحفَّظُ بها، ثمَّ رجَعَ فقالَ: لا يَفعلُ.
قالَ عِياضٌ: ظاهِرُه مَنعُ التلذُّذِ بها على كلِّ حالٍ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبْرى»: قلتُ: أرَأيتَ المُطلَّقةَ ثَلاثًا أو واحِدةً بائِنًا أو واحِدةً يَملكُ الرجعةَ وليسَ لها ولزَوجِها إلا بَيتٌ واحِدٌ، البَيتُ الذي كانَا يَكونانِ فيهِ؟ قالَ: قالَ مالكٌ: يَخرجُ عنها ولا يَكونُ معَها في حُجْرتِها تُغلِقُ الحُجرةَ عليهِ وعليها، والمَبتوتَةُ والتي يَملكُ الرجعةَ في هَذا سَواءٌ، قالَ: وقالَ مالِكٌ: وإذا كانَتْ دارٌ جامِعةٌ لا بأسَ أنْ يَكونَ معها في الدارِ، تَكونُ هي في بَيتٍ وهوَ في بَيتٍ آخَرَ، قالَ مالكٌ: وقدِ انتَقلَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ.
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٢٠)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٨٥، ٨٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٣٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٣٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٤٣٥).
سحنونٌ عن ابنِ وَهبٍ عن ابن لَهيعةَ أنَّ يَزيدَ بنَ أبي حَبيبٍ حدَّثَه أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ كانَ يَبعثُ إلى المَرأةِ بطلاقِها ثمَّ لا يَدخلُ عليها حتى يُراجِعَها، وقالَ رَبيعةُ: يَخرجُ عنها ويُقرُّها في بَيتِها، لا يَنبغِي أنْ يأخُذَهما غَلَقٌ، ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ في حاجةٍ إنْ كانَ له فالمُكثُ له عليها في العدَّةِ واستِبراؤُه إياها فهوَ أحَقُّ بالخُروجِ عنها (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَحرمُ الاستِمتاعُ بالزوجةِ الرجعيةِ، ويَحرمُ لَمسُها والنَّظرُ إليها بشَهوةٍ وبغَيرِ شَهوةٍ وسائرُ الاستِمتاعاتِ؛ لأنَّ النكاحَ يُبيحُ الوَطءَ، فيُحرِّمُه الطلاقُ؛ لأنَّه ضدُّه، ولأنها كالبائنِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا أنَّ المُطلَّقةَ طلاقًا يَملكُ فيهِ زَوجُها رَجعتَها أنها لا تَنتقلُ مِنْ بَيتْها …
وأمَّا حَديثُ ابنِ عمُرَ -الذي رَواهُ مالِكٌ عن نافعٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ طلَّقَ امرَأةً له في مَسكنِ حَفصةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ وكانَ طَريقَه إلى المَسجدِ، فكانَ يَسلكُ الطريقَ الأُخرى مِنْ أدبارِ البُيوتِ كَراهيَةَ أنْ يَستأذِنَ عليها حتى راجَعَها- فهو مِنْ وَرَعِه.
(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ١٨٨).
(٢) «البيان» (١٠/ ٢٤٥)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٣٣)، و «كنز الراغبين» (٤/ ١٥، ١٥)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٢)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٠٧، ٦٠٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٧٢، ٣)، و «الديباج» (٣/ ٤٨٥، ٤٨٦).
وغيرُه كانَ يَأمرُ المطلَّقةَ الرجعيةَ أنْ تَتزيَّنَ وتَتشوَّفَ لزَوجِها وتَتعرَّضَ له، ورُويَ ذلكَ عَنْ جَماعةٍ مِنْ فُقهاءِ التابعينَ.
وقَد رُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قالَ: «تَتشوَّفُ لهُ».
وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «لا يَصلحُ له أنْ يَرى شعْرَها».
وقد رَوى عُبيدُ اللهِ بنُ عُمرَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ «أنه طلَّقَ امرأتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ فكانَ يَستأذِنُ عليها» ذكَرَه أبو بَكرٍ عن عَبدةَ بنِ سُليمانَ عن عُبيدِ اللهِ.
ورَوى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ قالَ: «إذا طلَّقَ الرجلُ امرَأتَه تَطليقةً فإنه يَستأذنُ عليها، وتَلبسُ ما شاءَ مِنْ الثِّيابِ والحُليِّ، فإنْ لم يَكنْ لهُمَا إلا بَيتٌ واحدٌ فلْيَجعلَا بينَهُما ستْرًا، ويُسلِّمُ إذا دخَلَ».
وقالَ مَعمرٌ عن الزُّهريِّ وقَتادةَ في الرَّجلِ يطلِّقُ امرَأتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ قالَا: «تَتشوَّفُ لهُ».
وقالَ إبراهيمُ: لا يَكونُ مَعها في بَيتِها، ولا يَدخلُ عَليها إلا بإذنٍ.
وقالَ الحسَنُ ومُجاهدٌ وعَطاءٌ وقَتادةُ: يُشعِرُها بالتَّنحنُحِ والتَّنخمِ ونحوِ ذلكَ.
وقالَ مالكٌ في المُطلَّقةِ الرجعيةِ: لا يَخلُو معها، ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ، ولا يَنظرُ إليها إلا وعليها ثِيابُها، ولا يَنظرُ إلى شعْرِها، ولا بأسَ أنْ يَأكلَ معها إذا كانَ معها غَيرُهما، ولا يَبيتُ معها في بَيتٍ ولا يَنتقلُ عنها.
وقالَ ابنُ القاسمِ: رجَعَ مالكٌ عن ذلكَ وقالَ: لا يَدخلُ عليها ولا يَرى شعْرَها ولا يَأكلُ مَعها.
وقالَ الثَّوريُّ: لا بأسَ أنْ تَتشوَّفَ لهُ وتتزيَّنَ وتُسلِّمَ، ولا يَستأذنُ عليها ولا يُؤذِنُها، ويُؤذِنُها بالتَّنحنحُ، ولا يَرى لها شَعرًا ولا مُحرَّمًا، وهو قولُ أبي يُوسفَ.
وقالَ الأوزاعيُّ: لا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ، وتَتشوَّفُ له وتَتزيَّنُ وتُبدِي البَنانَ والكُحلَ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ أنْ تتزيَّنَ المطلَّقةُ الرجعيةُ لزَوجَها وتَطيَّبَ.
وقالَ أبو يُوسفَ مرَّةً: يَدخلُ عليها بغَيرِ إذنٍ، إلا أنه يَتنحنَحُ ويَخفقُ نعلَيه، ومرَّةً قالَ: لا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ، ولا يَرى شَيئًا مِنْ مَحاسنِها حتى يُراجِعَها.
ولم يَختلفْ أبو حَنيفةَ وأصحابُه في أنها تَتزيَّنُ لهُ وتَتطيَّبُ وتَلبسُ الحُليَّ وتتشوَّفُ.
وقالَ الحسَنُ بنُ حيٍّ: يَعتزلُها ولا يَرى شَعرَها ولا يَنظرُ إلَيها، ويَبيتانِ وبينَهُما حِجابٌ، وتَتعرَّضُ له وتتزيَّنُ.
وقالَ اللَّيثُ: لا يَرى شَيئًا مِنْ مَحاسِنِها حتى يُراجِعَ (١).
(١) «الاستذكار» (٦/ ١٦٠، ١٦٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في مِقدارِ ما يَجوزُ للزوجِ أنْ يَطَّلعَ عليهِ مِنْ المطلَّقةِ الرجعيةِ ما دامَتْ في العدَّةِ، فقالَ مالكٌ: لا يَخلُو مَعها، ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنِها، ولا يَنظرُ إلى شَعرِها، ولا بأسَ أنْ يأكُلَ معها إذا كانَ معَهما غيرُهما.
وحكى ابنُ القاسِمِ أنه رجَعَ عن إباحَةِ الأكلِ معها.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ أنْ تتزيَّنَ الرجعيةُ لزَوجِها وتَتطيَّبَ له وتَتشوَّفَ وتُبدِي البَنانَ والكُحلَ، وبهِ قالَ الثوريٌّ وأبو يُوسفَ والأوزاعيُّ، وكلُّهم قالُوا: لا يَدخلُ عليها إلا أنْ تَعلمَ بدُخولِه بقَولٍ أو حَركةٍ مِنْ تَنحنُحٍ أو خَفقِ نَعلٍ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأما الخَلوةُ؛ فإنْ كانَ مِنْ قَصدِه الرجعةُ لا يُكرَه، وإنْ لم يَكنْ مِنْ قَصدِه المُراجَعةُ يُكرَه، لكنْ لا لزوالِ النكاحِ وارتِفاعِ الحِلِّ، بل للإضرارِ بها؛ لأنه إذا لم يكنْ مِنْ قَصدِه استِيفاءُ النكاحِ بالرجعةِ فمَتى خَلا بها يقَعَ بينَهُما المِساسُ عَنْ شَهوةٍ، فيَصيرُ مُراجِعًا لها، ثمَّ يُطلِّقُها ثانيًا فيُؤدِّي إلى تَطويلِ العدَّةِ عليها فتَتضرَّرُ بذلكَ، وهو مَعنَى قَولِه تعَالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وكذلكَ القَسْمُ؛ لأنه لو ثبَتَ القَسْمُ لَخَلا بها، فيُؤدِّي إلى ما ذكَرْنا إذا لم يَكنْ مِنْ قَصدِه أنْ يُراجِعَها، حتى لو كانَ مِنْ قَصدِه أنْ يُراجِعَها لَكانَ لها القَسْمُ وله الخَلوةُ بها (٢).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٦٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٠).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في أحكام رجعة المطلقة طلاقا رجعيا وما يتعلق بها]
(فَصْلٌ) يَرْتَجِعُ مَنْ يَنْكِحُ، وَإِنْ بِكَإِحْرَامٍ، وَعَدَمِ إذْنِ سَيِّدٍ: .
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ فِي أَحْكَام رَجْعَة الْمُطَلَّقَة طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا
(فَصْلٌ)
فِي أَحْكَامِ رَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الرَّجْعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْهَا بِكَسْرِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ الرَّجْعَةُ رَفْعُ الزَّوْجِ أَوْ الْحَاكِمِ حُرْمَةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِهَا فَخَرَجَتْ الْمُرَاجَعَةُ، وَعَلَى رَأْيٍ رَفْعُ إيجَابِ الطَّلَاقِ حُرْمَةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. الْحَطّ أَشَارَ إلَى الْخِلَافِ فِي حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالرَّجْعِيَّةِ زَمَنَ عِدَّتِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَإِبَاحَتُهُ وَهُوَ الشَّاذُّ، فَالتَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى الثَّانِي. ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ قَاصِرٌ عَنْ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرِ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ وَوَطْءٍ جَائِزٍ قَبِلُوهُ وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِتَزَوُّجِهَا عَقِبَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَيْسَتْ مُعْتَدَّةً إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ إذًا اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ فَلَا بُطْلَانَ.
وَيُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ الْمُرْتَجِعُ وَالْمُرْتَجَعَةُ وَصِيغَةُ الرَّجْعَةِ وَالْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا قَبْلَ ارْتِجَاعِهَا.
ارجع إلى أركان الرجعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.