الحالة الثانية: أن تكون بالغة بكرا

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الحالة الثانية: أن تكون بالغة بكرا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 40 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن تكون بالغة بكرا - الأقوال والأدلة

الحالةُ الثانيةُ: أنْ تكونَ بالِغةً بِكرًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في البِكرِ البالِغةِ العاقِلةِ، هلْ يجوزُ للأبِ إجبارُها على النكاحِ بغيرِ إذنِها كالصغيرةِ؟ أم لا يَجوزُ إلا برِضاها؟

فذهَبَ جُمهورُ الفقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ للأبِ أنْ يُجبِرَ ابنتَه الكبيرةَ البِكرَ على النكاحِ إذا زوَّجَها مِنْ كُفءٍ ولمْ يَكنْ ضَررًا بَيِّنًا، ومعنَى الإجبارِ أنْ يُباشِرَ العقدَ فيَنفذَ عليها شاءَتْ أو أبَتْ؛ وذلكَ لأنه لمَّا كانَ له أنْ يُزوِّجَها وهي صغيرةٌ كانَ له أنْ يُزوِّجَها وهي كبيرةٌ إذا كانَتْ بِكرًا؛ لأنَّ العلَّةَ البُكورةُ؛ لأنَّ الأبَ ليسَ كسائرِ الأولياءِ، بدليلِ تصرُّفهِ في مالِها ونَظرِه لها وأنه غيرُ مُتَّهَمٍ عليها، ولو لمْ يَجُزْ له أنْ يزوِّجَها وهي بكرٌ بالِغٌ إلا بإذنِها ما جازَ له أنْ يزوِّجَها صغيرةً، كما أنَّ غيرَ الأبِ لمَّا لمْ يَكنْ له أنْ يُزوِّجَها بِكرًا بالغًا إلا بإذنِها لم يَكنْ له أنْ يزوِّجَها صغيرةً، فلو احتِيجَ إلى إذنِها في الأبِ ما زوَّجَها حتَّى تكونَ مِمَّنْ لها الإذنُ بالبلوغِ، فلمَّا أجمَعُوا على أنَّ للأبِ أنْ يزوِّجَها صغيرةً وهي لا إذنَ لها صَحَّ بذلكَ أنَّ له أنْ يزوِّجَها بغير إذنِها كائِنةً ما كانَتْ بكرًا؛ لأنَّ الفرقَ إنما ورَدَ بينَ الثيِّبِ والبكرِ على ما في الحديثِ.

ومِن حُجَّتِهم أيضًا قولُه : «تُستأْمَرُ اليَتيمةُ في نَفسِها، فإنْ سكَتَتْ فقدْ أَذنَتْ، وإنْ أنكَرَتْ لم تُكرَهْ» (١)، فقولُه : «تُستأْمَرُ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٩٣)، والنسائي (٣٢٧٠)، وأحمد (١٩٦٧٤).

اليتيمةُ» دَليلٌ على أنَّ غيرَ اليتيمةِ لا تُستأمَرُ، فتُنكَحُ بغير إذنِها، وهي البكرُ ذاتُ الأبِ، بدليلِ قولِه : «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها»، ففرَّقَ بتَسميتِه إيَّاها يَتيمةً بينَها وبينَ مَنْ لها أبٌ، فإذا كانَتْ ثيِّبًا فيَلزمُ الأبَ مُؤامَرتُها، ولا يجوزُ نكاحُه عليها بغيرِ إذنها، وإذا كانَتْ بكرًا جازَ له إجبارُها.

وكذلكَ قولُه : «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها» فيه دَليلٌ على أنَّ البكرَ وليُّها أحَقُّ منها، وهو الأبُ.

وقد ساوَى رسولُ اللهِ بينَ البكرِ والثيِّبِ في مُشاوَرتِهما في أنفُسِهما، ولم يُفرِّقْ بينَهما إلا في الجَوابِ بالرِّضا، فإنه جعَلَ جوابَ البكرِ بالرِّضا في صُماتِها؛ لاستِحيائِها، وجعَلَ جوابَها بالكراهةِ لذلكَ في الكلامِ؛ لأنه لا حَياءَ عليها في كَراهيتِها كما يكونُ الحَياءُ في رِضاها، ولم يُلزِمْ رسولُ اللهِ الثيِّبَ الرِّضا بالصُّماتِ حتَّى تَتكلَّمَ بالرِّضا؛ لمُفارَقتِها في الحياءِ حالَ البكرِ لِما تَقدَّمَ مِنْ نكاحِها، فقولُ النبيِّ : «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ تُستأْذَنُ في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها»، وفي لفظٍ قالَ: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ ولِيِّها، والبِكرُ تُستأْمَرُ، وإذنُها سُكوتُها» (١)، فإنه لمَّا جعَلَ الثيِّبَ أحَقَّ بنفسِها مِنْ وَليِّها عُلِمَ أنَّ وليَّ البكرِ أحَقُّ بها مِنْ نَفسِها؛ لأنه لمَّا قسَمَ النِّساءَ قِسمَينِ وأثبَتَ الحقَّ لأحَدِهما دَلَّ على نَفيِه عن الآخَرِ وهي البكرُ، فيكونُ وَليُّها أحقَّ منها بها،

(١) رواه مسلم (١٤٢١).

ودَلَّ الحديثُ على الاستئْمارِ هاهُنا، والاستِئذانُ مُستحَبُّ في حديثِهم ليسَ بوَاحبٍ؛ استِطابةً للنَّفسِ؛ لأنه لو كانَ مَحمولًا على الوجوبِ لَصارَتْ أحَقَّ بنَفسِها مِنْ وليِّها كالثَّيبِ، وكما رَوى ابنُ عمرَ رضي الله عنهما عن رسولِ اللهِ : «آمِرُوا النِّساءَ في بَناتِهنَّ» (١).

ولأنهُ لا يَفتقرُ إلى نُطقِها في عَقدِ نكاحِها معَ القُدرةِ عليهِ كالصَّغيرةِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ جازَ له قَبضُ صَداقِها بعد رَضاها جازَ له عَقدُ نكاحِها بغيرِ رِضاها كالأمَةِ وكالبكرِ الصغيرةِ؛ ولأنَّ ما استُحقَّ بالولايةِ في نكاحِ الصَّغيرةِ استُحقَّ بالولايةِ في نكاحِ الكبيرةِ؛ قياسًا على طَلبِ الكَفاءةِ، ولأنه لو لم يَكنْ له تزويجُها جَبرًا في الكِبَرِ لَمَا كانَ له تفويتُ بُضعِها في الصِّغرِ.

ولأنَّ ولايةَ الأبِ ثابتةٌ عليها على المالِ عندَ المالكيةِ وإنْ بلَغَتْ، والنكاحُ مَبنيٌّ على ذلكَ، ولأنَّ كلَّ ولايةٍ يَملكُ بها إنكاحَ الصَّغيرةِ جازَ أنْ يَملكَ بها إنكاحَ الكبيرةِ كوِلايةِ الكَفاءةِ (٢).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٠٩٥)، وأحمد (٤٩٠٥).
(٢) «التمهيد» (١٩/ ٩٨، ١٠٢)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٠١، ٤٠٣)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٥٢، ٢٥٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٨٧، ٢٨٩) رقم (١١٢٣)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٢، ٥٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٧٠، ٧١)، و «الإقناع» (٢/ ٤١٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٠، ٢٥١)، و «الديباج» (٣/ ١٩٦)، و «المغني» (٧/ ٣١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «المبدع» (٧/ ٢٣)، و «الإنصاف» (٨/ ٥٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٢، ٥٥٣).

إلا أنَّ الشافِعيةَ قالوا: يُشترطُ لصِحةِ تزويجِ الأبِ لابنتِه بغيرِ إذنِها شُروطٌ:

الأوَّلُ: أنْ لا يكونَ بينَه وبينَها عَداوةٌ ظاهِرةٌ.

والثاني: أنْ لا يكونَ بينَها وبينَ الزَّوجِ عَداوةٌ ولَو خَفيَّةً.

والثالثُ: أنْ يزوِّجَها مِنْ كُفءٍ.

والرابعُ: أنْ يزوِّجَها بمَهرِ مثلِها.

والخامسُ: أنْ يكونَ مِنْ نَقدِ البلدِ.

والسادسُ: أنْ لا يكونَ الزوجُ مُعسِرًا بالمهرِ.

والسابعُ: أنْ لا يزوِّجَها بمَن تتضرَّرُ بمُعاشَرتِه، كأعمَى وشيخٍ هَرِمٍ.

والثامنُ: أنْ لا يكونَ قد وجَبَ عليها الحَجُّ، فإنَّ الزَّوجَ قد يَمنعُها؛ لِكَونِ الحجِّ على التراخِي، ولها غرَضٌ في تَعجيلِ بَراءةِ ذمِّتِها (١).

وهذا إنْ وضَعَها في كُفءٍ، وأمَّا إنْ وضَعَها في غيرِ كُفءٍ فنِكاحُها باطلٌ عندَ الشافِعيةِ وأحمدَ في روايةٍ؛ لأنه لا يَجوزُ له تزويجُها مِنْ غيرِ كُفءٍ، فلمْ يَصحَّ كسائرِ الأنكِحةِ المُحرَّمةِ، ولأنه عقَدَ لمُولِّيتِه عقدًا لا حَظَّ لها فيه

(١) «البيان» (٩/ ١٧٩، ١٨١)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٢، ٥٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٩٣، ٦٩٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٧٠، ٧١)، والإقناع (٢/ ٤١٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٠، ٢٥١)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٨٥، ٥٨٧)، و «الديباج» (٣/ ١٩٦).

بغيرِ إذنِها، فلمْ يَصحَّ كبيعِه عقارَها مِنْ غيرِ غِبطةٍ ولا حاجةٍ أو بيعِه بدُونِ ثَمنِ مثلِه، ولأنه نائبٌ عنها شَرعًا، فلمْ يَصحَّ تصرُّفُه لها شرعًا بما لا حَظَّ لها فيه كالوكيلِ.

والرِّوايةُ الثانيةُ عن أحمدَ: يَصحُّ؛ لأنه عَيبٌ في المَعقودِ عليه، فلمْ يَمنعِ الصِّحةَ كشراءِ المَعِيبِ الذي لا يُعلَمُ عيبُه.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُحتملُ أنْ لا يَصحَّ النكاحُ إذا عَلِمَ أنَّ الزَّوجَ ليسَ بكُفءٍ، ويَصحُّ إذا لم يَعلمْ، ولأنه إذا عَلِمَ حَرُمَ عليهِ العقدُ، فبطَلَ لتحريمِه، بخِلافِ ما لم يَعلمْه، كما لو اشتَرى لها مَعِيبًا يَعلمُ عيبَه، ويُحتملُ أنْ يَصحَّ نكاحُ الكبيرةِ؛ لأنه يُمكِنُ استِدراكُ الضَّررِ بإثباتِ الخِيارِ لها فتَفسخُ إنْ كَرهَتْ، وإنْ لم تَفسخْ كانَ كإجازتِها وإذنِها؛ بخلافِ نكاحِ الصغيرةِ على القولِ بصِحتِهِ.

فإنْ كانَتْ كبيرةً فلها الخيارُ، ولا خيارَ لأبيها إذا كانَ عالِمًا؛ لأنه أسقَطَ حَقَّه برِضاهُ، وإنْ كانَتْ صغيرةً فعَليهِ الفَسخُ ولا يَسقطُ برِضاهُ؛ لأنه يَفسخُ لحَظِّها، وحَقُّها لا يَسقطُ برِضاهُ.

ويُحتملُ أنْ لا يكونَ له الفَسخُ، ولكنْ يَمنعُ الدُّخولَ عليها حتَّى تَبلغَ وتَختارَ، فإنْ كانَ لها وَليٌّ غيرُ الأبِ فلها الفَسخُ على ما مَضَى، وعلى كِلتَا الرِّوايتينِ فلا يَحلُّ له تَزويجُها مِنْ غيرِ كُفءٍ ولا مِنْ مَعيبٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقامَه مَقامَها ناظِرًا لها فيما فيه الحَظُّ لها ومُتصرِّفًا لها؛ لعَجزِها عن التصرُّفِ

في نفسِها، فلا يَجوزُ له فِعلُ ما لا حَظَّ لها فيه كما في مالِها، ولأنه إذا حَرُمَ عليهِ التصرُّفُ في مالِها بما لا حَظَّ فيه ففِي نَفسِها أَولى (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والحسَنُ بنُ حَيٍّ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وأحمَدُ في روايةٍ اختارَها أبو بَكر ابنُ عبدِ العزيزِ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ إلى أنه لا يَجوزُ للأبِ إجبارُ البِكرِ البالِغةِ على النكاحِ.

واستَدلُّوا على ذلك بما يلي:

قَول النبيِّ : «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» (٢)، والأيِّمُ هي

(١) «المغني» (٧/ ٣١، ٣٢)، والمصادر السابقة.
(٢) رواه مسلم (١٤٢١) قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في «شرح صحيح مسلم»: قالَ القاضي: اختَلفَ العلماءُ في المرادِ بالأيِّمِ هُنا، مع اتفاقِ أهلِ اللغةِ على أنها تُطلَقُ على امرأةٍ لا زوْجَ لها، صغيرةً كانَتْ أو كبيرةً، بكرًا كانت أو ثَيبًا، قالَه إبراهيمُ الحربيُّ واسماعيلُ القاضي وغيرُهما، والأَيْمَةُ في اللغة: العُزوبةُ، ورجلٌ أيِّمٌ وامرأةٌ أيِّمٌ، وحكَى أبو عُبيدٍ أنه أيِّمةٌ أيضًا، قالَ القاضي: ثم اختَلفَ العلماءُ في المرادِ بها هُنا، فقالَ علماءُ الحِجازِ والفقهاءُ كافةً: المرادُ الثيِّبُ، واستَدلُّوا بأنه جاءَ مُفسَّرًا في الروايةِ الأخرى بالثيِّبِ كما ذكَرْناهُ، وبأنها جُعلَتْ مُقابِلةً للبكرِ، وبأنَّ أكثَرَ استعمالِها في اللغةِ للثيِّبِ، وقالَ الكوفيُّونَ وزفرُ: الأيِّمُ هنا كلُّ امرأةٍ لا زوْجَ لها، بكرًا كانَتْ أو ثَيبًا، كما هو مُقتضاهُ في اللغةِ، قالوا: فكُلُّ امرأةٍ بلَغَتْ فهي أحَقُّ بنفسِها مِنْ وليِّها، وعقدُها على نفسِها النكاحَ صحيحٌ، وبه قالَ الشعبيُّ والزهريُّ، قالُوا: وليسَ الوليُّ مِنْ أركانِ صحةِ النكاحِ بل مِنْ تمامِه، وقالَ الأوزاعيُّ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ: تتوقَّفُ صحةُ النكاحِ على إجازةِ الوليِّ.
قالَ القاضي: واختَلفُوا أيضًا في قولِه : «أحَقُّ مِنْ وليِّها» هل هي أحَقُّ بالإذنِ فقط؟ أو بالإذنِ والعقدِ على نفسِها؟ فعندَ الجُمهورِ بالإذنِ فقط، وعندَ هؤلاءِ بهِما جميعًا، وقولُه : «أحَقُّ بنفسِها» يَحتملُ مِنْ حَيثُ اللفظِ أنَّ المرادُ: «أحَقُّ مِنْ وليِّها في كلِّ شيءٍ مِنْ عَقدٍ وغيرِه» كما قالَه أبو حنيفةَ وداودُ: ويَحتملُ أنها أحَقُّ بالرِّضا، أي: لا تزوَّجُ حتى تَنطقَ بالإذنِ، بخِلافِ البكرِ، ولكنْ لمَّا صَحَّ قولُه : «لا نكاحَ إلا بوليِّ» مع غيرِه مِنْ الأحادِيثِ الدالَّةِ على اشتراطِ الوليِّ تعيَّنَ الاحتمالُ الثاني، واعلَمْ أنْ لَفظةَ «أحَقُّ» هنا للمُشارَكةِ، معناهُ: أنَّ لها في نفسِها في النكاحِ حقًّا ولوليِّها حقًّا، وحقُّها أوكَدُ مِنْ حقِّه؛ فإنه لو أرادَ تزويجَها كُفؤًا وامتنَعَتْ لم تُجبَرْ، ولو أرادَتْ أنْ تتزوَّجَ كفؤًا فامتَنعَ الوليُّ أُجبِرَ، فإنْ أصَرَّ زوَّجَها القاضي، فدَلَّ على تأكيدِ حقِّها ورجحانِه. «شرح النووي على صحيح مسلم» (٩/ ٢٠٣، ٢٠٤).

الَّتي لا بَعْلَ لها، وقد تكونُ ثيِّبًا وبِكرًا، فكُلُّ أيِّمٍ على هذا إلا ما خصَّتْه السُّنةُ، ولم تَخُصَّ مِنْ ذلكَ إلا الصغيرةَ وحْدَها يزوِّجُها أبوها بغيرِ إذنِها؛ لأنه لا إذنَ لمِثلِها.

وقَول النبيِّ : «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأْمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، قالُوا: يا رسولَ اللهِ وكيفَ إذنُها؟ قال: أنْ تَسكُتَ» (١)، وظاهِرُ هذا الحَديثِ يقتضِي أنَّ البِكرَ لا يُنكِحُها وليُّها أبًا كانَ أو غيرَه حتَّى يَستأذِنَها ويَستأمِرَها، ولا يَستأذِنُ ولا يَستأمِرُ إلا البَوالِغَ، فهذا على عُمومِه في كلِّ بِكرٍ، إلَّا الصغيرةَ ذاتَ الأبِ، بدَليلِ قصَّةِ عائشةَ وإجماعِهم على أنَّ ذلكَ صَحيحٌ عنه .

وكُلُّ مَنْ عقَدَ نكاحًا على غيرِ ما سَنَّه النبيُّ فهو باطِلٌ،

(١) رواه البخاري (٤٨٤٣، ٦٥٦٧)، ومسلم (١٤١٩).

ودَلَّ الحَديثُ على أنَّ البكرَ إذا نُكحَتْ قبْلَ إذنِها بالصَّمتِ أنَّ النكاحَ باطلٌ، كما يَبطلُ نكاحُ الثيِّبِ قبلَ أنْ تُستأمَرَ.

ولأنَّ هذهِ الأحادِيثَ ورَدَتْ في الصِّحَاحِ بصِيغةِ الخبَرِ، والمُرادُ بها الأمرُ، وهو أقوَى وُجوهِ الأمرِ.

وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ جارِيةً بِكرًا أتَتِ النبيَّ فذكَرَتْ أنَّ أباها زوَّجَها وهيَ كارِهةٌ، فخَيَّرَها النبيُّ » (١).

وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ جارِيةً بِكرًا أتَتِ النبيَّ فقالَتْ: إنَّ أبي زوَّجَنِي وهي كارِهةٌ، فرَدَّ النبيُّ نِكاحَها» (٢).

وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: «أنَّ رَجلًا زوَّجَ ابنتَه وهي بِكرٌ مِنْ غَيرِ أمرِها، فأتَتِ النبيَّ ففَرَّقَ بينَهُما»، وفي رواية: «فرَدَّ نكاحَها» (٣).

وعن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «إنَّ رَجلًا زوَّجَ ابنَتَه بِكرًا فكَرِهَتْ، فأتَتْ النبيَّ فرَدَّ نِكاحَها» (٤).

وعن عائِشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «جاءَتْ فَتاةٌ إلى رَسولِ اللهِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥)، وأحمد (٢٤٦٩).
(٢) رواه النسائي في «الكبرى» (٥٣٨٧)، وصححه ابن حزم في المحلى (٨/ ٣٣٥).
(٣) رواه الدارقطني (٣٥٥٨).
(٤) رواه الدارقطني (٣٥٧٠).

فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أبِي زوَّجَنِي ابنَ أخيهِ يَرفعُ بي خَسيستَهُ، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالَتْ: فإنِّي قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبِي، ولكنْ أرَدْتُ أنْ تَعلَمَ النِّساءُ أنْ ليسَ للآباءِ مِنْ الأمرِ شيءٌ» (١).

ولأنها جائِزةُ التصرُّفِ في مالِها، فلمْ يَجُزْ إجبارُها كالثيِّبِ والرجلِ، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ شَرعيةِ العَقدِ انتظامُ المَصالحِ بينَ الزوجَينِ؛ ليَحصلَ النَّسلُ ويَتربَّى بينَهُما، ولا يَتحقَّقُ هذا مع غايةِ المُنافَرةِ، فإذا عُرِفَ قيامُ سَببِ انتفاءِ المَقصودِ الشَّرعيِّ قبلَ الشُّروعِ وجَبَ أنْ لا يَجوزَ؛ لأنه حِينئذَ عقدٌ لا يَترتَّبُ عليه فائِدتُه ظاهِرًا، بخِلافِ ما إذا لم يَكنْ ذلكَ ظاهرًا ثمَّ يَطرأُ بعدَ العقدِ (٢).

وقالَ شَيخُ الإسلامُ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: أمَّا إجبارُ الأبِ لابنتِه البكرِ البالِغةِ على النكاحِ ففيهِ قَولانِ مَشهورانِ هُما رِوايتانِ عن أحمَدَ:

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد (٢٥٠٤٣)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» (١٣٥٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٦٢٣٠)، والنسائي (٣٢٦٩)، والدارقطني (٣/ ٢٣٢)، والبيهقي (٥٣٦٩).
(٢) «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٦٠، ٢٦٢)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١١٨)، و «الاختيار» (٣/ ١١٥، ١١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٨٦)، و «اللباب» (٢/ ٢٦)، و «اختلاف العلماء» للمروزي ص (١٢٣، ١٢٤)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «المغني» (٧/ ٣١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «المبدع» (٧/ ٢٣)، و «الإنصاف» (٨/ ٥٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٢، ٥٥٣).

(أحَدُهما): أنه يُجبِرُ البكرَ البالغَ، كما هو مَذهبُ مالكٍ والشافعيِّ، وهو اختيارُ الخِرقيِّ والقاضي وأصحابِه.

و (الثاني): لا يُجبِرُها، كمَذهبِ أبي حَنيفةَ وغيرِه، وهو اختيارُ أبي بكرٍ عبدِ العَزيزِ بنِ جَعفرَ، وهذا القَولُ هو الصَّوابُ.

والناسُ مُتنازِعونَ في (مَناطِ الإجبارِ)، هل هو البَكارةُ أو الصِّغرُ أو مَجموعُها أو كلٌّ مِنهُما؟ على أربعةِ أقوالٍ في مَذهبِ أحمَدَ وغيرِه.

والصَّحيحُ أنَّ مَناطَ الإجبارِ هو الصِّغَرُ، وأنَّ البكرَ البالغَ لا يُجبِرُها أحَدٌ على النكاحِ؛ فإنه قد ثبَتَ في الصَّحيحِ عن النبيِّ أنه قالَ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ، ولا الثَّيبُ حتَّى تُستأمَرَ»، فقِيلَ له: إنَّ البِكرَ تَستحِي، فقالَ: «إذنُها صُماتُها» (١)، وفي لفظٍ في الصَّحيحِ: «البِكرُ يَستأذِنُها أبوها» (٢)، فهذا نهيُ النبيِّ لا تُنكَحُ حتَّى تُستأذَنَ، وهذا يَتناوَلُ الأبَ وغيرَه، وقد صرَّحَ بذلكَ في الروايةِ الأُخرى الصَّحيحةِ، وأنَّ الأبَ نفْسَه يَستأذِنُها.

وأيضًا: فإنَّ الأبَ ليسَ له أنْ يتصرَّفَ في مالِها إذا كانَتْ رَشيدةً إلَّا بإذنِها، وبُضعُها أعظَمُ مِنْ مالِها، فكيفَ يجوزُ أنْ يتصرَّفَ في بُضعِها معَ كَراهتِها ورُشدِها؟!

وأيضًا: فإنَّ الصِّغرَ سَببُ الحَجرِ بالنَّصِّ والإجماعِ، وأمَّا جَعلُ البَكارةِ

(١) رواه البخاري (٤٨٤٣، ٦٥٦٧)، ومسلم (١٤١٩).
(٢) رواه مسلم (١٤٢١).

مُوجِبةً للحَجرِ فهذا مُخالِفٌ لأصولِ الإسلامِ؛ فإنَّ الشَّارعَ لم يَجعلِ البَكارةَ سَببًا للحَجرِ في مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ المُجمَعِ عليها، فتَعليلُ الحَجرِ بذلكَ تَعليلٌ بوَصفٍ لا تأثيرَ له في الشرعِ.

وأيضًا: فإنَّ الذينَ قالُوا بالإجبارِ اضْطَربُوا فيما إذا عيَّنَتْ كُفؤًا وعيَّنَ الأبُ كُفؤًا آخَرَ، هل يُؤخَذُ بتَعيينِها أو بتَعيينِ الأبِ؟ على وجهَينِ في مَذهبِ الشافعيِّ وأحمدَ، فمَن جعَلَ العِبرةَ بتَعيينِها نقَضَ أصْلَه، ومَن جعَلَ العِبرةَ بتَعيينِ الأبِ كانَ في قَولِه مِنْ الفَسادِ والضَّررِ والشَّرِّ ما لايَخفَى؛ فإنه قد قالَ النبيُّ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها، والبِكرُ تُستأذَنُ، وإذنُها صُماتُها»، وفي رِوايةٍ: «الثيِّبُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وليِّها»، فلمَّا جعَلَ الثيِّبَ أحَقَّ بنفسِها دَلَّ على أنَّ البِكرَ ليسَتْ أحَقَّ بنَفسِها، بل الوَليُّ أحَقُّ، وليسَ ذلكَ إلا للأبِ والجَدِّ، هذهِ عُمدَةُ المُجبِرينَ، وهُمْ ترَكُوا العمَلَ بنَصِّ الحَديثِ وظاهِرِه، وتَمسَّكُوا بدَليلِ خِطابِه ولم يَعلمُوا مُرادَ الرَّسولِ ، وذلكَ أنَّ قولَه: «الأيِّمُ أحَقِّ بنَفسِها مِنْ وَليِّها» يَعمُّ كلَّ وَليِّ، وهُمْ يَخصُّونَه بالأبِ والجَدِّ.

(والثَّاني): قولُه: «والبِكرُ تُستأذَنُ»، وهُمْ لا يُوجِبونَ استِئذانِها، بل قالُوا: هو مُستحَبٌّ، حتَّى طرَدَ بعضُهم قياسَه، وقالُوا: لمَّا كانَ مُستحَبًّا اكتَفَى فيه بالسُّكوتِ، وادَّعى أنه حَيثُ يجبُ استِئذانُ البكرِ فلا بُدَّ مِنْ النُّطقِ، وهذا قالَه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ وأحمَدَ، وهذا مُخالِفٌ لإجماعِ

المُسلمينَ قبْلَهم ولنُصوصِ رسولِ اللهِ ؛ فإنه قد ثبَتَ بالسُّنةِ الصَّحيحةِ المُستَفيضةِ واتِّفاقِ الأئمَّةِ قبلَ هؤلاءِ أنه إذا زوَّجَ البِكرَ أخوها أو عَمُّها فإنهُ يَستأذِنُها، وإذنُها صُماتُها.

وأمَّا المَفهومُ فالنبيُّ فرَّقَ بينَ البكرِ والثيِّبِ كما قالَ في الحديثِ الآخَرِ: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتى تُستأذَنَ، ولا الثيِّبُ حتَّى تُستأمَرَ»، فذكَرَ في هذه لفْظَ «الإذنِ» وفي هذهِ لفْظَ «الأمرِ» وجعَلَ إذنَ هذهِ الصُّماتُ كما أنَّ إذنَ تلكَ النُّطقُ، فهذانِ هُما الفَرقانِ اللَّذانِ فرَّقَ بهما النبيُّ بينَ البكرِ والثيِّبِ، لم يُفرِّقْ بينَهُما في الإجبارِ وعدمِ الإجبارِ؛ وذلكَ لأنَّ (البِكرَ) لمَّا كانَتْ تَستحِي أنْ تتكلَّمَ في أمرِ نكاحِها لم تُخطَبْ إلى نَفسِها، بل تُخطَبُ إلى وَليِّها، ووَليُّها يَستأذِنُها فتأذَنُ له، لا تأمُرُه ابتِداءً، بل تأذَنُ له إذا استأذَنَها، وإذنُها صُماتُها، وأمَّا الثيِّبُ فقدْ زالَ عنها حَياءُ البكرِ، فتَتكلَّمُ بالنكاحِ فتُخطَبُ إلى نَفسِها وتَأمرُ الوليَّ أنْ يزوِّجَها، فهي آمِرةٌ له وعليه أنْ يُعطيَها فيُزوِّجَها مِنْ الكُفؤِ إذا أمَرَتْه بذلكَ، فالوليُّ مأمورٌ مِنْ جهةِ الثيِّبِ ومُستأذِنٌ للبكرِ، فهذا هو الَّذي دَلَّ عليه كلامُ النبيِّ .

وأمَّا تَزويجُها مع كَراهتِها للنكاحِ فهذا مُخالِفٌ للأصولِ والعُقولِ، واللهُ لم يُسوِّغْ لوَليِّها أنْ يُكرِهَها على بَيعٍ أو إجارةٍ إلا بإذنِها، ولا على طَعامٍ أو شَرابٍ أو لِباسٍ لا تُريدُه، فكيفَ يُكرِهُها على مُباضَعةِ ومُعاشَرةِ مَنْ تَكرَهُ

مُباضَعتَه ومُعاشَرةَ مَنْ تَكرَهُ مُعاشَرتَه، واللهُ قد جعَلَ بينَ الزوجينِ مودَّةً ورحمةً، فإذا كانَ لا يَحصلُ إلَّا مع بُغضِها له ونُفورِها عنهُ فأيُّ مودَّةٍ ورَحمةٍ في ذلكَ؟ …

والمَقصودُ أنَّ الشارعَ لا يُكرِهُ المرأةَ على النكاحِ إذا لم تُرِدْه، بل إذا كَرهَتِ الزوجَ وحصَلَ بينَهما شِقاقٌ فإنه يَجعلُ أمْرَها إلى غيرِ الزَّوجِ لمَن يَنظرُ في المَصلحةِ مِنْ أهلِها مع مَنْ يَنظرُ في المَصلحةِ مِنْ أهلِه، فيُخلِّصُها مِنْ الزوجِ بدونِ أمرِه، فكيفَ تُؤسَرُ معه أبدًا بدونِ أمرِها؟! والمرأةُ أسيرةٌ معَ الزَّوجِ كما قالَ النبيُّ : «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنهُنَّ عَوَانٌ عِندَكُم، أخَذتُموهنَّ بِأمانةِ اللهِ واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللهِ».

ثمَّ قالَ: ويَجبُ على وَليِّ المَرأةِ أنْ يتَّقِي اللهَ فيمَن يُزوِّجُها بهِ، ويَنظرَ في الزوجِ هل هوَ كُفؤٌ أو غيرُ كُفؤٍ؟ فإنه إنَّما يزوِّجُها لمَصلحتِها لا لمَصلحتِه، وليسَ له أنْ يزوِّجَها بزَوجٍ ناقصٍ لغَرضٍ له مِثلَ أنْ يتزوَّجَ مُولِّيةَ ذلكَ الزوجِ بدَلَها، فيكونُ مِنْ جِنسِ الشِّغارِ الذي نهَى عنه النبيُّ ، أو يزوِّجَها بأقوامٍ يُحالِفُهم على أغراضٍ له فاسِدةٍ، أو يزوِّجَها لرَجلٍ لمالٍ يَبذلُه له وقد خطَبَها مَنْ هو أصلَحُ لها مِنْ ذلكَ الزوجِ، فيقدِّمُ الخاطِبَ الذي بَرْطَلَه على الخاطِبِ الكُفؤِ الَّذي لم يُبَرْطِلْه.

وأصلُ ذلكَ أنَّ تصرُّفَ الوليِّ في بُضعِ وَليَّتِه كتصرُّفِه في مالِها، فكَمَا لا يتصرَّفُ في مالِها إلا بما هو أصلَحُ كذلكَ لا يَتصرفُ في بُضعِها إلا بما هو

أصلَحُ لها، إلا أنَّ الأبَ له مِنْ التبسُّطِ في مالِ ولَدِه ما ليسَ لغيرِه كما قالَ النبيُّ : «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»، بخِلافِ غيرِ الأبِ (١).

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: قالَتِ الشَّافعيةُ: له أنْ يُجبِرَ ابنتَه البالِغةَ المُفتِيةَ العالِمةَ بدينِ اللهِ التي تُفتِي في الحَلالِ والحَرامِ على نِكاحِها بمَن هي أكرَهُ الناسِ لهُ وأشَدُّ الناسِ عنهُ نُفرةً بغيرِ رِضاها، حتَّى لو عيَّنَتْ كُفؤًا شابًّا جَميلًا دَيِّنًا تُحبُّه وعيَّنَ كُفؤًا شَيخًا مُشوَّهًا دَميمًا كانَ العِبرةُ بتَعيينِه دُونَها، فتَركُوا مَحْضَ القياسِ والمَصلحةَ ومَقصودَ النكاحِ مِنْ الوُدِّ والرحمةِ وحُسنِ المُعاشَرةِ وقالُوا: لو أرادَ أنْ يَبيعَ لها حَبلًا أو عُودَ أراكٍ مِنْ مالِها لم يَصحَّ إلا برِضاها، وله أنْ يُرِقَّها مُدةَ العُمرِ عندَ مَنْ هي أكرَهُ شيءٍ فيهِ بغيرِ رِضاها.

قالُوا: وكما خَرجْتُم عن مَحضِ القياسِ خَرجْتُم عن صَريحِ السُّنةِ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ خيَّرَ جاريةً بِكرًا زوَّجَها أبوها وهي كارِهةٌ، وخيَّرَ أخرَى ثيِّبًا، ومِن العَجبِ أنكُم قُلتُم: «لو تصرَّفَ في حَبلٍ مِنْ مالِها على غيرِ وَجهِ الحَظِّ لها كانَ مَردودًا، حتَّى إذا تصرَّفَ في بُضعِها على خِلافِ حَظِّها كانَ لازمًا»، ثمَّ قلتُم: «هو أخبَرُ بحَظِّها منها»، وهذا يَردُّه الحِسُّ؛ فإنها أعلَمُ بمَيلِها ونُفرتِها وحَظِّها ممَّن تُحبُّ أنْ تُعاشِرَه وتَكرَهُ عِشرتَه، وتعلَّقْتُم بما رواهُ مُسلمٌ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ يَرفعُه: «الأيِّمُ أحَقُّ بنَفسِها مِنْ وليِّها، والبِكرُ تُستأذَنُ في نَفسِها، وإذنُها صُماتُها»، وهو حُجةٌ عليكُم، وتَركْتُم ما في

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٢، ٤٠).

الصَّحيحينِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ يَرفعُه: «لا تُنكَحُ الأيِّمُ حتى تُستأمَرَ، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ»، وفيهِما أيضًا مِنْ حديثِ عائِشةَ قالَتْ: قلتُ: «يا رَسولَ اللهِ تُستأمَرُ النِّساءُ في أبضاعِهنَّ؟ قالَ: نَعمْ، قلتُ: فإنَّ البِكرَ تُستأذَنُ فتَستحِي؟ قالَ: إذنُها صُماتُها»، فنَهى أنْ تُنكَحَ بدونِ استِئذانِها وأمَرَ بذلكَ وأخبَرَ أنه هو شَرعُه وحُكمُه، فاتَّفقَ على ذلكَ أمرُه ونهيُه وخبَرُه، وهو مَحضُ القِياسِ والمِيزان (١).

وقالَ في «الزَّاد»: لا تُجبَرُ البِكرُ البالغُ على النكاحِ، ولا تزوَّجُ إلا برِضاها، وهذا قَولُ جُمهورِ السَّلفِ ومَذهبُ أبي حَنيفةَ وأحمدَ في إحدى الرِّواياتِ عنه، وهو القَولُ الذي نَدِينُ اللهَ به ولا نَعتقدُ سِواهُ، وهو المُوافِقُ لحُكمِ رسولِ اللهِ وأمرِه ونهيِه وقَواعدِ شَريعتِه ومَصالحِ أمَّتِه.

أمَّا مُوافَقتُه لحُكمِه: فإنه حكَمَ بتَخييرِ البِكرِ الكارِهةِ …

وأمَّا مُوافَقةُ هذا القَولِ لأمرِه: فإنه قالَ: «والبِكرُ تُستأذَنُ»، وهذا أمرٌ مُؤكَّدٌ؛ لأنه ورَدَ بصِيغةِ الخبَرِ الدالِّ على تحقُّقِ المخبَرِ به وثُبوتِه ولُزومِه، والأصلُ في أوامِرِه أنْ تكونَ للوُجوبِ ما لم يَقمْ إجماعٌ على خِلافِه.

وأمَّا مُوافَقتُه لنهيِه: فلقولِه: «لا تُنكَحُ البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ»، فأمَرَ ونهَى وحكَمَ بالتَّخييرِ، وهذا إثباتٌ للحُكمِ بأبلَغِ الطرقِ.

(١) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (١/ ٣١٠، ٣١١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في أحكام وأقسام الاستبراء ومن يلزمه والمواضعة وما يتعلق بها]

(فَصْلٌ) يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ،

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ فِي أَحْكَام وَأَقْسَام الِاسْتِبْرَاء وَمنْ يَلْزَمهُ وَالْمُوَاضَعَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا

(بَابٌ) (فِي أَحْكَامِ وَأَقْسَامِ الِاسْتِبْرَاءِ وَمَنْ يَلْزَمُهُ وَالْمُوَاضَعَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) وَهُوَ لُغَةً الِاسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ وَالْكَشْفُ عَنْ الْأَمْرِ الْعَارِضِ، وَشَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الرَّحِمِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ لِحِفْظِ النَّسَبِ وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ سَبَايَا أَوْطَاسٍ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ» ، وَأَوْطَاسُ وَادٍ فِي هَوَازِنَ بِهِ كَانَتْ غَزْوَتُهُ هَوَازِنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ) ابْنُ عَرَفَةَ الِاسْتِبْرَاءُ مُدَّةً دَلِيلُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِرَفْعِ عِصْمَةٍ أَوْ طَلَاقٍ فَتَخْرُجُ الْعِدَّةُ، وَيَدْخُلُ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ وَلَوْ لِلِعَانٍ وَالْمَوْرُوثَةِ؛ لِأَنَّهُ لِتَجَدُّدِ الْمِلْكِ لَا لِذَاتِ الْمَوْتِ عج لَوْ أُسْقِطَ، أَوْ طَلَاقٍ لِسَلَمٍ مِنْ جَعْلِ الْقَسْمِ قَسِيمًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَافِعِ الْعِصْمَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِصِدْقِهِ بِمُدَّةِ إقَامَةِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْ عِتْقِهِ مَعَ أَنَّهَا عِدَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 525 - 539

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل