الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > الشرط الرابع: الرشد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ وليُّ المرأةِ صَغيرًا أو عَبدًا أو كافِرًا زوَّجَها الإمامُ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: الرُّشدُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوليِّ، هل يُشتَرطُ أنْ يكونَ رَشيدًا؟ أم تَجوزُ ولايةُ السَّفيهِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ في الوليِّ أنْ يكونَ رَشيدًا، فيَصحُّ ولايةُ السَّفيهِ؛ لأنه كامِلُ النَّظرِ في أمرِ النكاحِ، فإنهُ يَصحُّ أنْ يَليَ عقْدَ نكاحِه لنَفسِه، وإنما حُجِرَ عليه لحِفظِ مالِه.
قالَ المالِكيةُ: لا يُشترطُ في الوليِّ الرُّشدُ، فيزوِّجُ السَّفيهُ ذو الرأيِ مُجبَرتَه وغيرَها بإذنِها بإذنِ وليِّه استِحبابًا لا شَرطًا، وإلَّا بأنْ زوَّجَ ابنَتَه مَثلًا بغيرِ إذنِ وليِّه نظَرَ الوليُّ نَدبًا لِمَا فيه المَصلحةُ، فإنْ كانَ صوابًا أبقاهُ، وإلَّا رَدَّه، فإنْ لم يَنظُرْ فهو ماضٍ.
بخِلافِ السَّفيهِ المَعتوهِ -أي ضَعيفِ العَقلِ- فلا يَصحُّ عَقدُه ويُفسَخُ؛ لأنه مُلحَقٌ بالمَجنونِ.
(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١١٦٤) رقم (٢١٣٨).
قالَ الصَّاوِي رحمة الله عليه: والتَّحقيقُ أنَّ السَّفهَ لا يَمنعُ الوِلايةَ، والعَتهَ مانِعٌ منها، فقَولُهم: «ذُو الرَّأيِ» ليسَ في ذِكرِه كبيرُ فائِدةٍ؛ لأنَّ المَعتوهَ غيرُ السَّفيهِ، فتَقييدُه بذِي الرَّأيِ لإخراجِ المَعتوهِ لا حاجةَ له (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الوليِّ الرُّشدُ؛ لأنه لا يَلِي أمْرَ نَفسِه، فلا يَلِي أمْرَ غيرِه مِنْ بابِ أَولى.
قالَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ: لا وِلايةَ لمَحجورٍ عليه لسَفهٍ، بأنْ بلَغَ غيرَ رَشيدٍ أو بذَّرَ في مالِه بعدَ رُشدِه ثم حُجِرَ عليه، فلا وِلايةَ له؛ لأنه لا يَلِي أمْرَ نَفسِه فغَيره أَولى، أمَّا إذا كانَ سَفيهًا ولم يُحجَرْ عليهِ فتَصحُّ وِلايتُه (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: يُشترطُ في الوليِّ الرُّشدُ: وهو -أي الرُّشدُ- هنا: مَعرفةُ الكُفءِ ومَصالِحِ النكاحِ، وليسَ هو حفْظَ المالِ؛ لأنَّ رُشدَ كلِّ مَقامٍ بحَسبِه، قالَه الشَّيخُ، وهو معنَى ما اشتَرطَه في «الواضِح» مِنْ كَونِه عالِمًا بالمَصالِحِ، لا شَيخًا كبيرًا جاهِلًا بالمَصلحةِ، وقالَه القاضي وابنُ عَقيلٍ وغيرُهما (٣).
(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٦٢)، ويُنظَر: «الأشباه والنظائر» لابن نجيم (١/ ٢٧٨)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٩٠١)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١٧١)، و «الاختيار» (٢/ ١١٥، ١١٦).
(٢) «البيان» (٩/ ١٦٩، ١٧٢)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٥٥٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٨٧٨٦٧٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٩).
(٣) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٣٠)، و «الإنصاف» (٨/ ٧٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٦٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٠).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح
الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح
ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:
الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.
وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.