المسألة الثانية: أيهما أولى بالتقديم الأب أم الابن؟

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > المسألة الثانية: أيهما أولى بالتقديم الأب أم الابن؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: أيهما أولى بالتقديم الأب أم الابن؟ - الأقوال والأدلة

هذا وَهْمُ بعضِ الفُقهاءِ في هذا الحَديثِ ورِوايتُهم له: فقالَ رسولُ اللهِ : «قُمْ يا غُلامُ فزوِّجْ أمَّكَ»، قالَ أبو الفرَجِ ابنُ الجَوزيِّ: وما عرَفْنا هذا في هذا الحَديثِ، قالَ: إنْ ثبَتَ فيَحتملُ أنْ يكونَ قالَه على وَجهِ المُداعَبةِ للصَّغيرِ؛ إذْ كانَ له مِنْ العُمرِ يَومئذٍ ثَلاثُ سِنينَ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ تزوَّجَها في سَنةِ أربعٍ وماتَ ولعُمرَ تِسعُ سِنينَ، ورَسولُ اللهِ لا يَفتقرُ نِكاحُه إلى وليٍّ (١).

المَسألةُ الثَّانيةُ: أيُّهما أَولى بالتَقديمِ الأبُ أم الابنُ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بثُبوتِ الوِلايةِ للابنِ، هل يقدَّمُ على الأبِ في تزويجِ أمِّه؟ أم يقدَّمُ الأبُ عليهِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ.

القَولُ الأولُ: أنَّ الابنَ يُقدَّمُ على الأبِ، وهو قَولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ والمالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ؛ لأنَّ الابنَ مقدَّمٌ في العُصوبةِ؛ لأنَّ تَعصيبَه أقوَى، بدَليلِ أنَّ الأبَ يَصيرُ معه مِنْ ذَوِي الفُروضِ، أَلَا ترَى أنَّ الأبَ معه يَستحقُّ السُّدُسَ بالفَريضةِ فقطْ، وإذا كانَ تَعصيبُه أقوَى وجَبَ أنْ يكونَ مقدَّمًا عليهِ، كالأخِ للأبِ والأمِّ معَ الأخِ لأبٍ (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٩٤، ٩٦)، و «المهذب» (٢/ ٣٦)، و «البيان» (٩/ ١٦٨، ١٦٩)، و «زاد المعاد» (١/ ١٠٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٩٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٧٨، ٧٩)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٥٥٣، ٥٥٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٤)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٩٤)، و «الديباج» (٣/ ٢٠٠).
(٢) «المبسوط» (٤/ ٢٢٠)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٠)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٥٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٣، ٣٠٤) رقم (١١٣٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٩٤)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٥٢)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٢٤)، و «المبدع» (٧/ ٣٠)، و «الإنصاف» (٨/ ٦٩)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٧، ٥٧٨).

القَولُ الثَّاني: أنَّ الأبَ يقدَّمُ على الابنِ، وهو قَولُ الحَنابلةِ في المَذهبِ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ مِنْ الحَنفيةِ وقَولٌ للمالِكيةِ؛ لأنَّ ولايةَ الأبِ تَعمُّ المالَ والنفسَ، فلا يَثبتُ للابنِ الولايةُ في المالِ، ولأنَّ الأبَ يَنظرُ لها عادةً، والابنَ يَنظرُ لنَفسِه لا لها، فكانَ الأبُ مقدَّمًا في الولايةِ؛ ولأنَّ الولايةَ تَثبتُ نظَرًا للمُولَّى عليهِ، وتصرُّفُ الأبِ أنظَرُ لها؛ لأنه أشفَقُ عليها مِنْ الابنِ، ولهذا كانَ هو أَولى بالتصرُّفِ في مالِها، ولأنَّ الأبَ مِنْ قَومِها والابنَ ليسَ منهُم، ألَا تَرَى أنه يُنسَبُ إلى أبيهِ، فكانَ إثباتُ الولايةِ عليها لقَرابتِها أَولى.

ولأنَّ الولَدَ مَوهوبٌ لأبيهِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقالَ زَكريَّا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]، وقالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)[مريم: ٥]، وقالَ إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وقالَ النبيُّ : «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ» (١)، وإثباتُ وِلايةِ المَوهوبِ له على الهِبةِ أَولى مِنْ العكسِ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

ولأنَّ الأبَ أكمَلُ نظَرًا وأشَدُّ شفَقةً، فوجَبَ تَقديمُه في الولايةِ كتَقديمِه على الجَدِّ، ولأنَّ الأبَ يَلي ولَدَه في صِغرِه وسَفهِه وجُنونِه، فيَليهِ في سائرِ ما ثَبتَتِ الولايةُ عليهِ فيه، بخِلافِ ولايةِ الابنِ، ولذلكَ اختَصَّ بولايةِ المالِ وجازَ له أنْ يَشتريَ لها مِنْ مالِه وله مِنْ مالها إذا كانَتْ صَغيرةً، بخِلافِ غيرِه، ولأنَّ الولايةَ احتكامٌ، واحتكامُ الأصلِ على فَرعِه أَولى مِنْ العَكسِ.

وفارَقَ الميراثَ، فإنه لا يُعتبَرُ له النظرُ، ولهذا يَرثُ الصبيُّ والمَجنونُ، وليسَ فيهِ احتكامٌ ولا ولايةٌ على المَوروثِ، بخِلافِ ما نَحنُ فيه (١).

القَولُ الثالثُ: أنهما يَتساويانِ في ذلكَ، وهو ما مالَ إليه شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه، حيثُ قالَ: ولو قِيلَ: «إنَّ الابنَ والأبَ سَواءٌ في ولايةِ النكاحِ كما إذا أوصَى لأقرَبِ قَرابتِه» لَكانَ مُتوجِّهًا (٢).

وهو ما حَكاهُ المُعلَّى عن أبي يُوسفَ أنَّ أيَّهما زوَّجَ جازَ، قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وجهُ رِوايةِ المُعلَّى أنه وُجدَ في كلِّ واحدٍ منهُما ما هو سَببُ التقدُّمِ، أمَّا الأبُ فلِأنهُ مِنْ قومِها، وهو أشفَقُ عليها، وأمَّا الابن فلِأنهُ يَرثُها بالتَّعصيبِ، وكلُّ واحدٍ مِنْ هذَينِ سببُ التقدُّمِ، فأيُّهما زوَّجَ جازَ،

(١) «المبسوط» (٤/ ٢٢٠)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٥٠)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٥٩)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٥٢)، و «المغني» (٧/ ١٠، ١١)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٢٤)، و «المبدع» (٧/ ٣٠)، و «الإنصاف» (٨/ ٦٩)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٧، ٥٧٨).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٥٣١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح

الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح

ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.

الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟

الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.

وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 464 - 466

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله