الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > ترتيب الأولياء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةباطِلٌ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ، نصَّ عليه أحمَدُ في مَواضعَ، وهو قولُ الشافعيِّ وأبي عُبيدٍ وأبي ثورٍ.
وعن أحمَدَ روايةٌ أخرى: أنه يَقفُ على الإجازةِ، فإنْ أجازَهُ جازَ، وإنْ لم يُجِزْه فسَدَ (١).
تَرتيبُ الأولياءِ:
الوليُّ لا يخلُو حالُه -كما تقدَّمَ- إمَّا أنْ يكونَ وليًّا مُجبِرًا أو لا؟ فإنْ كانَ مُجبِرًا فلا خِلافَ عندَ مَنْ يقولُ بذلكَ أنه يقدَّمُ على غيرِه.
إلَّا أنهم اختَلفُوا في تَرتيبِ الأولياءِ في النكاحِ في عدَّةِ مَسائلَ، منها هل يكونُ ابنُ المَرأةِ وليًّا لها أم لا؟ وهل يتقدَّمَ على الأبِ عندَ مَنْ يَجعلُه وليًّا لها؟ أم لا يتقدَّمُ على الأبِ؟
المَسألةُ الأُولى: ابنُ المرأةِ:
اختَلفَ الفُقهاءِ في ابنِ المرأةِ، هل تَثبتُ له ولايةُ النكاحِ في تزويجِ أمِّه؟ أم لا تَثبتُ له؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ والمُزنِيُّ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّ ابنَ المرأةِ له وِلايةُ التزويجِ، فيَجوزُ له أنْ يكونَ وليًّا على أمِّه؛ لأنَّ الابنَ يَستحقُّ العُصوبةَ، وهو المَعنَى الفِقهيُّ أنَّ الوِراثةَ نوعُ ولايةٍ؛ لأنَّ الوارِثَ يَخلفُ المُورِّثَ مِلكًا وتصرُّفًا، والوِراثةُ هي الخِلافةُ في
(١) «المغني» (٧/ ٢١، ٢٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩).
التُّصرفاتِ، وللوِراثةِ أسبابٌ: الفَريضةُ والعُصوبةُ والقَرابةُ، ولكنَّ أقوَى الأسبابِ العُصوبةُ؛ لأنَّ الإرثَ بها مُتفَقٌ عليهِ ويَستحقُّ بها جَميعَ المالِ، فلهذا رتَّبْنا الولايةَ على أقوَى أسبابِ الإرثِ وهو العُصوبةُ.
ولِما رواهُ عُمرُ بنُ أبي سَلمةَ عَنْ أمِّ سَلمةَ رضي الله عنها قالَتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أصابَتْه مُصيبةٌ فلْيقُلْ: إنَّا للَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ، اللَّهمَّ عندَكَ أحتَسِبُ مُصيبتِي، فأْجُرنِي فيها وأبْدِلنِي بها خيرًا منها»، فلمَّا ماتَ أبو سَلمةَ قُلتُها، فجَعلْتُ كلَّما بلَغْتُ: أبدِلنِي خيرًا مِنها قُلتُ في نَفسِي: ومَن خيرٌ مِنْ أبي سَلمةَ؟ فلمَّا انقَضَتْ عدَّتُها بعَثَ إليها أبو بَكرٍ يَخطُبُها فلمْ تَزوَّجْه، ثمَّ بعَثَ إليها عُمرُ يَخطبُها فلمْ تَزوَّجْه، فبعَثَ إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ عُمرَ بنَ الخطَّابِ يَخطبُها عليهِ، قالَتْ: أَخبِرْ رسولَ اللَّهِ ﷺ أني امرأةٌ غَيْرَى وأني امرأةٌ مُصبيةٌ، وليسَ أحَدٌ مِنْ أولِيائِي شاهِدًا، فأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فذكَرَ ذلكَ له فقالَ: «ارجِعْ إليها فقُلْ لها: أمَّا قولُكِ: «إني امرأةٌ غَيْرَى» فأسأَلُ اللَّهَ أنْ يُذهِبَ غَيرتَكِ، وأمَّا قولُكِ: «إني امرأةٌ مُصبيةٌ» فتُكفَيْنَ صِبيانَكِ، وأمَّا قولُكِ: «إنهُ ليسَ أحَدٌ مِنْ أولِيائِكِ شاهِدًا» فليسَ مِنْ أولِيائِكِ شاهِدٌ ولا غائِبٌ يَكرهُ ذلكَ، فقالَتْ لابنها: «يا عُمرُ قُمْ فزَوِّجْ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فزوَّجَهُ … » (١).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٢٥٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٩٤٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢٧٣٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١٣٥٣٠).
ولأنه معنًى يُفيدُ التعصيبَ في المَواريثِ، فوجَبَ أنْ يُفيدَ ذلكَ في ولايةِ النكاحِ كالأخوَّةِ والأبوَّةِ، ولأن البُنوَّةَ تُوجِبُ الولايةَ على مَنْ يكونُ ابنًا له، أصلُه إذا كانَ ابنَ عَمِّها، ولأنَّ كلَّ حُكمٍ ثبَتَ للابنِ الذي هو مِنْ ابنِ العَمِّ ثبَتَ للابنِ الَّذي ليسَ مِنْ ابنِ العَمِّ، أصلُه المِيراثُ، ولأنَّ كلَّ ذكَرٍ كانَ عَصبةً في الميراثِ كانَ عَصبةً في عقدِ النكاحِ، أصلُه الأخُ والعمُّ، ولأنه عَدلٌ مِنْ عَصبتِها، فثبَتَ به ولايةُ تزويجِها كأخيها، ولأنَّ ابنَ المرأةِ عَصبةٌ لها، فجازَ أنْ يكونَ وليًّا في نكاحِها كالأبِ، ولأنَّ تَعصيبَ الابنِ أقوَى مِنْ تَعصيبِ الأبِ؛ لأنهما إنِ اجتَمعَا سقَطَ بالابنِ تَعصيبُ الأبِ وصارَ معه ذا فَرضٍ، فاقتَضَى أنْ يكونَ أَولى بتَزويجِها مِنْ الأبِ، ولأنَّ الوليَّ إنما يُرادُ لحِفظِ المَنكوحةِ مِنْ تَزويجِ مَنْ لا يُكافئُها فيُدخِلَ العارَ على أهلِها، والابنُ رافعٌ للعارِ عنها وعن نَفسِه مِنْ سائرِ الأولياءِ؛ لكَثرِة أنَفَتِه وعِظَمِ حَميَّتِه، فكانَ أحَقَّ بنِكاحِها (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه لا ولايةَ للابنِ على أمِّه، وليسَ له أنْ يزوِّجَها بالبُنوَّةِ، إلا أنْ يكونَ عَصبةً لها؛ لأنَّ الولايةَ ثَبتتُ للأولياءِ لدَفعِ العارِ عن النَّسبِ، ولا نسَبَ بينَ الابنِ والأمِّ؛ لأنه لا مُشارَكةَ بينَهُما في النسَبِ؛ لأنها
(١) «المبسوط» (٤/ ٢٢٠)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٥٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٢، ٣٠٣) رقم (١١٣٧)، و «المغني» (٧/ ١١، ١٢)، و «الإفصاح» (٢/ ١٣٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٢٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٥٧، ٥٧٨).
تُنسَبُ إلى أبيها والابنَ يُنسَبُ إلى زوجِها، والزوجُ لا وِلايةَ له على امرأتِه، والأمُّ لا تزوِّجُ نفْسَها، فكذا مَنْ يُدلِي بها.
ولأنَّ ولايةَ النكاحِ إنَّما وُضعَتْ طلَبًا لحَظِّ المرأةِ والإشفاقِ عليها، والابنُ يَعتقدُ أنَّ تَزويجَ أمِّه عارٌ عليهِ، فلا يَطلبُ لها الحَظَّ ولا يُشفقُ عليها، فلمْ يَستحقَّ الولايةَ عليها.
إلَّا إذا كانَ للابنِ تَعصيبٌ بأنْ كانَ ابنَ ابنِ عمِّها جازَ له أنْ يزوِّجَ؛ لأنهُما يَشتركانِ في النسَبِ؛ لأنهُما يَنتسِبانِ إلى مَنْ هو أعلَى منهُما، فجازَ له تَزويجُها كتزويجِ الأخِ لأختِه للأبِ، وكذا لو كانَ وكيلًا لوليِّها أو قاضِيًا؛ لأن البُنوَّةَ لا تقتضِي الولايةَ، لكنَّها ليسَتْ مانِعةً، فإذا وُجدَ معها سَببٌ آخَرُ يقتضِي الولايةَ لم يَمنعْه.
فأما الجَوابُ عن تَزويجِ أمِّ سَلمةَ فمِن ثلاثةِ أوجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ ابنَها زوَّجَها؛ لأنه كانَ مع البُنوَّةِ مُناسِبًا لها؛ لأنَّ عُمرَ بنَ أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الأسدِ بنِ هلالِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ مَخزومٍ، فكانَ مِنْ بَني عَمِّها يَجتمِعانِ في عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ مَخزومٍ، فكانَ أقرَبَ عَصباتِها الحاضِرينَ، فزوَّجَها بتَعصيبِ النسَبِ لا بالبنوَّةِ.
والجَوابُ الثاني: أنَّ قَولَه ﷺ: «قُمْ فزوِّجْ أمَّكَ» أي: فجِئْنِي بمَن يزوِّجُ أمَّكَ؛ لأمرَينِ: أحَدُهما: أنَّ أمَّ سَلمةَ قالَتْ: يا رسولَ اللهِ ما لي وليٌّ حاضِرٌ، فأقَرَّها على هذا القَولِ، فدَلَّ على أنه لم لكنْ وليًّا.
والثَّاني: أنه كانَ غيرَ بالغٍ، قيلَ: إنه كانَ ابنَ سِتِّ سِنينَ، وقيلَ: ابنَ سَبعِ سِنينَ، فدَلَّ بهذَينِ الأمرَينِ على أنَّ أمْرَه بالتَّزويجِ إنما كانَ أمرًا بإحضارِ مَنْ يتولَّى التزويجَ.
وقيلَ: إنه كانَ ابنَ سَنتَينِ؛ لأنه وُلِدَ بأرضِ الحبَشةِ في السَّنةِ الثانيةِ مِنْ الهجرةِ، وزَواجُ النبيِّ ﷺ بأمِّه كانَ في الرابعةِ، فكانَ يَومئذٍ ابنَ سَنتينِ أو ثلاثةٍ.
والجَوابُ الثالثُ: أنَّ النبيَّ ﷺ مَخصوصٌ في مَناكحِه بأنْ يتزوَّجَ بغيرِ وليٍّ، فأمْرَ ابنَها بذلكَ استِطابةً لنفسِه لا تَصحيحًا للعقدِ، على أنَّ راويَ هذا اللَّفظِ إنما هو ثابِتٌ عن عُمرَ بنِ أبي سَلمةَ، وثابتٌ لم يَلْقَ عُمرَ، فكانَ مُنقطِعًا.
وفيهِ جَوابٌ رابعٌ: وهو أنَّ النبيَّ ﷺ أرادَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه، فقَولُ: «قُمْ يا عُمرَ فزوِّجْ رسولَ اللهِ ﷺ» إنما هو عُمرُ بنُ الخطَّابِ، ونسَبُ عُمرَ ونَسبُ أمِّ سَلمةَ يَلتقيانِ في كَعبٍ، فإنه عُمرُ بنُ الخطَّابِ بنِ نُفيلٍ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ رباحِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُرْطِ بنِ رزاحِ بنِ عَديِّ بنِ كَعبٍ، وأمُّ سَلمةَ بنتُ أبي أميَّةَ بنِ المُغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ مَخزومِ بنِ يَقظةَ بنِ مرَّةَ بنِ كَعبٍ، فوافَقَ اسمُ ابنِها عُمرُ اسمَه فقالَتْ: قُمْ يا عُمرُ فزوِّجْ رسولَ اللهِ ﷺ، فظَنَّ بعضُ الرُّواةِ أنه ابنُها فرَواهُ بالمعنَى وقالَ: فقالَتْ لابنِها، وذهَلَ عن تعذُّرِ ذلكَ عليه لصِغرِ سِنِّه، ونَظيرُ
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.