الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > توكيل المرأة غيرها في النكاح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةالعبدَ والسَّفيهَ يَجوزُ أنْ يَقبلَا عقْدَ النِّكاحِ لأنفُسِهما، فصَحَّ أنْ يَقبلاهُ لغَيرهِما، فأمَّا توكيلُ المَرأةِ والصبيِّ والمَجنونِ فلا يَصحُّ؛ لأنه لمَّا لم يَصحَّ منهُم قَبولُه لأنفُسِهم لم يَصحَّ منهم قَبولُهم لغَيرِهم.
فأمَّا إنْ كانَ تَوكيلُ الزَّوجِ في تَزويجِ امرأةٍ غَيرِ مُعيَّنةٍ ليَختارَ الوكيلُ، فهل يَلزمُ أنْ يَنضمَّ إلى الشُّروطِ الثَّلاثةِ في الوكيلِ أنْ يكونَ رَشيدًا غيرَ مولًّى عليه بسَفهٍ أم لا؟ على ثَلاثةِ أوجُهٍ (١).
تَوكيلُ المرأةِ غيْرَها في النكاحِ:
يُشترطُ في المُوكِّلِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ -كمَا تقدَّمَ في كِتابِ الوَكالةِ- أنْ يَملكَ فِعلَ ما يُوكِّلُ فيهِ بنَفسِه؛ لأنَّ التَّوكيلَ تَفويضٌ فيما يَملكُه في التصرُّفِ إلى غَيرِه، فما لا يَملكُه بنَفسِه لا يَصحُّ له أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه، وعليه فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَزويجِ المَرأةِ نفْسَها:
فمَنْ قالَ: يَجوزُ لها أنْ تزوِّجَ نفْسَها كالإمامِ أبِي حَنيفةَ وزُفرَ والحَسنِ وظَاهرِ الرِّوايةِ عن أبِي يُوسفَ -كمَا سَيأتِي مُفصَّلًا- قَالُوا: يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها في تَزويجِها؛ لأنه يَجوزُ للمرأةِ أنْ تُباشِرَ عقْدَ الزَّواجِ، سَواءٌ أزوَّجَتْ نفْسَها أم زوَّجَتْ غيرَها، فلها أنْ تُوكِّلَ مَنْ يُزوِّجُها؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ المُوكِّلِ أنْ يكونَ ممَّن يَملكُ فِعلَ ما وكَّلَ به بنَفسِه، وهي تَملكُه (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ١١٣، ١١٥).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٢/ ٣٥٠)، و «العناية شرح الهداية» (٤/ ٤٠٢، ٤٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٨٤، ٢٨٦).
قالَ المَوصليُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: وعِبارةُ النِّساءِ مُعتبَرةٌ في النكاحِ، حتَّى لو زوَّجَتِ الحرَّةُ العاقِلةُ البالِغةُ نفْسَها جازَ، وكذلكَ لو زوَّجَتْ غيْرَها بالوِلايةِ أو الوَكالةِ، وكذا إذا وكَّلَتْ غيرَها في تَزويجِها، أو زوَّجَها غيرُها فأجازَتْ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفرَ والحَسنِ، وظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: لا يَجوزُ إلَّا بإجازةِ الوليِّ، فإنْ ماتَا قبْلَها لا يَتوارثانِ، ولا يَقعُ طَلاقُه ولا ظِهارُه، ووَطؤُه حَرامٌ.
فإنِ امتَنعَ الوليُّ مِنْ الإجازةِ ذكَرَ الطَّحَاويُّ عن مُحمدٍ: يُجدِّدُ القاضي العقدَ بينَهُما، وذكَرَ هِشامٌ عن مُحمدٍ: فإنْ لم يُجِزْه الوليُّ أُجيزُه أنَا، وكانَ يَومئذٍ قاضِيًا، فصارَ عنهُ رِوايتانِ، ورُويَ عنه أنه رجَعَ إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيامٍ، وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفرٍ الهِندوانِيُّ: أنَّ امرأةً جاءَتْ إلى مُحمدٍ قبْلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيامٍ وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يزوِّجُنِي إلا بعدَ أنْ يأخُذَ منِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمدٌ: اذهَبِي فزوِّجِي نفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُويَ مِنْ رُجوعِه.
وعن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأصولِ مِثلُ قَولِ مُحمدٍ الأولِ، وفي رِوايةٍ: إنْ زوَّجَتْ نفْسَها مِنْ كُفءٍ لا يَتوقَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ كُفءٍ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوليِّ (١).
(١) «الاختيار» (٣/ ١١٢).
ومَن قالَ: لا يَجوزُ للمرأةِ أنْ تزوِّجَ نفْسَها وهُمُ الجُمهورُ المالِكيةُ -على خِلافٍ عندَهم- والشَّافعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ ومُحمدٌ -على اختِلافٍ في النَّقلِ عَنهُم كما سَيأتي مُفصَّلًا-قالُوا: لا يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها؛ لأنها لا تَملكُ تَزويجَ نَفسِها (١).
قالَ المالِكيةُ: إذا وكَّلَتِ الدَّنيئةُ كالمُعتَقةِ والمَسْلَمانِيةِ والمِسكينةِ أجنبيًّا في بَلدٍ ليسَ فيه سُلطانٌ أو فيهِ لكنْ يَعسرُ وُصولُها إليهِ ولا وَليَّ لها جازَ.
قالَ ابنُ يُونسَ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: وإذا وكَّلَتِ المرأةُ الدَّنيةُ مِثلَ المُعتَقةِ والمَسْلَمانيةِ والسَّوداءِ والمِسكينةِ أجنبيًّا فزوَّجَها وهي ببَلدٍ لا سُلطانَ فيهِ أو فيهِ سُلطانٌ يَعسرُ عليها تَناوُلُه ولا وليَّ لها جازَ ذلكَ.
وفي رِوايةِ أشهَبَ عن مالكٍ رحمة الله عليه: أنَّ الدَّنيةَ وغيرَها سَواءٌ، ولا يزوِّجُها إلَّا وليٌّ أو سُلطانٌ.
قالَ الشَّيخُ رحمة الله عليه: فوَجهُ الأولِ أنه لمَّا لم يَكنْ لها وَليٌّ وكانَ مُتناوَلُ السُّلطانِ بَعيدًا صارَ ذلكَ ضَرورةً أباحَتْ تَزويجَ الأجنَبيِّ إياها؛ لأنه
(١) «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٢/ ٣٥٠)، و «العناية شرح الهداية» (٤/ ٤٠٢، ٤٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٨٤، ٢٨٦)، و «الاستذكار» (٥/ ٢٩٧)، و «القوانين الفقهية» ص (١٣٣)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٦٠)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢١٥، ٢١٦)، و «البيان» (٦/ ٤٠٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ١٨)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٣)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ١٦١)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٢٦٥)، و «المغني» (٥/ ٥١)، و «الكافي» (٢/ ٢٤١).
وَليٌّ عَامٌّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
ووَجهُ الثانيةِ أنَّ الوليَّ العامَّ لا يزوِّجُ مع حُضورِ الخاصِّ، أصلُه في غيرِ الدَّنيةِ.
ومِن «المُدوَّنة»: قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: وكذلكَ إنْ ولَّتْ مَنْ أسلَمَتْ هي على يَدَيه فإنه يَجوزُ إنكاحُه إياها، وأمَّا مَنْ أسلَمَ على يَديهِ أبُوها وتَقادمَ ذلكَ حتَّى يكونَ لها مِنْ القَدرِ والغِناءِ والإباءِ في الإسلامِ ما يَتنافسُ الناسُ فيها فلا يزوِّجُها، وهو كالأجنَبيِّ فيها.
قِيلَ لمالِكٍ رحمة الله عليه: فَرِجالٌ مِنْ المَوالِي يأخُذونَ صِبيانًا مِنْ العرَبِ تُصيبُهم السَّنةُ فيَكفلونَهم ويُربونَهم حتَّى يَكبروا فتَكونُ فِيهم الجاريةُ فيُريدُ أنْ يزوِّجَها؟
فقالَ: ذلكَ جائزٌ، ومَن أنظَرُ لها منهُ؟
قالَ الشَّيخُ رحمة الله عليه: يُريدُ إذا بلَغَتْ وأَذِنَت، وهذا إذا لم يَكنْ لها أبٌ، وأمَّا إنْ كانَ لها أبٌ فلا يُنكِحُها بغيرِ رِضَى أبيها، إلَّا أنْ يَجعلَ ذلكَ الأبُ بيَدِه، ونحوُه في كِتابِ مُحمدٍ.
ومِن «المُدوَّنة»: قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: وأمَّا كلُّ امَرأةٍ لها بالٌ وغِناءٌ وقَدرٌ فإنْ تلكَ لا يُزوِّجُها إلَّا وليُّها أو السُّلطانُ.
قِيلَ لمالِكٍ رحمة الله عليه: فلو أنَّ امرأةً لها قَدرٌ تزوَّجَتْ بغَيرِ أمرِ وليٍّ فوَّضَتْ أمْرَها إلى رَجلٍ فرَضِيَ الوليُّ بعدَ ذلكَ، أيَثبُتُ النكاحُ؟ فوقَفَ فيهِ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: إذا أجازَه الوَليُّ بالقُربِ جازَ، وسَواءٌ دخَلَ الزُّوجُ أم لا، وإنْ أرادَ فسْخَه بحَدَثانِ الدُّخولِ كانَ ذلكَ له وفسَخَه، فأمَّا إنْ طالَتْ إقامَتُها معه وولَدَتِ الأولادَ أمضَيتُه إنْ كانَ ذلكَ صَوابًا ولم يُفسَخْ، وقالَه مالِكٌ وغيرُ واحدٍ مِنْ الرُّواةِ.
قالَ سحنونٌ رحمة الله عليه: وقالَ غيرُه: لا يَجوزُ وإنْ أجازَه الوليُّ؛ لأنه عقَدَه غيرُ الوليِّ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عقْدَ نكاحِها بنَفسِها دونَ وليِّها، ولا أنْ تَعقدَ نكاحَ غيرِها، وممَّن قالَ هذا مالِكٌ والشافعيُّ وسُفيانُ والثوريُّ وابنُ أبي لَيلَى وابنُ شُبرمةَ وابنُ المُبارَكِ وعُبيدُ اللهِ بنُ الحَسنِ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ والطبَريُّ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ وعَليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ والحسَنِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وجابرِ بنِ زَيدٍ أبي الشَّعثاءِ، وخالَفَ هَؤلاءِ أهلُ الرَّأيِ مِنْ الكُوفيِّينَ وطائِفةٌ مِنْ التابعِينَ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: لا تَعقدُ امرأةٌ نِكاحَها بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، سَواءٌ الإيجابُ والقَبولُ؛ إذ لا يَليقُ بمَحاسنِ العاداتِ دُخولُها فيهِ؛ لِمَا قُصِدَ منها مِنْ الحَياءِ وعَدمِ ذِكرِه أصلًا، وقد قالَ تعالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
(١) «الجامع لمسائل المدونة» لابن يونس (٩/ ٦٤، ٩٥)، و «المدونة «الكبرى» (٤/ ١٦٤، ١٦٥)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٤٠).
(٢) «التمهيد» لابن عبد البر (١٩/ ٨٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١٠٩٩ - مسألة؛ قال: (ولا نكاح إلا بولى وشاهدين من المسلمين)
بها، ويَشْتَغِلُ عن العِلْمِ والعبادةِ بما لا فائِدةَ فيه. والأخبارُ تُحْمَلُ على مَنْ له شَهْوةٌ؛ لما فيها من القرائنِ الدَّالَّةِ عليها. وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا فَرْقَ بين القادِرِ على الإنْفاقِ والعاجزِ عنه، قال: يَنْبَغِى للرَّجُلِ أن يتزَوّجَ، فإن كان عنده ما يُنْفِقُ، أنفَقَ، وإن لم يكُنْ عندَه، صَبَرَ، ولو تزوَّج بَشَرٌ كان قد تَمَّ أمْرُه. واحْتَجَّ بأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصْبِحُ وما عندَهم شىءٌ، ويُمْسِى وما عندهم شىءٌ . وأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَوَّجَ رَجُلًا لم يَقْدِرْ على خاتَمِ حَدِيدٍ، ولا وجَد إلّا إزارَه، ولم يكُنْ له رِداءٌ. أخْرَجه البُخارِىُّ . قال أحمدُ، فى رجلٍ قليلِ الكَسْبِ، يَضْعُفُ قلبُه عن العِيالِ: اللَّه يَرْزُقُهُم، التزويج أحْصَنُ له، ربَّما أتَى عليه وقت لا يَمْلكُ قَلْبَه . وهذا فى حَقِّ مَنْ يمكنُه التَّزويجُ ، فأمَّا مَن لا يُمْكِنُه، فقد قال اللَّهُ تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} .
١٠٩٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا نِكاحَ إلَّا بِوَلِىٍّ وشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
فى هذه المَسْألة أربعةُ فصولٍ:
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل أحكام الصداق]
فَصْلٌ) الصَّدَاق تَعْرِيفه الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ: كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ؛ لَا هُوَ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ أَحْكَام الصَّدَاق
فَصْلٌ)
(فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الصَّدَاقِ) وَأَخَّرَهُ لِيَتَفَرَّغَ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (الصَّدَاقُ) أَيْ الْمَالُ الْمُلْتَزَمُ لِلْمَخْطُوبَةِ لِمِلْكِ عِصْمَتِهَا بِفَتْحِ الصَّادِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، وَيُقَالُ لَهُ صَدُقَةٌ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} النساء: ٤ مَأْخُوذٌ مِنْ الصِّدْقِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجَيْنِ فِي مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ، وَيُسَمَّى مَهْرًا وَطَوْلًا بِفَتْحِ الطَّاءِ وَأُجْرَةً وَنَفَقَةً وَنِحْلَةً بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ رُكْنٍ فِي صَحِيحِ النِّكَاحِ وَإِسْقَاطُهُ مُنَافٍ لَهُ فَإِمْكَانُ لُزُومِهِ شَرْطٌ فِيهِ، وَلَا يُرَدُّ بِلُزُومِهِ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ لِعَارِضٍ فَلَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ الْأَصْلِيَّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ رُكْنٌ يُرَدُّ بِعَدَمِهِ فِي نِكَاحِ تَفْوِيضٍ وَقَعَ فِيهِ طَلَاقٌ أَوْ مَوْتٌ قَبْلَ الْبِنَاء لِأَنَّ رُكْنَ الْعَامِّ رُكْنٌ لِلْخَاصِّ، وَفِيهَا لَوْ اسْتَثْنَى مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ مَهْرَهَا صَحَّ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، وَبَطَلَ فِي التَّفْوِيضِ قَبْلَ فَرْضِهِ إذْ لَيْسَ بِمَالٍ لَهَا فَيَشْرِطُهُ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل التأبيد
فِي الْمُشْرِكِينَ لَكِنَّ الْعِلَّةَ، وَهِيَ الدُّعَاءُ إلَى النَّارِ يَعُمُّ الْكَفَرَةَ، أَجْمَعَ فَيَتَعَمَّمُ الْحُكْمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ فَلَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْمُسْلِمَةِ الْكِتَابِيَّ كَمَا لَا يَجُوزُ إنْكَاحُهَا الْوَثَنِيَّ وَالْمَجُوسِيَّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ وَلَايَةَ الْكَافِرِينَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ النساء: ١٤١ فَلَوْ جَازَ إنْكَاحُ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ لَثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ غَيْرِ الْمُرْتَدِّينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَجَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ لِلنِّكَاحِ فِي الْإِسْلَامِ شَرَائِطَ لَا يُرَاعُونَهَا فَلَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷿ : ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ المسد: ٤ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى امْرَأَتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةً لَمْ تَكُنْ امْرَأَتَهُ حَقِيقَةً، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ سُنَّةُ آدَمَ عليه الصلاة والسلام فَهُمْ عَلَى شَرِيعَتِهِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولَدْ مِنْ سِفَاحٍ» .
وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ؛ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِمْ يُؤَدِّي إلَى أَمْرٍ قَبِيحٍ وَهُوَ الطَّعْنُ فِي نَسَبِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ وُلِدُوا مِنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَالْمَذَاهِبُ تُمْتَحَنُ بِعُبَّادِهَا فَلَمَّا أَفْضَى إلَى قَبِيحٍ عُرِفَ فَسَادُهَا.
ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.