ثالثا: الألفاظ التي لا ينعقد بها النكاح اتفاقا

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > ثالثا: الألفاظ التي لا ينعقد بها النكاح اتفاقا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ثالثا: الألفاظ التي لا ينعقد بها النكاح اتفاقا - الأقوال والأدلة

ثالثًا: الألفاظُ الَّتي لا يَنعقدُ بها النِّكاحُ اتِّفاقًا:

لا يَنعقدُ النكاحُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ بلَفظِ الإحلالِ ولا بلَفظِ الإباحةِ، قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعُوا على أنه لا يَنعقدُ بلَفظِ الإحلالِ ولا بلَفظِ الإباحةِ (١).

وكذا لا يَنعقدُ بلَفظِ الإجارةِ ولا الوَصيةِ أيضًا عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فعندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ الأمرُ واضِحٌ فيهِما؛ لأنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ عندَهم إلَّا بلفظِ الإنكاحِ أو التَّزويجِ (٢).

وعندَ الحَنفيةِ أنَّ النكاحَ يَنعقدُ بكُلِّ لَفظةٍ يَقعُ بها التَّمليكُ في حالِ الحياةِ على التأبيدِ، والإجارةُ وإنْ وقَعَتْ في حالِ الحياةِ فهيَ ليسَتْ على التأبيدِ، والوَصيةُ إنما تكونُ بعدَ الموتِ، فلا يَحصلُ بها النكاحُ.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولا يَنعقدُ النكاحُ بلَفظِ الإجارةِ عندَ عامَّةِ مَشايخِنا.

والأصلُ عندَهم أنَّ النكاحَ لا يَنعقدُ إلَّا بلَفظٍ مَوضوعٍ لتَمليكِ العَينِ،

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٩)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٥٠).
(٢) «البيان» (٩/ ٢٣٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٧٧)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٦)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٤١، ٥٤٢)، و «الديباج» (٣/ ١٨٣)، و «المغني» (٧/ ٦٠)، و «الإنصاف» (٨/ ٤٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١١٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٤٧، ٥٤٨).

هكذا رَوَى ابنُ رُستُمَ عن مُحمدٍ أنه قالَ: كلُّ لَفظٍ يكونُ في اللغةِ تَمليكًا للرَّقبةِ فهو في الحُرَّةِ نكاحٌ.

وحُكيَ عن الكَرخيِّ أنه يَنعقدُ بلفظِ الإجارةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، سَمَّى اللهُ تعالَى المهرَ أجرًا، ولا أجْرَ إلَّا بالإجارةِ، فلو لم تَكنِ الإجارةُ نِكاحًا لم يَكنِ المَهرُ أجرًا.

وجْهُ قَولِ العامَّةِ أنَّ الإجارةَ عَقدٌ مُؤقَّتٌ، بدَليلِ أنَّ التأبيدَ يُبطلُها، والنكاحُ عَقدٌ مُؤبَّدٌ، بدليلِ أنَّ التَّوقيتَ يُبطلُه، وانعِقادُ العَقدِ بلَفظٍ يَتضمَّنُ المنعَ مِنْ الانعقادِ مُمتنِعٌ، ولأنَّ الإجارةَ تَمليكُ المَنفعةِ، ومَنافعُ البُضعِ في حُكمِ الأجزَاءِ والأعيانِ، فكيفَ يَثبتُ مِلكُ العَينِ بتَمليكِ المَنفعةِ؟

ولا يَنعقدُ بلَفظِ الإعارةِ؛ لأنَّ الإعارةَ إنْ كانَتْ إباحةَ المَنفعةِ فالنكاحُ لا يَنعقدُ بلفظِ الإباحةِ؛ لانعدامِ معنَى التَّمليكِ أصلًا، وإنْ كانَتْ تَمليكَ المُتعةِ فالنكاحُ لا يَنعقدُ إلَّا بلفظٍ مَوضوعٍ لتَمليكِ الرَّقبةِ، ولم يُوجَدْ.

واختَلفَ المَشايخُ في لَفظِ القَرضِ، قالَ بعضُهم: لا يَنعقدُ؛ لأنه في معنَى الإعارةِ، وقالَ بعضُهم: يَنعقدُ؛ لأنه يَثبتُ به المِلكُ في العَينِ؛ لأنَّ المُستقرَضَ يَصيرُ مِلكًا للمُستقرِضِ.

وكذا اختَلفوا في لَفظِ السَّلَمِ، قالَ بعضُهم: لا يَنعقدُ؛ لأنَّ السَّلَمَ في الحَيوانِ لا يَصحُّ، وقالَ بعضُهم: يَنعقدُ؛ لأنه يَثبتُ به مِلكُ الرَّقبةِ، والسَّلمُ في الحَيوانِ يَنعقدُ عندَنا، حتَّى لو اتَّصلَ به القَبضُ يُعَدُّ المِلكُ مِلكًا فاسِدًا، لكنْ ليسَ كُلُّ ما يُفسِدُ البَيعَ يُفسدُ النكاحَ.

واختَلفُوا أيضًا في لَفظِ الصَّرفِ، قالَ بعضُهم: لا يَنعقدُ به؛ لأنه وُضِعَ لإثباتِ المِلكِ في الدَّراهمِ والدَّنانيرِ التي لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، والمَعقودُ عليه ههُنا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، وقالَ بعضُهم: يَنعقدُ؛ لأنه يَثبتُ به مِلكُ العَينِ في الجُملةِ.

وأمَّا لَفظُ الوَصيةِ فلا يَنعقدُ به عندَ عامَّةِ مَشايخِنا؛ لأنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ مُضافٌ إلى ما بعدَ المَوتِ، والنكاحُ المُضافُ إلى زَمانٍ في المُستقبَلِ لا يَصحُّ.

وحُكيَ عن الطَّحَاويِّ أنه يَنعقدُ؛ لأنه يَثبتُ به مِلكُ الرَّقبةِ في الجُملةِ، وحكَى أبو عبدِ اللهِ البصريُّ عن الكَرخيِّ إنْ قَيَّدَ الوصيةَ بالحالِ بأنْ قالَ: «أوصَيْتُ لكَ بابنَتي هذهِ الآنَ» يَنعقدُ؛ لأنه إذا قيَّدَه بالحالِ صارَ مَجازًا عن التَّمليكِ.

ولا يَنعقدُ بلَفظِ الإحلالِ والإباحةِ؛ لأنه لا يَدلُّ على المِلكِ أصلًا، أَلَا ترَى أنَّ المُباحَ له الطَّعامُ يَتناولُه على حُكمِ مِلكِ المُبيحِ، حتَّى كانَ له حَقُّ الحَجْرِ والمنعِ.

ولا يَنعقدُ بلَفظِ المُتعةِ؛ لأنه لم يُوضَعْ للتَّمليكِ، ولأنَّ المُتعةَ عَقدٌ مَفسوخٌ؛ لِمَا نُبيِّنُ إنْ شاءَ اللهُ في مَوضعِه.

ولو أضافَ الهِبةَ إلى الأمَةِ بأنْ قالَ رَجلٌ: «وَهبْتُ أمَتِي هذهِ منكَ» فإنْ كانَ الحالُ يَدلُّ على النكاحِ مِنْ إحضارِ الشُّهودِ وتَسميةِ المَهرِ مُؤجَّلًا

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل ركن النكاح

فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ احْتَجَّ بِالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ قَطْعًا، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ لَوْ تَرَكَهُ لَا يَأْثَمُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ، فَأَشْبَهَ الْجِهَادَ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَرَدَّ السَّلَامِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٣٥ - مسألة؛ قال: (وإذا قال الخاطب للولى: أزوجت. فقال: نعم. وقال للمتزوج: أقبلت. فقال: نع

بعِوَضٍ شَرَطَه، فلَزِمَه عِوَضُه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّى، وعلىَّ ثَمَنُه. وكما لو قال: طَلَّقْ زَوْجَتَكَ، وعلىَّ أَلْفٌ. فطَلَّقَها ، أو قال : ألْقِ مَتاعَكَ فى البَحْرِ، وعلىَّ ثَمَنُه. وبهذه الأصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّه لا فائِدةَ له فى العِتْقِ.

١١٣٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِىِّ: أزَوَّجْتَ. فَقَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ للمُتَزَوِّجِ : أقَبِلْتَ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَدِ انْعَقَد النِّكَاحُ إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ )

وقال الشافعىُّ: لا يَنْعقِدُ حتى يقولَ معه: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى، ويقولَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ هذا التَّزْويجَ؛ لأنَّ هذَيْنِ رُكْنَا العَقْدِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بدُونِهِما. ولَنا، أَنَّ نَعَمْ جوابٌ لقَوْلِه: أزَوَّجْتَ وقَبِلْتَ، والسؤالُ يكون مُضْمَرًا فى الجوابِ مُعَادًا فيه، فيكونُ معنى نعم من الوَلِىِّ: زَوَّجْتُه ابْنَتِى. ومعنى نعم من المُتَزَوِّجِ: قَبِلْتُ هذا التَّزْويجَ. ولا احْتِمالَ فيه، فيَجِبُ أن يَنْعَقِدَ به، ولذلك لمَّا قال اللَّهُ تعالى: {هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} . كان إقْرارًا منهم بوُجْدانِ ذلك أنَّهم وَجَدُوا ما وَعَدَهُم رَبُّهُم حَقًّا. ولو قِيلَ لرَجُلٍ: لى عليكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فقال: نعم. كان إقرارًا صَرِيحًا لا يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ، ولا يُرْجَعُ فى ذلك إلى تَفْسِيرِه، وبمِثْلِه تُقْطَعُ اليَدُ فى السَّرِقةِ، فوَجَبَ أن يَنْعَقِدَ به التَّزْويجُ، كما لو لَفَظَ بذلك.

فصل: ولو قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى. فقال: قَبِلْتُ. انْعَقدَ النِّكاحُ. وقال الشافعىُّ، فى أحدِ قَوْلَيْه: لا يَنْعَقِدُ حتى يقولَ: قَبِلْتُ هذا النِّكاحَ، أو هذا التزويجَ،

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل الخيار في عقد النكاح]

عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ.

(فَصْلٌ) الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ

ــ

منح الجليل

لِاحْتِمَالِ عِتْقِهَا كَذَلِكَ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.

(وَالْمُخْتَارُ) لِلَّخْمِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرِيضِ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ لِأَنَّ إسْلَامَ الْكِتَابِيَّةِ وَعِتْقَ الْأَمَةِ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُهُ وَمِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ عَدَمُ اتِّضَاحِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِنُدُورِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ الْخِيَارُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْخِيَارِ وَأَحْكَامِهِ

(الْخِيَارُ) فِي إبْقَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا (إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ) بِسَبَبِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ (أَوْ لَمْ يَرْضَ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَلَا الْتِزَامًا (أَوْ) لَمْ (يَتَلَذَّذْ) مُرِيدُ الرَّدِّ بِصَاحِبِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَذَلِكَ، فَشَرْطُ الْخِيَارِ انْتِفَاءُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَبْقِ الْعِلْمِ الْعَقْدَ وَالرِّضَا وَالتَّلَذُّذِ بَعْدَهُ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهَا فَلَا خِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 274 - 276

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله