نكاح الولي الأبعد مع وجود الأقرب

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان النكاح وشروطه > نكاح الولي الأبعد مع وجود الأقرب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

نكاح الولي الأبعد مع وجود الأقرب - الأقوال والأدلة

الأمِّ أكثَرُ مِنْ شَفقةِ غيرِها مِنْ الأباعدِ مِنْ أبناءِ الأعمامِ، وكذلكَ شَفقةُ الجَدِّ لأمٍّ والأخوالِ، ولأنَّ الأمَّ أحدُ الأبوَينِ، فتَثبتُ الولايةُ لها كالآخَرِ، وهو مَرويٌ عن عليٍّ وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهما في إجازةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ امرأتَهِ في تَزويجِ ابنتِها، وكانَتِ ابنتَها مِنْ غيرِه، وإنَّما جوَّزَ نكاحَها لولايةِ الأمومةِ.

والأصلُ أنَّ كُلَّ قَرابةٍ يتعلَّقَ بها الوارِثُ يتعلَّقُ بها ثُبوتُ الولايةِ؛ لأنها داعيَةٌ إلى الشفَقةِ والنظرِ كالعَصباتِ، إلَّا أنهم تأخَّرُوا عن العَصباتِ لضَعفِ الرأيِ وبُعدِ القَرابةِ كما في الإرثِ، وأمَّا حديثُ: «النِّكاحُ إلى العَصباتِ» فإنه يَقتضِي النكاحَ إلى العَصباتِ عندَ وُجودِهم، أمَّا عندَ عَدمِهم فالحديثُ ساكِتٌ عنهُ، فنقولُ: يَنتقلُ إلى ما هو في معنَى العَصباتِ في الشفَقةِ، فلا يكونُ حجَّةً عَلينا بل لنَا.

ثمَّ إذا عدمَ العَصباتُ وذَوُو الأرحامِ زوَّجَها القاضي؛ لقولِ النبيِّ : «السُّلطانُ وليُّ مَنْ لا وَليَّ له» (١) (٢).

نِكاحُ الوليِّ الأبعَدِ مع وُجودِ الأقرَبِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ نكاحِ الوَليِّ الأبعدِ مع وُجودِ الوليِّ الأقرَبِ غيرِ المُجبِرِ وقُدرتِه على عَقدِ النكاحِ، هل يَجوزُ نِكاحُه؟ أم لا يَصحُّ مع وُجودِه؟

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدَّمَ.
(٢) «المبسوط» (٤/ ٢٢٣)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٤٠، ٢٤١)، و «الاختيار» (٣/ ١١٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠١، ٣٠٢)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٥٩)، و «اللباب» (٢/ ٣٠).

فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ أنْ يَعقدَ الوليُّ الأبعدُ مع وُجودِ الأقربِ وعَدمِ المانعِ.

وذهَبَ المالِكيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنه يَجوزُ للوليِّ الأبعَدِ أنْ يزوِّجَ مع وُجودِ الوليِّ الأقربِ إذا لم يَكنْ مُجبِرًا، وهو الأبُ والوَصيُّ والمالِكُ للأمَةِ، وأما إذا كانَ واحِدًا مِنْ هَؤلاءِ فلا يَصحُّ أنْ يتقدَّمَ عليهِ.

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الوليَّ الأبعدَ إذا زوَّجَ حالَ حُضورِ الوليِّ الأقربِ وهو مِنْ أهلِ الولايةِ توقَّفَ على إجازِتِه؛ لأنَّ الأبعَدَ كالأجنَبيِّ عندَ حَضرةِ الأقربِ، فيَتوقَّفُ عَقدُه على إجازةِ الوليِّ، ولا يكونُ سُكوتُه إجازةً لنِكاحِ الأبعَدِ وإنْ كانَ حاضِرًا في مَجلسِ العقدِ، ما لم يَرْضَ صَريحًا أو دَلالةً.

ولو تَحوَّلتِ الوِلايةُ إليهِ -أي إلى الأبعدِ- بمَوتِ الأقربِ أو غَيبتِه غَيبةً مُنقطِعةً توقَّفَ أيضًا على إجازتِه (١).

قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيما إذا عقَدَ الأبعدُ مِنْ عَصباتِها مع القُدرةِ على أنْ يَعقدَ الأقرَبُ ولم يَكنْ بشَاحٍّ ولا عضَلَ.

فقالَ الشَّافعيُّ وأحمدُ: لا يَصحُّ النكاحُ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا عقَدَ الوليُّ الأبعدُ مع القُدرةِ على عَقدِ الوليِّ الأقربِ فإنه يَنعقدُ مَوقوفًا على إجازةِ الأقرَبِ أو إلى أنْ تَبلغَ الصَّغيرةُ فتَختارَ إنْ شاءَتْ.

(١) «المبسوط» (٤/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «حاشية ابن عابدين مع الدر المختار» (٣/ ٨١).

وقالَ مالكٌ: الولايةُ في النكاحِ نَوعانِ: أحَدُهما: وِلايةُ إجبارٍ تَثبتُ مِنْ غيرِ استِئذانٍ، كوِلايةِ الأبِ على الصَّغيرةِ، والآخَرُ: وِلايةُ إذنٍ، ولكنْ يقدَّمُ الأقرَبُ فالأقرَبُ، كالأخِ يقدَّمُ على العَمِّ، فإذا تقدَّمَ الأبعدُ على الأقرَبِ مِنْ غيرِ استِئذانٍ جازَ إذا لم يَتشاحَّا ذلكَ (١).

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وقالَ مالكٌ في الوليِّ الأبعدِ يزوِّجُ وليَّتَه بإذنها وهناكُ مَنْ هو أقرَبُ إليها: إنَّ النكاحَ جائزٌ إذا كانَ للناكحِ صَلاحٌ وفَضلٌ، هذا قَولُه في «المُدوَّنة».

وقالَ سحنونٌ: أكثَرُ الرُّواةِ يقولونَ: لا يزوِّجُها وليٌّ وثَمَّ أقرَبُ منهُ، فإنْ فعَلَ نظَرَ السُّلطانُ في ذلكَ، قالَ: وروَى آخَرونَ أنَّ للأقربِ أنْ يَردَّ أو يُجيزَ، إلَّا أنْ يَطولَ مُكثُها عندَ الزَّوجِ وتَلِدَ أولادًا، قالَ: وهذا في ذاتِ المَنصبِ والقَدرِ.

وذكَرَ ابنُ حَبيبٍ عن الماجشُونِ قالَ: النكاحُ بيَدِ الأقعَدِ، فإنْ شاءَ فسَخَه، وإنْ شاءَ أجازَه إلَّا أنْ يَدخلَ بها الزوجُ.

وقالَ المُغيرةُ: لا يَجوزُ أنْ يزوِّجَها وليٌّ وثَمَّ مَنْ هو أَولى منه، ويُفسَخُ نكاحُه.

(١) «الإفصاح» (٢/ ١٣٣، ١٣٤)، ويُنظَر: «المهذب» (٢/ ٣٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٠٦، ٧٠٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٩٦، ٩٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٦٢)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦١٤، ٦١٥).

والمَسائلُ في هذا البابِ عن مالِكٍ وأصحابِه كثيرةُ الاضطِرابِ (١).

وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: إذا حضَرَ العَصبةُ الأقربُ والأبعَدُ ولم يَتشاحُّوا في العَقدِ فأيُّهم عقَدَ جازَ، وقالَ الشافعيُّ: لا يَصحُّ عقدُ الأبعدِ مع الأقربِ، ودَليلُنا أنهما عَصبةٌ لا تَملكُ الإجبارَ، فصحَّ أنْ يَعقدَ أحَدُهما مع الآخرِ كالمُتساويَينِ في القُربِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: إذا زوَّجَ الأبعدُ مع حُضورِ الأقرَبِ اختَلفَ فيها قولُ مالكٍ، فمرَّةً قالَ: إنْ زوَّجَ الأبعدُ مع حُضورِ الأقربِ فالنكاحُ مَفسوخٌ، ومرَّةً قالَ: النكاحُ جائزٌ، ومرَّةً قالَ: للأقربِ أنْ يُجيزَ أو يَفسخَ.

وهذا الخِلافُ كلُّه عندَه فيما عدا الأبِ في ابنتِه البِكرِ والوَصيِّ في مَحجورتِه، فإنه لا يَختلفُ قولُه أنَّ النكاحَ في هذَينِ مَفسوخٌ، أعني: تَزويجَ غيرِ الأبِ البنتَ البكرَ مع حُضورِ الأبِ، أو غيرِ الوَصيِّ المَحجورةَ مع حُضورِ الوصيِّ.

وقالَ الشَّافعيُّ: لا يَعقدُ أحدٌ مع حُضورِ الأبِ، لا في بكرٍ ولا في ثيِّبٍ.

وسَببُ هذا الاختلافُ هو: هل التَّرتيبُ حُكمٌ شَرعيٌّ -أعني: ثابتًا بالشَّرعِ- في الولايةِ؟ أم ليسَ بحُكمٍ شَرعيٍّ؟ وإنْ كانَ حُكمًا فهل ذلكَ حَقٌّ

(١) «الاستذكار» (٥/ ٣٩٤).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٤) رقم (١١٤٠).

مِنْ حُقوقِ الوليِّ الأقربِ؟ أم ذلكَ حَقٌّ مِنْ حُقوقِ اللهِ؟ فمَن لم يَرَ الترتيبَ حُكمًا شَرعيًّا قالَ: يَجوزُ نكاحُ الأبعدِ مع حُضورِ الأقربِ، ومَن رأى أنه حُكمٌ شَرعيٌّ ورأى أنه حَقٌّ للوليِّ قالَ: النكاحُ مُنعقِدٌ، فإنْ أجازَه الوليُّ جازَ، وإنْ لم يُجِزْه انفسَخَ، ومَن رأى أنه حَقٌّ للهِ قالَ: النكاحُ غيرُ مُنعقدٍ، وقد أنكَرَ قومٌ هذا المعنَى في المَذهبِ، أعني: أنْ يكونَ النكاحُ مُنفسِخًا غيرَ مُنعقدٍ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا زوَّجَها مَنْ غيرُه أَولى منه وهو حاضرٌ ولم يَعضلْها فالنكاحُ فاسدٌ).

هذهِ المسألةُ تَشتملُ على أحكامٍ ثلاثةٍ:

أحَدُها: أنه إذا زوَّجَها الوليُّ الأبعدُ مع حُضورِ الوليِّ الأقربِ فأجابَتْه إلى تَزويجِها مِنْ غيرِ إذنِه لم يَصحَّ، وبهذا قالَ الشافعيُّ.

وقالَ مالكٌ: يَصحُّ؛ لأنَّ هذا وليٌّ له أنْ يزوِّجَها بإذنِها كالأقربِ.

ولنَا: إنَّ هذا مُستحَقٌّ بالتعصِيبِ، فلم يَثبتْ للأبعدِ مع وجودِ الأقربِ كالميراثِ، وبهذا فارَقَ القَريبُ البعيدَ.

الحُكمُ الثاني: أنَّ هذا العقدَ فاسِدٌ لا يَقفُ على الإجازةِ ولا يَصيرُ بالإجازةِ صَحيحًا، وكذلك الحُكمُ إذا زوَّجَ الأجنَبيُّ أو زوَّجَتِ المراةُ المعتبَرُ إذنُها بغيرِ إذنِها أو تزوَّجَ العبدُ بغيرِ إذنِ سَيدِه، فالنكاحُ في هذا كلِّه

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٠، ١١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح

الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح

ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.

الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟

الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.

وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الذي يرجع إلى المولى عليه في ولاية النكاح

الْوِلَايَةِ هُمْ الْعَصَبَاتُ فَإِنْ كَانَ الرَّأْيُ وَتَدْبِيرُ الْقَبِيلَةِ وَصِيَانَتُهَا عَمَّا يُوجِبُ الْعَارَ وَالشَّيْنَ إلَيْهِمْ فَكَانُوا هُمْ الَّذِينَ يَحْرُزُونَ عَنْ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ فِي أَمْرِ النِّكَاحِ فَكَانُوا هُمْ الْمُحِقِّينَ بِالْوِلَايَةِ وَلِهَذَا كَانَتْ قَرَابَةُ التَّعْصِيبِ مُقَدَّمَةً عَلَى قَرَابَةِ الرَّحِمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ النور: ٣٢ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعَصَبَاتِ وَغَيْرِهِمْ فَتَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا مَنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ هُوَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ وَذَاتُهَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْقَرَابَةَ حَامِلَةٌ عَلَى الشَّفَقَةِ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا وَقَدْ وُجِدَ هَهُنَا فَوُجِدَ السَّبَبُ وَوُجِدَ شَرْطُ الثُّبُوتِ أَيْضًا وَهُوَ عَجْزُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْعُصُوبَةُ وَقُرْبُ الْقَرَابَةِ شَرْطُ التَّقَدُّمِ لَا شَرْطُ ثُبُوتِ أَصْلِ الْوِلَايَةِ فَلَا جَرَمَ الْعُصْبَةُ تَتَقَدَّمُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ، وَالْأَقْرَبُ مِنْ غَيْرِ الْعَصَبَةِ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْأَبْعَدِ وَلِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِنْكَاحِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ لِاتِّحَادِ سَبَبِ ثُبُوتِهَا - وَهُوَ الْقَرَابَةُ - فَكُلُّ مَنْ اسْتَحَقَّ مِنْ الْمِيرَاثِ اسْتَحَقَّ الْوِلَايَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ عَبْدًا لَا وِلَايَةَ لَهُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ أَحَدًا وَكَذَا إذَا كَانَ كَافِرًا وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ مُسْلِمٌ لَا وِلَايَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١١٤ - مسألة؛ قال: (وإذا زوجها من غيره أولى منه، وهو حاضر، ولم يعضلها، فالنكاح فاسد)

الكافرةِ مُسْلِمًا، كسائرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ هذه تحتاجُ إلى التَّزْويج. ولا وَلِىَّ لها غيرُ سَيِّدِها. فأمَّا السلطانُ، فله الوِلايةُ على مَنْ لا وَلِىَّ لها من أهلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّ وِلايَتَه عامَّةٌ على أهلِ دارِ الإسْلامِ، وهذه من أهلِ الدارِ، فتَثْبُتُ له الوِلايةُ عليها، كالمُسْلمةِ. وأمَّا الكافرُ، فتثبتُ له الولايةُ على أهلِ دِينِه، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه فى المسلمينَ، ويُعْتَبَرُ فيهم الشُّروطُ المُعْتَبَرَةُ فى المسلمينَ، ويُخَرجُ فى اعْتِبارِ عَدالَتِه فى دِينِه وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ فى اعْتبارِها فى المسلمين.

فصل: إذا تَزَوَّجَ المسلمُ ذِمِّيةً، فوَلِيُّها الكافرُ يُزَوِّجُها إيَّاه. ذَكَره أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه وَلِيُّها، فصَحَّ تَزْوِيجُه لها، كما لو زَوَّجَها كافرًا، ولأنَّ هذه امرأةٌ لها وَلِى مُناسِبٌ، فلم يَجُزْ أن يَلِيَهَا غيرُه، كما لو تَزَوَّجَها ذِمِّىٌّ. وقال القاضى: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكمُ؛ لأنَّ أحمدَ قال: لا يَعْقِدُ يَهُودِىٌّ ولا نَصْرانىٌّ عُقْدَةَ نِكاحٍ لمُسْلمٍ ولا مُسْلِمةٍ. ووَجْهُه أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى شهادةِ مُسْلِمَيْنِ، فلم يَصِحَّ بوِلايةِ كافرٍ، كنِكاحِ المسلمين. والأولُ أصَحُّ، والشُّهودُ يُرادُون لإثباتِ النِّكاحِ عندَ الحاكمِ، بخِلافِ الوِلايةِ.

١١١٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا زَوَّجَهَا مَنْ غَيْرُهُ أوْلَى مِنْهُ، وَهُوَ حَاضِرٌ، وَلَمْ يَعْضُلْهَا، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ)

هذه المسألة تشْتَمِلُ على أحكامٍ ثلاثة؛ أحدها، أنَّه إذا زَوَّجها الوَلِىُّ الأبْعدُ، مع حُضُورِ الوَلِى الأقْرَبِ، فأجَابَتْه إلى تَزْوِيجِها من غيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا وَلِىٌّ، فصَحَّ أن يُزَوِّجَها بإذْنِها كالأقرَبِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 454 - 458

ارجع إلى أركان النكاح وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله