عفو المرأة أو وليها عن صداقها

الإسلام > النكاح والأسرة > أقل المهر وأكثره > عفو المرأة أو وليها عن صداقها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

عفو المرأة أو وليها عن صداقها - الأقوال والأدلة

أو الحاكمِ أو مَنْ أقامَه الحاكمُ فيما عليها كثمنِ مبيعِها وسائرِ ديونِها (١).

وسيأتي حُكمُ هِبةِ المرأةِ صَداقَها لزوجِها قبلَ العقدِ وبعدَه في مَسألةِ: ما يُسقِطُ المَهرَ.

عَفوُ المَرأةِ أو وليِّها عن صَداقِها:

لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنه يَجوزُ العفوُ عن الصَّداقِ، إلا أنَّ العلماءَ اختَلفوا مِنَ المقصودِ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] في قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)[البقرة: ٢٣٧].

ولا خِلافَ بينَهم أنَّ المَقصودَ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ المُرادُ به الزوجاتُ؛ لأنه لو أرادَ الأزواجَ لقالَ: «إلَّا أنْ يَعفُوا»، ويكونُ عفوُها أنْ تَتركَ بقيةَ الصداقِ وهو النصفُ الذي جعَلَه اللهُ لها بعدَ الطلاقِ بقولِه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.

ولا خِلافَ بينَهم أنَّ هذا للثيِّب، أنَّ لها العفوَ عن نصفِ صداقِها إذا طُلِّقَت قبلَ الدُّخولِ.

(١) «المغني» (٧/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «الكافي» (٣/ ٩٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦٢، ١٧٣)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٢)، و «منار السبيل» (٣/ ١٦، ١٧).

إلا أنهُم اختَلفوا هل هذا يَشملُ البِكرَ؟ أم الثيِّبَ فقط؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ هذا الخِطابَ للبكرِ والثيبِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فلم يَخُصَّ بِكرًا مِنْ ثيِّبٍ في نَسقِ قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعمُّ الأبكارَ والثُّيَّبَ.

وقد أجمَعَ المُسلمونَ أنَّ الثيبَ والبِكرَ في استحقاقِ نصفِ المهرِ بالطلاقِ قبلَ الدُّخولِ سَواءٌ، ثمَّ قالَ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فكذلكَ هو في البكرِ وغيرِ البكرِ، إلا ما أجمَعُوا عليهِ مِنْ رَفعِ القلَمِ عنه للصَّغيرةِ منهُنَّ.

وهذا إذا كانَتِ البكرُ بالغةً رشيدةً، وأمَّا البكرُ الصغيرةُ المَحجورُ عليها فقَولًا واحدًا أنه لا يَجوزُ لها أنْ تَعفوَ عن صَداقِها ولا تَصحُّ هِبتُها.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: والجُمهورُ على أنَّ المرأةَ الصغيرةَ والمَحجورةَ ليس لها أنْ تهَبَ مِنْ صداقَها النصفَ الواجبَ لها، وشَذَّ قومٌ فقالوا: يَجوز أنْ تهبَ؛ مَصيرًا لعُمومِ قولهِ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المقصودَ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ النِّساءُ المَدخولُ بهنَّ الثيِّباتُ؛ وأما البِكرُ فالعفوُ لوليِّها لا لها.

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩)، و «المغني» (٧/ ١٩٥).

وبناءً عليه اختلفَ العُلماءُ في المقصودِ بقَوله تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هل هو الزوجُ بأنْ يُتمَّ لها جَميعَ صداقِها قبلَ الدُّخول؟ أم الوليُّ بأنْ يَعفوَ عن نصفِ صَداقِ ابنتهِ البكرِ -لا الثيِّب- إذا طُلِّقَت قبلَ الدخولِ؟

فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ الجَديدِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المرادَ به هو الزوجُ، وعفوُه أنْ يُتمَّ لها كمالَ المهرِ بعدَ الطلاقِ قبلَ الدخولِ، بأنْ يقولَ: «اختَرتُ فِراقَها فلا أمنَعُها شَيئًا مِنْ صَداقِها» فيَعطيَها جَميعَ المهرِ، ندَبَه اللهُ تعالَى إلى العفو كما نَدَبها، ليكونَ عفوُه تَرغيبًا للنساءِ فيهِ كما كانَ عفوُها ترغيبًا للرِّجالِ فيها، بأنْ تقولَ: «لمْ يَتمتَّعْ بي شَيئًا فلا آخُذُ مِنْ مالِه شيئًا»، وظاهرُ الآيةِ يَدلُّ على ذلكَ؛ لأنَّ الذي بيَدِه عقدةُ النكاحِ مَنْ يتصرَّفُ بعقدِ النكاحِ وهو الزوجُ دونَ الوليِّ، وعليه: لا يَجوزُ لوليِّها أنْ يَعفوَ عن شيءٍ مِنْ صداقِها، سواءٌ طُلِّقَت قبلَ الدخولِ أو بعدَه.

فإنْ طلَّقَ قبلَ الدخولِ فأيُّ الزوجَينِ عفَا لصاحبِه عمَّا وجَبَ له مِنْ نصفِ المهرِ وهوَ جائزُ التصرفِ بأنْ كانَ مُكلَّفًا رشيدًا بَرِئَ منه صاحبُه؛ لقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].

وقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)[النساء: ٤] (١).

(١) «المبسوط» (٦/ ٦٣)، و «أحكام القرآن» (٢/ ١٥٠، ١٥٣)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩٠)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥١٣، ٥١٦)، و «المهذب» (٢/ ٥٩، ٦٠)، و «البيان» (٩/ ٤٣٩، ٤٤١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢١٨)، و «المغني» (٧/ ١٩٥)، و «الكافي» (٣/ ١٠٣)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٦٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٣٧)، و «المبدع» (٧/ ١٥٧، ١٥٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦١، ١٦٢)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٩٩)، و «منار السبيل» (٣/ ١٦، ١٧).

والدليلُ على صحةِ أنَّ الذي بيَدِه عُقدةُ النكاحِ هو الزوجُ دونَ الوليِّ الآيةُ، ومنها خمسةُ أدلَّةٍ:

أحَدُها: قولُه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والعقدةُ عِبارةٌ عنِ الأمرِ المُنعقِدِ، ومنه حَبلٌ مَعقودٌ وعهدٌ معقودٌ، لمَّا قد استقرَّ عقدُه ونَجزَ، والنكاحُ بعدَ العقدِ يكونُ بيدِ الزوجِ دونَ الوليِّ.

والثاني: أنه أمَرَ بالعفوِ، وإنما يَعفو مَنْ ملَكَ، والزوجُ هو المالكُ دونَ الوليِّ، فاقتَضى أنْ يتوجَّهَ الخِطابُ بالعفوِ إليهِ لا إلى الوليِّ.

والثالثُ: أنَّ حقيقةَ العفوِ هوَ التركُ، وذلكَ لا يَصحُّ إلا مِنْ الزوجِ؛ لأنه ملَكَ بالطلاقِ أنْ يَتملَّكَ نصفَ الصداقِ، فإذا تَرَكَ أنْ يَتملَّكَ لم يَملكْ، فأما الوليُّ فعفوُه إما أنْ يكونَ هبةً إنْ كانَ عينًا أو إبراءًا إنْ كانَ في الذمَّةِ، فصارَ حقيقةُ العفوِ أخَصَّ بالزوجِ مِنْ حَمْلِه على المَجازِ في الوليِّ.

والرابعُ: أنه إذا توجَّهَ بالعَفوِ إلى الزوجِ كانَ مَحمولًا على عُمومِه في كلِّ زَوجٍ مطلِّقٍ، وإذا توجَّهَ إلى الوليِّ كانَ مَحمولًا على بَعضِ الأولياءِ في بعضِ الزوجاتِ، وهو الأبُ أو الأبُ والجدُّ مِنْ بينِ سائرِ الأولياءِ مع الصغيرةِ

البكرِ التي لم يدخلْ بها دونَ سائرِ الزَّوجاتِ، فكانَ حَملُ الخِطابِ على ما يُوجِبُ العُمومَ أَولى مِنْ حَملِه على ما يُوجِبُ الخصوصَ.

والخامسُ: قولُه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا الخِطابُ غيرُ متوجِّهٍ إلى الوليِّ؛ لأنَّ قُرْبَه مِنْ التقوَى أنْ يَحفظَ مالَ مَنْ يَلي عليه لا أنْ يَعفوَ عنه ويبرأَ منه، فدلَّ على أنه الزوجُ دونَ الوليِّ، وهو راجعٌ على ما تقدَّمَه، فاقتَضى أنْ يكونَ المتقدِّمُ قبلَه الذي بيدِه عُقدةُ النكاحِ هو الزوجَ.

ويَدلُّ عليه مِنْ طريقِ السُّنةِ: ما رُويَ مرفوعًا أنَّ رَسولَ اللَّهِ قال: «وَليُّ عُقدَةِ النكاحِ الزَّوجُ» (١)، وهذا نَصٌّ، ولأنه قولُ الصحابةِ، رَوى شريحٌ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه «أنَّ الذي بيَدِه عُقدةُ النكاحِ الزوجُ».

ورَوى أبو سَلمةَ «أنَّ جُبيرَ بنَ مُطعِمٍ تَزوَّجَ امرَأةً مِنْ بَني نَصرٍ فسَمَّى لها صَداقًا ثمَّ طلَّقَها مِنْ قبلِ أنْ يَدخلَ بها، فقرَأَ هذه الآيةَ ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قالَ: أنا أحَقُّ بالعَفوِ منها، فسلَّمَ لها المَهرَ كامِلًا فأعطاها إياهُ» (٢).

ومِن طريقِ الاستدلالِ أنَّ الزوجَين مُتكافِئانِ فيما أُمِرَا به ونُدِبَا إليه، فلمَّا نُدِبتِ الزوجةُ إلى العفو ترغيبًا للرجالِ فيها اقتَضى أنْ يكونَ الزوجُ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣٧٦٢).
(٢) رواه الدراقطني (٣٧٥٨، ٣٧٦٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٢٢٦).

مَندوبًا إلى مثلِه تَرغيبًا للنساءِ فيه، ولأنه لو ملَكَ الأبُ العفوَ لَملَكَه غيرُه مِنَ الأولياءِ، ولو ملَكَه في البكرِ لَملَكَه في الثيِّبِ، ولو ملَكَه قبلَ الدخولِ لَملَكَه بعدَه، ولو ملَكَه بعدَ الطلاقِ لَملَكَه قبلَه، ولو ملَكَه في المهرِ لَملَكَه في الدَّينِ.

وتحريرُه قياسًا: أنَّ مَنْ لم يَملكِ العفوَ عن مهرِها إذا كانت ثَيبًا لم يَملكْه إذا كانَتْ بِكرًا، كالإخوةِ والأعمامِ طَردًا وكالسيِّدِ في أمَتِه عكسًا (١).

وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: قولُه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مُتشابهٌ؛ لاحتِمالِه الوجهَين اللذَين تأوَّلَهما السَّلفُ عليهما، فوجَبَ ردُّه إلى المُحْكَمِ وهو قولُه تعالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)[النساء: ٤]، وقالَ تعالَى في آيةٍ أُخرى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فهذهِ الآياتُ مُحكَمةٌ لا احتِمالَ فيها لغيرِ المعنَى الذي اقتَضَتْه، فوجَبَ رَدُّ الآيةِ المتشابهةِ وهي قولُه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إليها؛ لأمرِ اللهِ تعالَى الناسَ برَدِّ المُتشابِه إلى المُحكَمِ، وذَمَّ متَّبعِي المتشابِه مِنْ غيرِ حَمْلِه على معنَى المُحكَمِ بقولِه تعالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧].

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥١٥، ٥١٦).

وأيضًا لمَّا كانَ اللفظُ مُحتمِلًا للمعاني وجَبَ حَملُه على مُوافَقةِ الأصولِ، ولا خلافَ أنه غيرُ جائزٍ للأبِ هِبةُ شيءٍ مِنْ مالِها للزوجِ ولا لغيرِه، فكذلكَ المهرُ لأنه مالُها، وقولُ مَنْ حمَلَه على الوليِّ خارجٌ عن الأصولِ؛ لأنَّ أحَدًا لا يَستحقُّ الولايةَ على غيرِه في هبةِ مالِهِ، فلمَّا كانَ قولُ القائِلِينَ بذلك مُخالِفًا للأصولِ خارِجًا عنها وجَبَ حَملُ معنَى الآيةِ على مُوافَقتِها؛ إذْ ليسَ ذلكَ أصلًا بنفسِه؛ لاحتمالِه للمَعاني، وما ليسَ بأصلٍ في نفسِه فالواجبُ ردُّه إلى غيرِه مِنَ الأصولِ واعتبارُه بها.

وأيضًا فلو كانَ المَعنَيانِ جَميعًا في حيِّزِ الاحتمالِ ووُجِدَ نظائرُهما في الأصولِ لَكانَ في مُقتضى اللفظِ ما يُوجِبُ أنْ يكونَ الزوجُ أَولى بظاهرِ اللفظِ مِنْ الوليِّ، وذلكَ لأنَّ قولَه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لا يَجوزُ أنْ يَتناولَ الوليَّ بحالٍ لا حقيقةً ولا مَجازًا؛ لأنَّ قولَه تعالَى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يَقتضي أنْ تكونَ العقدةُ مَوجودةً وهي في يَدِ مَنْ هي في يدِه، فأما عُقدةٌ غيرُ موجودةٍ فغيرُ جائزٍ إطلاقُ اللفظِ عليها بأنها في يَدِ أحدٍ، فلمَّا لم تَكنْ هناك عقدةٌ موجودةٌ في يدِ الوليِّ قبلَ العقدِ ولا بعدَه وقد كانَتِ العقدةُ في يدِ الزوجِ قبلَ الطلاقِ، فقدْ تَناولَه اللفظُ بحالٍ، فوجَبَ أنْ يكونَ حَملُه على الزوجِ أَولى منه على الوليِّ.

فإنْ قيلَ: إنما حكَمَ اللهُ بذلكَ بعدَ الطلاقِ، وليسَتْ عقدةُ النكاحِ بيدِ الزوجِ بعدَ الطلاقِ.

قيلَ له: يحَتملُ اللفظُ بأنْ يُريدَ الذي كانَ بيدِه عقدةُ النكاحِ، والوليُّ لم

يَكنْ بيَدِه عقدةُ النكاحِ ولا هيَ في يدِه في الحالِ، فكانَ الزوجُ أَولى بمعنَى الآيةِ مِنْ الوليِّ، ويَدلُّ على ذلكَ قولُه تعالَى في نَسقِ التلاوةِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فندَبَه إلى الفَضلِ وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وليسَ في هبةِ مالِ الغيرِ إفضالٌ منه على غيرِه، والمرأةُ لم يَكنْ منها إفضالٌ، وفي تَجويزِ عفوِ الوليِّ إسقاطُ معنَى الفضلِ المذكورِ في الآيةِ، وجعَلَه تعالى بعدَ العفوِ أَقربَ للتقوى، ولا تَقوى له في هبةِ مالِ غيرِه، وذلكَ الغيرُ لم يَقصِدْ إلى العفو، فلا يَستحقُّ به سِمةَ التقوَى.

وأيضًا فلا خِلافَ أنَّ الزوجَ مندوبٌ إلى ذلك، وعَفوُه وتَكميلُ المهرِ لها جائزٌ منه، فوجَبَ أنْ يكونَ مُرادًا بها، وإذا كانَ الزوجُ مُرادًا انتَفى أنْ يكونَ الوليُّ مُرادًا بها؛ لأنَّ السَّلفَ تأوَّلُوه على أحدِ مَعنَيينِ: إمَّا الزَّوج وإما الوَلي، وإذْ قد دَلَّلْنا على أنَّ الزوجَ مرادٌ وجَبَ أنْ تَمتنعَ إرادةُ الوليِّ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في قولٍ إلى أنَّ المقصودَ بقولِه تعالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هو الأبُ في ابنتِه البكرِ؛ لأنه لمَّا ندَبَ الكبيرةَ إلى العفوِ ندَبَ وليَّ الصغيرةِ إلى مثلِه؛ ليَتساويَا في ترغيبِ الأزواجِ فيهما، فيَجوزُ للأبِ أنْ يعفوَ عن نصفِ صداقِ ابنتِه البكرِ إذا طُلِّقَت قبلَ الدخولِ.

وليسَ له العفوُ قبلَ الطلاقِ عندَ مالكٍ، وقالَ ابنُ القاسمِ: يَجوزُ إذا كانَ

(١) «أحكام القرآن» (٢/ ١٥٠، ١٥٣).

لمَصلحةٍ كعُسر الزوجِ، وإذا دخَلَ بها فليسَ له أنْ يعفوَ عن شيءٍ مِنْ صداقِها اتفاقًا؛ لأنها لمَّا صارت ثيِّباً صارَ الكلامُ لها.

والدليلُ عليه مِنْ الآيةِ دَلائلُ:

أحدُها: أنه افتَتحَها بخِطابِ الأزواجِ مُواجَهةً ثمَّ عدَلَ بقولِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إلى خِطابِ الزوجاتِ كنايةً، ثم أرسَلَ قولَه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] خِطابًا لمَكْنِيٍّ عنه غيرِ مُواجَهٍ، والخِطابُ إذا عُدِلَ به عن المُواجَهةِ إلى الكِنايةِ اقتَضى ظاهرُه أنْ يَتوجهَ إلى غيرِ المواجَهِ، والزوجُ مواجَهٌ فلم تَعُدْ إليه الكِنايةُ، والزوجةُ قد تقدَّمَ حُكمُها، ولَفظُ الكنايةِ مُذكَّرٌ، فلم يَجزْ أنْ يَعودَ إليها، فلم يَبْقَ مَنْ يَتوجهُ الخِطابُ إليه غيرُ الوليِّ.

والدليلُ الثاني مِنْ الآيةِ قولُه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وليسَ أحدٌ بعدَ الطلاقِ بيَدِه عقدةُ النكاحِ إلا الوليَّ؛ لأنه يَملكُ أنْ يزوجَه، فاقتَضى أنْ يَتوجَّهَ الخِطابُ إليه ولا يَتوجهَ إلى الزوجِ الذي ليسَ العقدُ إليه، لِيكونَ الخِطابُ مَحمولًا على الحقيقةِ مِنْ غيرِ إضمارٍ، ولا يُحمَلُ على مَجازٍ وإضمارٍ.

والدليلُ الثالثُ مِنَ الآية: أنَّ الذي يَختصُّ به الوليُّ مِنَ النكاحِ أنْ يَملكَ عقْدَه، والذي يَختصُّ به الزوجُ أنْ يَملكَ الاستمتاعَ بعدَه، فكانَ حَملُ الذي بيده عقدةُ النكاحِ على الوليِّ الذي يَملكُ عقدَه أَولى مِنْ حَملِه على الزوجِ الذي يَملكُ الاستمتاعَ بعدَه.

والدليلُ الرابعُ مِنْ الآيةِ: أنَّ الزوجَ غارِمٌ للباقي مِنْ نصفِ الصَّداقِ في حقِّ الزوجةِ تَقبضُه الكبيرةُ ووَليُّ الصغيرةِ، فكانَ تَوجُّهُ العفوِ إلى مُستحِقِّ الغُرمِ أَولى مِنْ توجُّهِه إلى مُلتزِمِ الغُرمِ.

والخامسُ: أنَّ اللهَ تعالى ندَبَ إلى العفوِ مِنْ كِلا الطرفَين، فندَبَ إلى الأزواجِ بقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولم يُفصِّلْ؛ لأنهم يَملكونَ أنفسَهم، ثمَّ لمَّا ندَبَ النساءَ وكُنَّ يَنقسمْنَ إلى ثُيَّبٍ يَملكْنَ أنفسَهن ولا حَجْرَ عليهنَّ، وإلى أبكارٍ يُولَّى عليهنَّ، خاطَبَ الثُّيَّبَ بإيقاعِ العفوِ منهنَّ وامتَنعَ ذلكَ في الأبكارِ، فعدَلَ إلى الأولياءِ المالِكِين أمورَهنَّ وهمُ الآباءُ، ومتى جعَلْناه للأزواجِ أَخرَجْنا الأبكارَ مِنْ حيِّزِ مَنْ يُندبُ إلى العفوِ، ولأنهنَّ أحدُ نوعيِ الزوجاتِ، فجازَ أنْ يَلحقَهنَّ الندبُ إلى العفوِ عن نصفِ الصداقِ كالثيبِ، ولأنها أحَدُ الزوجَينِ، فلَحقَها العفوُ عُمومًا كالزوج، ولأنه وَليٌّ يَملكُ الإجبارَ، فجازَ له العفو عن صداق مَنْ يَملكُ إجبارَها، أصلُه السيدُ في أمَتِه (١).

(١) «الموطأ» (٢/ ٥٢٧)، و «الكافي» (١/ ٢٥٤)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٣٠، ٤٣٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٦٠، ٣٦٢) رقم (١١٩٥)، و «أحكام القرآن» (١/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «الذخيرة» (٤/ ٣٧١)، و «الفروق» (٣/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٦١٤، ٦١٥)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ١٧١)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٦٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢١٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٨٣، ١٨٤)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥١٣، ٥١٦)، و «المهذب» (٢/ ٥٩، ٦٠)، و «البيان» (٩/ ٤٣٩، ٤٤١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفوا مِنْ هذا الباب في فرعٍ مَشهورٍ مُتعلقٍ بالسَّماعِ، وهو: هل للأبِ أنْ يَعفوَ عن نصفِ الصداقِ في ابنتِه البكرِ -أعني إذا طُلِّقَت قبلَ الدخولِ- وللسيدِ في أمَتِه؟ فقالَ مالكٌ: ذلكَ له، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ: ليسَ ذلكَ له.

وسَببُ اختلافِهم هو الاحتِمالُ الذي في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وذلكَ في لَفظةِ «يَعفُو»؛ فإنها تُقالُ في كلامِ العَرَبِ مرَّةً بمعنَى يُسقِطُ ومرَّةً بمعنى يَهَبُ، وفي قولِه: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ على مَنْ يَعودُ هذا الضميرُ، هل على الوليِّ أو على الزوجِ؟ فمَن قالَ: «على الزوجِ» جعَلَ يَعفو بمَعنى يَهبُ، ومَن قالَ: «على الوليِّ» جعَلَ يَعفُو بمعنى يُسقِطُ.

وشذَّ قومٌ فقالوا: لكُلِّ وليٍّ أنْ يَعفوَ عن نصفِ الصداق الواجبِ للمرأةِ.

ويُشبهُ أنْ يكونَ هذانِ الاحتمالانِ اللذانِ في الآيةِ على السواءِ، لكن مَنْ جعَلَه الزوجَ فلم يُوجِبْ حكمًا زائدًا في الآيةِ، أي شَرعًا زائدًا؛ لأنَّ جوازَ ذلكَ معلومٌ مِنْ ضَرورةِ الشرعِ، ومَن جعَلَه الوليَّ إمَّا الأبَ وإما غيرَه فقد زادَ شَرعًا، فلذلكَ يَجبُ عليه أنْ يأتيَ بدليلٍ يُبيِّنُ به أنَّ الآيةَ أظهَرُ في الوليِّ منها في الزوجِ، وذلكَ شَيءٌ يَعسرُ.

والجُمهورُ على أنَّ المرأةَ الصغيرةَ والمَحجورةَ ليس لها أنَ تهَبَ مِنْ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب

وقال بعضهم: يدل على أنه كثير الجماع.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا ترفع عصاك عن أهلك.

أراد به الكناية عن الجماع، فيكون في هذه الدلالة دلالة على جواز الكناية بالجماع، وهذا غلط في التأويل، لانه ليس من الكلام ما يدل على أنه أراد هذا.

قال الصيمري: ولو قيل انه أراد بقوله صلى الله عليه وسلم هذا كثرة الجماع أي أنه كثير التزويج لكان أشبه (الثامنة عشرة) يدل على جواز خطبة الرجل، لان النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لاسامة (التاسعة عشرة) أنه يجوز للرجل أن يخطب امرأة قد خطبها غيره إذا لم يتقدم اجابة للاول (العشرون) أنه يجوز للمستشار أن يشير على المستشير بما لم يسأله عنه لانها لم تستشر في أسامة رضى الله عنه (الاحدى والعشرون) انه لا يجب على المستشير المصير إلى ما أشار به المشير لان النبي صلى الله عليه لم يقل لها يجب عليك المصير إلى ما أشرت به، وانما أعاد ذلك عليها على سبيل المشورة.

(الثالثة والعشرون) أن الخير لا يختص بالنسب، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أدلك على من هو خير منهما، ونسبهما خير من نسبه (الرابعة والعشرون) أن الكفاءة ليست بشرط في النكاح، لانها قرشية وأسامة مولى (الخامسه والعشرون) أنه يجوز أن يخطب المرأة إلى نفسها، وان كان لها ولى.

والله تعالى أعلم بالصواب.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب الخيار في النكاح والرد بالعيب

إذا وجد الرجل امرأته مجنونه أو مجذومه أو برصاء أو رتقاء وهى التى انسد فرجها أو قرناء وهى التى في فرجها لحم يمنع الجماع، ثبت له الخيار.

وان وجدت المرأة زوجها مجنونا أو مجذوما أو ابرص أو مجبوبا أو عنينا، ثبت لها الخيار، لما روى زيد بن كعب بن عجرة قال (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار فرأى بكشحها بياضا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البسى ثيابك والحقى بأهلك)

فثبت الرد بالبرص بالخبر.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 516 - 526

ارجع إلى أقل المهر وأكثره للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله