هل هدية الزوج للزوجة تعتبر من المهر؟

الإسلام > النكاح والأسرة > أقل المهر وأكثره > هل هدية الزوج للزوجة تعتبر من المهر؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

هل هدية الزوج للزوجة تعتبر من المهر؟ - الأقوال والأدلة

ما اتَّفقَا عليه في السرِّ، ولا يُعملُ بما اتَّفقَا عليه في العَلانيةِ، وسواءٌ كانَ شهودُ السرِّ هم شُهودُ العَلانيةِ أم غيرُهم، وهذا إذا اتَّفقَ الزوجانِ على هذا.

أما إنِ اختَلفَا وتَنازعَا وادَّعتِ المرأةُ على الزوجِ أنهما رجَعَا عمَّا اتفقَا عليه في السرِّ إلى ما أظهَرَاه في العلانيةِ وأَكذَبَها الزوجُ فإنَّ لها أنْ تُحلِّفَه على ذلكَ، فإنْ حلَفَ عُملَ بصَداقِ السرِّ، وإنْ نكَلَ عُملَ بصَداقِ العلانيةِ بعدَ حَلِفِها.

ومَحلُّ حَلِفِ الزوجِ ما لم تَقُمْ بيِّنةٌ تَشهدُ أنَّ صداقَ العلانيةِ لا أصلَ له، بأنْ يَشهدَ شهودُ السرِّ أنَّ الزوجَينِ أشهَداهُم أنَّ الصداقَ الذي أعلَنَاهُ لا أصلَ له وأنَّ السرَّ هو المَعمولُ به، فإنه يُقضَى بصداقِ السرِّ ولا يَحلفُ الزوجُ حِينئذٍ، وسواءٌ في هذا كلِّه كانَ شُهودُ السرِّ هم شهودُ العَلانيةِ أم غيرُهم (١).

هل هَديةُ الزَّوجِ للزَّوجةِ تُعتبَرُ مِنْ المَهرِ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَهدى الزوجُ إلى زوجتِه هديةً مثلَ الذَّهبِ والشَبْكَةِ وغيرِها مِنَ الهدايا، هل تُحسَبُ مِنَ المهرِ أم لا؟

فذهبَ أكثرُ العُلماءِ إلى أنَّ هديةَ الزوجِ لزَوجتِه لا تُحسَبُ مِنْ المهرِ.

قالَ الحَنفيةُ: لو خطَبَ بنتَ رَجلٍ وبعَثَ إليها شيئًا ولم يُزوِّجْها أبوها

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٩٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٧٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٦٠، ١٦١)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤١، ٤٢).

فما بعَثَ للمهرِ يَستردُ عينَه قائمًا فقط وإنْ تغيَّرَ بالاستعمالِ؛ لأنه مُسلَّطٌ عليه مِنْ قِبَلِ المالكِ، فلا يلزمُ في مُقابلةِ ما انتَقصَ باستعمالِه شيءٌ، أو قيمتَه هالِكًا -أي قِيمتُه وهو هالكٌ-؛ لأنه مُعاوضةٌ ولم تَتمَّ، فجازَ الاستِردادُ.

وكذا كلُّ ما بعَثَ هديةً وهو قائمٌ دونَ الهالِكِ والمُستهلكِ؛ لأنَّ فيهِ معنى الهبةِ، والهلاكُ والاستهلاكُ مانعٌ مِنْ الرجوعِ بها، وكذا يُشترطُ عدمُ ما يَمنعُ مِنْ الرجوعِ، كما لو كانَ ثوبًا فصَبَغتْه أو خالَطَتْه (١).

ومَن بعَثَ إلى امرأتِه شيئًا فقالَتْ: «هوَ هديةٌ» وقالَ: «هو مِنَ المهرِ» فالقولُ له معَ يمينِه في غيرِ المُهيَّأِ للأكلِ؛ لأنه المُمَلِّكُ فكانَ أَعرَفَ بجهةِ التمليكِ، كما إذا قالَ: «أودَعتُكِ هذا الشيءَ» فقالَت: «بل وهبْتَه لي»، وكذا الظاهرُ يَشهدُ له؛ لأنه يَسعى في إسقاطِ ما في ذمَّتِه، إلا في الطعامِ المهيَّأِ للأكلِ كالشِّواءِ واللحمِ المطبوخِ والفواكهِ التي لا تَبقى فإنَّ القولَ قولُها فيهِ استِحسانًا؛ لجريانِ العادةِ بإهدائِها، فكانَ الظاهرُ شاهِدًا لها، بخلافِ ما إذا لم يكنْ مُهيَّأً للأكلِ كالعسلِ والسَّمنِ والجوزِ واللوزِ.

وقيلَ: ما يَجبُ عليه مِنْ الخِمارِ والدَّرعِ ونحوِ ذلكَ ليسَ له أنْ يحبسَه مِنْ المهرِ؛ لأنَّ الظاهرَ يُكذبُه، بخلافِ ما لا يجبُ عليه كالخُفِّ والملاءَةِ؛ لأنه لا يَجبُ عليه أنْ يُمكِّنَها مِنْ الخروجِ، بل له أنْ يمنَعَها.

(١) «البحر الرائق» (٣/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «درر الحكام» (٤/ ١٤٥)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٥٣٢)، و «الدر المختار» (٣/ ١٥٣)، و «الهندية» (١/ ٣٢٨)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (١/ ١٥٩).

ثمَّ إذا كانَ القولُ قولَ الزوجِ تَردُّ عليه المَتاعَ إنْ كانَ قائمًا وتَرجعُ بمهرِها؛ لأنه بيعٌ بالمهرِ، فلا يَنفردُ به الزوجُ، بخلافِ ما إذا كانَ مِنْ جنسِ المهرِ، وإنْ كانَ هالكًا لا ترجعُ.

ولو قالَت: «هيَ مِنْ المهرِ» وقالَ: «هو وديعةٌ» فإنْ كانَ مِنْ جنسِ المهرِ فالقولُ قولُها، وإنْ كانَ مِنْ خلافِه فالقولُ قولُه.

ولو بعَثَ إلى امرأتِه شيئًا وبعثَ إليه أبوها شيئًا ثم قالَ: «هو مِنْ المهرِ» فلأبيها أنْ يَرجعَ بما بعَثَ إنْ كانَ مِنْ مالِ نفسِه وكانَ قائمًا، وإنْ كانَ مِنْ مالِ البنتِ بإذنها فليسَ له أنْ يَرجعَ؛ لأنه هبةٌ منها لزوجِها، ذكَرَه في «الذَّخيرَة»، وفي «فتَاوى أهلِ سَمرْقندَ»: رجلٌ تزوَّجَ امرأةً وبعثَ إليها بهَدايا وعوَّضَتْه المرأةُ على ذلكَ عوضًا ثمَّ زُفَّتْ إليه ثمَّ فارَقَها وقالَ: «إنما بَعثتُ إليكِ عاريَةً» وأرادَ أنْ يَستردَّ ذلكَ وأرادتِ المرأةُ أنْ تَستردَّ العوضَ فالقولُ له في الحُكمِ؛ لأنه أنكَرَ التمليكَ، فإذا استَردَّ ذلكَ منها كانَ لها أنْ تَستردَّ ما عوضَتْه.

قالَ الزَّيلعيُّ رحمة الله عليه: وفي «الذَّخيرِة»: جهَّزَ بنتَه وزوَّجَها ثم زعَمَ أنَّ الذي دفَعَه إليها مالُه وكانَ على وجهِ العاريةِ عندَها فقالَتْ: «هو مِلكِي جهَّزتَني به» أو قالَ الزوجُ ذلكَ بعدَ موتها فالقولُ قولُهُما دونَ الأبِ؛ لأنَّ الظاهرَ شاهِدٌ بمِلكِ البنتِ؛ إذِ العادةُ دفعُ ذلكَ إليها بطريقِ المِلكِ، وحُكِيَ عن عليٍّ السغديِّ أنَّ القولَ قولُ الأبِ؛ لأنَّ ذلكَ يُستفادُ مِنْ جهتِه، وذَكَرَ مثلَه السَّرخسيُّ، وأخَذَ به بعضُ المَشايخِ، وقالَ في «الواقِعَات»: إنْ كانَ

العُرفُ ظاهرًا بمثلِه في الجهازِ كمَا في ديارِنا فالقولُ قولُ الزوجِ، وإنْ كانَ مُشتَرَكًا فالقولُ قولُ الأبِ.

ولو أبرَأَتْ زوجَها مِنْ مَهرِها أو وهبَتْه إياهُ ثم ماتَتْ بعدَ مدةٍ فقالتِ الورَثةُ: «أبرأَتْه في مَرضِ موتِها» وأنكَرَ الزوجُ فالقولُ له، وقيلَ: ينبغي أنْ يكونَ القولُ قولَ الورَثةِ؛ لأنَّ الزوجَ يدَّعي سُقوطَ ما كانَ ثابِتًا وهم يُنكِرونَ، وجهُ الظاهرِ: أنَّ الورثةَ لم يكنْ لهم حَقٌّ وإنما كانَ لها وهُمْ يدَّعونَه لأنفسِهم والزوجُ يُنكرُه فكانَ القولُ له (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا أَهدَى الزوجُ هديةً لزوجتِه قبلَ العقدِ أو في حينِ العقدِ فإنها تَتشطَّرُ بالطلاقِ قبلَ الدخولِ عليها؛ لأنها هبةٌ لأجلِ النكاحِ، وسواءٌ اشترطَتْ أو لا، جرَى العرفُ بها أو لا، وسواءٌ كانَتِ الهديةُ لها أو لغيرِها.

وأما إذا أهدَى الزوجُ لزوْجتِه بعدَ أنْ عقَدَ نكاحها هَديةً تطوُّعًا وقَبضَتْها الزوجةُ أو لم تَقبضْها ثم إنه طلَّقَها قبلَ البناءِ فإنَّ الهديةَ تَتشطَّرُ بهذا الطلاقِ عندَ الإمامِ مالكٍ ويَرجعُ بنصفِها.

وقالَ ابنُ القاسمِ: لا تَتشطَّرُ ولا شيءَ له فيها وإنْ كانَت قائمةً بيَدِها؛

(١) «تبيين الحقائق» (٢/ ١٥٨، ١٥٩)، ويُنظَر: «المبسوط» (٥/ ١٩٥، ١٩٦)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٩)، و «الهداية» (١/ ٢١٣، ٢١٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٤٥)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٩٩)، و «الدر المختار» (٣/ ١٥٣، ١٥٤)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٣٢٢).

لأنه طلَّقَ باختيارِه، ورواه ابنُ نافعٍ عن مالكٍ، وهو ظاهرُ المَذهبِ، وهذا في النكاحِ الصحيحِ إذا طلَّقَ قبلَ البناءِ.

وأما إنْ كانَ النكاحُ فاسدًا وفُسخَ قبلَ البناءِ فللزوجِ أخذُ ما وجَدَ مِنْ الهديةِ بيَدِ الزوجةِ ولو كانَ مُتغيِّرًا؛ لأنه مَغلوبٌ على الفراقِ، وهو قولُ ابنِ القاسمِ، فإنْ لم يَجدْ بيدِها شيئًا فلا شيءَ له.

وإنْ طلَّقَ أو فسَخَ بعدَ البناءِ فإنَّ الزوجَ لا يأخذُ شيئًا مِنْ الهبةِ وإنْ كانت قائمةً بيَدِ الزوجةِ؛ لأنَّ النكاحَ الذي أعطى لأجْلِه قد انتَفعَ بسببِه تلكَ المدةَ، والفسخُ كطَلاقٍ حادثٍ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لو اشتَرى الزوجُ حليًّا أو دِيباجًا ونحوَهما مِنْ كلِّ ما يُتخذُّ للزينةِ لزوجتِه وزيَّنَها بذلكَ لا يَصيرُ مِلكًا لها بنفسِ التَّزيينِ المذكورِ، بل إنما يَصيرُ بصدورِ الإيجابِ والقبولِ منهما أو بقَصدِ الهديةِ منه لها بذلكَ.

ولو اختلَفَتْ هيَ والزوجُ في الإهداءِ والعاريةِ فادَّعتْ هيَ أنه أهدَى لها الحُليَّ والديباجَ المذكورَينِ وادَّعى هو أنه لم يُهدِهما لها وإنما جعَلَهما عندها عاريةً صُدِّقَ الزوجً؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التمليكِ، ومثلُ الزوجِ في ذلك وارثُه، يعني: لو اختلَفَتْ هي ووارِثُ الزوجِ في الإهداءِ والعاريةِ صُدِّقَ الوارثُ.

(١) «البيان والتحصيل» (٥/ ٦٧، ٦٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٦٠٢، ٦٠٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٨١، ٢٨٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٧١، ١٧٣)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٥).

ولو أعطاها بعدَ العقدِ مالًا فقالَتْ: «الذي أعطَينتَي هَديةٌ» وقالَ: «بل الذي أعطَيتُكِ إياهُ الصداقُ الذي في ذمَّتي» صُدِّقَ الزوجُ بيَمينهِ وإنْ كانَ المُعطَى مِنْ غيرِ جنسه.

وما يعطيه الزوجُ لزَوجتِه صُلحةً -اسمٌ للشَّيء المُعطَى لأجْلِ المُصالَحةِ إذا غضَبَتْ- أو صَباحيةً -هي اسمٌ للشيءِ المُعطَى صُبحَ الزواجِ، ويُسمَّى صَبيحةً- كما اعتِيدَ إعطاءُ الصُّلحةِ والصَّباحيةِ ببَعضِ البلادِ لا تَملِكُه المرأةُ إلا بلفظٍ أو قصدِ إهداءٍ.

وقيلَ: أنها تملِكُه كما في «فتاوى ابنِ الخياطِ»: إذا أَهدَى الزوجُ للزوجةِ بعدَ العقدِ بسَببِه فإنها تَملكُه ولا يَحتاجُ إلى إيجابٍ وقبولٍ، ومِن ذلكَ ما يَدفعُه الرجلُ إلى المرأةِ صبحَ الزواجِ ممَّا يُسمَّى «صُبحيةً» في عُرفِنا وما يَدفعُه إليها إذا غضَبَتْ أو تزوَّجَ عليها فإنَّ ذلكَ تَملكُه المرأةُ بمُجرَّدِ الدفعِ إليها (١).

ولو خطَبَ امرأةً ثم أرسَلَ أو دفعَ إليها بلا لفظٍ يدلُّ على التبرعِ مالًا قبلَ العقدِ -أي ولم يَقصدِ التبرعَ، ويُعرفُ القصدُ بإقرارِه- ثم وقَعَ الإعراضُ عن العقدِ منها أو منه رجَعَ عليها أو على وليِّها أو وكيلِها ما وَصلَها منه، كما صرَّحَ به جَمْعٌ مُحقِّقونَ.

(١) «النجم الوهاج» (٥/ ٥٣٩)، و «البيان» (٩/ ٤٦٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٩٩)، و «إعانة الطالبين» (٤/ ١٣٥، ١٣٧).

ولو طلَّقَ في مسألتِنا بعدَ العقدِ لم يَرجعْ بشيءٍ كمَا رجَّحَه الأذرعيُّ خِلافًا للبغَويِّ؛ لأنه إنما أعطَى لأجلِ العقدِ وقد وُجدَ.

ولو دفَعَ لمخطوبتِه قبلَ العقدِ مالًا وقالَ: «جعلْتُه مِنْ الصداقِ الذي سَيجبُ بالعقدِ، أو مِنْ الكسوةِ التي سَتجبُ بالعقدِ والتمكينِ» وقالَتْ: «بل هي هديةٌ» فالذي يتَّجِه تصديقُها؛ إذ لا قَرينةَ هنا على صدقِه في قصدِه (١).

وقالَ الحَنابلةُ: وهديةُ زوجٍ ليسَتْ مِنْ المهرِ، فمَا أهداهُ الزوجُ مِنْ هديةٍ قبلَ عقدٍ إنْ وعدوُه بأنْ يزوِّجُوه ولم يَفُوا بأنْ زوَّجُوا غيرَه رجَعَ بها، قالَه الشيخُ تقيُّ الدِّينِ؛ لأنه بذَلَها في نظيرِ النكاحِ ولم يُسلَّمْ له، وعُلِمَ منه أنه إنِ امتَنعَ هو لا رُجوعَ له كالمُجاعِلِ إذا لم يَفِ بالعملِ.

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تَيميةَ رحمة الله عليه: فيما إنِ اتَّفقَ الخاطبُ معَ المرأةِ ووليِّها على النكاحِ مِنْ غيرِ عقدٍ فأَعطَى الخاطبُ إياها لأجْلِ ذلكَ شيئًا مِنْ غير الصداقِ فماتَتْ قبلَ العقدِ ليسَ له استِرجاعُ ما أعطاهُمْ. انتهى. لأنَّ عدمَ التمامِ ليسَ مِنْ جهتِهم، وعلى قياسِ ذلكَ لو ماتَ الخاطبُ لا رُجوعَ لوَرثتِه.

وما قُبضَ بسببِ النكاحِ كالذي يُسمُّونَه المَأكلةَ فحُكمُه حكمُ المهرِ فيما يُسقطُه أو يُنصِّفُه أو يُقرِّرُه، ويكونُ ذلكَ لها، ولا يَملكُ منه الوليُّ شيئًا إلا أنْ تهَبَه له بشَرطهِ، إلا الأبَ فله أنْ يأخُذَ بالشرطِ وبلا شَرطٍ مِنْ مالِها ما

(١) «إعانة الطالبين» (٣/ ٦٤٣، ٦٤٤).

شاءَ بشَرطِه، وما كتبَ فيه المهرِ لها ولو طَلُقتْ، قالَه الشيخُ؛ لأنَّ العادةَ أخذُها له.

ولو فُسخَ النكاحُ في فُرقةٍ قَهريةٍ كَفسخِها لفَقدِ كَفاءةٍ قبلَ الدخولِ رُدَّ للزوجِ كلُّ الصَّداقِ وما دفَعَه ولو هديةً؛ لدَلالةِ الحالِ على أنه وهَبَ بشَرطِ بقاءِ العقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرجوعَ كالهبةِ بشَرطِ الثوابِ.

قالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: قلتُ: قياسُ ذلكَ لو وهَبَتْه هيَ شيئًا قبلَ الدخولِ ثم طلَّقَ ونحوَه.

وكذا يُرَدُّ إليه الكلُّ ولو هَديةً في فُرقةٍ اختياريةٍ مُسقِطةٍ للمهرِ كفَسخِها لعَيبِه ونحوِه قبلَ الدخولِ؛ لدَلالةِ الحالِ على أنه وهَبَ بشَرطِ بقاءِ العقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرجوعَ كالهبةِ بشرطِ الثوابِ.

وتَثبتُ الهديةُ للزوجةِ معَ فسخٍ للنكاحِ مُقرِّرٍ له -أي للصَّداقِ- مِنْ وَطءٍ أو خَلوةٍ، أو لنصفِه كطلاقٍ ونحوِه، فلا رُجوعَ له في الهديةِ إذنْ؛ لأنَّ زوالَ العقدِ ليسِ مِنْ قِبَلِها وهو المُفوِّتُ على نفسِه.

وإنْ كانَتِ العطيةُ لغير العاقدَينِ بسببِ العقدِ كأجرةِ الدلَّالِ ونحوِها كأجرةِ الكيَّالِ والوزَّانِ، قالَ ابنُ عقيلٍ في «النَّظريَّات»: إنْ فُسخَ بيعٌ بإقالةٍ ونحوِها ممَّا يَقفُ على تَراضٍ مِنْ العاقدَين لم يَرُدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه، وإنْ لم يَقفِ الفسخُ على تراضِيهما كالفسخِ لعَيبٍ ونحوِه ردَّ الدلَّالُ ما أخَذَه؛ لأنَّ المَبيعَ وقَعَ مُتردِّدًا بينَ اللزومِ وعَدمِه، وقياسُ المبيعِ نكاحٌ فُسخَ لفَقدِ كفاءةِ

الزوجِ أو ظهورِ عيبٍ في أحدِهما، فيَردُّه -أي: يَردُّ الخاطبُ ما أخَذَه مِنْ الزوجَين أو مِنْ أحدِهما بسَببِ توسُّطِه الَّتزويجَ-؛ لأنه أخَذَ على عقدٍ لم يُسلَّمْ، ولا يَردُّ المأخوذَ إنْ انفَسخَ النكاحُ لرِدةٍ ورَضاعٍ ومُخالَعةٍ (١).

(١) «كشاف القناع» (٥/ ١٧٠، ١٧١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٥، ٢١٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٣، ٢٤)، وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه في «الإنصاف» (٨/ ٢٩٦، ٢٩٧): هَديةُ الزَّوجةِ ليسَتْ مِنْ المهرِ، نَصَّ عليه، فإنْ كانتْ قبلَ العقدِ وقدْ وَعدُوهُ بأنْ يزوِّجوهُ فزوَّجُوا غيرَه رجَعَ بها، قالَه الشيخُ تقيُّ الدينِ رحمة الله عليه، واقتَصرَ عليهِ في «الفروع»، قلتُ: وهذا ممَّا لا شكَّ فيهِ، وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ رحمة الله عليه أيضًا: ما قبضَ بسَببِ النكاحِ فكَمَهرٍ، وقالَ أيضًا: ما كتبَ فيه المَهر لا يخرجُ مِنها بطَلاقِها.
وقالَ في القاعدةِ الخَمسينَ بعد المائةِ: حَكَى الأثرَمُ عن الإمامِ أحمَدَ رحمة الله عليه في المَولى يتزوَّجُ العرَبيةَ: يفرَّقُ بينَهما، فإنْ كانَ دفَعَ إليها بعضَ المهرِ ولم يَدخلْ بها يَردُّوهُ، وإنْ كانَ أهدَى هَديةً يَردُّونَها عليه، قال القاضي في «الجامِع»: لأنَّ في هذه الحالَ يَدلُّ على أنه وهبَ بشَرطِ بقاءِ العَقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرجوعَ كالهبةِ بشَرطِ الثوابِ. انتهى.
وهذا في الفُرقةِ القَهريةِ لفَقدِ الكَفاءةِ ونحوِها ظاهرٌ، وكذا الفُرقةُ «الاختياريةُ» المُسقِطةُ للمَهرِ.
فأما الفَسخُ المُقرِّرُ للمهرِ أو لنصفِه فتَثبتُ معه الهديةُ، وإنْ كانَتِ العَطيةُ لغيرِ المُتعاقِدينِ بسَببِ العقدِ كأُجرةِ الدلَّالِ والخاطِبِ ونحوِهما ففي «النَّظريَّات» لابن عَقيلٍ: إنْ فُسخَ البيعُ بإقالةٍ ونحوِها لم يَقفْ على التَّراضي، فلا تُرَدُّ الأجرةُ، وإنْ فُسخَ بخيارٍ أو عيبٍ رُدَّتْ؛ لأنَّ البيعَ وقَعَ مُترددًا بينَ اللزومِ وعَدمِه، وقياسُه في النكاحِ أنه إنْ فُسخَ لفَقدِ الكفاءةِ أو لعَيبِه رُدَّتْ، وإنْ فُسخَ لردَّةٍ أو رَضاعٍ أو مُخالَعةٍ لم تُرَدَّ. انتهى. نقَلَه صاحِبُ «القواعِد».

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل وجوب المهر على الزوج

فِي بَيَانِ حُكْمِ النِّكَاحِ، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ مَا يَرْفَعُ حُكْمَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ، فَالنِّكَاحُ لَا يَخْلُو (إمَّا) أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا (وَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا، وَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ (أَمَّا) .

النِّكَاحُ الصَّحِيحُ، فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ، وَبَعْضُهَا مِنْ التَّوَابِعِ، أَمَّا الْأَصْلِيَّةُ مِنْهَا، فَحِلُّ الْوَطْءِ إلَّا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِحْرَامِ وَفِي الظِّهَارِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ المؤمنون: ٥ ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ المؤمنون: ٦ نَفَى اللَّوْمَ عَمَّنْ لَا يَحْفَظُ فَرْجَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ فَدَلَّ عَلَى حِلِّ الْوَطْءِ إلَّا أَنَّ الْوَطْءَ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ خُصَّ بِقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ البقرة: ٢٢٢ ، وَالنِّفَاسُ أَخُو الْحَيْضِ، وَقَوْلِهِ ﷿ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ البقرة: ٢٢٣ .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 539 - 547

ارجع إلى أقل المهر وأكثره للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله