الحالة الثالثة: أن يتباعد حيضها لغير عارض

الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > الحالة الثالثة: أن يتباعد حيضها لغير عارض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الحالة الثالثة: أن يتباعد حيضها لغير عارض - الأقوال والأدلة

الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَتباعدَ حَيضُها لغيرِ عارضٍ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ ممَّن تَحيضُ إلا أنه يَتباعدُ ما بينَ حَيضتَيها لغيرِ عارضٍ مِنْ مَر ضٍ أو رَضاعٍ أو غيرِه لم تَنقَضِ عدَّتُها حتى تَحيضَ ثَلاثَ حِيَضٍ وإنْ طالَتْ؛ لأنَّ هذهِ لم يَرتفعْ حَيضُها ولم تَتأخرْ عن عادتِها، فهيَ مِنْ ذَواتِ القُروءِ باقيةٌ على عادتِها، فأشبَهَتْ مَنْ لم يَتباعدْ حَيضُها؛ قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا نَعلمُ في هذا مُخالِفًا (١).

حتى أنَّ المالِكيةَ قالُوا: المَرأةُ إذا كانَتْ عادَتُها أنَّ القُرءَ لا يَأتيها إلا في كلِّ سَنةٍ أو أكثَرَ منها مَرةً واحِدةً فإنها لا تَعتدُّ إلا بالأقراءِ، ولا تَخرجُ بذلكَ عن كَونِها مِنْ أهلِ الأقراءِ، فتَنتظرُ العادةَ على عادتِها، خِلافًا لطاوُسٍ القائلِ باكتِفائِها بثَلاثةِ أشهُرٍ ولا تَنتظرُ الحيضَ.

ومثلُ السَّنةِ الخَمسُ سَنواتٍ، فمَن عادتُها أنْ يَأتيَها الحيضُ في كلَّ خَمسِ سَنواتٍ مرَّةً فإنها تَنتظرُ، فإنْ جاءَ وقتُ مَجيئِه وهو الخَمسُ سِنينَ ولم يَجِئْ حلَّتْ، وإنْ جاءَ انتظَرتْ وقتَ مَجيءِ الثانيةِ، فإنْ جاءَ وقتُ المَجيءِ ولم تَجِئْ حلَّتْ، وإنْ جاءَ انتظَرتْ وقتَ مَجيءِ الثالثةِ، فإنْ لم تَجِئْ أو جاءَتْ حلَّتْ.

(١) «المغني» (٨/ ٩٠، ٩١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٩١)، ويُنظَر: «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٥)، و «أحكام القرآن» (٥/ ٣٥٢، ٣٥٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٦)، و «البيان» (١١/ ٢٢).

واختَلفوا فيما لو كانَ مِنْ عادَتِها أنْ يَأتيَها الحيضُ في كلِّ عَشرِ سِنينَ مثلًا مرَّةً، فقيلَ: هي كالتي قبلَها كمَن يَأتيها الحَيضُ كلَّ سَنةٍ مرةً أو كلَّ خَمسِ سِنينَ مَرةً، فمَن عادتُها أنْ يَأتيَها الحيضُ في كلِّ عَشرِ سِنينَ مرةً فإنها تَنظرُه، فإنْ جاءَ وقتُ مَجيئِه وهو العَشرُ سِنينَ ولم يَجِئْ حلَّتْ، وإنْ جاءَ انتظَرتْ وقتَ مَجيءِ الثانيةِ، فإنْ جاءَ وقتُ المَجيءِ ولم تَجِئْ حلَّتْ، وإنْ جاءَ انتظَرتْ وقتَ مَجيءِ الثالثةِ، فإنْ لم تَجِئْ أو جاءَتْ حلَّتْ.

وقيلَ: أنها تَعتدُّ بسَنةٍ بَيضاءَ مِنْ يومِ طَلاقِها؛ قياسًا على مَنْ يَأتيها في عُمرِها مرَّةً.

وقيلَ: تَعتدُّ بثَلاثةِ أشهُرٍ كالآيِسةِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما التي تُطلَّقُ فلا تَحيضُ وهي في سِنِّ الحَيضِ وليسَ هناكَ رِيبةُ حَملٍ ولا سَببٌ مِنْ رَضاعٍ ولا مَرضٍ فإنها تَنتظرُ عند مالكٍ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ لم تَحِضْ فيهنَّ اعتَدتْ بثَلاثةِ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تَستكملَ الثلاثةَ الأشهُرَ اعتبَرَتِ الحَيضَ واستَقبلتِ انتِظارَه، فإنْ مَرَّ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ الثانيةَ اعتدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تَستكملَ الثلاثةَ أشهُرٍ مِنْ العامِ الثاني انتَظرَتِ الحَيضةَ الثالثةَ، فإنْ مرَّ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٧٢)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٣٨١، ٣٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٣٨)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٣/ ٤١٣، ٤١٤).

حاضَتِ الثالِثةَ في الثلاثةِ الأشهُرِ كانَتْ قد استَكملَتْ عدَّةَ الحَيضِ وتمَّتْ عدَّتُها، ولزَوجِها عليها الرَّجعةُ ما لم تَحِلَّ.

واختُلفَ عن مالِكٍ متى تَعتدُّ بالتسعةِ أشهُرٍ؟ فقيلَ: مِنْ يَومِ طلقَتْ، وهو قَولُه في «المُوطَّأ»، ورَوى ابنُ القاسِمِ عنه: مِنْ يَومِ رَفعِها حَيضتَها.

وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيَّ والجُمهورُ في التي تَرتفعُ حَيضتُها وهي لا تَيأسُ منها في المُستأنَفِ: إنها تَبقى أبدًا تَنتظرُ حتى تَدخلَ في السنِّ الذي تَيأسُ فيه مِنْ المَحيضِ، وحِينئذٍ تَعتدُّ بالأشهُرِ وتَحيضُ قبلَ ذلك.

وقولُ مالكٍ مَرويٌّ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ عبَّاسٍ.

وقولُ الجُمهورِ قَولُ ابنِ مَسعودٍ وزَيدٍ.

وعُمدةُ مالِكٍ عن طَريقِ المَعنى هو أنَّ المَقصودَ بالعدَّةِ إنما هو ما يَقعُ به بَراءةُ الرَّحمِ ظنًّا غالبًا؛ بدَليلِ أنه قد تَحيضُ الحامِلُ، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فعدَّةُ الحَملِ كافيةٌ في العِلمِ ببَراءةِ الرَّحمِ، بل هي قاطِعةٌ على ذلكَ، ثم تَعتدُّ بثَلاثةِ أشهُرٍ عدَّةَ اليائِسةِ.

فإنْ حاضَتْ قبلَ تَمامِ السَّنةِ حُكمَ لها بحُكمِ ذَواتِ الحَيضِ واحتَسبَتْ بذلكَ القُرءِ، ثم تَنتظرُ القُرءَ الثاني أو السَّنةَ إلى أنْ يَمضيَ لها ثَلاثةُ أقراءٍ.

وأما الجُمهورُ فصارُوا إلى ظاهِرِ قولِه تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، والتي هي مِنْ أهلِ الحَيضِ ليسَتْ بيائِسةٍ، وهذا الرأيُ فيه عُسرٌ وحَرجٌ، ولو قيلَ: «إنها تَعتدُّ

بثَلاثةِ أشهُرٍ» لَكانَ جَيدًا إذا فُهمَ مِنْ اليائِسةِ التي لا يُقطعُ بانقِطاعِ حَيضتِها.

وكانَ قَولُه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ راجِعًا إلى الحُكمِ لا إلى الحَيضِ على ما تأوَّلَه مالِكٌ عليهِ، فكأنَّ مالِكًا لم يُطابقْ مَذهبُه تأويلَه الآيةَ؛ فإنه فَهِمَ مِنْ اليائِسةِ هُنا مَنْ تُقطَعُ على أنها ليسَتْ مِنْ أهلِ الحَيضِ، وهذا لا يَكونُ إلا مِنْ قِبَلِ السنِّ، ولذلكَ جعَلَ قولَه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ راجِعًا إلى الحُكمِ لا إلى الحَيضِ، أي: إنْ شكَكْتُم في حُكمِهنَّ، ثم قالَ في التي تَبقَى تِسعةَ أشهُرٍ لا تَحيضُ وهي في سَنِّ مَنْ تَحيضُ: إنها تَعتدُّ بالأشهُرِ.

وأما إسماعيلُ وابنُ بُكيرٍ مِنْ أصحابِه فذَهَبوا إلى أنَّ الرِّيبةَ هاهُنا في الحَيضِ، وأنَّ اليائِسَ في كَلامِ العَربِ هو ما لم يُحكَمْ عليهِ بما يَئِسَ منه بالقَطعِ، فطابَقُوا تأويلَ الآيةِ مَذهبَهم الذي هو مَذهبُ مالِكٍ، ونِعمَ ما فَعلُوا؛ لأنه إنْ فُهمَ هاهُنا مِنْ اليائِسِ القطعُ فقدْ يَجبُ أنْ تَنتظرَ الدمَ وتَعتدَّ به حتى تَكونَ في هذا السنِّ، أعني سِنَّ اليائسِ، وإنْ فُهمَ مِنْ اليائسِ ما لا يُقطعُ بذلكَ فقدْ يَجبُ أنْ تَعتدَّ التي انقطَعَ دَمُها عن العادةِ وهي في سِنِّ مَنْ تَحيضُ بالأشهُرِ، وهو قياسُ قَولِ أهلِ الظاهرِ؛ لأنَّ اليائِسةَ في الطَّرفينِ ليسَ هي عندَهم مِنْ أهلِ العدَّةِ لا بالأقراءِ ولا بالشُّهورِ.

أما الفَرقُ في ذلكَ بينَ ما قبلَ التِّسعةِ وما بعدَها فاستِحسانٌ.

وأما التي ارتَفعَتْ حَيضتُها لسبَبٍ مَعلومٍ مثلَ رَضاعٍ أو مَرضٍ فإنَّ المَشهورَ عندَ مالكٍ أنها تَنتظرُ الحيضَ، قَصُرَ الزَّمانُ أم طالَ.

وقد قيلَ: إنَّ المَريضةَ مثلُ التي تَرتفعُ حَيضتُها لغيرِ سَببٍ.

وأما المُستحاضةُ فعدَّتُها عندَ مالكٍ سَنةٌ إذا لم تُميِّزْ بينَ الدمَينِ، فإنْ ميَّزتْ بين الدمَينِ فعَنه رِوايتانِ: إحداهُما: أنَّ عدَّتَها السَّنةُ.

والأخرَى: أنها تَعملُ على التَّمييزِ فتَعتدُّ بالأقراءِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: عدَّتُها الأقراءُ إنْ تَميَّزتْ لها، وإنْ لم تَتميَّزْ لها فثَلاثةُ أشهُرٍ.

وقالَ الشافِعيُّ: عدَّتُها بالتَّمييزِ إذا انفصَلَ عنها الدمُ، فيَكونُ الأحمَرُ القاني مِنْ الحَيضةِ، ويكونُ الأصفَرُ مِنْ أيامِ الطُّهرِ، فإنْ طَبقَ عليها الدمُ اعتدَّتْ بعَددِ أيامِ حَيضتِها في صحَّتِها.

وإنما ذهَبَ مالِكٌ إلى بَقاءِ السَّنةِ لأنه جعَلَها مثلَ التي لا تَحيضُ وهي مِنْ أهلِ الحَيضِ، والشافِعيُّ إنما ذهَبَ في العارِفةِ أيامَها أنها تَعملُ على مَعرفتِها؛ قِياسًا على الصَّلاةِ؛ لقَولِه للمُستحاضةِ: «اترُكِي الصلاةَ أيامَ أقرائِكِ، فإذا ذهَبَ عنكِ قَدرُها فاغسِلي الدمَ»، وإنما اعتبَرَ التمييزَ لقَولِه لفاطِمةَ بنتِ حُبيشٍ: «إذا كانَ دمُ الحَيضِ فإنه دمٌ أسوَدُ يُعرفُ، فإذا كانَ ذلكَ فأمسِكِي عن الصلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فتَوضَّئي وصلِّي فإنما هو عِرقٌ» خرَّجَه أبو داودَ، وإنما ذهَبَ مَنْ ذهَبَ إلى عدَّتِها بالشُّهورِ إذا اختَلطَ عليها الدمُ لأنه مَعلومٌ في الأغلَبِ أنها في كلِّ شَهرٍ تَحيضُ، وقد جعَلَ اللهُ العدَّةَ بالشُّهورِ عندَ ارتفاعِ الحَيضِ، وخَفاؤُه كارتِفاعِه.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في أحكام وأقسام الاستبراء ومن يلزمه والمواضعة وما يتعلق بها]

(فَصْلٌ) يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ،

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ فِي أَحْكَام وَأَقْسَام الِاسْتِبْرَاء وَمنْ يَلْزَمهُ وَالْمُوَاضَعَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا

(بَابٌ) (فِي أَحْكَامِ وَأَقْسَامِ الِاسْتِبْرَاءِ وَمَنْ يَلْزَمُهُ وَالْمُوَاضَعَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) وَهُوَ لُغَةً الِاسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ وَالْكَشْفُ عَنْ الْأَمْرِ الْعَارِضِ، وَشَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الرَّحِمِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ لِحِفْظِ النَّسَبِ وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ سَبَايَا أَوْطَاسٍ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ» ، وَأَوْطَاسُ وَادٍ فِي هَوَازِنَ بِهِ كَانَتْ غَزْوَتُهُ هَوَازِنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ) ابْنُ عَرَفَةَ الِاسْتِبْرَاءُ مُدَّةً دَلِيلُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِرَفْعِ عِصْمَةٍ أَوْ طَلَاقٍ فَتَخْرُجُ الْعِدَّةُ، وَيَدْخُلُ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ وَلَوْ لِلِعَانٍ وَالْمَوْرُوثَةِ؛ لِأَنَّهُ لِتَجَدُّدِ الْمِلْكِ لَا لِذَاتِ الْمَوْتِ عج لَوْ أُسْقِطَ، أَوْ طَلَاقٍ لِسَلَمٍ مِنْ جَعْلِ الْقَسْمِ قَسِيمًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَافِعِ الْعِصْمَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِصِدْقِهِ بِمُدَّةِ إقَامَةِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْ عِتْقِهِ مَعَ أَنَّهَا عِدَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 60 - 64

ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله