الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > الحالة الثانية: أن تكون المطلقة الثلاث أو البائن حائلا غير حامل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةبإجماعِ أهلِ العِلمِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي بَعضِ أخبارِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ: «لا نَفقةَ لكِ إلا أنْ تَكوني حامِلًا»، ولأنَّ الحَملَ وَلدُه، فيَلزمُه الإنفاقُ عليهِ، ولا يُمكنُه النَّفقةُ عليه إلا بالإنفاقِ عليها، فوجَبَ كما وجَبَتْ أُجرةُ الرَّضاعِ (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ المطلَّقةُ الثَّلاثُ أو البائنُ حائِلاً غيرَ حامِلٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المطلَّقةِ البائنِ أو الثَّلاثِ إذا طلَّقَها زَوجُها هل يَجبُ لها النَّفقةُ والسُّكنى في حالِ عدَّتِها؟ أم تَجبُ النَّفقةُ فقط؟ أم تَجبُ السُّكنَى؟ أم لا يَجبُ لها شَيءٌ مُطلَقًا؟
والكَلامُ هُنا سيَكونُ في مَوضعينِ:
الموضِعُ الأولُ: هل تَجبُ للمُطلَّقةِ الثَّلاثِ السُّكنى:
اختَلفَ الفُقهاءُ في البائِنِ والمُطلَّقةِ ثَلاثًا هل تَجبُ لها السُّكنى أم لا؟
فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَبتوتةَ والمطلَّقةَ ثَلاثًا ليسَ لها سُكنى؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ قالَ: دخَلْتُ على فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فسَألتُها عن قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ عليها، فقالَتْ: «طلَّقَها زَوجُها البتَّةَ فقالَتْ: فخاصَمتُه إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في السُّكنى والنَّفقةِ، قالَتْ: فلَم يَجعَلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً، وأمَرَني أنْ أعتَدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ» (٢).
(١) «المغني» (٨/ ١٨٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
وفي رِوايةٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ عن النبيِّ ﷺ في المُطلَّقةِ ثَلاثًا قالَ: «ليسَ لها سُكنَى ولا نَفقةٌ» (١).
وعن أبي بَكرِ بنِ أبي الجَهمِ قالَ: سَمعتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ تَقولُ: أرسَلَ إليَّ زَوجِي أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ بطَلاقِي وأرسَلَ معَه بخَمسةِ آصُعِ تَمرٍ وخَمسةِ آصُعِ شَعيرٍ، فقُلتُ: أمَا ليَ نَفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في مَنزلِكُم، قالَ: لا، قالَتْ: فشَدَدتُ عليَّ ثِيابِي وأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «كَمْ طَلَّقكِ؟ قلتُ: ثَلاثًا، قالَ: صَدَقَ، ليسَ لكِ نَفقةٌ، اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ عَمِّكِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنَّه ضَريرُ البَصرِ تُلقِي ثَوبَكِ عِندَهُ» (٢).
ورَوى عامرٌ أنه قالَ: «قَدِمتُ المَدينةَ فأتَيتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ فحَدَّثتْني أنَّ زوْجَها طلَّقَها على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فبعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريَّةٍ، قالَتْ: فقالَ لي أخوهُ: أخرُجِي مِنْ الدارِ، فقلتُ: إنَّ لي نَفقةً وسُكنَى حتى يَحلَّ الأجَلُ، قالَ: لا، قالَتْ: فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: إنَّ فُلانًا طلَّقَني، وإنَّ أخاهُ أخرَجَني ومنَعَني السُّكنى والنَّفقةَ، فأرسَلَ إليه فقالَ: ما لكَ ولابنةِ آلِ قَيسٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أخي طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: انظُرِي يا ابنَةَ آلِ
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
قَيسٍ إنما النَّفقةُ والسُّكنى للمَرأةِ على زَوجِها ما كانَتْ له عليها رَجعةٌ، فإذا لم يَكنْ له عليها رَجعةٌ فلا نَفقةَ ولا سُكنَى، أُخرجِي فانزِلي على فُلانةَ، ثمَّ قالَ: إنه يُتحدَّثُ إليها، انزِلي على ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنه أعمَى» (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فقدْ أنكَرَ عليها عُمرُ وقالَ: «ما كُنَّا لِنَدَعَ كتابَ ربِّنا وسُنةَ نَبيِّنا لقَولِ امرأةٍ لا نَدرِي أصَدقَتْ أم كذَبَتْ»، وقالَ عُروةُ: «لقدْ عابَتْ عائِشةُ ذلكَ أشَدَّ العيبِ، وقالَ: إنها كانَتْ في مَكانٍ وَحشٍ فخِيفَ على ناحِيتِها»، وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ: تلكَ امرَأةٌ فتَنَتِ الناسَ، إنها كانَتْ لَسِنةً فوُضعَتْ على يَديِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ الأعمَى.
قُلنا: أما مُخالَفةُ الكتابِ فإنَّ فاطِمةَ لمَّا أنكَرُوا عليها قالَتْ: «بَيني وبَينَكُم كتابُ اللهِ، قالَ تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، فأيُّ أمرٍ يُحدِثُ بعدَ الثَّلاثِ؟! فكيفَ تَقولونَ: «لا نَفقةَ لها إذا لم تَكنْ حامِلًا»، فعَلامَ تَحبسونَها؟ فكيفَ تُحبَسُ امرأةٌ بغيرِ نَفقةٍ؟!
وأما قَولُهم: «إنَّ عُمرَ قالَ: «لا نَدعُ كِتابَ ربِّنا»» فقدْ أنكَرَ أحمَدُ هذا القولَ عن عُمرَ، قالَ: ولكنَّه قالَ: «لا نُجيزُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ»، وهذا مُجمَلٌ على خِلافِه، وقد أخَذْنا بخبَرِ فُريعةَ وهي امرأةٌ، وبرِوايةِ عائِشةَ وأزواجِ رَسولِ اللهِ ﷺ في كَثيرٍ مِنْ الأحكامِ، وصارَ أهلُ العِلمِ إلى خبَرِ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٧١٤٥، ٢٧٣٨٩)، والنسائي (٣٤٠٣).
فاطِمةَ هذا في كَثيرٍ مِنْ الأحكامِ، مثلَ سُقوطِ نَفقةِ المَبتوتةِ إذا لم تَكنْ حامِلًا، ونَظرِ المَرأةِ إلى الرِّجالِ، وخِطبةِ الرَّجلِ على خِطبةِ أخيه إذا لم تَكنْ سكَنَتْ إلى الأولِ.
وأما تَأويلُ مَنْ تأوَّلَ حَديثَها فليسَ بشَيءٍ؛ فإنها تُخالِفُهم في ذلكَ وهي أعلَمُ بحالِها، ولم يَتفِقِ المُتأوِّلونَ على شَيءٍ، وقد رُدَّ على مَنْ رَدَّ عليها، فقالَ مَيمونُ بنُ مَهرانَ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ قالَ: تلكَ امرأةٌ فتَنَتِ الناسَ، لَئِنْ كانَتْ إنما أخَذَتْ بما أفتاها رَسولُ اللهِ ﷺ ما فتَنَتِ الناسَ، وإنَّ لنا في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوةٌ حَسنةٌ، مع أنها أحرَمُ الناسِ عليهِ ليسَ له عليها رَجعةٌ ولا بينَهُما ميراثٌ، وقولُ عائِشةَ: «إنها كانَتْ في مَكانٍ وَحِشٍ» لا يَصحُّ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ علَّلَ بغيرِ ذلكَ فقالَ: «يا ابنةَ آلِ قَيسٍ إنما السُّكنَى والنَّفقةُ ما كانَ لزَوجِكِ عليكِ الرَّجعةُ» هكذا رَواهُ الحُميديُّ والأثرَمُ.
ولأنه لو صَحَّ ما قالَتْه عائِشةُ أو غيرُها مِنْ التأويلِ ما احتاجَ عُمرُ في رَدِّه إلى أنْ يَعتذرَ بأنه قَولُ امرأةٍ، ثم فاطِمةُ صاحبةُ القِصةِ وهي أعرَفُ بنَفسِها وبحالِها، وقد أنكَرَتْ على مَنْ أنكَرَ عليها، ورَدَّتْ على مَنْ رَدَّ خبَرَها أو تأوَّلَه بخِلافِ ظاهِرِه، فيَجبُ تَقديمُ قولِها؛ لمَعرفتِها بنَفسِها ومُوافقتِها ظاهِرَ الخبَرِ كما في سائرِ ما هذا سَبيلُه (١).
(١) «المغني» (٨/ ١٣٢، ١٣٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٦٧، ٥٧٠).
وقالَ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ولهذا لمَّا رَأى عُمرُ رضي الله عنه أنَّ المَبتوتةَ لها السُّكنى والنَّفقةُ فظَنَّ أنَّ القُرآنَ يَدلُّ عليه نازَعَه أكثَرُ الصَّحابةِ، فمنهُم مَنْ قالَ: «لها السُّكنى فقطْ»، ومنهُم مَنْ قالَ: «لا نَفقةَ لها ولا سُكنَى»، وكانَ مِنْ هَؤلاءِ ابنُ عبَّاسٍ وجابرُ وفاطِمةُ بنتُ قَيسٍ وهي التي رَوَتْ عن النبيِّ أنه قالَ: «ليسَ لكِ نَفقةٌ ولا سُكنَى»، فلمَّا احتَجُّوا عليها بحُجةِ عُمرَ وهي قولُه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] قالَتْ هي وغيرُها مِنْ الصَّحابةِ كابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ وغيرِهما: «هذا في الرَّجعيةِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١] فأيُّ أمرٍ يُحدِثُ بعدَ الثَّلاثِ»، وفُقهاءُ الحَديثِ كأحمَدَ بنِ حَنبلٍ في ظاهرِ مَذهبِه وغيرِه مِنْ فُقهاءِ الحَديثِ مع فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجبُ للبائنِ وللمُطلَّقةِ ثَلاثًا السُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فكانَ على عُمومِه في الزَّوجاتِ والمُطلَّقاتِ وإنْ كانَ بالمُطلَّقاتِ أخَصَّ؛ لأنَّ ما قبلَها وبعدَها دَليلٌ عليهِ، ولأنها مُعتدةٌ عن طَلاقٍ، فكانَ لها السُّكنى كالرَّجعيةِ.
ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لفُريعةَ بنتِ مالِكٍ -وهي أختُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ- حينَ أخبَرَتْه أنَّ زوْجَها قُتلَ ولم يَتركْها في مَسكنٍ يَملكُه:
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٣٢، ٣٣).
«امكُثِي في بَيتِكِ حتى يَبلغَ الكتابُ أجَلَه»، فلمَّا أوجَبَ السُّكنى لها في عدَّةِ الوَفاةِ فأَولَى أنْ تَجبَ لها في عدَّةِ الطلاقِ، ولأنها مُعتدةٌ مِنْ طَلاقٍ فوجَبَ لها السُّكنى كالرَّجعيةِ.
وأجابوا عن حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ بأنَّ كِبارَ الصَّحابةِ كعُمرَ رضي الله عنه أنكَرَ عليها هذا في جَماعةِ الصَّحابةِ، فرَوى مُسلمٌ عن أبي إسحاقَ قالَ: كنتُ مع الأسوَدِ بنِ يَزيدَ جالسًا في المَسجدِ الأعظَمِ ومَعَنا الشَّعبيُّ، فحدَّثَ الشَّعبيُّ بحَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَجعلْ لها سُكنَى ولا نَفقةً، ثمَّ أخَذَ الأسوَدُ كفًّا مِنْ حصًى فحصَبَه به فقالَ: ويلَكَ تُحدِّثُ بمِثلِ هذا؟! قالَ عُمرُ: لا نَتركُ كِتابَ اللهِ وسُنةَ نَبيِّنا ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لا نَدري لعَلَّها حَفظَتْ أو نَسيَتْ، لها السُّكنى والنَّفقةُ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] (١).
وعن حمَّادٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: لا نَفقةَ ولا سُكنى، قالَ فأخبَرْتُ بذلكَ النخَعيَّ فقالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وأُخبِرَ بذلكَ: لسْنَا بتارِكي آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى وقولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لعَلَّها أُوهِمَتْ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٢).
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٨).
وعنِ الأعمَشِ عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ عن الأسوَدِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قالا في المُطلَّقةِ ثلاثًا: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (١).
قالوا: فهذا عُمرُ رضي الله عنه قد أنكَرَ حَديثَ فاطِمةَ هذا ولم يَقبلْه، وقد أنكَرَه عليها أيضًا أُسامةُ بنُ زَيدٍ، فعَن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ قالَ: كانت فاطِمةُ بنتُ قَيسٍ تُحدِّثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ لها: «اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، وكانَ مُحمدُ بنُ أُسامةَ بنِ زَيدٍ يَقولُ: كانَ أُسامةُ إذا ذكَرَتْ فاطِمةُ مِنْ ذلكَ شَيئًا رَماها بِما كانَ في يدِه (٢).
فهذا أُسامةُ بنُ زَيدٍ قد أنكَرَ مِنْ ذلكَ أيضًا ما أنكَرَه عُمرُ رضي الله عنه، وقد أنكَرَتْ ذلكَ أيضًا عائِشةُ رضي الله عنها، فعَن يَحيَى بنِ سَعيدٍ قالَ: سَمعتُ القاسمَ بنَ مُحمدٍ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ يَذكُرانِ أنَّ يَحيَى بنَ سَعيدِ بنِ العاصِ طلَّقَ بنتَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحَكمِ، فانتَقَلَها عبدُ الرَّحمنِ بنُ الحَكمِ، فأرسَلَتْ عائِشةُ إلى مَروانَ وهو أميرُ المَدينةِ أنِ اتَّقِ اللهَ واردُدِ المَرأةَ إلى بَيتِها، فقالَ مَروانُ في حَديثِ سُليمانَ: إنَّ عبدَ الرَّحمنِ غَلَبَني، وقالَ في حَديثِ القاسِمِ: أمَا بلَغَكَ حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فقالَتْ عائِشةُ: لا يضُرُّك أنْ لا تَذكرَ حَديثَ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، تَعني أنَّ تلكَ كانَ لها قِصةٌ أُخرجَتْ لها، فقالَ مَروانُ: إنْ كانَ بِك الشرُّ فحَسبُك ما بينَ هَذينِ مِنْ الشرِّ.
(١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٨).
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٨).
يَعني: أنَّني أخرَجْتُها لأجلِ الشرِّ الذي أُخرجَتْ فاطِمةُ مِنْ أجْلِه.
وعن عبد الرَّحمنِ بن القاسِمِ عن أبيه قالَ: قالَتْ عائِشةُ: «ما لفاطِمةَ مِنْ خبَرٍ في أنْ تَذكرَ هذا الحَديثَ»، يعني قَولَها: «لا نَفقةَ ولا سُكنَى».
فهذهِ عائِشةُ رضي الله عنها لم ترَ العَملَ بحَديثِ فاطِمةَ أيضًا.
وقد صرَفَ ذلكَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ إلى معنًى آخَرَ، فعَن عَمرِو بنِ مَيمونٍ عن أبيه قالَ: قلتُ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ: أينَ تَعتدُّ المُطلَّقةُ ثَلاثًا؟ فقالَ: في بَيتِها، فقلتُ له: أليسَ قد أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ؟ فقالَ: تلكَ المَرأةُ فَتنَتِ الناسَ واستَطالَتْ على أحمائِها بلِسانِها، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ وكانَ رَجلًا مَكفوفَ البَصرِ.
وعن ابنِ شِهابٍ قالَ: حدَّثَني أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أخبَرَتْه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اعتَدِّي في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، فأنكَرَ الناسُ عليها ما كانَتْ تُحدِّثُ بهِ مِنْ خُروجِها قبلَ أنْ تَحِلَّ.
فهذا أبو سَلمةَ يُخبِرُ أيْضًا أنَّ الناسَ قد كانُوا أنكَرُوا ذلكَ على فاطِمةَ وفيهِم أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ومَن لَحِقَ بهم مِنْ التَّابعينَ، فقدْ أنكَرَ عُمرُ وأُسامةُ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ مع مَنْ سَمَّيْنا معهُم في حَديثِ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ هذا ولم يَعملُوا به، وذلكَ مِنْ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه بحَضرةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل أن لا تكون منكوحة الغير
الطَّوْلِ، فَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَنَا يَقْتَضِي الْوُجُودَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ إمَّا لَا يَقْتَضِي الْعَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ النساء: ٣ ثُمَّ إذَا تَزَوَّجَ وَاحِدَةً جَازَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْجَوْرِ فِي نِكَاحِ الْمَثْنَى وَالثُّلَاثِ وَالرُّبَاعِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ النساء: ٢٥ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحَدِّ عَنْهُنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْإِحْصَانِ، وَهُوَ التَّزَوُّجُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷿ : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ النساء: ٢٥ عَلَى أَنَّ الْعَنَتَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الضِّيقُ كَقَوْلِهِ ﷿ : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ البقرة: ٢٢٠ أَيْ: لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، أَيْ: مَنْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالْإِسْكَانُ لِتَرْكِ الْحُرَّةِ بِالطَّلَاقِ وَتَزَوُّجِ الْأَمَةِ فَالطَّوْلُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَهْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ بَلْ حَقِيقَةُ الْوَطْءِ عَلَى مَا عُرِفَ فَكَانَ مَعْنَاهُ فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ مِنْكُمْ عَلَى وَطْءِ الْمُحْصَنَاتِ - وَهِيَ الْحَرَائِرُ - وَالْقُدْرَةُ عَلَى وَطْءِ الْحُرَّةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي النِّكَاحِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ: إنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَطْءِ الْحُرَّةِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.