القسم الثاني: أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك

الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > القسم الثاني: أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

القسم الثاني: أن تكون غيبته ظاهرها الهلاك - الأقوال والأدلة

أنها باقيةٌ على نِكاحِ الأولِ، إلا أنْ نَقولَ: «الفُرقةُ تَنفذُ ظاهِرًا وباطِنًا» فهي زَوجةُ الثاني، والأولُ قولُ الشافِعيِّ، والثاني قولُ مالكٍ.

وآخَرونَ أسرَفُوا في إنكارِ هذا حتى قالُوا: لو حكَمَ حاكِمٌ بقَولِ عُمرَ لَنُقضَ حُكمُه؛ لبُعدِه عن القياسِ.

وآخَرونَ أخَذُوا ببَعضِ قولِ عُمرَ وتَرَكوا بعضَه فقالُوا: إذا تَزوَّجتْ فهيَ زَوجةُ الثاني، وإذا دخَلَ بها الثاني فهيَ زَوجتُه، ولا تُرَدُّ إلى الأولِ.

ومَن خالَفَ عُمرَ لم يَهتدِ إلى ما اهتَدَى إليه عُمرُ، ولم يَكنْ له مِنْ الخِبرةِ بالقِياسِ الصَّحيحِ مثلُ خِبرةِ عُمرَ؛ فإنَّ هذا مَبنيٌّ على أصلٍ وهو وَقفُ العُقودِ (١).

القِسمُ الثاني: أنْ تَكونَ غَيبتُه ظاهِرُها الهَلاكُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو غابَ الزَّوجُ غَيبةً ظاهِرُها الهَلاكِ، كالذي يُفقَدُ بينَ الصفَّينِ في القِتالِ بينَ المُسلمينَ بعضِهم لبَعضٍ أو بينَ المُسلمينَ والكفَّارِ، أو كالذي يُفقدُ مِنْ بينِ أهلِه لَيلًا أو نهارًا أو يَخرجُ إلى الصلاةِ فلا يَرجعُ، أو يَمضِي إلى مكانٍ قَريبٍ ليَقضيَ حاجتَه ويَرجعَ فلا يَظهرُ له خبَرٌ، أو يَنكسرُ بهم مَركبٌ فيَغرقُ بعضُ رِفقتِه، أو يُفقدُ في مَهلكةٍ كبَريَّةِ الحِجازِ ونحوِها، هل تَتربَّصُ زَوجتُه أربَعَ سِنينَ أكثَرَ مدَّةِ الحَملِ ثمَّ تَعتدُّ للوَفاةِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا وتَحلُّ للأزواجِ؟ أم تَنتظرُ إلى أنْ تَتيقَّنَ موتَه أو طَلاقَه أو يَبلغَ مِنْ العُمرِ ما لا يَعيشُ مثلُه إلى هذا العُمرِ؟

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦، ٥٧٧).

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ إلى أنه لا يَجوزُ لزَوجتِه أنْ تَتزوَّجَ غيرَه، وأنَّ الزَّوجيةَ باقيةٌ حتى تَتيقنَ موتَه أو طَلاقَه، وزادَ الحَنفيةُ: أو تَمضيَ مُدةٌ لا يَعيشُ مثلُه إلى مثلِها؛ لاختِلافِ الأعمارِ باختِلافِ الأزمانِ، وفي قَولٍ: مائةً وعِشرينَ سَنةً، وقيلَ: مِائةً، وقيلَ: تِسعينَ.

لِما رَواهُ الدارَقطنيُّ عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنه مَرفوعًا: «امَرأةُ المَفقودِ امرأتُه حتَّى يأتيَها البَيانُ» (١)، وهو نَصٌّ إنْ ثبَتَ.

قالَ عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ رضي الله عنه في امرَأةِ المَفقودِ: «امرَأةٌ ابتُليَتْ، فلْتَصبِرْ، فلا تَنكحْ حتى يَأتيَها يَقينُ مَوتِه» (٢).

وفي لَفظٍ: «هي امرَأةٌ ابتُليَتْ، فلْتَصبِرْ حتى يَأتيَها موتٌ أو طلاقٌ» (٣).

ولأنَّ مَنْ جُهلَ مَوتُه لم يُحكمْ بوَفاتِه كمَن غابَ أقلَّ مِنْ أربَعِ سِنينَ، ولأنه لمَّا جَرَى عليه حُكمُ الحَياةِ في مالِه مع الجَهلِ بحَياتِه جَرى عليه حُكمُ الحَياةِ في زَوجاتِه كما يَجرِي عليه حُكمُ الحَياةِ في أمَّهاتِ أولادِه، ولأنه لو غابَتِ الزوجةُ حتى خَفِيَ خبَرُها لم يَجُزْ أنْ يُحكمَ بمَوتِها في إباحةِ أختِها لزوجِها ونكاحِ أربَعٍ سِواها، كذلكَ غَيبةُ الزوجِ، ولأنه لمَّا جَرَى عليهِ في غَيبتِه حُكمُ طَلاقِه وظِهارِه جرَى عليها حُكمُ الزوجيةِ في تَحريمِها على غيرِه.

(١) ضَعيفٌ جِدًّا: رواه الدارقطني (٣٨٩٤).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٥٧٤).
(٣) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٣٣٠، ١٢٣٣٢).

ولِما رُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: «ليسَ الذي قالَ عُمرُ رضي الله عنه بشَيءٍ، يعني في امرَأةِ المَفقودِ هِي امرَأةُ الغائبِ حتَّى يَأتيَها يَقينُ مَوتِه أو طَلاقُها، ولها الصَّداقُ مِنْ هذا بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها ونِكاحُه باطِلٌ».

وقالَ البَيهقيُّ: وروينَا عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عن عَليٍّ رضي الله عنه قالَ: «هي امرَأةُ الأولِ، دخَلَ بها الآخَرُ أو لم يَدخلْ بها»، وهو قولُ النخَعيِّ والحَكمِ ابنِ عُتيبةَ وغَيرِهما (١).

ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، وهُنَّ ذواتُ الأزواجِ، ولأنه لم يَثبتْ مَوتُ الزَّوجِ ولا عَلِمْنا موته في الظاهِرِ، فلا يَجوزُ أنْ تَتزوجَ كما كانَ قبلَ أربعِ سِنينَ.

ولأنَّ كلَّ حالةٍ لا تحكمُ بانتقالِ مالِ المَفقودِ إلى الوَرثةِ لا يُباحُ لامرَأتِه أنْ تَتزوجَ، أصلُه إذا مَضَى أقلُّ مِنْ أربعِ سِنينَ.

ولأنها لا تَرثُ مع ارتِفاعِ المَوانعِ، ولا يُحكمُ بوُجوبِ عدَّةِ الوَفاةِ عليها، كما لو انقَضَى أربعُ سِنينَ.

ولأنَّ الفُرقةَ على ضَربينِ: فُرقةٌ بالطَّلاقِ وفُرقةٌ بالوَفاةِ، فإذا كانَتِ الفُرقةُ بالطلاقِ لا يُحكمُ بها إلا بعدَ ثُبوتِ الطلاقِ فالفُرقةُ بالوَفاةِ مثلِه (٢).

(١) «السنن الكبرى» للبيهقي (٧/ ٧٣١).
(٢) «التجريد» للقدوري (١٠/ ٥٣٢٩، ٥٣٣٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣٢٩، ٣٣١)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ١٤٦)، و «الهداية» (٢/ ١٨١)، و «العناية» (٨/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣١١)، و «الاختيار» (٣/ ٤٤، ٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٠٩، ٢١١)، و «الإشراف» (٥/ ١٠٧، ١٠٨)، و «الأم» (٥/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٣١٦، ٣١٧)، و «البيان» (١١/ ٤٤، ٤٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٥٤، ١٥٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٠٣)، و «اختلاف العلماء» (١٤٣، ١٤٤).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ إلى أنَّ المَرأةَ المَفقودُ زَوجُها الغائِبُ في مَوضعٍ يَغلبُ على ظاهِرِه الهَلاكُ تَتربَّصُ أربَعَ سِنينَ أكثَرَ مدَّةِ الحَملِ ثم تَعتدُّ للوَفاةِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا وتَحلُّ للأزواجِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وفي حَبسِها عليه في هذهِ الحالِ إضرارٌ وعُدوانٌ.

وبه قالَ عُمرُ وابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ في الصَّحابةِ؛ لِما رُويَ عن عُمرَ أنه قالَ: «تَربَّصُ امرَأةُ المَفقودِ أربَعَ سِنينَ ثمَّ تَعتدُّ عدَّةَ المُتوفَّى عنها زوجُها وتَزوَّجُ إنْ شاءَتْ» (١).

ورَواهُ الإمامُ مالكٌ عن يحيَى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه قال: «أيُّما امرَأةٍ فقَدَتْ زوْجَها فلَم تَدرِ أينَ هو فإنها تَنتظرُ أربَعَ سِنينَ ثمَّ تَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا ثمَّ تَحلُّ» (٢).

وقالَ عبيدُ بنُ عُميرٍ: «فُقدَ رَجلٌ في عَهدِ عُمرَ، فجاءَتِ امرأتُه إلى عُمرَ فذكَرَتْ ذلك له فقالَ: انطَلقِي فتَربَّصِي أربَعَ سنينَ، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ:

(١) صَحِيحٌ: رواه سعيد بن منصور (١٧٥٢).
(٢) صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١١٩٥).

انطَلقِي فاعتَدِّي أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: أينَ وليُّ هذا الرَّجلِ؟ فجاءَ وليُّه، فقالَ: طلِّقْها، ففعَلَ فقالَ عُمرُ: انطَلقِي فتَزوَّجي مَنْ شَئتِ، فتزوَّجَتْ، ثم جاءَ زَوجُها الأولُ، فقالَ له عُمرَ: أينَ كُنتَ؟ فقالَ: استَهوتْني الشَّياطينُ، فواللهِ ما أدرِي في أيِّ أرضٍ، كُنْتُ عندَ قومٍ يَستعبِدونَني حتَّى غَزاهُم قومٌ مُسلمونَ، فكُنتُ فيمَن غَنِموهُ، فقالُوا لي: أنتَ رَجلٌ مِنْ الإنسِ وهَؤلاءُ الجِنُّ، فما لَكَ وما لهُم؟ فأخبَرتُهم خبَرِي، فقالُوا: بأيةِ أرضِ اللهِ تُحبُّ أنْ تُصبحَ؟ قلتُ: بالمَدينةِ هيَ أرضِي، فأصبَحتُ وأنا أنظُرُ إلى الحَرَّةِ -وزادَ البَيهقيُّ في قِصتِه قالَ: -فأما اللَّيلُ فلا يُحدِّثوني، وأما النَّهارُ فإعصارُ رِيحٍ أتبعها إلى آخِرِه، فخيَّرَه عُمرُ، إنْ شاءَ امرَأتَه وإنْ شاءَ الصَّداقَ، فاختارَ الصَّداقَ» (١).

وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعُثمانَ بنَ عفَّانَ قالَا في امرَأةِ المَفقودِ: «تَربَّصُ أربَعَ سِنينَ وتَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (٢).

وعن جابرِ بنِ زَيدٍ قالَ: «تَذاكَرَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ امرَأةَ المَفقودِ، فقالَا جَميعًا: تَربَّصُ أربَعَ سِنينَ ثمَّ يُطلِّقُها وليُّ زوجِها ثم تَربَّصُ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ثم تَذاكَرَا النَّفقةَ فقالَ ابنُ عُمرَ: لها النَّفقةُ في مالِه لحَبسِها نفسَها في سَببِه، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: ليسَ كَذلكَ، إذًا تُجحِفُ بالوَرثةِ، ولكنَّها

(١) صَحِيحٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١٧٥٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٣٤٧).
(٢) صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٦٧١٧).

تَأخذُ عليه في مالِه، فإنْ قَدِمَ فذلكَ لها عليهِ في مالِه، وإلَّا فلا شيءَ لها» (١).

ولأنَّ الفَسخَ لمَّا استُحقَّ بالعُنةِ -وهو فَقدُ الاستِمتاعِ مع القُدرةِ على النَّفقةِ- واستُحقَّ بالإعسارِ -وهو فَقدُ النَّفقةِ مع القُدرةِ على الاستمتاع- فلَأنْ تُستحقَّ بغَيبةِ المَفقودِ -وهو جامعٌ بينَ فَقدِ الاستِمتاعِ وفَقدِ النَّفقةِ- أَولى (٢).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ الأثرَمُ: قيلَ لأبي عَبدِ اللهِ: تَذهبُ إلى حَديثِ عُمرَ؟ قالَ: هو أحسَنُها، يُروَى عن عُمرَ مِنْ ثَمانيةِ وُجوهٍ، ثم قالَ: زَعَموا أنَّ عُمرَ رجَعَ عن هذا، هَؤلاءِ الكذَّابينَ، قلتُ: فرُويَ مِنْ وَجهٍ ضَعيفٍ أنَّ عُمرَ قالَ بخِلافِ هذا، قالَ: لا، إلا أنْ يَكونَ إنسانٌ يَكذبُ، وقُلتُ له مرَّةً: إنَّ إنسانًا قالَ لي: إنَّ أبا عَبدِ اللهِ قد ترَكَ قولَه في المَفقودِ بعدَكَ، فضَحِكَ ثم قالَ: مَنْ ترَكَ هذا القولَ أيَّ شَيءٍ يَقولُ؟! وهذا قَولُ عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ، قالَ أحمَدُ: خَمسةٌ مِنْ

(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٦٧١٧، ١٦٧١٨)، وسعيد بن منصور في «سننه» (١٧٥٦).
(٢) «المدونة الكبرى» (٥/ ٤٥٠، ٤٥٢)، و «الاستذكار» (٦/ ١٣٠، ١٣٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٤١، ٤٣)، رقم (١٣٩٣)، و «القوانين الفقهية» ص (١٤٤)، و «اختلاف العلماء» (١٤٣، ١٤٤)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٣١٦، ٣١٧)، و «البيان» (١١/ ٤٤، ٤٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٥٤، ١٥٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٠٣)، و «المغني» (٨/ ١٠٦)، و «المبدع» (٨/ ١٢٧، ١٢٨)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٨٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٩٣)، و «منار السبيل» (٢/ ٤٤٩، ٤٥٠).

أصحابِ النبيِّ ، وبه قالَ عَطاءٌ وعُمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ والحَسنُ والزُّهريُّ وقَتادةُ واللَّيثُ وعليُّ بنُ المَدِيني وعبدُ العَزيزِ بنُ أبي سَلمةَ، وبه يَقولُ مالِكٌ والشافِعيُّ في القَديمِ، إلا أنَّ مالكًا قالَ: ليسَ في انتِظارِ مَنْ يُفقدُ في القِتالِ وَقتٌ، وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ في امرَأةِ المَفقودِ بينَ الصفَّينِ: تَتربَّصُ سَنةً؛ لأنَّ غلَبةَ هَلاكِه هاهُنا أكثَرُ مِنْ غَلبةِ غيرِه؛ لوُجودِ سَببِه.

وقد نُقلَ عن أحمَدَ أنه قالَ: «كنتُ أقولُ: إذا تَربَّصتْ أربعَ سِنينَ ثم اعتدَّتْ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا تزوَّجتْ، وقد ارتَبتُ فيها وهِبتُ الجَوابَ فيها لمَّا اختَلفَ الناسُ فيها، فكَأنِّي أُحبُّ السَّلامةَ»، وهذا تَوقُّفٌ يَحتملُ الرُّجوعَ عمَّا قالَه وتَتربَّص أبَدًا، ويَحتملُ التورُّعَ ويَكونُ المَذهبُ ما قالَه أولًا.

قالَ القاضِي: أكثَرُ أصحابِنا على أنَّ المَذهبَ رِوايةٌ واحِدةٌ، وعندِي أنَّ المَسألةَ على رِوايتينِ، وقالَ أبو بَكرٍ: الذي أقولُ به إنْ صَحَّ الاختِلافُ في المَسألةِ أنْ لا يُحكمَ بحُكمٍ ثانٍ إلا بدَليلٍ على الانتقالِ، وإنْ ثبَتَ الإجماعُ فالحُكمُ فيه على ما نَصَّ عليهِ، وظاهرُ المَذهبِ على ما حَكَيناهُ مِنْ رِوايةٍ أولًا، نقَلَه عن أحمَدَ الجَماعةُ، وقد أنكَرَ أحمَدُ رِوايةَ مَنْ رَوى عنه الرُّجوعَ على ما حَكَيناهُ مِنْ رِوايةِ الأثرمِ.

وقالَ أبو قِلابةَ والنخَعيُّ والثوريُّ وابنُ أبي ليلَى وابنُ شُبرمةَ وأصحابُ الرأيِ والشافِعيُّ في الجَديدِ: لا تَتزوَّجُ امرأةُ المَفقودِ حتى يَتبينَ مَوتُه أو فراقُه؛ لِما رَوى المُغيرةُ أنَّ النبيَّ قالَ: «امرَأةُ المَفقودِ

امرَأتُه حتَّى يأتِيَ زَوجُها»، ورَوى الحكَمُ وحمَّادٌ عن عليٍّ: «لا تَتزوجُ امرَأةُ المَفقودِ حتى يأتِيَ مَوتُه أو طَلاقُه»، لأنه شَكٌّ في زَوالِ الزَّوجيةِ، فلَم تَثبتْ به الفُرقةُ كما لو كانَ ظاهِرُ غَيبتِه السلامةَ.

ولنَا: ما رَوى الأثرمُ والجَوزجانِيُّ بإسنادِهما عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ قالَ: «فُقدَ رَجلٌ في عَهدِ عُمرَ، فجاءَتِ امرَأتُه إلى عُمرَ فذكَرتْ ذلكَ له فقالَ: انطَلقِي فتَربَّصِي أربَعَ سِنينَ، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: انطَلقِي فاعتَدِّي أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: أينَ وليُّ هذا الرجلِ؟ فجاءَ الوليُّ، فقالَ: طلِّقْها، ففعَلَ، فقالَ لها عُمرُ: انطَلقِي فتَزوَّجي مَنْ شِئتِ، فتزوَّجتْ ثم جاءَ زَوجُها الأولُ، فقالَ عُمرُ: أينَ كنتَ؟ فقالَ: يا أميرَ المُؤمنينَ استَهوتْني الشَّياطينُ، فواللهِ ما أدرِي في أيِّ أَرضِ اللهِ كُنتُ، كُنْتُ عندَ قَومٍ يَستعبِدونَني حتَّى اغتَزاهُم منهُم قَومٌ مُسلمونَ فكُنتُ فيما غَنِموهُ، فقالُوا لي: أنتَ رَجلٌ مِنْ الإنسِ وهؤلاءِ مِنْ الجِنِّ فما لَكَ وما لهُم؟ فأخبَرتُهم خبَرِي فقالُوا: بأيِّ أرضِ اللهِ تُحبُّ أنْ تُصبحَ؟ قلتُ: المَدينةُ هي أَرضِي، فأصبَحتُ وأنا أنظُرُ إلى الحَرَّةِ، فخيَّرَه عُمرُ إنْ شاءَ امرَأتَه وإنْ شاءَ الصَّداقَ، فاختارَ الصَّداقَ وقالَ: قد حَبلَتْ، لا حاجَةَ لي فيها»، قالَ أحمَدُ: يُروَى عن عُمرَ مِنْ ثَلاثةِ وُجوهٍ، ولم يُعرَفْ في الصَّحابةِ له مُخالِفٌ.

ورَوى الجَوزجانِيُّ وغيرُه بإسنادِهم عن عليٍّ في امرَأةِ المَفقودِ: «تَعتدُّ أربَعَ سِنينَ ثم يُطلِّقُها وَليُّ زَوجِها وتَعتدُّ بعدَ ذلكَ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، فإنْ جاءَ زَوجُها المَفقودُ بعد ذلكَ خُيِّرَ بينَ الصَّداقِ وبينَ امرَأتِه»، وقَضَى به

عُثمانُ أيضًا، وقَضَى به ابنُ الزُّبيرِ في مَولاةٍ لهم، وهذه قَضايَا انتَشرَتْ في الصَّحابةِ فلَم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا.

فأما الحَديثُ الذي رَوَوهُ عن النبيِّ فلَم يَثبتْ ولم يَذكُرْه أصحابُ السُّننِ.

وما رَوَوهُ عن عليٍّ فيَرويهِ الحَكمُ وحمَّادٌ مُرسَلًا، والمُسندُ عنه مِثلُ قَولِنا، ثم يُحملُ ما رَوَوهُ على المَفقودِ الذي ظاهِرُ غَيبتِه السلامةُ؛ جَمعًا بينَه وبينَ ما روينَاهُ، وقَولُهم: «إنه شَكٌّ في زوالِ الزَّوجيةِ» مَمنوعٌ؛ فإنَّ الشكَّ ما تَساوَى فيه الأمرانِ، والظاهِرُ في مَسألتِنا هَلاكُه (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ: وهل يُعتبَرُ أنْ يُطلِّقَها وليُّ زَوجِها ثم تَعتدُّ بعدَ ذلكَ بثَلاثةِ قُروءٍ؟ فيه رِوايتانِ:

إحداهُما: يُعتبَرُ ذلكَ؛ لأنه في حَديثِ عُمرَ الذي روينَاهُ، وقد قالَ أحمَدُ: هو أحسَنُها، وذُكرَ في حَديثِ عليٍّ أنه يُطلِّقُها وليُّ زَوجِها.

والثانية: لا يُعتبَرُ ذلكَ، كذلك قالَ ابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ، وهو القِياسُ؛ فإنَّ وليَّ الرَّجلِ لا وِلايةَ له في طَلاقِ امرَأتِه.

ولأننا حَكَمْنا عليها بعدَّةِ الوَفاةِ، فلا يَجبُ عليها مع ذلكَ عدَّةُ الطَّلاقِ كما لو تَيقَّنتْ وَفاتَه، ولأنه وُجدَ دَليلُ هَلاكِه على وَجهٍ أباحَ لها التَّزويجَ وأوجَبَ عليها عدَّةَ الوَفاةِ، فأشبَهَ ما لو شَهدَ به شاهِدانِ (٢).

(١) «المغني» (٨/ ١٠٦، ١٠٧).
(٢) «المغني» (٨/ ١٠٧، ١٠٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب عشرة النساء والخلع
١٢٢٤ - مسألة؛ قال: (وعماد القسم الليل)

يَوْمِى . وإنَّما قُبِض النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهارًا. ويتْبَعُ اليومُ اللَّيلةَ الماضيةَ؛ لأنَّ النَّهارَ تابعٌ للَّيلِ، ولهذا يكونُ أوَّلُ الشَّهرِ اللَّيلَ، ولو نذَرَ اعْتكافَ شهرٍ دخَلَ مُعتَكَفَه قبلَ غُروبِ شمس الشَّهرِ الذى قبلَه، ويخْرُجُ منه بعدَ غُروبِ شمس آخرِ يومٍ منه، فيَبْدأُ باللَّيلِ، وإن أحبَّ أن يجْعلَ النَّهارَ مُضافًا إلى اللَّيْلِ الذى يتعَقَّبُه جازَ؛ لأنَّ ذلك لا يتَفاوتُ.

فصل: وإن خرجَ من عندِ بعض نِسَائِه فى زَمانِها، فإنْ كان ذلك فى النَّهارِ أو أوَّلَ اللَّيلِ، أو آخرِه الذى جرتِ العادةُ بالانتشارِ فيه، والخروجِ إلى الصَّلاةِ، جازَ؛ فإنَّ المسلمِين يخْرُجونَ لصلاةِ العِشَاءِ، ولصلاةِ الفجرِ قبلَ طُلوعِه، وأمَّا النَّهارُ، فهو للمعاشِ والانْتِشارِ. وإن خرَجَ فى غيرِ ذلك، ولم يلْبَثْ أَنْ عادَ، لم يَقْضِ لها؛ لأنَّه لا فائدةَ فى قَضاءِ ذلك. وإن أقامَ، قَضاهُ لها، سواءٌ كانتْ إقامتُه لعُذْرٍ؛ من شُغلٍ أو حَبْسٍ، أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ حقَّها قد فاتَ بغَيْبتِه عنها. وإِنْ أحبَّ أن يجْعلَ قضاءَه لذلك غَيبتَه عن الأُخْرَى، مثل مَا غابَ عن هذه، جازَ؛ لأنَّ التَّسويةَ تحْصُلُ بذلك، ولأنَّه إذا جازَ له تَرْكُ الليلةِ بكمالِها فى حقِّ كلِّ واحدةٍ منهما، فبعضُها أوْلَى. ويُسْتحَبُّ أَنْ يقْضِىَ لها فى مثلِ ذلك الوقتِ؛ لأنَّه أبْلَغُ فى المُماثلةِ، والقضاءُ تُعْتَبَرُ المُماثلةُ فيه، كقَضاءِ العباداتِ والحُقوقِ. وإِنْ قَضاهُ فى غيرِه مِنَ اللَّيلِ، مثل إنْ فاتَها فى أَوَّلِ اللَّيلِ، فقَضاه فى آخرِه، أو مِن آخِرِه، فقَضاه فى أوَّلِه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهمَا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 96 - 104

ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله