الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > عدة المستحاضة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوإنما تَجبُ عليها العدَّةُ لإظهارِ الحُزنِ بفَوتِ نِعمةِ النكاحِ؛ إذ النكاحُ كانَ نِعمةٌ عَظيمةٌ في حقِّها؛ فإنَّ الزوجَ كانَ سبَبَ صِيانتِها وعَفافِها وإيفائِها بالنَّفقةِ والكِسوةِ والمَسكنِ، فوجَبَتْ عليها العدَّةُ إظهارًا للحُزنِ بفَوتِ النعمةِ وتَعريفًا لقَدرِها.
وشَرطُ وُجوبِها النكاحُ الصَّحيحُ فقطْ، فتَجبُ هذهِ العدَّةُ على المُتوفَّى عنها زَوجُها، سواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها، وسَواءٌ كانَتْ ممَّن تَحيضُ أو ممَّن لا تَحيضُ؛ لعُمومِ قَولِه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولِما ذكَرْنا أنها تَجبُ إظهارًا للحُزنِ بفَوتِ نِعمةِ النِّكاحِ وقد وُجدَ، وإنَّما شرَطْنا النكاحَ الصَّحيحَ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَها على الأزواجِ، ولا يَصيرُ زَوجًا حَقيقةً إلا بالنكاحِ الصحيحِ، وسَواءٌ كانَتْ مُسلمةً أو كِتابيةً تحتَ مُسلمٍ؛ لعُمومِ النصِّ، ولوُجودِ المعنَى الذي وجَبَتْ له (١).
عِدَّةُ المستَحاضةِ:
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في عدَّةِ المُستحاضةِ، فقالَتْ طائفةٌ: تَعتدُّ بالأقراءِ، كذلك قالَ الحَسنُ البَصريُّ والزُّهريُّ والنخَعيُّ والثوريُّ.
وقالَ عِكرمةُ وقَتادُة: عدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وبه قالَ الشافعيُّ.
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٢).
وفيه قَولٌ ثالثٌ: وهو أنَّ عدَّتَها سَنةٌ، هذا قولُ ابنِ المُسيبِ ومالكٍ.
وبه قولٌ رابعٌ: وهو أنها إنْ كانَتْ أقراؤُها مُستقيمةً فأقراؤُها، فإذا اختَلطَ عليها فعدَّتُها سَنةٌ، هذا قولُ أحمَدَ وإسحاقَ.
وفيه قَولٌ خامِسٌ: وهو أنَّ عدَّتَها الأقراءُ إذا كانَتْ أيامُها مَعلومةً، فإنْ كانَتْ أيامُها مَجهولةً فعدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، هذا قولُ أبي عُبيدٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: إنْ كانَتْ عالِمةً بأقرائِها فعدَّتُها الأقراءُ لا شكَّ فيهِ، وإنْ كانَتْ غيرَ عالِمةٍ بأيامِها وعَلِمتْ أنها كانَتْ تَحيضُ في كلِّ شَهرٍ حَيضةً فعدَّتُها تَنقضي حينَ تَمضِي ثلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ شكَّتْ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ تَربَّصتْ حتى تَستيقنَ أنَّ الأقراءَ الثلاثَ قد انقضَتْ، ثم تَحلُّ للأزواجِ (١).
وقالَ الإمامُ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في عدَّةِ المُستحاضةِ.
فقالَ مالكٌ: عدَّةُ المُستحاضةِ سَنةٌ، الحرَّةُ والأمَةُ في ذلك سَواءٌ، وهو قَولُ الليثِ، قالَ الليثُ: عدَّةُ المُطلقةِ والمُستحاضةِ المتوفَّى عنها سَنةٌ إذا كانَتْ مُستحاضةً.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: عدَّةُ المُستحاضةِ وغيرِها سَواءٌ، ثلاثُ حِيَضٍ إنْ كانتِ الأقراءُ مَعروفًا مَوضعُها، وإلا فهيَ كالآيسةِ.
(١) «الإشراف على مذاهب العلماء» (٥/ ٣٥٧).
وقالَ الشافِعيُّ: إذا طَبقَ عليها الدمُ فإنْ كانَ دَمُها يَنفصلُ فيَكونُ في أيامٍ أحمَرَ قانيًا مُحتدمًا كَثيرًا أو فيما بعدُ رَقيقًا قَليلًا فحَيضُها أيامُ الدمِ المُحتدمِ الكَثيرِ، وطُهرُها أيامُ الدمِ الرَّقيقِ المائلِ إلى الصُّفرةِ.
وإنْ كانَ دَمُها مُشتبهًا كلُّه كانَ حَيضتُها بقَدرِ عَددِ أيامِ حَيضِها فيما مَضَى قبلَ الاستِحاضةِ.
وإنْ بَدَتْ مُستحاضةً أو قيسَتْ أيامُ حَيضتِها ذكَرَتِ الصلاةَ يومًا وليلةً واستَقبلَ عليها الحَيضُ مِنْ أولِ هِلالٍ يَأتي عليها بعدَ وُقوعِ الطلاقِ، فإذا هَلَّ هِلالُ الشهرِ الرابعِ انقضَتْ عدَّتُها.
وقالَ الحَسنُ البَصريُّ والزُّهريُّ وجابرُ بنُ زَيدٍ وعَطاءٌ والحَكمُ وإبراهيمُ وحمَّادٌ: تَعتدُّ المُستحاضةُ بالأقراءِ.
وقالَ طاوسٌ وعِكرمةُ: تَعتدُّ بالشُّهورِ، وبه قالَ قَتادةُ.
وقالَ أحمَد وإسحاقُ في المُستحاضةِ: إنْ كانَتْ أقراؤُها مَعلومةً مُستقيمةً فعِدتُها أقراؤُها، وإنْ اختلَطَتْ عليها فعِدتُها سَنةٌ.
قالَ أبو عُبيدٍ: إذا جَهلَتْ أقراءَها فعِدتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ عَلِمتْها اعتدَّتْ بها
قالَ أبو عُمرَ: أما إذا كانَتْ أقراؤُها مَعلومةً فهيَ مِنْ ذواتِ الأقراءِ.
فعِندَ جابرٍ أنْ تَعتدَّ بالشُهورِ، أليسَتْ عليها حَيضتُها وعَلِمتْ أنها تَحيضُ في كلِّ شَهرٍ مرَّةً اعتدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ.
وكذلكَ إنْ عَلِمتْ أنها ممَّن تَحيضُ لمدَّةٍ مَعلومةٍ اعتدَّتْ بأقرائِها وإنْ تَباعَدتْ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: عدَّةُ المُستحاضةِ لا تَخلُو: إما أنْ يَكونَ لها حَيضٌ مَحكومٌ به بعادَةٍ أو تَمييزٍ، أو لا تَكونَ كذلكَ.
فإنْ كانَ لها حَيضٌ مَحكومٌ به بذلكَ فحُكمُها فيه حُكمُ غيرِ المُستحاضةِ إذا مرَّتْ لها ثَلاثةُ قُروءٍ فقدِ انقَضتْ عدَّتُها، قالَ أحمَدُ: المُستحاضةُ تَعتدُّ أيامَ أقرائِها التي كانَتْ تَعرفُ، وإنْ عَلِمتْ أنَّ لها في كلِّ شَهرٍ حَيضةً ولم تَعلمْ مَوضعِها فعدَّتُها ثلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ شكَّتْ في شَيءٍ تربَّصَتْ حتى تَستيقنَ أنَّ القُروءَ الثلاثَ قد انقَضتْ.
وإنْ كانَتْ مُبتدأةً لا تَمييزَ لها أو ناسِيةً لا تَعرفُ لها وَقتًا ولا تَمييزًا فعَن أحمَدَ رِوايتانِ:
إحداهُما: أنَّ عدَّتَها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وهو قَولُ عِكرمةَ وقَتادةَ وأبي عُبيدٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ حمْنَةَ بنتَ جَحشٍ أنْ تَجلسَ في كلِّ شَهرٍ ستَّةَ أيامٍ أو سَبعةً، فجعَلَ لها حَيضةً في كلِّ شَهرٍ تَتركُ فيها الصلاةَ والصيامَ ويَثبتُ فيها سائرُ أحكامِ الحَيضِ، فيَجبُ أنْ تَنقضيَ به العدَّةُ؛ لأنَّ ذلك مِنْ أحكامِ الحيضِ.
(١) «الاستذكار» (٦/ ١٧٧، ١٧٨)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣٩٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان مقادير العدة وما تنقضي به
أَجَلَهُنَّ؛ لِأَنَّ أَجَلَهُنَّ مُدَّةُ حَمْلِهِنَّ، وَهَذِهِ الْعِدَّةُ إنَّمَا تَجِبُ لِئَلَّا يَصِيرَ الزَّوْجُ بِهَا سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ النِّكَاحِ صَحِيحًا كَانَ أَوْ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُوجِبُ الْعِدَّةَ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا جَازَ النِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مَا لَمْ تَضَعْ لِئَلَّا يَصِيرَ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَقَادِيرِ الْعِدَّةِ وَمَا تَنْقَضِي بِهِ
(فَصْلٌ) :
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في أحكام وأقسام الاستبراء ومن يلزمه والمواضعة وما يتعلق بها]
(فَصْلٌ) يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ،
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ فِي أَحْكَام وَأَقْسَام الِاسْتِبْرَاء وَمنْ يَلْزَمهُ وَالْمُوَاضَعَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا
(بَابٌ) (فِي أَحْكَامِ وَأَقْسَامِ الِاسْتِبْرَاءِ وَمَنْ يَلْزَمُهُ وَالْمُوَاضَعَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) وَهُوَ لُغَةً الِاسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ وَالْكَشْفُ عَنْ الْأَمْرِ الْعَارِضِ، وَشَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الرَّحِمِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ لِحِفْظِ النَّسَبِ وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ سَبَايَا أَوْطَاسٍ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ» ، وَأَوْطَاسُ وَادٍ فِي هَوَازِنَ بِهِ كَانَتْ غَزْوَتُهُ هَوَازِنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ) ابْنُ عَرَفَةَ الِاسْتِبْرَاءُ مُدَّةً دَلِيلُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِرَفْعِ عِصْمَةٍ أَوْ طَلَاقٍ فَتَخْرُجُ الْعِدَّةُ، وَيَدْخُلُ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ وَلَوْ لِلِعَانٍ وَالْمَوْرُوثَةِ؛ لِأَنَّهُ لِتَجَدُّدِ الْمِلْكِ لَا لِذَاتِ الْمَوْتِ عج لَوْ أُسْقِطَ، أَوْ طَلَاقٍ لِسَلَمٍ مِنْ جَعْلِ الْقَسْمِ قَسِيمًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَافِعِ الْعِصْمَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِصِدْقِهِ بِمُدَّةِ إقَامَةِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْ عِتْقِهِ مَعَ أَنَّهَا عِدَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.