الإسلام > النكاح والأسرة > أنواع العدة > عدة الموطوءة بشبهة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ: وقد أجمَعَ أهلُ الفَتوَى مِنْ الأمصارِ على أنه لا يَحرمُ على الزاني تَزوُّجُ مَنْ زَنَى بها (١).
وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتَّفصيلِ في كِتابِ النكاحِ.
عِدَّةُ الموطُوءةِ بشُبهةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في عدَّةِ المَوطوءةِ لشُبهةٍ -كأنْ زُفَّتْ إلى غيرِ زَوجِها، والمَوجودةِ لَيلًا على فِراشِه- هل عدَّتُها مثلُ المُعتدةِ مِنْ نكاحٍ صَحيحٍ؟ أم تُستبرأُ بحَيضةٍ واحدةٍ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَوطوءةَ بشُبهةِ النكاحِ -بأنْ زُفَّتْ إليه غيرُ امرَأتِه فوَطئَها- فإنه يَجبُ عليها العدَّةُ كالمَوطوءةِ في نكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ الشُّبهةَ تُقامُ مَقامَ الحقيقةِ في مَوضعِ الاحتياطِ، وإيجابُ العدَّةِ مِنْ بابِ الاحتياطِ.
ويَحرمُ على زَوجِها الأولِ أنْ يَطأَها؛ لأنها عدَّةٌ قُدِّمتْ على حقِّ الزَّوجِ، فمُنعَ مِنْ الوَطءِ قبلَ انقِضائِها، لا الاستِمتاع؛ لأنَّ تَحريمَها لعارِضٍ يَختصُّ بالفَرجِ، فأُبيحَ الاستِمتاعُ منها بما دُونَه كالحيضِ (٢).
(١) «فتح الباري» (٩/ ١٥٧).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٢)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٥١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٤٠)، و «حاشية الصاوي» (٦/ ٤١)، و «المغني» (٨/ ٧٩)، و «منار السبيل» (٣/ ١٦٦، ١٦٧).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والمَوطوءةُ بشُبهةٍ تَعتدُّ عدَّةَ المطلَّقةِ، وكذلكَ المَوطوءةُ في نِكاحٍ فاسدٍ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ؛ لأنَّ وَطءَ الشُّبهةِ في النكاحِ الفاسدِ في شُغلِ الرحمِ ولُحقوقِ النسبِ كالوَطءِ في النكاحِ الصَّحيحِ، فكانَ مِثلَه فيما تَحصلُ به البَراءةُ، وإنْ وُطئَتِ المزوَّجةُ بشُبهةٍ لم يَحلَّ لزَوجِها وَطؤُها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها؛ كَيلَا يُفضيَ إلى اختلاطِ المياهِ واشتباهِ الأنسابِ، وله الاستمتاعُ منها بما دُونَ الفَرجِ في أحَدِ الوَجهينِ؛ لأنها زَوجةٌ حَرُمَ وَطؤُها لعارِضٍ مُختصٍّ بالفرجِ، فأُبيحَ الاستمتاعُ منها بما دُونَه كالحائضِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: وللمَوطوءةِ بشُبهةٍ أنْ تُقيمَ مع زَوجِها الأولِ، ونَفقتُها وسُكناها على زَوجِها الأولِ؛ لأنَّ النكاحَ بينَهُما قائمٌ، إنما حَرُمَ الوَطءُ، وليسَ لها أنْ تَخرجَ إلا بإذنِ زَوجِها الأولِ، فإنْ أَذِنَ لها فلها أنْ تَخرجَ وإنْ لم تَنقَضِ عدَّتُها، وهذا إذا لم تَكنْ راضِيةً بالوَطءِ، أما إذا كانَتْ راضيةً عالِمةً فلا نَفقةَ لها.
وقُيِّدَ الوطءُ بشُبهةٍ لأنه لو تَزوَّجَ امرأةَ الغيرِ عالِمًا بذلكَ ودخَلَ بها لا تَجبُ العدَّةُ عليها، حتى لا يَحرمُ على الزَّوجِ وَطؤُها، وبه يُفتَى؛ لأنه زنًا والمَزنِيُّ بها لا تَحرمُ على زوجِها (٢).
(١) «المغني» (٨/ ٧٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٢)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٥١).
وقالَ المالِكيةُ: الحُرةُ إذا وُطئَتْ بزنًا أو وُطئَتْ بشُبهةٍ إما غلَطًا أو بنكاحٍ فاسِدٍ مُجمَعٍ عليه كمُحرَّمِ نَسبٍ أو رَضاعٍ أو لا أو غابَ عليها غاصِبٌ ثم خلَصَتْ منه فإنه يَجبُ عليها في هذه الأمورِ أنْ تَمكثَ قدْرَ عدَّتِها على تَفصيلِها السابقِ، فإنْ كانَتْ مِنْ ذَواتِ الحيضِ فإنها تَمكثُ ثَلاثةَ أقراءٍ استبراءً لا عدَّةً، أو ثَلاثةَ أشهُرٍ إنْ كانَتْ صَغيرةً أو يائِسةً، أو سَنةً إنْ تأخَّرَ حيضُها بلا سَببٍ أو كانَتْ مُستحاضةً ولم تميِّزْ أو مَريضةً، ولا يُعتبَرُ قولُ المَرأةِ: «إنَّ الغاصِبَ ومَن معَه لم يَطَآني»، ولا تُصدقُ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ ولو وافَقَها على ذلكَ الغاصِبُ ومَن معَه؛ لأنَّ الاستبراءَ لحقِّ اللهِ …
ولا يَجوزُ للزوجِ أنْ يطَأَ زَوجتَه في مُدةِ استِبرائِها، إلا أنْ تَكونَ ظاهِرةَ الحَملِ، ومثلُه الاستِمتاعُ كما في سَماعِ ابنِ القاسمِ، ولا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَعقدَ على تلكَ المَرأةِ في زَمنِ استبرائِها ممَّا ذُكرَ، سَواءٌ كانَ العاقدُ زوْجَها الذي فسَخَ نِكاحَه منها، أو كانَ العاقِدُ أجنَبيًّا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ وُطئَتِ امرَأةٌ بشُبهةٍ .. وجبَتْ عليها العدَّةُ؛ لأنَّ الوطءَ في الشُّبهةِ كالوطءِ في النكاحِ في النَّسبِ، فكانَ كوَطءِ النكاحِ في إيجابِ العدَّةِ.
فإنْ كانَتْ حرَّةً .. اعتَدَّتْ بعدَّةِ الطلاقِ (٢).
(١) «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٤٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤١٦، ٤١٧)، و «حاشية الصاوي» (٦/ ٤١).
(٢) «البيان» (١١/ ٣٣).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في بيان أحكام تداخل العدد والاستبراء]
(فَصْلٌ) إنْ طَرَأَ مُوجِبٌ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ انْهَدَمَ الْأَوَّلُ وَائْتَنَفَتْ:
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَام تداخل الْعَدَد وَالِاسْتِبْرَاء
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ تَدَاخُلِ الْعِدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ أَيْ طَرَيَان بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ نَوْعٍ أَوْ لَا، وَيُسَمَّى مَبْحَثَ التَّدَاخُلِ وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالِامْتِحَانِ بِمَسَائِلِهِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى اسْتِحْضَارِ مَا سَبَقَ مِنْ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَدِقَّتهَا فَلَا يُحْسِنُ الْجَوَابَ عَنْهَا إلَّا ذُو مَلَكَةٍ بِمُمَارَسَةِ مَا تَقَدَّمَ وَأَنْوَاعُهُ الْعَقْلِيَّةُ تِسْعَةٌ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ نَوْعَانِ عِدَّةُ طَلَاقٍ وَعِدَّةُ وَفَاةٍ، وَالِاسْتِبْرَاءُ نَوْعٌ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ يَطْرَأُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى مِثْلِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي مِثْلِهَا وَالْوَاقِعِيَّةُ سَبْعَةٌ بِتَقْدِيمِ السِّينِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ عِدَّةَ طَلَاقٍ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ عِدَّةُ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ وَإِنْ كَانَ اسْتِبْرَاءٌ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ أَوْ عِدَّةُ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ، وَإِنْ كَانَ عِدَّةُ وَفَاةٍ تَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ وَلَا يَتَأَتَّى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ عِدَّةُ طَلَاقٍ وَلَا عِدَّةُ وَفَاةٍ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في أحكام العدة
انْقَضَتْ تَجَدَّدَ وُجُوبُ عِدَّةٍ أُخْرَى بِالْعِتْقِ فَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ مِنْهَا وَمَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءً مِنْ دُيُونٍ لَهُ أَوْ مَالٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ فِي شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ يُؤَدَّى الْمَالُ فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ أَوْ يَنْوِي فَيُحْكَمُ بِعَجْزِهِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِدَّتَيْنِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِنْتَ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى وَمَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَفَاءً فَعَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عِنْدَنَا لَا يَفْسُدُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى، فَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ مَنْكُوحَتِهِ الْحُرَّةِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحَرَائِرِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَاجِزًا فَمَلَكَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْفُرْقَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ فِي أَحْكَامُ الْعِدَّةِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى أنواع العدة للاطلاع على جميع المسائل.