حكم التوارث بينهما

الإسلام > النكاح والأسرة > الآثار المترتبة على اللعان > حكم التوارث بينهما

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

حكم التوارث بينهما - الأقوال والأدلة

مَسألةٌ: إذا نفَى الوَلدَ باللِّعانِ ثمَّ ماتَ الولدُ فاعتَرفَ به بعدَ مَوتِه، فإنْ كانَ المَيتُ تَركَ ولدًا أو وَلدَ ولدٍ لَحقَ به، فإنْ لم يَتركْ وَلدًا ولا وَلدَ ولدٍ حُدَّ ولم يلحَقْ به، وقالَ الشافِعيُّ: يلحَقُ بهِ ويستحقُّ مِيراثَه كما لو كانَ حيًّا.

فدَليلُنا: أنَّ إقرارَه يَتضمَّنُ شَيئينِ: أحَدُهما: كَذبَه، وهو معنًى لا يُتهَمُ فيهِ، فضُربَ الحَدَّ، والآخَرُ: استِحقاقُ مِيراثِه منهُ مع انتفاءِ الحاجةِ إلى الإقرارِ، فلمْ يُقبلْ؛ للتُّهمةِ وانتفاءِ الحاجةِ، ويُفارِقُ ذلكَ إذا كانَ هُناكَ ولدٌ للميتِ؛ لأنَّ بهِ حاجةً إلى الإقرارِ بنَسبِه (١).

حُكمُ التَّوارثِ بينَهُما:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا تَوارُثَ بينَ المُلاعِنِ وبينَ الوَلدِ الذي نفَى نَسبَه باللعانِ، فإذا ماتَ المُلاعنُ فلا يَرثُه الوَلدُ المَنفيُّ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءَ، وكذلكَ الوَلدُ المَنفيُّ باللعانِ إذا ماتَ وعندَه مالٌ لا يَرثُه المُلاعنُ الذي نَفاهُ بلا خِلافٍ، وكذا لا يَرثُه عَصَبتُه، وتَرثُه أمُّه عِنْدَ عامةِ الفُقهاءِ.

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الرجلُ إذا لاعَنَ امرأتَه ونَفى وَلدَها وفَرَّقَ الحاكمُ بينَهُما انتفَى وَلدُها عنه وانقَطعَ تَعصيبُه مِنْ جِهةِ المُلاعِنِ فلمْ يَرثْه هوَ ولا أحَدٌ مِنْ عَصباتِه، وتَرثُ أمُّه وذَوُو الفُروضِ منُه فُروضَهم، ويَنقطعُ التَّوارثُ بينَ الزَّوجينِ، لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ في هذهِ الجُملةِ خِلافًا (٢).

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥٢٥)، رقم (١٣٥٤، ١٣٥٥).
(٢) «المغني» (٦/ ٢٢٤).

وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: إذا رَمَى رَجلٌ امرأتَه بالزِّنا وانتفَى مِنْ وَلدِها ولاعَنَها فإنَّ الوَلدَ يَنتفي عنه بشَرطِه، فلا يَرثُه هو ولا أحَدٌ مِنْ عَصباتِه، وتَرثُ أمُّه وذَوُو الفَرضِ منهُ فُروضَهم بلا نِزاعٍ (١).

والدَّليلُ على أنها تَرثُه ما روَى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ قالَ: «مِيراثُ ابن المُلاعَنةِ لأمِّهِ ولوَرثَتِها مِنْ بَعدِها» (٢).

ورَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ عن النبيِّ قالَ: «المَرأةُ تَحوزُ ثَلاثةَ مَواريثَ: عَتيقَها ولَقيطَها والوَلدَ الذي لاعَنَتْ عليه» (٣).

إلا أنهُم اختَلفوا هل تَرثُه مِيراثَ أمٍّ؟ أو ميراثَ أمٍّ وأبٍ ويَكونُ لها الفَرضُ والباقي تَعصيبًا؟ أو يَكونُ لها الفَرضُ والباقي لأقرَبِ عَصبتِها؟ على قَولينِ:

أحَدُهما: أنها تَرثُه مِيراثَ أمٍّ، فتَأخذُ حَقَّها والباقِي يَكونُ لإخوَتِه لأمِّه إذا لم يَكنْ له هو عَصبةٌ بأنْ لا يَكونَ له أولادٌ، وبهذا قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على تَفصيلٍ عندَهُم؛ لِما رواهُ مالكٌ أنه بلَغَه أنَّ عُروةَ بنَ الزُّبيرِ كانَ يَقولُ في وَلدِ المُلاعنةِ ووَلدِ الزِّنى: «إنه إذا ماتَ وَرثَتْه أمُّه حَقّها في كِتابِ اللهِ ﷿ وإخوتُه لأمِّه

(١) «شرح الزركشي» (٢/ ٢٧٧، ٢٧٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٩٠٧).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وأحمد (١٧٠٢٢).

حُقوقهُم، ويَرثُ البَقيةَ مَوالِي أمِّه إنْ كانتْ مَولاةً، وإنْ كانَتْ عَربيةً وَرثَتْ حقَّها ووَرثَ إخوتُه لأمِّه حُقوقَهم وكانَ ما بَقيَ للمُسلمينَ».

قالَ مالكٌ: وبَلغَني عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ مثلُ ذلكَ.

قالَ مالكٌ: وعلى ذلكَ أدرَكْتُ أهلَ العِلمِ ببَلدِنا.

قالَ أبو عُمرَ رحمة الله عليه: هذا مَذهبُ زَيدِ بنِ ثابتٍ، كانَ يُورثُ مِنْ ابنِ المُلاعنةِ كما يُورثُ مِنْ غيرِه ولا يَجعلُ عَصبةَ أمِّه عَصبةً لهُ ويَجعلُ ما فضَلَ عن أمِّه لبَيتِ مالِ المُسلمينَ، إلا أنْ يَكونَ له إخوةٌ لأمٍّ فيُعطَونَ حُقوقَهم منهُ كما لو كانَ غيرَ ابنِ المُلاعنةِ والباقي في بيتِ المالِ … وعنِ ابنِ عبَّاسٍ في ذلكَ مثلُ قولِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وبه قالَ جُمهورُ أهلِ المَدينةِ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وعُروةُ وسُليمانُ وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وابنُ شِهابٍ ورَبيعةُ وأبو الزنادِ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأصحابُهما، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه وأهلِ البَصرةِ، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ وأصحابَه وأهلَ البَصرةِ يَجعلونَ ذَوي الأرحامِ أَولى مِنْ بَيتِ المالِ، فيَجعلونَ ما فضَلَ عن فَرضِ أمِّه وإخوتِه رَدًّا على أمِّه وعلى إخوتِه، إلا أنْ تَكونَ الأمُّ مَولاةً فيَكونُ الفاضِلُ لمَوالِيها (١).

(١) «الاستذكار» (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨)، و «التمهيد» (١٥/ ٤٥، ٤٦)، و «عمدة القاري» (٢٣/ ٢٤٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٧٧٧).

والقَولُ الثاني: أنَّ أمَّه عَصبتُه تَرثُه ميراثَ أمٍّ وأبٍ ويَكونُ لها الفَرضُ والباقي تَعصيبًا، فإنْ لم تَكنْ فَعصَبتُها عَصبتُه، وهي رِوايةٌ عنِ الإمامِ أحمَدَ ورجَّحَها ابنُ القَيمِ؛ لِما رَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ : «جعَلَ ميراثَ ابنِ المُلاعَنةِ لأمِّه ولوَرثتِها مِنْ بَعدِها» (١).

ورَواهُ مَكحولٌ عن النبيِّ مُرسَلًا.

ورَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ عن النبيِّ قالَ: «المَرأةُ تَحوزُ ثَلاثةَ مَوارِيثَ: عَتيقَها ولَقيطَها والوَلدَ الذي لاعَنَتْ عليهِ» (٢).

وعن عُبيدِ اللهِ بنِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ قالَ: كتبْتُ إلى صَديقٍ لي مِنْ أهلِ المَدينةِ مِنْ بَني زُريقٍ أسألُه عن وَلدِ المُلاعنةِ لمَن قَضى بهِ رسولُ اللهِ ؟ قالَ: فكتَبَ إليَّ: إنِّي سألْتُ فأُخبِرتُ أنه قَضى به لأمِّه، وهيَ بمَنزلةِ أبيهِ وأمِّه» رَواهُنَّ أبو داودَ، ولأنها قامَتْ مَقامَ أمِّه وأبيهِ في انتِسابِه إليها، فقامَتْ مَقامَهُما في حِيازةِ مِيراثِه، ولأنَّ عَصباتِ الأمِّ أَدلَوا بها، فلمْ يَرثُوا معَها كأقاربِ الأبِ معهُ.

ورُويَ «عن عَليٍّ وابنِ مَسعودٍ أنهُما كانَا يَجعلانِ أمَّه عَصبتَه فتُعطَى المالَ كلَّه، فإنْ لم يَكنْ له أمٌّ فمَالُه لعَصبتِها»، وبه قالَ الحَسنُ ومَكحولٌ، ومثلُ ذلكَ أيضًا عن الشَّعبيِّ وقَتادةَ وابنِ سِيرينَ وجابرِ بنِ زَيدٍ وعَطاءٍ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحُ: رواه أبو داود (٢٩٠٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي (٢١١٥)، وأحمد (١٧٠٢٢).

والحَكمِ وحمَّادٍ وسُفيانَ الثَّوريِّ والحَسنِ بنِ صالحِ بنِ حَيٍّ وشَريكٍ ويَحيى بنِ آدمَ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ (١).

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ الآثارَ المَذكورةَ: وهذهِ الآثارُ مُوافِقةٌ لمَحضِ القياسِ؛ فإنَّ النَّسبَ في الأصلِ للأبِ، فإذا انقَطعَ مِنْ جِهتِه صارَ للأمِّ، كما أنَّ الوَلاءَ في الأصلِ لمُعتِقِ الأبِ، فإذا كانَ الأبُ رَقيقًا كانَ لمُعتِقِ الأمِّ، فلو أُعتقَ الأبُ بعدَ هذا انجَرَّ الولاءُ مِنْ مَوالي الأمِّ إليهِ ورجَعَ إلى أصلِه، وهو نَظيرُ ما إذا كذَّبَ المُلاعِنُ نفْسَه واستَلحقَ الوَلدَ رجَعَ النَّسبُ والتعصيبُ مِنْ الأمِّ وعَصبتِها إليهِ، فهذا مَحضُ القِياسُ ومُوجَبُ الأحاديثِ والآثارِ، وهو مَذهبُ حَبْرِ الأمَّةِ وعالِمِها عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ومَذهبُ إمامَيِ أهلِ الأرضِ في زَمانِهما أحمَدَ بنِ حَنبلٍ وإسحاقَ بنِ رَاهويهِ، وعليهِ يَدلُّ القرآنُ بألطفِ إيماءِ وأحسَنِه، فإنَّ اللهَ سُبحانَه جَعلَ عيسَى مِنْ ذُريةِ إبراهيمَ بوَاسطةِ مَريمَ أمِّه وهي مِنْ صَميمِ ذُريةِ إبراهيمَ، وسَيأتي مَزيدُ تَقريرٍ لهذا عندَ ذِكرِ أقضِيةِ النبيِّ وأحكامِه في الفَرائضِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

فإنْ قيلَ: فما تَصنعونَ بقَولِه في حَديثٍ سَهلٍ الذي رَواهُ مُسلمٌ في صَحيحِه في قصَّةِ اللِّعانِ وفي آخِرِه: «ثمَّ جَرَتِ السُّنةُ أنْ يَرثَ مِنها وتَرثَ منهُ ما فَرضَ اللهُ لها»؟

(١) «المغني» (٦/ ٢٢٥)، و «الكافي» (٢/ ٥٢٩)، و «زاد المعاد» (٥/ ٤٠٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٧٨)، و «الاستذكار» (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨)، و «التمهيد» (١٥/ ٤٥، ٤٦).

قيلَ: نَتلقاهُ بالقَبولِ والتَّسليمِ والقَولِ بمُوجَبِه وإنْ أمكَنَ أنْ يكونَ مُدرَجًا مِنْ كَلامِ ابنِ شِهابِ وهو الظاهِرُ، فإنَّ تَعصيبَ الأمِّ لا يُسقطُ ما فرَضَ اللهُ لها مِنْ وَلدِها في كِتابِه، وغَايتُها أنْ تكونَ كالأبِ حيثُ يَجتمعُ له الفَرضُ والتَّعصيبُ، فهي تَأخذُ فرْضَها ولا بُدَّ، فإنْ فضَلَ شَيءٌ أخذَتْه بالتَّعصيبِ، وإلا فازَتْ بفَرضِها، فنَحنُ قائِلونَ بالآثارِ كلِّها في هذا البابِ بحَمدِ اللهِ وتَوفيقِه (١).

(١) «زاد المعاد» (٥/ ٤٠٠، ٤٠١).

كتاب العدة

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 3 - 592

ارجع إلى الآثار المترتبة على اللعان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله