الإسلام > النكاح والأسرة > الآثار المترتبة على اللعان > هل الفرقة الحاصلة بسبب اللعان فسخ أم طلاق؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةهلِ الفُرقةُ الحاصِلةُ بسَببِ اللِّعانِ فَسخٌ أم طَلاقٌ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفُرقةِ الحاصِلةِ بسَببِ اللعانِ، هل هي فَسخٌ أم طَلاقٌ؟ وثَمرةُ ذلكَ أنَّ مَنْ يقولُ أنها فَسخٌ تأبَّدَ تَحريمُها، ومَن يقولُ أنها طَلاقٌ لم يَتأبَّدْ تَحريمُها كما سَيأتي في المَسألةِ القادِمةِ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ وزُفرُ والحَسنُ بنُ زِيادٍ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ الفُرقةَ الحاصِلةَ بسَببِ اللعانِ فُرقةُ فَسخٍ؛ لأنها فُرقةٌ تُوجِبُ تَحريمًا مُؤبَّدًا، فكانَتْ فَسخًا كفُرقةِ الرَّضاعِ، واحتَجُّوا بقَولِ النبيِّ ﷺ: «المُتَلاعِنانِ لا يَجتمِعانِ أبدًا»، وهو نَصٌّ في البابِ، ولأنَّ اللعانَ ليسَ بصَريحٍ في الطَّلاقِ، ولو نَوى به الطلاقَ لم يكنْ طَلاقًا كسائرِ ما يَنفسخُ بهِ النكاحُ، ولأنه لو كانَ طَلاقًا لَوقَعَ بلِعانِ الزوجِ دونَ لِعانِ المرأةِ، ولو كانَ اللعانُ صَريحًا في الطلاقِ أو كِنايةً فيه لَوقَعَ بمُجرَّدِ لِعانِ الزوجِ ولم يَتوقَّفْ على لِعانِ المَرأةِ.
ولأنه لو كانَ طَلاقًا فهو طَلاقٌ مِنْ مَدخولٍ بها بغيرِ عِوضٍ لم يَنوِ به الثلاثَ، فكانَ يَكونُ رَجعيًّا.
ولأنَّ الطلاقَ بيَدِ الزَّوجِ إنْ شاءَ طلَّقَ وإنْ شاءَ أمسَكَ، وهذا الفَسخُ حاصِلٌ بالشرعِ وبغيرِ اختِيارِه.
وإذا ثبَتَ بالسُّنةِ وأقوالِ الصَّحابةِ ودَلالةِ القُرآنِ أنَّ فُرقةَ الخُلعِ ليسَتْ
بطَلاقٍ بل هي فَسخٌ -عندَ الحَنابلةِ- مع كَونِها بتَراضيهِما فكيفَ تكونُ فُرقةُ اللِّعانِ طَلاقًا؟! (١).
وذهَبَ الإمامانِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الفُرقةَ الحاصِلةَ بسَببِ اللعانِ فُرقةُ طَلاقٍ، وتَكونُ فُرقةً بتَطليقةٍ بائِنةٍ، فيَزولُ مِلكُ النكاحِ وتَثبتُ حُرمةُ الاجتهادِ والتَّزويجِ ما دامَا على حالةِ اللعانِ؛ لِما رُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا لاعَنَ بينَ عُوَيمرٍ العَجلانِيُّ وبينَ امرَأتِه فقالَ عُويمرٌ: «كَذَبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إنْ أمسَكتُها، فهيَ طالقٌ ثلاثًا»، وفي بَعضِ الرِّواياتِ: «كَذَبتُ عليها إنْ لم أُفارِقْها، فهيَ طالقٌ ثلاثًا»، فصارَ طَلاقُ الزَّوجِ عَقيبَ اللِّعانِ سُنةَ المُتلاعنَينِ؛ لأنَّ عُويمرًا طلَّقَ زوْجَتَه ثلاثًا بعدَ اللعانِ عندَ رسولِ اللهِ، فأنفَذَها عليه رسولُ اللهِ ﷺ، فيَجبُ على كل مُلاعِنٍ أنْ يُطلِّقَ، فإذا امتَنعَ يَنوبُ القاضي مَنابَه في التفريقِ، فيكونُ طَلاقًا كما في العِنِّينِ، ولأنَّ سَببَ هذهِ الفُرقةِ قَذفُ الزوجِ؛ لأنه يُوجِبُ اللعانَ، واللعانَ يُوجِبُ التَّفريقَ، والتفريقَ يُوجِبُ الفُرقةَ، فكانَتِ الفُرقةُ بهذهِ الوسائطِ مُضافةً إلى القَذفِ السابقِ، وكلُّ فُرقةٍ تكونُ مِنْ الزوجِ
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «التمهيد» (١٥/ ٣٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥٢٠)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٩١)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٨٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٧٣٧)، و «المغني» (٨/ ٥٣، ٥٤)، و «الإفصاح» (٢/ ١٩٣)، و «الكافي» (٣/ ٢٨٩)، و «زاد المعاد» (٥/ ٣٩٠، ٣٩١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٢٢).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب كيف اللعان) من كتاب اللعان والطلاق وأحكام القرآن)
(باب كيف اللعان) من كتاب اللعان والطلاق وأحكام القرآن)
قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَمَّا حَكَى سَهْل شهود المتلاعنين مع حداثته وحكاه ابن عمر رضي الله عنهما اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بمحضر من طائفة من المؤمنين لأنه لا يحضر أمراً يريد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ستره ولا يحضره إلا وغيره حاضر له وكذلك جميع حدود الزنا يشهدها طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة لأنه لا يجوز في شهادة الزنا أقل منهم وهذا يشبه قول الله تعالى في الزانيين {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} وفي حكاية من حكى اللعان عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جملة بلا تفسير دليل على أن الله تعالى لما نصب اللعان حكاية في كتابه فإنما لاعن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بين المتلاعنين بما حكى الله تعالى في القرآن " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي تَغْلِيظِ اللِّعَانِ بِحُضُورِ الَّذِينَ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الدَّلِيلِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُدُودِ الَّتِي يَخْفَى أَثَرُهَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَالْقَذْفِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، كَانَ أَقَلَّ مَنْ شَهِدَ حَدَّهُ أَرْبَعَةٌ، وَمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ كَالْقَذْفِ، فَالشَّاهِدَانِ أَقَلُّ مَنْ يَحْضُرُ اسْتِيفَاؤهُ، فَأَمَّا مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْقَطْعِ فِي السرقة، فليس يؤمر في استيفاؤه بحضور الشهود، لأن شواهد استيفاؤه تُغْنِي عَنِ الشَّهَادَةِ. وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً أَشَارَ إِلَيْهَا، وَهَلْ يَحْتَاجُ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى ذِكْرِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللعان
١٣٢٩ - مسألة؛ قال: (فمتى تلاعنا وفرق الحاكم بينهما، لم يجتمعا أبدا).
اللِّسانُ، فلم يُؤَثِّر الاختلافُ فيه ، كما لو شَهِد أحَدُهما أنَّه أقَرَّ بقَذْفِها يومَ الخميسِ بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخرُ أنَّه أقَرَّ بقَذْفِها يوم الجُمُعةِ بالعَجَمِيَّةِ. والآخَرُ، لا تَكْمُلُ الشَّهادةُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما قَذْفانِ لم تَتِمَّ الشَّهادةُ على واحدٍ منهما، فلم تَثْبُتْ، كما لو شَهِدَ أحَدُهما أنَّه تَزَوَّجَها يومَ الخميسِ، وشهدَ الآخرُ أنَّه تزوَّجَها يومَ الجمعةِ، وفارَقَ الإِقْرارَ بالقَذْفِ، فإنَّه يجوزُ أَنَّ يكونَ المُقِرُّ به واحدًا، أقَرَّ به فى وَقْتَيْنِ بلِسَانَيْنِ.
١٣٢٩ - مسألة؛ قال: (فمَتَى تَلَاعَنَا وفَرَّقَ الحاكِمُ بينهما، لم يَجتَمِعا أبدًا) .
فى هذه المسْألةِ مَسْألتان:
إحداهما: أَنَّ الفُرْقَةَ بين المُتَلَاعِنَيْنِ لا تَحْصُلُ إلَّا بتَلاعُنِهما جميعًا، وهل يُعْتَبَرُ تَفْرِيقُ الحاكمِ بينهما؛ فيه رِوَايَتان، إحداهما، أنَّه مُعْتَبر فلا تحصُلُ الفُرْقةُ حتى يُفَرِّقَ الحاكمُ بينهما. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وقولُ أصْحاب الرَّأْى، لقولِ ابنِ عباسٍ فى حدِيِثه: ففَرَّقَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينهما . وهذا يَقْتَضِى أَنَّ الفُرْقةَ لم تَحْصُلْ قبلَه. وفى حَدِيثِ عُوَيْمِرٍ، قال: كَذَبْتُ عليها يا رَسُولَ اللَّه إن أمْسَكْتُها. فطَلَّقَها ثَلاثًا قبلَ أَنَّ يَأْمُرَه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- . وهذا يَقْتَضِى إمْكانَ إمْساكِها، وأنَّه وَقَعَ طَلَاقُه، ولو كانت الفُرْقةُ وَقَعَتْ قبلَ ذلك، لَما وَقَعَ طَلاقُه، ولا أمْكَنَه إمْساكُها. ولأنَّ سَبَبَ هذه الفُرْقةِ يَقِفُ على الحاكمِ، فالفُرْقةُ المتعلِّقةُ به لا تَقَعُ إلَّا بحُكْمِ الحاكِم، كفُرْقةِ العُنَّةِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللعان
فصل في حكم اللعان
وَتَعَالَى خَصَّ اللِّعَانَ بِالْأَزْوَاجِ وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَا يَسْقُطُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُبْطِلُ الزَّوْجِيَّةَ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ أَوْجَبَ اللِّعَانَ لَا الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ الزَّوْجَةَ وَلَمَّا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَدْ أَبْطَلَ الزَّوْجِيَّةَ، وَاللِّعَانُ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْأَزْوَاج وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَجِبُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَقَذْفُ الْأَجْنَبِيَّةِ يُوجِبُ الْحَدَّ لَا اللِّعَانَ، وَلَوْ أَكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ سَقَطَ اللِّعَانُ لِتَعَذُّرِ الْإِتْيَانِ بِهِ إذْ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَشْهَدَ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَهُوَ يَقُولُ إنَّهُ كَاذِبٌ، وَيَجِبُ الْحَدُّ لِمَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ارجع إلى الآثار المترتبة على اللعان للاطلاع على جميع المسائل.