الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > الصورة الخامسة: أن ينوي تحليلها دون علمها أو علم الزوج الأول
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةالصُّورةُ الخامِسةُ: أنْ يَنوَي تَحليلَها دونَ عِلمِها أو عِلمِ الزَّوجِ الأولِ:
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو نوَى الزوجُ الثاني تحليلَها للزوج الأولِ، هل يصحُّ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ يَحرمُ ويَبطلُ النكاحُ؛ لأنَّ المعتبَرَ في ذلكَ نيَّةُ المحلِّلِ لا نيةُ الزوجةِ أو الزوجِ الأولِ؛ لأنَّ العقدَ إنما يَبطلُ بنيةِ الزوجِ؛ لأنهُ الذي إليهِ المُفارَقةُ والإمساكُ (١).
قالَ المالِكيةُ: المعتبَرُ في تحليلِ المَبتوتةِ نيةُ المحلِّلُ؛ لأنَّ الطلاقَ بيدهِ؛ وأما نيةُ المطلِّقِ ونيةُ المطلَّقةِ إذا نويَا التحليلَ فلَغوٌ، فلا تَضرُّ نيةُ المرأةِ ذلكَ ولا نِيةُ الزوجِ الأولِ ذلكَ، فالمعتبَرُ في تَحليلِها وعدمِ تَحليلِها نيةُ المحلِّلِ دونَ غيرهِ؛ لأنَّ الطلاقَ بيدهِ (٢).
وذهبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّ النكاحَ صحيحٌ؛ لأنهُ خَلا عن شرطٍ يُفسدُهُ، فأشبَهَ ما لو نوَى طلاقَها لغير الإحلالِ، أو ما لو نَوَتِ المرأةُ ذلكَ، ولأنَّ العقدَ إنما يَبطلُ بما شُرِطَ لا بما قُصِدَ، بدليلِ ما لو اشتَرى عبدًا فشرَطَ أنْ يبيعَهُ لم يَصحَّ، ولو نوَى ذلكَ لم يَبطلْ، ولأنه رُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه ما يَدلُّ على إجازتهِ.
وقد صرَّحَ الحَنفيةُ أنَّ الرجلَ يُؤجَرُ بذلكَ فقالُوا: إذا أضمَرَ الزوجُ
(١) «المغني» (٧/ ١٣٨)، و «المبدع» (٧/ ٨٩)، و «الإنصاف» (٨/ ١٦١، ١٦٢)، و «الفتاوى الكبرى» (٣/ ١٠٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٩٠، ٥٩١).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢١٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٧٤).
ذلكَ بدونِ شرطِ التحليلِ لا يكرهُ، بل يحِلُّ له في قولِهم جَميعًا ويؤجَرُ على ذلكَ إذا كان قَصدُه الإصلاحَ لا مُجردَ قَضاءِ الشهوةِ ونحوِها، وكذا لو نَوَتِ المرأةُ والزوجُ الثاني (١).
وقالَ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: وذُكرَ عن سالمِ بنِ عبدِ الله أنهُ سئلَ عن رَجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاثًا فانقضَتْ عدَّتُها فتزوَّجها رَجلٌ ليُحِلِّها للزوجِ الأولِ لم يأمرْهُ الزوجُ بذلكَ ولا المرأةُ قالَ: هذا يَجوزُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ رحمة الله عليه وبه نأخُذُ؛ لأنهُ تزوَّجَها نكاحًا مطلَقًا، والنكاحُ سنَّةٌ مرغوبٌ فيها، وإنما قصَدَ بذلكَ ارتفاعَ الحرمةِ بينَهما ليَمنعَهما بذلكَ على ارتكابِ المحرَّمِ ويُوصلَهما إلى مُرادِهما بطريقٍ حَلالٍ، فتكونُ إعانةً على البِرِّ والتقوَى، وذلكَ مَندوبٌ إليهِ، فالظاهرُ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما نادمٌ على ما كانَ منهُ مِنْ سُوءِ الخلُق، خُصوصًا إذا كانَ بينَهما ولدٌ، فلو امتَنعَ الثاني مِنْ أنْ يتزوَّجَها ليُحِلَّها للأولِ ربما يَحملُها الندمُ أو فَرطُ مَيلِ كلِّ واحدٍ منهُما إلى صاحبهِ على أنْ يتزوَّجَها مِنْ غيرِ مُحلِّلٍ، فهو يسعَى إلى إتمامِ مُرادِهما على وجهٍ يُندبانِ إليهِ في الشرعِ، فيكونُ مأجورًا فيه، وفي نظيرهِ قالَ رَسولُ اللهِ: «مَنْ أقالَ نادمًا أقالَ اللهُ عثراتِهِ يومَ القيامةِ» (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨٧)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ١٨١)، و «البحر الرائق» (٤/ ٦٣)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٩١)، و «المغني» (٧/ ١٣٨).
(٢) «المبسوط» (٣٠/ ٢٢٨)، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: وقالَ سالمٌ والقاسِمُ: لا بأسَ أنْ يَتزوَّجَها ليُحِلَّها إذا لم يَعلمِ الزوجانِ، قالا: وهو مَأجورٌ.
وقالَ رَبيعةُ ويَحيى بنُ سعيدٍ: إنْ تزوَّجَها ليُحِلَّها فهوَ مأجورٌ.
وقالَ داودُ بنُ عليٍّ: لا أبعد أنْ يكونَ مُريدُ نكاحِ المُطلَّقةِ ليُحِلَّها لزَوجِها مأجورًا إذا لم يظهرْ ذلكَ في اشتراطِه في حينِ العقدِ؛ لأنه قصَدَ إرفاقَ أخيه المُسلمِ وإدخالَ السُّرورِ عليهِ إذا كانَ نادِمًا مَشغوفًا، فيكونُ فاعلُ ذلكَ مأجورًا إنْ شاءَ اللهُ. «التمهيد» (١٣/ ٢٣٤)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٤٩).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الثانية في أركان الطلاق
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ مِنَ النِّسَاءِ مِمَّنْ لَا يَقَعُ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ فَصْلَانِ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُقَيَّدَةِ.
ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.