هل يشترط في الزوج المحلل أن يكون بالغا أو عاقلا؟

الإسلام > النكاح والأسرة > الأنكحة المنهي عنها > هل يشترط في الزوج المحلل أن يكون بالغا أو عاقلا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

هل يشترط في الزوج المحلل أن يكون بالغا أو عاقلا؟ - الأقوال والأدلة

قلنا: إنَّما سمَّاهُ محلِّلًا لأنهُ قصَدَ التحليلَ في موضعٍ لا يَحصلُ فيه الحِلُّ كما قالَ : «مَا آمَنَ بالقرآنِ مَنِ استَحَلَّ محارِمَهُ»، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧]، ولو كانَ مُحلِّلًا في الحقيقةِ والآخَرُ مُحلَّلًا له لم يَكونَا مَلعونَيْنِ (١).

هل يُشترطُ في الزَّوجِ المُحلِّلِ أنْ يَكونَ بالغًا أو عاقِلاً؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجِ الذي يَحصلُ به التحليلُ؛ هل يُشترطُ أنْ يكونَ بالغًا؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ نكاحُ المُراهِقِ وتَحلُّ به للأولِ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ البلوغُ في الزوجِ المحلِّلِ، فلو وَطئَها مُراهقٌ ثمَّ طلَّقَها حَلَّتْ للأولِ؛ لوُجودِ الدخولِ في نكاحٍ صَحيحٍ، ولا يُشترطُ الإنزالُ.

قالَ الحَنفيةُ: الصبيُّ المراهقُ الذي يُجامِعُ مثلُه كالبالغِ في تحليلِ المُطلقةِ ثلاثًا لزوجِها الأولِ؛ لوُجودِ الدخولِ في نكاحٍ صحيحٍ، وهوَ الشرطُ بالنصِّ، ولا يُشترطُ الإنزالُ إنما إيلاجُ الحشفةِ؛ لأنَّ الإنزالَ كَمالٌ ومُبالغةٌ فيهِ، وهوَ قيدٌ لا دليلَ عليهِ، فكانَ بمَنزلةِ المَسلولِ والفَحلِ الذي لا يُنزِلُ.

والمُراهِقُ: هو الدَّاني مِنَ البلوغِ فيهِ، وقيلَ: الذي تَتحركُ آلتُه ويَشتهي الجِماعَ، وقدَّرَ شمسُ الأئمَّةِ بعشرِ سنينَ.

والشيخُ الذي لا يَقدرُ على الجِماعِ لو أولَجَ ذكَرَهُ بمُساعدةِ يَدهِ لا يُحلُّها إلا إذا انتَعشَ وعَملَ.

(١) «المغني» (٧/ ١٣٩، ١٤٠).

وإنما شُرِطَ الإيلاجُ لأنه شَرَطَ اللذةَ مِنَ الطرفَين، فإذا جامَعَ امرأتَه وجَبَ عليها الغُسلُ وأحَلَّها للزوجِ الأولِ، وإنما وجَبَ عليها الغسلُ لالتقاءِ الخِتانَينِ وهوَ سببٌ لنُزولِ مائِها، ولا غُسلَ على الصبيِّ؛ لعَدمِ الخِطابِ، وإنما يُؤمَرُ به تخلُّقًا؛ ليَتعودَ بهِ ويصيرَ له سَجيةً قبلَ بلوغهِ حتَّى لا يَشقَّ عليه عندَ وجوبِهِ.

والمَجنونُ فيه كالعاقلِ، والخَصيُّ الذي يَقدرُ على الجِماعِ يُحلُّها للأولِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في الزوجِ الثاني المحلِّلِ كونُه ممَّنْ يُمكِنُ جِماعُهُ كالمُراهقِ، لا طفلًا لا يَتأتَّى منهُ ذلك على الصحيحِ مِنَ المذهبِ.

فإذا كانَ الزوجُ الثاني غيرَ بالغٍ وقد عَقَدَ عليها نكاحًا صَحيحًا فلهُ حالتانِ:

إحداهُما: أنْ يكونَ مُراهقًا قد انتَشرَ ذكَرُه ويطَأُ مثلُه، فوَطؤُه يُحلُّها للأولِ كالبالغِ.

والحالُ الثانيةُ: أنْ يكونَ طفلًا لا يَطأُ مثلُه ولا يَنتشرُ ذكَرُه، فالوطءُ مُستحيلٌ مِنْ مثلِه، وإنما يكونُ استِدخالُ ذكَرِه عبَثًا، فلا يَتعلقُّ به إحلالٌ، فخالَفَ البالغَ إذا أولَجَ مِنْ غيرِ انتشارٍ، لأنهما يَختلفانِ في انطلاقِ اسمِ الوطءِ عليها، فاختَلفَا في حُكمِهِ.

(١) «الهداية» (٢/ ١٠)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ١٨١)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٢٥٨، ٢٥٩)، و «العناية» (٥/ ٤٣٢)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٩٠)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٤٧٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤١٠).

وفي وجهٍ: أنهُ يَحصلُ التحليلُ بلا انتِشارٍ لشَللٍ أو غيرِهِ؛ لحُصولِ صُورةِ الوطءِ وأحكامِهِ.

وأما الخَصيُّ -وهوَ المَسلولُ الانثيَينِ السَّليمُ الذكَرِ- فوَطؤُه يُحلُّها كالفَحلِ، بل وَطؤُه أقوَى؛ لعدَمِ إنزالِه وقلَّةِ فُتورِهِ.

وأما المَجبوبُ -وهوَ المَقطوعُ الذكَرِ- فإنْ لم يَبْقَ منه شيءٌ يُمكنُهُ إيلاجُه استحالَ الوطءُ منه فلم يُحلَّها، وإنْ بقيَ منه ما يُمكنُ إيلاجُهُ فإنْ كانَ دونَ مِقدارِ الحشَفةِ لم يُحلَّها؛ لأنَّ السليمَ الذكَرِ لو أولَجَ دون الحشَفةِ لم يُحلَّ، وإنْ كانَ الباقي منه بمِثلِ مِقدارِ الحشفةِ فما زادَ أحَلَّها، وهل يُعتبَرُ في إحلالِه تَغييبُ قدرِ الحشَفةِ فيه أو يُعتبَرُ تَغييبُ جميعِه؟ على وجهَين:

أحَدُهما: يُعتبَرُ منهُ تغييبُ قَدرِ الحشفةِ، فإذا غيَّبَ مِنْ باقي ذكَرِهِ قدْرَ الحشفةِ أحلَّ.

والوجهُ الثاني: لا يُحلُّها إلَّا بتَغييبِ جَميعِ الباقي؛ لأنَّ ذهابَ الحَشفةِ منهُ قد أسقَطَ حُكمَها، فانتَقلَ إلى الباقي بعدَها (١).

وقالَ الحَنابلةُ: يَحصلُ التحليلُ للزوجِ الأولِ بالوطءِ في القُبُلِ؛ لأنَّه عليه السلام علَّقَ الحِلَّ على ذواقِ العُسيلةِ، ولا تَحصلُ إلا بالوطء في الفرْجِ، وأدنَى ما يَكفي مِنْ ذلكَ تَغييبُ الحَشفةِ معَ الانتشارِ في الفرْجِ

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٣٢٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٧٥، ١٧٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٠٢، ٣٠٣)، و «الديباج» (٣/ ٢٥١).

وإنْ لم يُنزلْ؛ لأنَّ أحكامَ الوطءِ تَتعلقُ به، فلو أَولجَ مِنْ غير انتشارٍ لم يُحلَّها؛ لأنَّ الحُكمَ يَتعلقُ بذواقِ العُسيلةِ، ولا يَحصلُ مِنْ غير انتشارٍ، وليسَ الإنزالُ شرطًا فيه؛ لأنَّه عليه السلام جعَلَ ذواقَ العُسيلةِ غايةً للحُرمةِ، وذلكَ حاصلٌ بدُونِ الإنزالِ، والذي يَظهرُ أنَّ هذا في الثيبِ، فأما البِكرُ فأدناهُ أنْ يَفتضَّها بآلتِه.

وإنْ كانَ مَجبوبًا بقيَ مِنْ ذكَرِه قدرُ الحَشفةِ فأولَجَه أحَلَّها؛ لأنَّ ذلكَ منه بمَنزلةِ الحَشفةِ مِنْ غيرِه.

ويَحصلُ التحليلُ بزواجِ مُراهقٍ، فلو وَطئَها زوجٌ مراهقٌ أحَلَّها؛ لظاهِرِ النصِّ، ولأنهُ وطءٌ مِنْ زوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ أشبَهَ البالغَ، وبخلافِ الصَّغيرِ فإنه لا يُمكنُه الوطءُ ولا تُذاقُ عُسيلتُه، وفي «المُستَوعب»: يُعتبَرُ أنْ يكونَ له عَشرُ سنينَ فصاعِدًا، وقالَ القاضي: يُشترطُ له اثنتَا عَشرةَ سَنةً، ونقلَه مُهنَّا؛ لأنَّ مَنْ دونَ ذلك لا يُمكنُه المجامَعةُ، ولا معنى لهذا؛ فإنَّ الخلافَ في المجامِع، ومتَى أمكنَه الجِماعُ فقدْ وُجدَ منه المقصودُ.

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إنْ تزوَّجَها مُراهقٌ فوطِئها أحَلَّها في قولِهم، إلَّا مالكًا وأبا عبيدٍ فإنهما قالا: لا يُحلُّها، ويُروَى ذلكَ عن الحسَنِ؛ لأنه وَطءٌ مِنْ غيرِ بالغٍ، فأشبَه وطءَ الصغير.

ولنا: ظاهرُ النصِّ، وأنَّه وطءٌ مِنْ زوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ، فأشبَه البالغَ، ويُخالِفُ الصغيرَ؛ فإنه لا يُمكنُ الوطءُ منه ولا تُذاقُ عُسيلتُه، قالَ القاضي:

ويُشترط أنْ يكونَ له اثنتَا عشرةَ سَنةً؛ لأنَّ مَنْ دونَ ذلك لا يُمكنُه المُجامَعةُ، ولا مَعنى لهذا؛ فإنَّ الخلافَ في المُجامعِ، ومتَى أمكنَه الجماعُ فقدْ وُجدَ منه المقصودُ، فلا معنى لاعتبارِ سِنٍّ مَا وردَ الشرعُ باعتبارِها، وتَقديرُه بمجرَّدِ الرأي والتحكُّمِ.

وإنْ كانَت ذمِّيةً فوَطئَها زوجُها الذميُّ أحَلَّها لمُطلِّقِها المُسلمِ، نصَّ عليه أحمدُ: وقالَ هو زَوجٌ وبه تَجبُ الملاعَنةُ والقَسمُ، وبه قالَ الحسَنُ والزهريُّ والثوريُّ والشافعيُّ وأبو عبيدٍ وأصحابُ الرأيِ وابنُ المنذر، وقالَ ربيعةُ ومالكٌ: لا يُحلُّها.

ولنا: ظاهرُ الآيةِ، ولأنه وطءٌ مِنْ زوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ تامٍّ، أشبَه وطءَ المُسلمِ.

وإنْ كانا مَجنونَين أو أحَدُهما فوَطِئها أحَلَّها، وقالَ أبو عبد الله بنُ حامدٍ: لا يُحلُّها؛ لأنه لا يذوقُ العُسيلةَ.

ولنا: ظاهرُ الآيةِ، ولأنه وطءٌ مباحٌ في نكاحٍ صحيحٍ، أشبَه العاقلَ، وقولُه: «لا يَذوقُ العُسيلةَ» لا يَصحُّ؛ فإنَّ الجُنونَ إنما هو تَغطيةُ العَقلِ، وليسَ العقلُ شرطًا في الشهوةِ وحُصولِ اللذةِ؛ بدَليلِ البَهائمِ، لكنْ إنْ كانَ المَجنونُ ذاهبَ الحِسِّ كالمَصروعِ والمُغمى عليهِ لم يَحصلِ الحِلُّ بوَطئِه، ولا بوطءِ مَجنونةٍ في هذه الحال؛ لأنَّه لا يَذوقُ العُسيلةَ ولا تَحصلُ له لذةٌ، ولعلَّ ابنَ حامدٍ إنما أرادَ المَجنونَ الذي هذه حالُه، فلا يكونُ هاهنا اختِلافٌ.

ولو وَطئَ مَغمًى عليها أو نائمةً لا تُحِسُّ بوَطئِه فينبغي أنْ لا تَحلَّ بهذا؛ لِمَا ذكَرْناهُ، وحكاهُ ابنُ المُنذرِ، ويَحتملُ حُصولَ الحِلِّ في ذلكَ كلِّه؛ أخذًا مِنْ عُمومِ النصِّ، واللهُ أعلَمُ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المرأةَ المُطلَّقةَ ثَلاثًا لا تَحلُّ للزوجِ الأولِ بوَطءِ المُراهقِ؛ لأنه لم يَبلغْ، كالصغيرِ، ولأنه إيلاجٌ ممَّن لا يَجبُ الحدُّ بوَطئِه ولا النَّفقةُ لزَوجتِه، فلمْ يَقعْ بهِ إحلالٌ كوطءِ الصَّغيرِ (٢).

(١) «المغني» (٧/ ٣٩٩، ٤٠٠)، ويُنظَر: «المبدع» (٧/ ٤٠٤، ٤٠٥).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٥٠) رقم (١٢٦٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان شرائط الجواز والنفاذ

بَابِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ فِي هَذَا الْبَابِ يَقُومُ بِالْعَقْدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مَالِكًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ وَلِيًّا، أَوْ وَكِيلًا، فَكَانَ كَلَامُهُ عَقْدًا لَا شَطْرًا، فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلتَّوَقُّفِ كَمَا فِي الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ.

(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذَا شَطْرُ الْعَقْدِ حَقِيقَةً، لَا كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ كُلُّهُ؛ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ، وَشَطْرُ الْعَقْدِ لَا يَقِفُ عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ، وَهَذَا لِأَنَّ الشَّطْرَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوَقُّفَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي الْأَصْلِ عَلَى خِلَافِ الْحَقِيقَةِ؛ لِصُدُورِهِ عَنْ الْوَلَاءِ عَلَى الْجَانِبَيْنِ، فَيَصِيرُ كَلَامُهُ بِمَنْزِلَةِ كَلَامَيْنِ، وَشَخْصُهُ كَشَخْصَيْنِ حُكْمًا، فَإِذَا انْعَدَمَتْ الْوِلَايَةُ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَعْيِينِ الْحَقِيقَةِ؛ فَلَا يَقِفُ بِخِلَافِ الْخُلْعِ لِأَنَّهُ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِقَبُولِ الْمَرْأَةِ، وَأَنَّهُ يَمِينٌ فَكَانَ عَقْدًا تَامًّا، وَمِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ مُعَاوَضَةً فَلَا يَحْتَمِلُ التَّوَقُّفَ كَالْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ.

وَلَوْ أَرْسَلَ إلَيْهَا رَسُولًا وَكَتَبَ إلَيْهَا بِذَلِكَ كِتَابًا فَقَبِلَتْ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ سَمِعَا كَلَامَ الرَّسُولِ وَقِرَاءَةَ الْكِتَابِ جَازَ ذَلِكَ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كَلَامَ الرَّسُولِ كَلَامُ الْمُرْسِلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُ عِبَارَةَ الْمُرْسِلِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 280 - 285

ارجع إلى الأنكحة المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله