الزوجة التي يجب عليها الإحداد

الإسلام > النكاح والأسرة > الإحداد > الزوجة التي يجب عليها الإحداد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الزوجة التي يجب عليها الإحداد - الأقوال والأدلة

الزَّوجةُ التي يَجبُ عليها الإحدادُ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّوجةَ المُسلمةَ البالِغةَ العاقِلةَ يَجبُ عليها الإحدادُ إذا ماتَ عنها زَوجُها.

إلا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا في الكِتابيةِ زَوجةِ المُسلمِ والصَّغيرةِ، هل يَجبُ عليهما الإحدادُ أم لا؟

أولاً: الإحدادُ على الكِتابيةِ زَوجةِ المسلِمِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الكِتابيةِ إذا كانَتْ مُتزوِّجةً مِنْ مُسلمٍ وماتَ عنها، هل يَجبُ عليها الإحدادُ أم لا يَجبُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ نافعٍ وأشهَبُ إلى أنه لا يَجبُ الإحدادُ عليها؛ لأنَّ الحِدادَ عِبادةٌ بَدنيةٌ، فلا تَجبُ على الكافرةِ كسائرِ العِباداتِ البَدنيةِ مِنْ الصَّومِ والصلاةِ وغيرِهما، بخِلافِ العدَّةِ؛ فإنها اسمٌ لمُضيِّ زَمانٍ، وذا لا يَختلفُ بالإسلامِ والكُفرِ والصِّغرِ والكِبَرِ.

ولما رواهُ الشَّيخانِ عن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أخبَرَتْه قالَتْ: دخَلْتُ على أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ فقالَتْ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «لا يَحلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (١)،

(١) أخرجه البخاري (١٢٢٢)، ومسلم (١٤٨٦).

فجعَلَ الإحدادَ مِنْ أحكامِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، فلا تَدخلُ فيه الكافِرةُ، ولأنها غيرُ مُكلَّفةٍ بأحكامِ الفُروعِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجبُ على الزَّوجةِ الإحدادُ ولو كانَتْ كِتابيةً؛ لأنَّ حُقوقَ الذمِّيةِ في النكاحِ كحُقوقِ المُسلمةِ فيما عليها؛ لعُمومِ قَولِ النبيِّ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (٢).

وفي لفظٍ: «المُتوفَّى عنها زَوجُها لا تَلبَسُ المُعَصفَرةَ مِنْ الثيابِ ولا المُمَشَّقةَ ولا الحُليَّ ولا تَختضبُ ولا تَكحلُ» (٣)، وهذا عامٌّ في المُسلمةِ والكافِرةِ؛ ولأنها مُعتدةٌ مِنْ وَفاةٍ، فلَزمَها الإحدادُ كالمُسلمةِ.

وأما الخبَرُ فدَليلُ خِطابِه يَدلُّ على أنه لا إحدادَ على الكافرةِ، وهُم لا يَقولونَ بدَليلِ الخِطابِ، ولأنَّ في الخبَرِ تَنبيهًا على أنَّ الإحدادَ يَجبُ على الذمِّيةِ؛ لأنَّ الإحدادَ إنما وجَبَ على المُعتدةِ تَغليظًا عليها، فإذا وجَبَ

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٩)، و «الاختيار» (٣/ ٢١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٩)، و «الاستذكار» (٦/ ٢٣١).
(٢) أخرجه مسلم (٩٣٨).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٣٠٤)، والنسائي (٣٥٣٥)، وأحمد (٢٦٦٢٣)، و «ابن حبان في «صحيحه» (٤٣٠٦).

التغليظُ على المُؤمنةِ في العدَّةِ .. فلَأنْ يَجبَ على الكافرةِ أَولى، ومتى اجتَمعَ دَليلٌ وتَنبيهٌ .. قُدمَ التَّنبيهُ؛ لأنه أقوَى (١).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قولُه : «لا يَحلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على مَيتٍ»، هذا لا حُجةَ فيه؛ لأنَّ العلَّةَ حُرمةُ المُسلمِ الذي تَعتدُّ مِنْ مائِه، وجاءَ الحَديثُ بذِكرِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ لأنَّ الخِطابَ إلى مَنْ هذهِ حالُه كانَ يَتوجهُ، فدخَلَ المُؤمناتُ في ذلكَ بالذِّكرِ، ودخَلَ غيرُ المُؤمناتِ بالمَعنى الذي ذكَرْنا، كما يقالَ: «هذا طَريقُ المُسلمينَ» ويَدخلُ في مَعناهُ أهلُ الذِّمةِ، وقالَ : «لا يَبِعْ أحَدُكم على بَيعِ أخيه» يَعني المُسلِم، فدخَلَ في ذلكَ الذِّميُّ بالمَعنى، وقد أوجَبَ رَسولُ اللهِ الشُّفعةَ للمُسلمِ وهي واجِبةٌ لأهلِ الذمَّةِ كما تَجبُ للمُسلمِ، إلى أشياءَ يَطولُ ذِكرُها مِنْ هذا البابِ، ولا خِلافَ أنَّ الزَّوجةَ الذِّميةَ في النَّفقةِ والعدَّةِ وجَميعِ أحكامِ الزَّوجاتِ كالمُسلمةِ، وكذلكَ الإحدادُ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: الإحدادُ تَستوِي فيه جَميعُ الزَّوجاتِ، المُسلمةُ والكافرةُ، والحرَّةُ والأمَةُ، والصَّغيرةُ والكبيرةُ، وهذا قَولُ الجُمهورِ أحمَدَ والشافِعيِّ ومالكٍ، إلا أنَّ أشهَبَ وابنَ نافِعٍ قالا: لا إحدادَ

(١) «البيان» (١١/ ٨١).
(٢) «التمهيد» (١٧/ ٣١٦)، و «الاستذكار» (٦/ ٢٣١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٤٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٢٨)، و «البيان» (١١/ ٨٠، ٨١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٠٥)، و «المغني» (٨/ ١٢٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٠٢).

على الذِّميةِ، ورَواهُ أشهَبُ عن مالِكٍ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ، ولا إحدادَ عندَه على الصغيرةِ.

واحتَجَّ أربابُ هذا القولِ بأنَّ النبيَّ جعَلَ الإحدادَ مِنْ أحكامِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، فلا تَدخلُ فيه الكافرةُ، ولأنها غيرُ مُكلَّفةٍ بأحكامِ الفُروعِ.

قالُوا: وعُدولُه عن اللَّفظِ العامِّ المُطلَقِ إلى الخاصِّ المُقيَّدِ بالإيمانِ يَقتضي أنَّ هذا مِنْ أحكامِ الإيمانِ ولَوازمِه وواجِباتِه، فكأنَّه قالَ: مَنْ التزَمَ الإيمانَ فهذا مِنْ شَرائعِه وواجِباتِه.

والتَّحقيقُ أنَّ نفْيَ حِلِّ الفعلِ عن المُؤمنينَ لا يَقتضي نفْيَ حُكمِه عن الكفَّارِ ولا إثباتَ لهُم أيضًا، وإنما يَقتضي أنَّ مَنْ التَزمَ الإيمانَ وشَرائعَه فهذا لا يَحلُّ له، ويَجبُ على كلِّ حالٍ أنْ يلزمَ الإيمانَ وشَرائعَه، ولكنْ لا يُلزمُه الشارعُ شَرائعَ الإيمانِ إلا بعدَ دُخولِه فيه، وهذا كما لو قيلَ: «لا يَحلُّ لمُؤمنٍ أنْ يَتركَ الصَّلاةَ والحجَّ والزكاةَ»، فهذا لا يَدلُّ على أنَّ ذلكَ حِلٌّ للكافرِ، وهذا كما قالَ في لباسِ الحَريرِ لا يَنبغي هذا للمُتقِينَ، فلا يَدلُّ أنه يَنبغي لغَيرِهم، وكذا قَولُه: لا يَنبغي للمُؤمنِ أنْ يَكونَ لعَّانًا.

وسِرُّ المَسألةِ أنَّ شَرائعَ الحَلالِ والحَرامِ والإيجابِ إنما شُرعَتْ لمَن التَزمَ أصلَ الإيمانِ ومَن لم يَلتزمْه وخُليَ بينَه وبينَ دِينِه، فإنه يُخلَّى بينَه وبينَ شَرائعِ الدِّينِ الذي التَزمَه كما خُليَ بينَه وبينَ أصلِه ما لم يُحاكمْ إلينا،

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في مسائل زوجة المفقود وما يناسبها]

(فَصْلٌ) وَلِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ: الرَّفْعُ: لِلْقَاضِي، وَالْوَالِي، وَوَالِي الْمَاءِ، وَإِلَّا فَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ

ــ

منح الجليل

الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (الْحَمَّامَ) ابْنُ نَاجِي اُخْتُلِفَ فِي دُخُولِهَا الْحَمَّامِ فَقِيلَ لَا تَدْخُلُهُ أَصْلًا ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ ضَرُورَةٍ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَدْخُلُهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ (وَلَا تُطْلِي جَسَدَهَا) بِنَوْرَةٍ (وَلَا تَكْتَحِلُ) وَلَوْ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ (إلَّا) اكْتِحَالُهَا (لِضَرُورَةٍ) فَيَجُوزُ اكْتِحَالُهَا بِغَيْرِ طِيبٍ بَلْ (وَإِنْ بِطِيبٍ) وَجَوَّزَ الطِّخِّيخِيُّ رُجُوعَ الِاسْتِثْنَاءِ لِدُخُولِ الْحَمَّامِ وَطَلْيِ الْجَسَدِ أَيْضًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي السَّابِقِ أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ هُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّهُ نَصٌّ وَمُقَابِلُهُ ظَاهِرٌ فَيُؤَيِّدُ تَقْرِيرَ الطِّخِّيخِيِّ أَيْضًا وَتَكْتَحِلُ لِلضَّرُورَةِ لَيْلًا (وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا) إنْ كَانَ بِطِيبٍ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ مَسْحُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْأَبِيُّ.

فَصَلِّ فِي مَسَائِل زَوْجَة الْمَفْقُود وَمَا يُنَاسِبهَا

(فَصْلٌ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 199 - 202

ارجع إلى الإحداد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله