حكم وصل الشعر

الإسلام > النكاح والأسرة > الإحداد > حكم وصل الشعر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

حكم وصل الشعر - الأقوال والأدلة

قالَ مُسلمٌ: وحدَّثتْنا تَحيةُ الرَّاسبيةُ قالَتْ: حَدَّثتني أمَّ نصرَةَ قالَتْ: قالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: «لو كانَ في وَجهِ بناتِ أخِي لأخرَجْتُه ولو بشَفرةٍ».

وعن بَكرةَ بنتِ عُقبةَ أنها دخَلَتْ على عائِشةَ رضي الله عنها فسَألتْها عن الحِنَّاءِ، فقالَتْ: «شَجرةٌ طيِّبةٌ وماءٌ طَهورٌ، وسألتْها عن الحفافِ، فقالَتْ لها: إنْ كانَ لكِ زَوجٌ فاستَطعْتِ أنْ تَنتزعِي مُقلتَيكِ فتَصنعِيها أحسَنَ ممَّا هُما فافعَلِي» (١).

حُكمُ وَصلِ الشَّعرِ:

ورَدَ النهيُ عن النبيِّ في وَصلِ الشَّعرِ في عدَّةِ أحاديثَ عن النبيِّ ، فعَن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «لعَنَ النبيُّ الواصِلةَ والمُستَوصِلةَ والواشِمةَ والمُستَوشِمةَ» (٢).

وعن هِشامٍ أنه سَمِعَ فاطمةَ بنتَ المُنذِرِ تَقولُ: «سَمعْتُ أسماءَ قالَتْ: سألَتِ امرَأةٌ النبيَّ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي أصابَتْها الحَصْبةُ فامَّرَقَ شَعَرُها، وإني زوَّجْتُها، أفأَصِلُ فيه؟ فقالَ: لعَنَ اللهُ الواصِلةَ والمَوصولةَ» (٣).

وروَى أبو داودَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «لُعِنَتِ الواصِلةُ

(١) «أحكام النساء» ص (١٦٠، ١٦١).
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٩٦).
(٣) أخرجه البخاري (٥٥٩٧).

والمُستَوصِلةُ والنامِصةُ والمُتَنمِّصةُ والواشِمةُ والمُستَوشِمةُ مِنْ غيرِ داءٍ» (١).

قالَ أبو داوُدَ رحمة الله عليه: وتَفسِيرُ الواصِلةِ: التي تَصِلُ الشَّعْرَ بشَعرِ النِّساءِ، والمُستَوصِلةُ: المَعمولُ بها، والنامِصةُ: التي تَنقشُ الحاجِبَ حتى تُرِقَّه، والمُتَنمِّصةُ: المَعمولُ بها، والواشِمةُ: التي تَجعلُ الخِيلانَ في وَجهِها بكُحلٍ أو مِدادٍ، والمُستَوشِمةُ: المَعمولُ بها (٢).

وتَفصيلُ مَذاهبِ العُلماءِ في ذلكَ على هذا النحوِ:

قالَ الحَنفيةُ: يَحرمُ وَصلُ الشعرِ بشَعرِ آدَميٍّ، سواءٌ كانَ شعْرَها أو شعْرَ غيرِها؛ لقَولِه عليه الصلاة والسلام: «لعَنَ اللهُ الواصِلةَ والمُستَوصِلةَ والواشِمةَ والمُستَوشِمةَ والواشِرةَ والمُوشِرةَ والنامِصةَ والمُتنمِّصةَ»، فالواصِلةُ: التي تَصلُ الشعرَ بشَعرِ الغيرِ، أو التي تُوصِلُ شعْرَها بشعرٍ آخَرَ زُورًا، والمُستوصِلةُ: التي تُوصِلُ لها ذلكَ بطَلبِها.

وإنما الرُّخصةُ في غيرِ شَعرِ بَنِي آدَمَ تَتخذُه المَرأةُ لتَزيدَ في قُرونِها، وهو مَرويٌّ عن أبي يُوسفَ، وفي «الخانِية»: ولا بأسَ للمرأةِ أنْ تَجعلَ في قُرونِها وذَوائبِها شَيئًا مِنْ الوَبَرِ (٣).

وقالَ المالِكيةُ: يَحرمُ وَصلُ الشعرِ؛ لقَولِه : «لعَنَ اللهُ الواصِلةَ» أي: التي تَصلُ الشَّعرَ بشَعرٍ آخَرَ لنفسِها أو غيرِها، كانَ المَوصولُ

(١) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤١٧٠).
(٢) «سنن أبي داود» (٤/ ٧٨).
(٣) «الاختيار» (٤/ ٢٠٤)، و «البحر الرائق» (٦/ ٨٨)، و «الدر المختار» (٦/ ٣٧٣).

شعْرَها أو شعْرَ غيرِها، فالوصلُ مَمنوعٌ بكلِّ شيءٍ شَعرٍ أو صُوفٍ أو خِرَقٍ أو غيرِها.

فأمَّا الربطُ بالخُيوطِ الحَريرِ الملوَّنةِ ونحوِها ممَّا لا يُشبهُ الشعرَ فليسَ بمَنهيٍّ عنه؛ لأنه ليسَ بوَصلٍ ولا هو في معنى مَقصودٍ للوَصلِ، وإنما هو للتجمُّلِ والتحسِينِ (١).

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: ومِن كتابِ «الجواب»: وسألتُه عن الغشِّ غشِّ النِّساءِ يَصنعْنَه فيَضعْنَه على رُؤوسِهنَّ ثم يَنزعْنَه كهَيأةِ القُلنسيةِ (البارُوكةَ) ولكنَّه شَعرٌ، قالَ ابنُ القاسِمِ: لا خيرَ في ذلكَ، كانَ مِنْ شَعرٍ أو وَبرٍ، فإنَّ النساءَ يَضعْنَه مِنْ وَبرِ الإبلِ كما زَعَموا، فلا خيرَ فيهِ، كانَ مِنْ شعرٍ أو وَبرٍ.

قيلَ لأصبَغَ: فشَيءٌ يَعملُه النِّساءُ في رُؤوسِهنَّ يُسمِّينَه النونةَ، أتَرَى به بأسًا؟ قالَ: ما أرَى به بأسًا ما لم يعظمْنَه جِدًّا كأسنِمةِ البُختِ العِجافِ، فهيَ إذا عَظُمتْ شَبيهةٌ بذلكَ، فأمَّا ما كانَ مُقتصدًا فلا بأسَ بذلكَ، كانَ شَكلُ النِّساءِ عندَنا قَديمًا ثمَّ ترَكْنَه، وأراهُ مِنْ شَكلِ نِساءِ العرَبِ قَديمًا.

قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: أما الغشُّ الذي ذكرَ أنَّ النِّساء يَضعْنَه فالكَراهةُ فيه بيِّنةٌ؛ لأنه القصَّةُ المَنهيُّ عنها في حَديثِ مُعاويةَ؛ إذْ خطَبَ الناسَ بالمَدينةِ فتَناولَ قصَّةً مِنْ شعرٍ كانَتْ بيَدِ حرسيٍّ، فقالَ: يا أهلَ المَدينةِ أينَ عُلماؤُكم؟ سَمعتُ رَسولَ اللهِ يَنهَى عن مثلِ هذهِ، وقالَ: «إنَّما

(١) «حاشية العدوي» (٢/ ٥٩٩).

هلَكَ بنُو إسرائيلَ حينَ اتَّخذَ هذهِ نِساؤُهم»، وهي شبهُ الجمةِ مِنْ الشَّعرِ أو الوَبرِ تَضعُها المرأةُ التي لا شَعرَ لها أو التي لها شَعرٌ لَطيفٌ على رأسِها تَراءَى به أنه شَعرُها، وقد «لعَنَ رسولُ اللهِ الواصِلةَ والمُستَوصِلةَ»، هذا مِنْ ذلكَ المعنَى.

وإنما النونةُ التي لم يَرَ بها أصبَغُ بأسًا للمَرأةِ ما لم تعظمْهُ جِدًّا حتَّى يكونَ كسَنامِ البَعيرِ الأعجَفِ فهوَ شيءٌ كانَ النساءُ يَصنعْنَه فيَضعْنَه على رُؤوسِهنَّ تحتَ أخمرتِهنَّ هيئةً مِنْ هَيئاتِهنَّ، لا تشبهُ بهِ أنه شَعرُها، فلا وجهَ للكراهةِ فيه، وإنما كرهَ ما عظمَ منه؛ لخُروجِه عن شَكلِ نساءِ العَربِ وكونِه تشبهُ شكلَ نساءِ العجَمِ، والتزيِّي بزِيِّ العَجمِ مَكروهٌ للنساءِ كما هو للرِّجلِ، فهذا وَجهُ قولِه عندِي، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَصلَ شَعرَها بشَعرٍ نَجسٍ بحالٍ، وسَواءٌ في النهيِ شُعورُ الآدَميِّينَ وشُعورُ ما لا يُؤكلُ لَحمُه مِنْ الحَيوانِ أو غيرِ ذلكَ مِنْ الشُّعورِ النجِسةِ؛ لِمَا على المُصلِّي مِنْ اجتِنابِ الأنجاسِ، وقد رَوَتْ فاطِمةُ بنتُ المُنذِرِ عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ أنَّ امرأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي أصابَها الحَصباءُ فتَمزَّقَ شَعرُها، أفَأصِلُه؟ قالَ: «لا، لُعِنَتِ الواصِلةُ والمَوصولةُ».

وقد رُويَ مِنْ طريقٍ آخَرَ عن النبيِّ «أنه لعَنَ الواصِلةَ

(١) «البيان والتحصيل» (٩/ ٣٨٣، ٣٨٤).

والمُستوصِلةَ»، والواصِلةُ: هي التي تَصلُ شَعرَها بشَعرٍ نَجسٍ، فأما التي تَصلُ شَعرَها بشَعرٍ طاهرٍ فعلى ضَربينِ:

أحَدُهما: أنْ تكونَ أمَةً مَبِيعةً تَقصدُ به غُرورَ المُشتري، أو حرَّةً تَخطُبُ الأزواجَ تَقصدُ به تَدليسَ نفسِها عليهم، فهذا حَرامٌ؛ لعُمومِ النهيِ، ولقَولِه : «ليسَ منَّا مَنْ غَشَّ».

والضَّربُ الثاني: أنْ تكونَ ذاتَ زوجٍ تَفعلُ ذلكَ للزينةِ عندَ زوجِها، أو أمَةً تَفعلُ ذلكَ لسَيدِها، فهذا غيرُ حَرامٍ؛ لأنَّ المَرأةَ مأمورةٌ بأخذِ الزينةِ لزَوجِها (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الواصِلةُ: فهي التي تَصلُ شَعرَ المرأةِ بَشعرٍ آخَرَ، والمُستوصِلةُ: التي تَطلبُ مَنْ يَفعلُ بها ذلكَ، ويقالَ لها: مَوصولةٌ، وهذهِ الأحادِيثُ صَريحةٌ في تَحريمِ الوَصلِ ولَعنِ الواصِلةِ والمُستوصِلةِ مُطلَقًا، وهذا هو الظاهِرُ المُختارُ، وقد فصَّلَه أصحابُنا فقالُوا: إنْ وصَلَتْ شَعرَها بشَعرِ آدَميٍّ فهو حَرامٌ بلا خِلافٍ، سَواءٌ كانَ شَعرَ رَجلٍ أو امرأةٍ، وسَواءٌ شَعرَ المَحرمِ والزَّوجِ وغيرِهما بلا خِلافٍ؛ لعُمومِ الأحادِيثِ، ولأنه يَحرمُ الانتِفاعُ بشَعرِ الآدَميِّ وسائرِ أجزَائِه؛ لكَرامتِه، بل يُدفَنُ شَعرُه وظُفرُه وسائرُ أجزائِه.

وإنْ وصَلَتْه بشَعرِ غيرِ آدَميٍّ فإنْ كانَ شعرًا نَجسًا -وهو شَعرُ المَيتةِ وشَعرُ ما لا يُؤكَلُ إذا انفَصلَ في حَياتِه- فهو حَرامٌ أيضًا؛ للحَديثِ، ولأنه

(١) «الحاوي الكبير» (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧).

حمَلَ نَجاسةً في صَلاتِه وغيرِها عَمدًا، وسواءٌ في هذَينِ النوعَينِ المُزوَّجةُ وغيرُها مِنْ النِّساءِ والرِّجالِ.

وأمَّا الشَّعرُ الطاهرُ مِنْ غيرِ الآدَميِّ فإنْ لم يَكنْ لها زوجٌ ولا سيِّدٌ فهو حَرامٌ أيضًا، وإنْ كانَ فثَلاثةُ أوجُهٍ:

أحَدُها: لا يَجوزُ؛ لظاهرِ الأحاديثِ، والثَّاني: لا يَحرمُ، وأصَحُّها عندَهم: إنْ فعَلَتْه بإذنِ الزوجِ أو السيِّدِ جازَ، وإلا فهو حَرامٌ.

قالُوا: وأمَّا تَحميرُ الوَجهِ والخِضابُ بالسَّوادِ وتَطريفُ الأصابعِ فإنْ لم يَكنْ لها زَوجٌ ولا سَيدٌ أو كانَ وفعَلَتْه بغيرِ إذنِه فحَرامٌ، وإنْ أَذِنَ جازَ على الصَّحيحِ، هذا تَلخيصُ كلامِ أصحابِنا في المَسألةِ.

وقالَ القاضِي عِياضٌ: اختَلفَ العُلماءُ في المَسألةِ، فقالَ مالكٌ والطبَريُّ وكَثيرونَ أو الأكثَرونَ: الوَصلُ مَمنوعٌ بكُلِّ شيءٍ، سَواءٌ وصَلَتْه بشَعرٍ أو صُوفٍ أو خِرَقٍ، واحتَجُّوا بحَديثِ جابرٍ الذي ذكَرَه مُسلمٌ بعدَ هذا «أنَّ النبيَّ زجَرَ أنْ تَصِلَ المَرأةُ برَأسِها شَيئًا»، وقالَ الليثُ بنُ سَعدٍ: النهيُ مُختصٌّ بالوَصلِ بالشَّعرِ، ولا بأسَ بوَصلِه بصُوفٍ وخِرَقٍ وغيرِها، وقالَ بَعضُهم: يَجوزُ جَميعُ ذلكَ، وهو مَرويٌّ عن عائِشةَ، ولا يَصحُّ عنها، بل الصَّحيحُ عنها كقَولِ الجُمهورِ.

قالَ القاضي: فأمَّا رَبطُ خُيوطِ الحَريرِ المُلوَّنةِ ونحوِها ممَّا لا يُشبِهُ الشَّعرَ فليسَ بمَنهيٍّ عنه؛ لأنه ليسَ بوَصلٍ ولا هو في معنى مَقصودِ الوَصلِ، وإنما هو للتجمُّلِ والتحسِينِ، قالَ: وفي الحَديثِ أنَّ وصْلَ الشَّعرِ مِنْ

المَعاصي الكبائرِ؛ لِلَعنِ فاعلِه، وفيه أنَّ المُعِينَ على الحرامِ يُشارِكُ فاعِلَه في الإثمِ كما أنَّ المُعاوِنَ في الطاعةِ يُشارِكُ في ثَوابِها، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ أيضًا: الذي ذكَرْناه مِنْ تَحريمِ الوَصلِ في الجُملةِ هو مَذهبُنا ومَذهبُ جَماهيرِ العُلماءِ، وحَكَى القاضي عِياضٌ عن طائفةٍ جَوازَه، وهو مَرويٌّ عن عائِشةَ رضي الله عنها، ولا يَصحُّ عنها، بل الصَّحيحُ عنها كقَولِ الجُمهورِ، قالَ: والوَصلُ بالصُّوفِ والخِرَقِ كالوَصلِ بالشَّعرِ عندَ الجُمهورِ، وجَوَّزَه الليثُ بنُ سَعدٍ بغيرِ الشَّعرِ، والصَّحيحُ الأولُ؛ لحَديثِ جابِرٍ رضي الله عنه «أنَّ النبيَّ زجَرَ أنْ تَصِلَ المَرأةُ برَأسِها شَيئًا» رواهُ مُسلمٌ، وهذا عامٌّ في كلِّ شيءٍ.

فأمَّا رَبطُ الشَّعرِ بخُيوطِ الحَريرِ الملوَّنةِ ونحوِها ممَّا لا يُشبهُ الشَّعرَ فليسَ بمَنهيٍّ عنه، وأشارَ القاضي إلى نَقلِ الإجماعِ فيه؛ لأنه ليسَ بوَصلٍ ولا هو في مَعنى مَقصودِ الوصل، وإنَّما هو للتجمُّلِ والتحسِينِ.

فرعٌ: ذكَرَ القاضي عِياضٌ أنَّ وصْلَ الشعرِ مِنْ المَعاصي الكبائرِ؛ لِلَعنِ فاعلِه (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: وَصلُ الشَّعرِ مُحرَّمٌ؛ «لأنَّ النبيَّ لعَنَ الواصِلةَ والمُستوصِلةَ»، ولا يَجوزُ لَعنُ فاعلِ المُباحِ، ولو كانَ وَصلُ المرأةِ شَعرَها بشَعرِ بهيمةٍ أو إذنِ زَوجٍ؛ لعُمومِ الخبَرِ.

(١) «شرح صحيح مسلم» (١٤/ ١٠٣، ١٠٥).
(٢) «المجموع» (٣/ ١٤٦، ١٤٧).

والواصِلةُ: هي التي تَصِلُ شَعرَها بغيرِه أو شَعرَ غيرِها، والمُستوصِلةُ: المَوصولُ شَعرُها بأمرِها، فهذا لا يَجوزُ؛ للخبَرِ، ولِمَا رَوتْ عائشةُ رضي الله عنها «أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ فقالَتْ: إنَّ ابنَتِي عِرسٌ، وقد تَمزَّقَ شَعرُها، أفَأصِلُه؟ فقالَ النبيُّ : لُعِنَتِ الواصِلةُ والمَستوصِلةُ»، فلا يَجوزُ وَصلُ شَعرِ المَرأةِ بشَعرٍ آخَرَ؛ لهذهِ الأحاديثِ، ولِمَا رُويَ عن مُعاويةَ أنه أخرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعرٍ فقالَ: «سَمعتُ رسولَ اللهِ ينهَى عن مِثلِ هذا وقالَ: إنَّما هلَكَ بنو إسرائيلَ حينَ اتَّخذَ هذا نِساؤُهم».

وأمَّا وَصلُه بغيرِ الشَّعرِ فإنْ كانَ بقَدرِ ما تَشدُّ به رأسَها فلا بأسَ به؛ لأنَّ الحاجةَ داعِيةٌ إليه ولا يُمكِنُ التحرُّزُ منه، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ ذلكَ ففيهِ رِوايتانِ:

إحداهُما: أنه مَكروهٌ غيرُ مُحرَّمٍ؛ لحَديثِ مُعاويةَ في تَخصيصِ التي تَصلُه بالشَّعرِ، فيُمكِنُ جَعلُ ذلكَ تَفسيرًا للَّفظِ العامِّ، وبَقيَتِ الكَراهةُ؛ لعُمومِ اللَّفظِ في سائرِ الأحادِيثِ، ورُويَ عنه أنه قالَ: «لا تَصِلُ المَرأةُ برَأسِها الشَّعرَ ولا القَرامِلَ ولا الصُّوفَ، نهَى النبيُّ عنِ الوِصالِ»، فكُلُّ شيءٍ يَصلُ فهو وِصالٌ، ورويَ عن جابرٍ قالَ: «نهَى النبيُّ أنْ تَصِلَ المرأةُ برأسِها شيئًا».

وقالَ المَروذيُّ: جاءَتِ امرأةٌ مِنْ هؤلاءِ الذينَ يُمشِّطونَ إلى أبي عبدِ اللهِ فقالَتْ: إني أَصِلُ رأسَ المرأةِ بقَراملَ وأُمشِّطُها، فتَرَى لي أنْ

أحُجَّ ممَّا اكتسَبْتُ؟ قالَ: لا، وكَرِهَ كسْبَها، وقالَ لها: يكونُ مِنْ مالٍ أطيَبَ مِنْ هذا.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والظاهِرُ أنَّ المُحرَّمَ إنما هو وَصلُ الشَّعرِ بالشعرِ؛ لِمَا فيه مِنْ التدليسِ واستِعمالِ المُختلَفِ في نَجاستِه، وغيرُ ذلكَ لا يَحرمُ؛ لعَدمِ هذه المعاني فيها وحُصولِ المَصلحةِ مِنْ تَحسينِ المَرأةِ لزوجِها مِنْ غيرِ مَضرَّةٍ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأمَّا الواصِلةُ والمُستوصِلةُ فإنه في الشَّعرِ؛ وذلكَ لأنها تَصلُه بشَعرٍ آخَرَ، وأمَّا الواشِمةُ والمُستوشِمةُ فإنَّ الوَشمَ في اليَدِ كانَتِ المَرأةُ تَغرزُ كَفَّها أو مِعصَمَها بإبرةٍ أو مسَلَّةٍ حتَّى تُؤثِّرِ فيه ثمَّ تَحشوهُ بالكُحلِ فيَخضَرَّ، يفعلُ ذلكَ بِداراتٍ.

قالَ أبو بكرٍ: فاللازِمُ لمَن يَقولُ بظاهرِ الأخبارِ أنْ يكونَ النهيُّ عن ذلكَ على الظاهِرِ، وكلُّ امرأةٍ وصَلَتْ شَعرَها بشُعورِ بنِي آدَمَ أو شُعورِ البَهائمِ وهي عالِمةٌ بنهيِ النبيِّ أنَّ المَعصيةَ تَلحقُها، إلا أنْ تَدُلَّ حجَّةٌ مِنْ كِتابٍ أو سُنةٍ على إباحةِ بعضِ ذلكَ، فيُستثنَى مِنْ ذلكَ ما دلَّتْ عليه الحجَّةُ، ولا نَعلمُ خبَرًا يُوجِبُ أنْ يُستثنَى به مِنْ جُملةِ ما جاءَ به النهيُ عن النبيِّ .

(١) «المغني» (١/ ٦٧، ٦٨)، و «كشاف القناع» (١/ ٩٤، ٩٥)، و «مطالب أولي النهى» (١/ ٩٠).

وكانَ النُّعمانُ يَقولُ: لا خيرَ في بَيعِ شَعرِ بنِي آدَمَ، ولا يَجوزُ بَيعُه، ولا يُنتفَعُ به، وكذلكَ قالَ يَعقوبُ، قالَ: ولا بأسَ أنْ تَصِلَ المرأةُ شَعرَها بالصُّوفِ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قالَ الطبَريُّ: وقد اختَلفَ العُلماءُ في معنَى نهيِه عليه السلام عن الوَصلِ في الشَّعرِ، فقالَ بعضُهم: لا بأسَ عليها في وَصلِها شَعرَها ما وصَلَتْ به مِنْ صُوفٍ وخِرَقٍ وشبه ذلكَ، رُويَ ذلكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وأمِّ سَلمةَ زَوجِ النبيِّ، وعِلَّةُ هذهِ المَقالةِ قولُ معاويةَ حينَ أخرَجَ القَصةَ مِنْ الشعرِ وقالَ: «نهَى رسولُ اللهِ عن مِثلِ هذهِ»، قالُوا: وأمَّا الخِرقُ والصُّوفُ فليسَ ذلكَ ممَّا دخَلَ في نهيِه عليه السلام.

وقالَ آخَرونَ: كُلُّ ذلكَ داخلٌ في نهيِه؛ لعُمومِ الخبَرِ عنه أنه «لعَنَ الواصِلةَ والمُستوصِلةَ»، قالُوا: فبِأيِّ شيءٍ وصَلَتْ شَعرَها فهي واصِلةٌ، رُويَ ذلكَ عن أمِّ عطيةَ.

وقالَ آخَرونَ: لا بأسَ عليها في وَصلِها شَعرَها بما وصَلَتْ به مِنْ شَيءٍ، شَعرًا كانَ الذي وصَلَتْ به أو غيرَه، رُويَ ذلكَ عن عائِشةَ، وسألَها ابنُ أشوعَ: «لعَنَ رسولُ اللهِ الواصِلةَ؟ قالَتْ: أيَا سُبحانَ اللهِ! وما بأسٌ بالمَرأةِ الزَّعراءِ أنْ تأخُذَ شيئًا مِنْ صُوفٍ فتَصِلَ به شَعرَها تَتزيَّنُ به عندَ زوجِها، إنما لعَنَ رَسولُ اللهِ المرأةَ الشابَّةَ تبغي في شَبيبتِها حتَّى إذا أسَنَّتْ هي وصَلَتْها بالقيادةِ» (٢).

(١) «الأوسط» (٢/ ٢٧٩).
(٢) قالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ رحمة الله عليه في «عُمدَة القاري» (٢٢/ ٦٤): قالُوا: هذا الحَديثُ باطِلٌ ورُواتُه لا يُعرَفونَ، وابنُ أشوعَ لم يُدرِكْ عائشةَ، والزَّعْراءُ -بفتحِ الزايِ وسُكونِ العَينِ المُهمَلةِ وتَخفيفِ الراءِ مَمدودًا- وهي التي لا شَعْرَ لها.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 229 - 238

ارجع إلى الإحداد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 26 ربيع الأول
هلال متناقص اليوم 27.6 / 29.5
الإضاءة 4%
الهلال الجديد بعد 2 يوم
سبحان الله