الحالة الأولى: أن تكون خطبة الغير بعد ركون المخطوبة للخاطب الأول، وأن تأذن له في نكاحها

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > الحالة الأولى: أن تكون خطبة الغير بعد ركون المخطوبة للخاطب الأول، وأن تأذن له في نكاحها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الحالة الأولى: أن تكون خطبة الغير بعد ركون المخطوبة للخاطب الأول، وأن تأذن له في نكاحها - الأقوال والأدلة

الباجي: لم أَرَ فيهِ نَصًّا، وعندِي أنهُ قد أساءَ، والنِّكاحُ لا يُفسَخُ، وبهذا جزَمَ ابنُ الحاجِّ في مَناسِكِه.

وكذلكَ الحُكمُ إذا تَولَّى خُطبةَ النكاحِ -بضَمِّ الخاءِ المُعجَمةِ- وتَولَّى العقدَ غيرُه.

وكذلكَ حُضورُه عقْدَ النِّكاحِ، قالَهُ أشهَبُ، وقالَ أصبَغُ: لا شيءَ عليهِ (١).

تاسعًا: حُكمُ الخِطبةِ على خِطبةِ الغَيرِ:

الخِطبةُ على خِطبةِ الغيرِ لا تَخلو مِنْ أربعةِ أحوالٍ:

إمَّا أنْ تكونَ بعدَ الرُّكونِ إلى الخاطِبِ الأوَّلِ والإذنِ لهُ في نكاحِها.

وإمَّا أنْ تُمسِكَ عن خِطبتِها، فلا يكونُ منها إذنٌ ولا رضًا، ولا يكونُ منها رَدٌّ ولا كَراهيةٌ.

وإمَّا أنْ يَظهرَ منها الرِّضا بالخاطِبِ ولا تأذَنَ في العَقدِ، وذلكَ بأنْ تُقرِّرَ صَداقَها أو بشَرطِ ما تُريدُ مِنْ الشُّروطِ لنَفسِها.

وإمَّا أنْ تَرُدَّ خِطبتَه ولا تأذَنُ في نكاحِه، أو يَتركَ خِطبتَها.

الحالَةُ الأُولى: أنْ تكونَ خِطبةُ الغَيرِ بعدَ رُكونِ المَخطوبةِ للخاطِبِ الأولِ، وأنْ تأذَنَ له في نِكاحِها:

أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا خطَبَ امرأةً وركَنَتْ إليهِ وأذِنَتْ له ورَضيَتْ بخِطبتِه، أو أذنَتْ لوليِّها في إجابتِه أو تَزويجِه ولم يَكنْ فاسِقًا

(١) «إرشاد السالك إلى أفعال المناسك» لابن فرحون (٢/ ٦٥٦).

فلا يَجوزُ لآخَرَ أنْ يَتقدَّمَ لخِطبتِها؛ لِما رواهُ نافعٌ أنَّ ابنَ عُمرَ رضي الله عنهما كانَ يقولُ: «نَهَى النبيُّ أنْ يَبيعَ بَعضُكم على بَيعِ بعضٍ، ولا يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَتركَ الخاطِبُ قبلَه أو يأذَنَ له الخاطِبُ» (١).

وفي رِوايةٍ عنِ ابنِ عُمرَ عنِ النبيِّ قالَ: «لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيعِ بعضٍ، ولا يَخطُبْ بعضُكم على خِطبةِ بعضٍ» (٢).

وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عنِ النبيِّ قالَ: «إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظّنَّ أكذَبُ الحَديثِ، ولا تَجسَّسُوا ولا تَحسَّسُوا ولا تَباغَضُوا، وكُونوا إخوانًا، ولا يَخطُبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَنْكِحَ أو يَتركَ» (٣).

وعَن عبدِ الرَّحمنِ بنِ شمَاسةَ أنهُ سَمعَ عُقبةَ بنَ عامرٍ على المِنبَرِ يَقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ قالَ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمنِ، فلا يَحلُّ للمُؤمِنِ أنْ يَبتاعَ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبَ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَذَرَ» (٤).

وذلكَ حِفظًا للأُلفةِ ومَنعًا مِنْ الفَسادِ وحَسمًا للتَّقاطعِ، ولأنَّ في ذلكَ إفسادًا على الخاطِبِ الأول، وإيقاعَ العَداوةِ بينَ الناسِ وإضرارًا به؛ لأنَّها ربَّما مالَتْ إلى الثاني وترَكَتِ الأولَ (٥).

(١) رواه البخاري (٤٨٤٨)، ومسلم (١٤١٢).
(٢) رواه مسلم (١٤١٢).
(٣) رواه البخاري (٤٨٤٩).
(٤) رواه مسلم (١٤١٤).
(٥) «البيان» (٩/ ٢٨٤).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ قَومًا حمَلُوا النهيَ على الكَراهةِ، والأولُ أَولى (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه بعدَ ذِكرِ هذهِ الأحاديثِ: هذهِ الأحادِيثُ ظاهِرةٌ في تَحريمِ الخِطبةِ على خِطبةِ أخيهِ، وأجمَعُوا على تَحريمَها إذا كانَ قد صُرِّحَ للخاطِبِ بالإجابةِ ولم يأذَنْ ولم يَتركْ، فلو خطَبَ على خِطبتِه وتزوَّجَ والحالَةُ هذهِ عَصَى وصَحَّ النكاحُ ولم يُفسَخْ، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ، وقالَ داودُ: يُفسَخُ النكاحُ، وعن مالِكٍ رِوايتانِ كالمَذهبَينِ، وقالَ جَماعةٌ مِنْ أصحابِ مالكٍ: يُفسخُ قبلَ الدُّخولِ لا بعدَه (٢).

وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عن رَجلٍ خطَبَ ابنةَ رَجلٍ مِنْ العُدولِ، واتَّفقَ معهُ على المَهرِ منهُ عاجِلٌ ومنهُ آجِلٌ، وأوصَلَ إلى والِدِها المُعجَّلَ مِنْ مدَّةِ أربعِ سِنينَ وهو يُواصِلُهم بالنَّفقةِ، ولم يكُنْ بينَهُم مُكاتَبةٌ، ثمَّ بعدَ هذا جاءَ رَجلٌ فخَطَبها وزادَ عليهِ في المَهرِ ومنَعَ الزَّوجَ الأولَ.

فأجابَ: لا يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ إذا أُجيبَ إلى النكاحِ وركَنُوا إليهِ باتِّفاقِ الأئمَّةِ، كما ثبَتَ عنِ النبيِّ أنهُ قالَ:

(١) «المغني» (٧/ ١٠٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٨٥، ٣٨٦)، وقالَ الإمامُ ابنُ رجَبٍ رحمة الله عليه: اختَلفُوا هل النهيُ للتَّحريمِ أو التَّنزيهِ، فمِن أصحابِنا مَنْ قالَ: هو للتَّنزيهِ دُونَ التَّحريمِ، والصَّحيحُ الَّذي عليهِ جُمهورُ العلماءِ أنه للتَّحريمِ. «جامع العلوم والحكم» (٣٣١).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٩٧).

«لا يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَخطُبَ على خِطبةِ أخيهِ»، وتَجبُ عُقوبةُ مَنْ فعَلَ ذلكَ وأعانَ عليهِ عُقوبةً تَمنعُهم وأمثالَهم عن ذلكَ، وهل يَكونُ نكاحُ الثَّاني صَحيحًا أو فاسِدًا؟ فيه قولانِ للعُلماءِ في مَذهبِ مالكٍ وأحمَدَ وغَيرِهما (١).

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قالَ الجُمهورُ: هذا النهيُ للتحريمِ، وقالَ الخطَّابيُّ: هذا النهيُ للتأدِيبِ وليسَ بنَهيِ تَحريمٍ يُبطِلُ العقدَ عِند أكثرِ الفُقهاءِ، كذا قالَ، ولا مُلازَمةَ بينَ كونِه للتَّحريمِ وبينَ البُطلانِ عندَ الجُمهورِ؛ بل هو عندَهم للتحريمِ ولا يَبطلُ العَقدُ، بل حكَى النَّوويُّ أنَّ النَّهيَ فيه للتَّحريمِ بالإجماعِ (٢).

ومَحلُّ الحُرمةِ إذا كانَ الخاطِبُ الأوَّلُ عَدلًا، فإنْ كانَ فاسِقًا فاختَلفَ الفُقهاءُ فيهِ؛ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنهُ لا يَجوزُ أيضًا؛ لعُمومِ الأحاديثِ، سواءٌ كانَ الأولُ كفئًا أو غيرَ كُفءٍ.

وذهَبَ المالكيةُ في الصَّحيحِ عِندَهم إلى أنهُ يَجوزُ أنْ يَخطبَها آخَرُ إنْ كانَ الأولُ فاسِقًا، فإنْ خِطبتَها لا تَحرُمُ إذا كانَ الثَّاني صالحًا أو مجهولًا، وإلَّا حَرُمَ، وينبغِي للوليِّ أنْ يَحُضَّها على تزويجِ الصَّالحِ الذي يُعلمُها الخيرَ ويُعِينُها عليهِ (٣).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٩).
(٢) «فتح الباري» (٩/ ١٩٩).
(٣) «مواهب الجليل» (٥/ ٣٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٧)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٥١).

ومَحلُّ الحُرمةِ أيضًا إذا عَلِمَ الثَّاني بالخِطبةِ، فإنْ لم يَعلمْ فلا إثْمَ عليهِ.

قالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ رحمة الله عليه: مَحلُّ التَّحريمِ أيضًا إذا لم يأذَنِ الخاطِبُ لغيرِه في الخِطبةِ، فإنْ أَذِنَ ارتَفعَ التَّحريمُ؛ لأنَّ المَنعَ كانَ لِحقِّه، وفي صَحيح مُسلمٍ مِنْ حَديثِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنه التَّصريحُ بذلكَ بقَولِه: «إلا أنْ يأذَنَ له»، لكنْ يَبقَى النظرُ في أنهُ إذا أَذِنَ لشَخصٍ مَخصوصٍ في الخِطبةِ هل لغَيرِه الخِطبةُ أيضًا؟ لأنَّ الإذنَ لشَخصٍ يَدلُّ على الإعراضِ عنِ الخِطبةِ؛ إذْ لا يُمكِنُ تَزويجُ المَرأةِ لخاطبَينِ، أو ليسَ لغَيرِه الخِطبةُ إذْ لم يُؤذَنْ لهُ، وزوالُ المنعِ إنما كانَ للإذنِ، هذا مُحتمَلٌ، والأرجَحُ الأوَّلُ.

ومَحلُّ التَّحريمِ أيضًا إذا لم يَتركِ الخاطِبُ الخِطبةَ ويُعرضْ عنها، فإنْ ترَكَ جازَ لغَيرِه الخِطبةُ وإنْ لم يأذَنْ لهُ، وفي صَحيحِ البُخاريِّ مِنْ رِوايةِ الأعرَجِ عن أبي هُريرةَ: «حتَّى يَنْكِحَ أو يَتركَ»، وفي حَديثِ مُسلمٍ مِنْ حديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمِنِ، فلا يَحلُّ للمُؤمنِ أنْ يَبتاعَ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَذَرَ»، وقولُه «حتَّى يَذَرَ» يعودُ للجُملتَينِ معًا، كما هو مُقتضَى قاعِدةِ الشَّافعيِّ رحمة الله عليه، وقد ورَدَ التصريحُ بهِ في سنَنِ البَيهقيِّ، قالَ فيهِ «حتَّى يَذَرَ» بعدَ كلٍّ مِنْ الجُملتينِ.

ومَحلُّ التحريمِ أيضًا أنْ تكونَ الخِطبةُ الأُولى جائِزةً، فإنْ كانَتْ مُحرَّمةً كالواقِعةِ في العدِّةِ لم تَحرُمِ الخِطبةُ عليها، كما صرَّحَ به الرُّويانِيُّ في «البَحر».

ومَحلُّ التحريمِ أيضًا إذا لم تأذَنِ المَرأةُ لوليِّها أنْ يُزوِّجَها ممَّن يَشاءُ،

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في أحكام العدة

انْقَضَتْ تَجَدَّدَ وُجُوبُ عِدَّةٍ أُخْرَى بِالْعِتْقِ فَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهَا.

وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ مِنْهَا وَمَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءً مِنْ دُيُونٍ لَهُ أَوْ مَالٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ فِي شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ يُؤَدَّى الْمَالُ فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ أَوْ يَنْوِي فَيُحْكَمُ بِعَجْزِهِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِدَّتَيْنِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِنْتَ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى وَمَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَفَاءً فَعَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عِنْدَنَا لَا يَفْسُدُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى، فَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ مَنْكُوحَتِهِ الْحُرَّةِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحَرَائِرِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَاجِزًا فَمَلَكَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْفُرْقَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا.

فَصْلٌ فِي أَحْكَامُ الْعِدَّةِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 96 - 100

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله