الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > الحالة الثالثة: أن يظهر من المرأة أو وليها الرضا بالخاطب ولا تأذن في العقد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةنحْوَه لم يَجُزْ لغيرِه أنْ يَخطبَها حتَّى يَعدِلَ عنها ذلكَ أو يَتركَها، فإذا فعَلَ جازَ لغيرِه أنْ يَخطبَها (١).
وقالَ في «التَّمهِيد»: معنَى قولِه ﷺ: «لا يَخطُبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ» إنَّه كما قالَ مالكٌ والشَّافعيُّ وجُمهورُ الفُقهاءِ: إنَّ ذلكَ أنْ تَركَنَ إليه ويَتراضَيَا ويتَّفقَا على صَداقٍ مَعلومٍ وهي تَشترطُ لنَفسِها ونحوَ ذلكَ ممَّا تُعلَمُ به المُوافَقةُ والرُّكونُ، واللهُ أعلَمُ.
وذكَرَ إسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ قالَ: سُئلَ مالكٌ عن رَجلٍ خطَبَ امرأةً وركَنَتْ إليهِ واتَّفقَا على صَداقٍ مَعروفٍ حتَّى صارَتْ مِنْ اللَّواتي قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَخطُبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ»؟ قالَ: قالَ مالكٌ: إذا كانَ هكذا فملَكَها رَجلٌ آخَرُ ولم يَدخلْ بها فإنهُ يُفرَّقُ بينَهُما، وإنْ دخَلَ بها مضَى النِّكاحُ (٢).
الحالَةُ الثالثةُ: أنْ يَظهرَ مِنْ المرأةِ أو وليِّها الرِّضا بالخاطِبِ ولا تأذَنَ في العَقدِ:
إذا خطَبَ الرَّجلُ امرأةً وظهَرَ مِنْ المرأةِ الرِّضا بهِ تَعريضًا لا تَصريحًا
(١) «الكافي» ص (٢٣٠).
(٢) «التمهيد» (١٣/ ٢١، ٢٢)، ويُنظَر: «مواهب الجليل» (٥/ ٣٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٧)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٥١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣) «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٣٢، ٣٣٣)، و «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٤/ ٣٣٩، ٣٤٠)، و «النهر الفائق» (٣/ ٤٤٧، ٤٤٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥٣٣).
كقولِها: «ما أنتَ إلَّا رضًى وما عنكَ رَغبةٌ»، أو أنْ تُقرِّرَ صَداقَها، أو بشَرطِ ما تُريدُ مِنْ الشُّروطِ لنَفسِها، أو خطَبَ رَجلٌ امرأةً إلى وليِّها وكانَ ممَّن يُخيِّرُها فعرَّضَ له بالإجابةِ ولم يُصرِّحْ، مثلَ أنْ يقولَ: «أنا أستَشيرُ في ذلكَ، أو أنتَ مَرغوبٌ فيكَ»، أو يَشترطَ شَرائطَ للعَقدِ مثلَ تَقديمِ المَهرِ وغيرِه، فاختَلفَ الفقهاءُ في حُكمِ ذلكَ، هل يَجوزُ للغيرِ أنْ يتقدَّمَ لخِطبتِها أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ -وقالَ العَمرانِيُّ: وهوَ قولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ- إلى أنهُ لا يَحلُّ لغيرِه خِطبتُها؛ لأنَّ الرُّكونَ يُستدلُّ عليهِ بالتَّعريضِ تارةً وبالتَّصريحِ أُخرى؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ: «لا يَخطُبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ» ولم يُفصِّلْ، ولأنهُ وُجِدَ منها ما دَلَّ على الرِّضى بهِ وسُكونِها إليهِ، فحَرُمتْ خِطبتُها كما لو صرَّحَتْ بذلكَ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأمَّا حديثُ فاطِمةَ فلا حُجةَ لهم فيه؛ فإنَّ فيه ما يَدلُّ على أنها لم تَركَنْ إلى واحِدٍ منهُما مِنْ وجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ النبيَّ ﷺ قد كانَ قالَ لها: «لا تَسبِقيني بنَفسكِ» وفي لَفظٍ: «لا تَفُوتيني بنَفسِكِ» وفي رِوايةٍ: «إذا حلَلْتِ فآذِنيني»، فلمْ تكُنْ لِتَفتاتَ بالإجابةِ قبلَ أنْ تُؤذِنَ رسولَ اللهِ ﷺ.
والثَّاني: أنها ذكَرَتْ ذلكَ لرَسولِ اللهِ ﷺ كالمُستشيرةِ له فيهِما
أو في العُدولِ عنهُما إلى غيرِهِما، وليسَ في الاستِشارةِ دَليلٌ على تَرجيحِ أحَدِ الأمرينِ ولا مَيلٍ إلى أحِدِهما، على أنها إنَّما ذكَرَتْ ذلكَ للنبيِّ ﷺ لتَرجعَ إلى قولِه ورَأيِه، وقد أشارَ عليها بتَركِهما؛ لِمَا ذكَرَ مِنْ عَيبِهما، فجَرَى ذلكَ مَجرَى رَدِّها لهُما وتَصريحِها بمَنعِهما.
ومِن وجهٍ آخَرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قد سبَقَهما بخِطبتِها تَعريضًا بقَولِه لها ما ذكَرْنا، فكانَتْ خِطبتُه بعدَهُما مَبنيَّةً على الخِطبةِ السَّابقةِ لهُما، بخِلافِ ما نحنُ فيهِ (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الجَديدِ -وهو المَذهبُ عِندَهم- والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنهُ لا تَحرمُ خِطبتُها بالرِّضا حتَّى يُصرِّحَ وليُّها بالإذنِ أو تُصرِّحَ هيَ؛ لأنَّ الأصلَ إباحةُ الخِطبةِ ما لم تَتحقَّقْ شُروطُ الحَظرِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ رضي الله عنها لأسامةَ رضي الله عنه بعدَ أنْ أخبَرَتْه أنَّ مُعاويةَ وأبا الجَهمِ رضي الله عنهما خَطَباها، ولم يَسألْها: هل ركَنْتِ إلى أحَدِهما أو رَضِيتِ بهِ أم لا؟ فدَلَّ على أنَّ الحُكمَ لا يَختلفُ بذلكَ، ولأنَّ الظاهِرَ مِنْ حالِها أنها ما جاءَتْ تَستَشيرُه إلَّا وقد رَضيَتْ بذلكَ وركَنَتْ إليهِ (٢).
(١) «المغني» (٧/ ١١٠، ١١١).
(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٥١، ٢٥٢)، و «المهذب» (٢/ ٤٨)، و «البيان» (٩/ ٢٨٤، ٢٨٥)، ويُنظَر: «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٣٢، ٣٣٣)، وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: إذا خطَبَ رَجلٌ امرأةً وركَنَ قَلبُها إليهِ يُكرهُ لغيرِه أنْ يَخطبَها؛ لِما رَوَينا، وإنْ لم يَركنْ فلا بأسَ بهِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أمَّا إذا عُرِّضَ له بالإجابةِ ولم يُصرَّحْ ففي تَحريمِ الخِطبةِ على خِطبتِه قَولانِ للشَّافعيِّ: أصَحُّهما: لا يَحرُمُ، وقالَ بعضُ المالِكيةِ: لا يَحرمُ حتَّى يَرضَوا بالزِّوجِ ويُسمَّى المَهرِ، واستَدلُّوا لِما ذكَرْناهُ مِنْ أنَّ التَّحريمَ إنما هوَ إذا حصَلَتِ الإجابةُ بحَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، فإنها قالَتْ: «خطَبَني أبو جَهمٍ ومُعاويةَ فلَم يُنكِرِ النبيِّ ﷺ خِطبةَ بعضِهم على بَعضٍ، بل خطَبَها لأسامَةَ».
وقد يُعتَرضُ على هذا الدَّليلِ فيُقالُ: لعَلَّ الثَّاني لم يَعلمْ بخِطبةِ الأولِ، وأما النبيِّ ﷺ فأشارَ بأسامةَ، لا أنهُ خطَبَ له (١).
وقالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ رحمة الله عليه: قالَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ: مَحلُّ التَّحريمِ ما إذا صرَّحَ للخاطِبِ بالإجابةِ، بأنْ يقولَ: «أجَبتُكَ إلى ذلكَ» أو يأذَنَ لوليِّها في أنْ يزوِّجَها إياهُ، وهي مُعتبَرةٌ الإذنِ.
فلو لَم يقَعِ التصريحُ بالإجابةِ لكنْ وُجدَ تَعريضٌ كقَولها: «لا رَغبةَ عنكَ» ففيهِ قَولانِ للشَّافعيِّ وأحمَدَ، قالَ الشَّافعيُّ في القَديمِ: تَحرمُ الخِطبةُ، وقالَ في الجَديدِ: تَجوزُ.
وحكَى والِدِي رحمة الله عليه في «شَرحِ التِّرمذيِّ» عن مالِكٍ وأبي حَنيفةَ تَحريمَ الخِطبةِ عندَ التَّعريضَ أيضًا، وقالَ النَّوويُّ في «شرحِ مُسلمٍ» بعدَ ذكِرْه قولَ الشَّافعيِّ عندَ التَّعريضِ وتصحيحَ التَّحريمِ: واستَدلُّوا لِما ذكَرْناهُ
(١) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٩٧، ١٩٨).
مِنْ أنَّ التحريمَ إنَّما هو إذا حصَلَتِ الإجابةُ بحَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، فإنها قالَتْ: «خطَبَني مُعاويةُ وأبو جَهمٍ فلمْ يُنكِرِ النبيُّ ﷺ خِطبةَ بعضِهم على بَعضٍ، بل خطَبَها لأسامةَ».
قالَ النَّوويُّ: وقد يُعتَرضُ على هذا الدَّليلِ فيُقالُ: لعلَّ الثَّاني لم يَعلمْ بخِطبةِ الأولِ، وأمَّا النبيُّ ﷺ فأشارَ بأسامةَ، لا أنهُ خطَبَ لهُ. انتهى.
وقالَ والِدِي رحمة الله عليه في «شَرح التِّرمذيِّ»: وفيهِ نَظرٌ، وقالَ قبلَ ذلكَ: لعَلَّه لمَّا ذكَرَ لها ما في أبي جَهمٍ ومُعاويةَ ممَّا يُرغِّبُ عنهُما رَغِبتْ عنهُما، فخطَبَها حينئذٍ على أسامة، وقالَ أيضًا: في الاستِدلالِ به نَظرٌ؛ لأنهُ لم يُنقلْ أنَّ واحِدًا مِنْ أبي الجَهمِ ومُعاويةَ أُجيبَ، لا تَصريحًا ولا تَعريضًا.
قلتُ: والشَّافعيُّ رحمة الله عليه لم يَذكرْ هذا الاستِدلالَ في صُورةِ التَّعريضِ، وإنَّما ذكَرَه عندَ عدمِ الرِّضا والرُّكونِ، فقالَ التِّرمذيُّ في جَامعِه: قالَ الشَّافعيُّ: معنَى هذا الحديثِ: «لا يَخطُبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ» هذا عندَنا إذا خطَبَ الرَّجلُ المرأةَ فرَضيَتْ به وركَنَتْ إليه، فليسَ لأحدٍ أنْ يَخطبَ على خِطبتِه.
وأمَّا قبلَ أنْ يَعلمَ رِضاها أو رُكونَها إليه فلا بأسَ أنْ يَخطبَها، والحُجةُ في ذلكَ حديثُ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ، فذكَرَه ثمَّ قالَ: فمعنَى هذا الحديثِ عندَنا -واللهُ أعلَمُ- أنَّ فاطِمةَ لم تُخبِرْه برِضاها بواحدٍ منهُما، ولو أخبَرتْهُ لم يُشِرْ عليها بغيرِ الَّذي ذكَرَتْ. انتهى.
قالَ أصحابُنا: ولو رَدَّتْه فللغيرِ خِطبتُها قَطعًا، ولو لم يُوجَدْ إجابةٌ ولا رَدٌّ فقطَعَ بعضُ أصحابِنا بالجَوازِ، وأجَرَى بعضُهم فيهِ القَولينِ المتقدِّمينِ، قالوا: ويجوزُ الهُجومُ على خِطبةِ مَنْ لم يَدْرِ أخُطِبتْ أم لا؟ ومَن لمْ يَدْرِ أُجيبَ خاطِبُها أم رُدَّ؟ لأنَّ الأصلَ الإباحَةُ، وقالَ الحَنابلةُ: إنْ لم يَعلمْ أُجيبَ أم لا فعَلى وجهَينِ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وإنْ وقَعَتِ الإجابةُ بالتعريضِ كقَولِها: «لا رَغبةَ عنكَ» فقولانِ عندَ الشَّافعيةِ: الأصَحُّ -وهو قولُ المالِكيةِ والحَنفيةِ- (٢): لا يَحرمُ أيضًا، وإذا لم تَرُدَّ ولم تَقبلْ فيَجوزُ، والحُجةُ فيه قَولُ فاطمةَ: «خطَبَني مُعاويةُ وأبو جَهمٍ فلم يُنكِرِ النبيُّ ﷺ ذلكَ عَليهما، بل خطَبَها لأسامةَ».
وأشارَ النَّوويُّ وغيرُه إلى أنهُ لا حُجةَ فيهِ؛ لاحتِمالِ أنْ يكونَا خطَبَا معًا، أو لم يَعلمِ الثَّاني بخِطبةِ الأوَّلِ، والنبيُّ ﷺ أشارَ بأسامةَ ولم يَخطبْ، وعلى تَقديرِ أنْ يكونَ خطَبَ فكأنَّه لمَّا ذكَرَ لها ما في مُعاويةَ وأبي جَهمٍ ظهَرَ منها الرَّغبةُ عنهُما، فخطَبَها لأسامةَ، وحكَى التِّرمذيُّ عنِ الشَّافعيِّ أنَّ معنَى حديثِ البابِ: إذا خطَبَ الرَّجلُ المرأةَ فرَضيَتْ به وركَنَتْ إليهِ فليسَ لأحَدٍ أنْ يَخطبَ على خِطبتِه، فإذا لم يَعلمْ برِضاها ولا رُكونِها فلا بأسَ أنْ يَخطبَها.
(١) «طرح التثريب» (٦/ ٨٠).
(٢) ما حكاهُ عنِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ مُخالِفٌ لأكثرِ العُلماءِ الَّذينَ نقَلُوا عكَسَ هذا عنهُم.
والحُجةُ فيه قِصةِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ؛ فإنها لم تُخبِرْه برِضاها بواحِدٍ منهُما، ولو أخبَرتْهُ بذلكَ لم يُشِرْ عليها بغيرِ مَنْ اختارَتْ، فلو لم تُوجَدْ منها إجابةٌ ولا رَدٌّ فقطَعَ بعضُ الشَّافعيةُ بالجَوازِ، ومنهُم مَنْ أجرَى القَولينِ، ونَصَّ الشَّافعيُّ في البِكرِ على أنَّ سُكوتَها رِضًا بالخاطِبِ، وعن بعضِ المالِكيةِ: لا تُمنَعُ الخِطبةُ إلَّا على خِطبةِ مَنْ وقَعَ بينَهُما التَّراضي على الصَّداقِ (١).
أمَّا الحَنفيةُ فلمْ يُوجَدْ عندَهم إلَّا هذا التَّفصيلُ فقطْ، وهو ما قالَه الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: إذا خطَبَ رَجلٌ امرأةً وركَنَ قَلبُها إليهِ يُكرَهُ لغيرِه أنْ يَخطبَها؛ لِما رَوَينا، وإنْ لم يَركَنْ فلا بأسَ بهِ (٢).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: الخالِيةُ عن نكاحٍ وعدَّةٍ تَحلُّ خِطبتُها تَصريحًا وتَعريضًا؛ لجَوازِ نكاحِها، لكنْ بشَرطِ أنْ لا يَخطبَها غيرُه قبلَه، فإنْ خطَبَها فعلى ثلاثةِ أَوجهٍ: إمَّا أنْ تُصرِّحَ بالرِّضا فتَحرُمُ، أو بالرَّدِّ فتَحلُّ، أو تَسكُتَ فقَولانِ للعِلماءِ، ولم أَرَ هذا التَّفصيلَ لأصحابِنا، وأصلُه الحَديثُ الصَّحيحُ: «لا يَخطبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ»، وقيَّدوهُ بأنْ لا يأذَنَ له (٣).
وقالَ في «الدُّر المُختار»: وأمَّا الخالِيةُ فتُخطَبُ إذا لم يَخطبْها غيرُه وتَرضَى به، فلو سكَتَتْ فقَولانِ: (تَحرُمُ خِطبتُها) بالكَسرِ وتُضَمُّ.
(١) «فتح الباري» (٩/ ١٩٩، ٢٠٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٣٢، ٢٣٣).
(٣) «البحر الرائق» (٤/ ١٦٤).
قالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: قولُه: (إذا لم يَخطبْها غيرُه وترضَى بهِ .. إلخ) نقَلَه في «البَحر» عنِ الشَّافعيةِ وقالَ: ولم أرَهُ لأصحابِنا، وأصلُه الحديثُ الصَحيحُ: «لا يَخطبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ»، وقيَّدُوه بأنْ لا يأذَنَ لهُ. اه
أي: بأنْ لا يأذَنَ الخاطِبُ الأولُ، وهو مَنقولٌ عندَنا، فقدْ قالَ الرَّمليُّ: وفي «الذَّخيرة»: كما نهَى عنِ الاستِيامِ على سَومِ الغيرِ نهَى عن الخِطبةِ على خِطبةِ الغيرِ، والمُرادُ مِنْ ذلكَ أنْ يركَنَ قلبُ المرأةِ إلى خاطِبِها الأولِ، كذا في «التَّتارْخانية» في بابِ الكراهيَةِ، فافهَمْ. اه
قولُه: (فلو سكَتَتْ فقَولانِ) أي: للشَّافعيةِ، قالَ الخيرُ الرَّمليُّ: وقَولُهم: «لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قَولٌ» يَقتضي ترجيحَ الجَوازِ. اه
قلتُ -أي ابن عابدِينَ-: هذا ظاهِرٌ إذا لم يُعلَمْ ركونُ قَلبِها إلى الأولِ بقَرائنِ الأحوالِ، وإلَّا فيَكونُ بمَنزلةِ التَّصريحِ بالرِّضا (١).
وأمَّا المالِكيةُ فإنهُ إنْ حصَلَ رُكونٌ منها بوَجهٍ يُفهَمُ منه إذعانُ كلِّ واحِدٍ لشَرطِ صاحبِه وإرادةُ عَقدِه فيَحرُمُ، وإنْ لم يَفرضْ لها صَداقًا على قولِ ابنِ القاسِمِ وغيرِه، وهو المَشهورُ.
وقالَ ابنُ نافعٍ: إنْ لم يَفرضْ صداقًا جازَتِ الخِطبةُ عليهِ (٢).
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥٣٣، ٥٣٤).
(٢) «مواهب الجليل» (٥/ ٣٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٣٣، ٣٣٤) رقم (١١٧٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٦٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٧).
وقالَ الإمامُ ابنُ العربيِّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ الحَديثَ: وفي ذلكَ مِنْ الفقهِ إحدى عَشرةَ مَسألةً:
الأُولى: لا خِلافَ في أنهُ لا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ غيرِه؛ لنهيِ النبيِّ ﷺ عنهُ، وقدِ اختُلفَ في صفةِ الخِطبةِ التي نهَى النبيُّ ﷺ عنها بِناءً على قولينِ:
أحَدُهما: أنْ يَركنَ كلُّ واحِدٍ مِنْ الزَّوجينِ إلى صاحبِه ويتَّفقَا على صَداقٍ مَعلومٍ، يعنِي ولا يَبقَى إلَّا الإعلانُ أو الإشهادُ بالتَّواجُبِ.
الثَّاني: أنه لا تَجوزُ الخِطبةِ إذا تَراكَنَا وإنْ لم يتَّفقَا على صداقٍ، قالَه ابنُ القاسِمِ وابنُ وَهبٍ ومُطرِّفٌ وابنُ الماجشونَ وابنُ عبدِ الحَكمِ والشَّافعيُّ، وساعَدَنا ابنُ نافعٍ على الروايةِ الشُّهرَى عن مالكٍ المَذكورةِ في مُوَطَّئِه.
قالَ الإمامُ الحافِظُ: وتَحقيقُ القولِ في ذلكَ أنَّ للخِطبةِ مَبدأً ومُراوضةً ومُنتهًى، فأمَّا المَبدأُ فلا خِلافَ في جوازِ دُخولِ بعضِها على بعضٍ، وأمَّا المُنتهَى فلا خلافَ في تحريمِ الخِطبةِ فيها، وهي ما إذا لم يَبْقَ إلَّا التواجُبُ فأدخَلَ على ذلكَ أحَدٌ خِطبتَه، وإنَّما القولُ في حالِ المُراوَضةِ، فإنْ تَراكَنَا وتَقاربَا في الرِّضا لكنْ لم يَجْرِ ذِكرُ صَداقٍ فهذا مَوضعُ الخلافِ، مَنْ قالَ: تَجوزُ الخِطبةُ قالَ: لأنَّ الاتفاقَ لم يَقعْ بَعدُ؛ إذْ قد يَذكُرانِ مِنْ الصَّداقِ ما لا
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
وقال بعضهم: يدل على أنه كثير الجماع.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا ترفع عصاك عن أهلك.
أراد به الكناية عن الجماع، فيكون في هذه الدلالة دلالة على جواز الكناية بالجماع، وهذا غلط في التأويل، لانه ليس من الكلام ما يدل على أنه أراد هذا.
قال الصيمري: ولو قيل انه أراد بقوله صلى الله عليه وسلم هذا كثرة الجماع أي أنه كثير التزويج لكان أشبه (الثامنة عشرة) يدل على جواز خطبة الرجل، لان النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لاسامة (التاسعة عشرة) أنه يجوز للرجل أن يخطب امرأة قد خطبها غيره إذا لم يتقدم اجابة للاول (العشرون) أنه يجوز للمستشار أن يشير على المستشير بما لم يسأله عنه لانها لم تستشر في أسامة رضى الله عنه (الاحدى والعشرون) انه لا يجب على المستشير المصير إلى ما أشار به المشير لان النبي صلى الله عليه لم يقل لها يجب عليك المصير إلى ما أشرت به، وانما أعاد ذلك عليها على سبيل المشورة.
(الثالثة والعشرون) أن الخير لا يختص بالنسب، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أدلك على من هو خير منهما، ونسبهما خير من نسبه (الرابعة والعشرون) أن الكفاءة ليست بشرط في النكاح، لانها قرشية وأسامة مولى (الخامسه والعشرون) أنه يجوز أن يخطب المرأة إلى نفسها، وان كان لها ولى.
والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
إذا وجد الرجل امرأته مجنونه أو مجذومه أو برصاء أو رتقاء وهى التى انسد فرجها أو قرناء وهى التى في فرجها لحم يمنع الجماع، ثبت له الخيار.
وان وجدت المرأة زوجها مجنونا أو مجذوما أو ابرص أو مجبوبا أو عنينا، ثبت لها الخيار، لما روى زيد بن كعب بن عجرة قال (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار فرأى بكشحها بياضا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البسى ثيابك والحقى بأهلك)
فثبت الرد بالبرص بالخبر.
ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.