الحالة الثانية: أن تمسك عن خطبتها، فلا يكون منها إذن ولا رضا، ولا يكون منها رد ولا كراهية

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > الحالة الثانية: أن تمسك عن خطبتها، فلا يكون منها إذن ولا رضا، ولا يكون منها رد ولا كراهية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن تمسك عن خطبتها، فلا يكون منها إذن ولا رضا، ولا يكون منها رد ولا كراهية - الأقوال والأدلة

فإنْ أذنَتْ له كذلكَ صَحَّ وحَلَّ لكُلِّ أحَدٍ أنْ يَخطبهَا على خِطبةِ الغيرِ، كما نقَلَه الرُّويانِيُّ في «البَحْر» عن نَصِّ الشَّافعيِّ في «الأمِّ»، ولكَ أنْ تقولَ: إنْ كانَ الضَّميرُ في قَولِه (ممَّن يَشاءُ) عائِدًا على الوليِّ فيَنبغي إذا أجابَ الوليُّ الخاطِبَ الأولَ أنْ يَحرُمَ على غيرِه الخِطبةُ، وإنْ كانَ عائِدًا على الخاطِبِ فإذا خطَبَها شَخصٌ فقدْ شاءَ تَزويجَها، وقد أذنَتْ في تَزويجِها ممَّن يَشاءُ هو تَزويجَها، فيَجبُ على الوليِّ إجابتُه، ويَحرُمُ على غيرِه خِطبتُها؛ لأنها قد أجابَتْهُ بالوَصفِ وإنْ لم تُجِبْه بالتَّعيينِ، واللهُ أعلَمُ (١).

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ تُمسِكَ عن خِطبتِها، فلا يكونُ منها إِذنٌ ولا رَضًا، ولا يكونُ منها رَدٌّ ولا كَراهيَةٌ:

إذا خطَبَ الرَّجلُ امرأةً فأمسَكَتْ عن خِطبتِها فلم يُوجَدْ منها إذنٌ ولا رضًا، ولم يُوجَدْ منها رَدٌّ ولا كَراهيةٌ، فهذهِ يَجوزُ عندَ عامَّةِ العُلماءِ أنْ يَخطبَها آخَرُ غيرُ الَّذي تَقدَّمَ لها؛ لِما رواهُ مُسلمٌ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنَّ أبا عمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وكِيلُه بشَعيرٍ فسَخطَتْه، فقالَ: واللهِ ما لكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ فذكَرَتْ ذلكَ له، فقالَ: «ليسَ لكِ عليه نَفقةٌ»، فأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بيتِ أمِّ شَريكٍ، ثمَّ قالَ: «تلكِ امرأةٌ يَغشاها أصحابي، اعتَدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، فإنه رَجلٌ أعمَى تَضعينَ ثيابَكِ، فإذا حلَلْتِ فآذِنيني»، قالَتْ: فلمَّا

(١) «طرح التثريب» (٦/ ٨١، ٨٢).

حلَلْتُ ذكَرْتُ له أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ وأبا جَهمٍ خَطَباني، فقالَ رسولُ اللهِ : «أمَّا أبو جَهمٍ فلا يَضعُ عَصاهُ عنْ عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحِي أسامةَ بنَ زَيدٍ» فكَرهْتُه، ثمَّ قالَ: «انكِحِي أسامةَ»، فنَكحْتُه فجعَلَ اللهُ فيه خيرًا واغتبَطْتُ به (١).

ففِي هذا الحَديثِ دَليلٌ مِنْ وَجهينِ:

أحَدُهما: أنَّ أحَدَ الرَّجلينِ قد خطَبَها بعدَ صاحِبِه، فلمْ يَذكرِ النبيُّ تَحريمَه.

والوجهُ الثَّاني: أنَّ النبيَّ قد خطَبَها لِأسامةَ بعدَ خِطبتِها، فدَلَّ على أنَّ الإمساكَ عنِ الإجابةِ لا يَقتضي الخِطبةَ.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فيهِ -أي الحَديث- جَوازُ الخِطبةِ على خِطبةِ غيرِه إذا لم يَحصلْ للأوَّلِ إجابةٌ؛ لأنها أخبَرتْهُ أنَّ مُعاويةَ وأبا الجَهمِ وغيرَهُما خَطبوها (٢).

ولأنَّ تَحريمَ خِطبتِها على هذا الوجهِ إضرارٌ بها؛ فإنهُ لا يَشاءُ أحَدٌ أنْ يَمنعَ المرأةَ النِّكاحَ إلَّا منَعَها بخِطبتِه إيَّاها، وكذلكَ لو عرَّضَ لها في عدِّتِها بالخِطبةِ فقالَ: «لا تَفُوتِيني بنَفسِكِ» وأشباهِ هذا لم تَحرُمْ خِطبتُها؛ لأنَّ في قِصةِ فاطِمةَ أنَّ النبيَّ قالَ لها: «لا تَفُوتينا بنَفسِكِ» ولم يُنكِرْ خِطبةَ أبي جَهمٍ ومُعاويةَ لها.

(١) رواه مسلم (١٤٨٠).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٠٦).

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: أخبَرَنا مُحمدُ بنُ إسماعيلَ عن ابنِ أبي ذِئبٍ عن مُسلمٍ الخيَّاطِ عن ابنِ عُمرَ «أنَّ النبيَّ نَهَى أنْ يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَنْكِحَ أو يَتركَ».

قالَ الشَّافعيُّ: فكانَ الظَّاهرُ مِنْ هذهِ الأحادِيثِ أنَّ مَنْ خطَبَ امرأةً لم يكُنْ لأحَدٍ أنْ يَخطبَها حتَّى يأذَنَ الخاطِبُ أو يدَعَ الخِطبةَ، وكانَتْ مُحتملةً لَأنْ يكونَ نهي النبيِّ أنْ يَخطبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ في حالٍ دُونَ حالٍ، فوجَدْنا سُنةَ النبيِّ تَدلُّ على أنهُ إنَّما نهَى عنها في حالٍ دونَ حالٍ …

ثمَّ ذكَرَ حَديثَ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ ثمَّ قالَ: فكَمَا بيَّنَّا أنَّ الحالَ الَّتي خطَبَ فيها رسولُ اللهِ فاطِمةَ على أسامةَ غيرَ الحالِ التي نَهَى عنِ الخِطبةِ فيها، ولم يكُنْ للمَخطوبةِ حالانِ مُختلفَيِ الحُكمِ، إلَّا بأنْ تأذَنَ المَخطوبةَ بإنكاحٍ رَجلٍ بعَينهِ، فيكونُ للوليِّ أنْ يزوِّجَها جازَ النكاحُ عليها، ولا يكونُ لأحَدٍ أنْ يَخطبَها في هذهِ الحالِ حتَّى يأذَنَ الخاطِبُ أو يَتركَ خِطبتَها، وهذا بيِّنٌ في حديثِ ابنِ أبي ذِئبٍ، وقد أعلَمَتْ فاطِمةُ رسولَ اللهِ أنَّ أبا جَهمٍ ومُعاويةَ خَطَباها، ولا أشُكُّ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى أنَّ خِطبةَ أحَدِهما بعدَ خِطبةِ الآخرِ، فلمْ يَنهَهُما ولا واحِدًا منهُما، ولم نَعلَمْه أنها أذنَتْ في واحِدٍ منهُما فخطَبَها على أسامةَ، ولمْ يكُنْ لِيَخطبَها في الحالِ التي نهَى فيها عنِ الخِطبةِ، ولم أعلَمْه

نهَى مُعاويةَ ولا أبا جَهمٍ عمَّا صنَعَا، والأغلَبُ أنَّ أحَدُهما خطَبَها بعدَ الآخَرِ، فإذا أذنَتِ المَخطوبةُ في إنكاحِ رَجلٍ بعَينِه لم يَجُزْ خِطبتُها في تلكِ الحالِ (١).

وذكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه (٢) أنَّ ابنَ وَهبٍ روى بإسنادِه عنِ الحارثِ بن سَعدٍ بنِ أبي ذُبَابٍ «أنَّ عمَرَ بنَ الخطَّابِ خطَبَ امرأةً على جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ وعلى مَروانَ بنِ الحكَمِ وعلى عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، فدخَلَ على المَرأةِ وهيَ جالِسةٌ في بَيتِها فقالَ عُمرُ: إنَّ جريرَ بنَ عبدِ اللهِ البَجليَّ يَخطبُ وهو سيِّدُ أهلِ المَشرقِ، ومَروانَ يَخطبُ وهوَ سيِّدُ شَبابِ قُريشٍ، وعبدَ اللهِ بنَ عُمرَ وهو مَنْ قد عَلِمْتُم، وعُمرُ بنُ الخطَّابِ، فكشَفَتِ المَرأةُ السِّتْرَ فقالَتْ: أجادٌّ أميرُ المُؤمنينَ؟ فقالَ: نعَمْ، فقالَتْ: فقدْ أنكَحْتُ أميرَ المُؤمنينَ فأَنكِحُوه»، فهذا عُمرُ قد خطَبَ على واحِدٍ بعدَ واحِدٍ قبلَ أنْ يعلَمَ ما تقولُ المَرأةُ في الأولِ، فدَلَّ ذلكَ على جَوازِ الخِطبةِ في هذهِ الحالةِ (٣).

وقالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: وتَفسيرُ قولِ رسولِ اللهِ فيما نَرَى واللهُ أعلَمُ: «لا يَخطُبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ» أنْ يَخطبَ الرَّجلُ المرأةَ فتَركَنَ إليهِ ويتَّفقانِ على صَداقٍ واحِدٍ مَعلومٍ وقدْ تَراضَيَا، فهي تَشترطُ عليهِ لنَفسِها، فتلكَ الَّتي نهَى أنْ يَخطبَها الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ،

(١) «الأم» (٥/ ٣٩).
(٢) «التمهيد» (١٣/ ٢١).
(٣) «المغني» (٧/ ١١٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٨٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٩).

ولم يَعْنِ بذلكَ إذا خطَبَ الرَّجلُ المَرأةَ فلمْ يُوافِقْها أمْرُه ولم تَركَنْ إليهِ أنْ لا يَخطبَها أحَدٌ، فهذا بابُ فَسادٍ يَدخلُ على النَّاسِ (١).

قالَ الإمامُ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: بنحوِ ما فسَّرَ مالِكٌ هذا الحديثَ فسَّرَه الشَّافعيُّ وأبو عُبيدٍ، وهو مَذهبُ جَماعةِ الفُقهاءِ، كلُّهُم يتَّفقونَ في ذلكَ المعنَى، وهو المَعمولُ بهِ عندَ السَّلفِ والخلَفِ، وذلكَ -واللهُ أعلَمُ- لأنَّ رسولَ اللهِ أباحَ الخِطبةَ لِأسامةَ بنِ زيدٍ على خِطبةِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ وأبي جَهمِ بنِ حُذيفةَ حينَ خطَبَا فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ، فأتَتْ رسولَ اللهِ مُشاوِرةً لهُ، فخطَبَها لِأسامةَ بنِ زَيدٍ على خِطبتِها، ومَعلومٌ أنَّ رسولَ اللهِ لا يَفعلُ ما يَنهَى عنه، ولا أعلَمُ أحَدًا ادَّعَى نَسخًا في أحاديثِ هذا البابِ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ المعنَى ما قالَه الفُقهاءُ مِنْ الرُّكونِ والرِّضا، واللهُ أعلَمُ.

فإذا ركَنَتِ المَرأةُ أو وليُّها ووقَعَ الرِّضا لم يَجُزْ لأحَدٍ حِينئذٍ الخِطبةُ على مَنْ رُكِنَ إليه ورُضِيَ به واتُّفِقَ عليهِ، ومَن فعَلَ ذلكَ كانَ عاصِيًا إذا كانَ بالنهيِ عالِمًا (٢).

وقالَ في «الكافِي»: وجائزٌ للجَماعةِ أنْ يَخطبُوا امرأةً واحدةً مُجتمِعينَ ومُتفرِّقينَ، ما لم تُوافِقْ واحدًا منهُم وتَسكُنْ إليهِ، فإنْ سكَنَتْ إليهِ وركَنَتْ

(١) «الموطأ» (٢/ ٥٢٣).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٣٨١، ٣٨٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح

الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح

ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.

الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟

الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.

وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 101 - 105

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله