الرجوع بالهدية إلى المخطوبة أو النفقة عليها

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > الرجوع بالهدية إلى المخطوبة أو النفقة عليها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

الرجوع بالهدية إلى المخطوبة أو النفقة عليها - الأقوال والأدلة

الرُّجوعُ بالهَديةِ إلى المَخطوبةِ أو النَّفقة عَليها:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خطَبَ رَجلٌ امرأةً وأهْدَى لها هَديةً أو أنفَقَ عليها نَفقةً ثمَّ لم يَتزوَّجْها لسَببٍ ما، هل لهُ الرُّجوعُ فيما أعطاهَا أم لا؟

فقالَ الحَنفيةُ: لو خطَبَ بنتَ رَجلٍ وبعَثَ إليها شَيئًا ولم يُزوِّجْها أبوها فما بعَثَ للمَهرِ يَستردُّ عيْنَه قائِمًا فقَطْ وإنْ تغيَّرَ بالاستِعمالِ؛ لأنه مُسلَّطٌ عليهِ مِنْ قِبلِ المالكِ، فلا يَلزمُ في مُقابَلةِ ما انتَقصَ باستِعمالِه شَيءٌ، أو قِيمتَه هالِكًا -أي قِيمته وهو هالِكٌ-؛ لأنهُ مُعاوَضةٌ ولم تَتمَّ، فجازَ الاستِردادُ.

وكذا كلُّ ما بعَثَ هَديةً وهو قائِمٌ، دُونَ الهالِكِ والمُستهلَكِ؛ لأنَّ فيه معنَى الهِبةِ، والهَلاكُ والاستِهلاكُ مانعٌ مِنْ الرُّجوعِ بها، وكذا يُشتَرطُ عدَمُ ما يَمنعُ مِنْ الرُّجوعِ، كما لو كانَ ثَوبًا فصبَغَتْه أو خالَطَتْه.

ولو أنفَقَ على مُعتدَّةِ الغيرِ على طَمعٍ أنْ يتزوَّجَها إذا انقَضتْ عدَّتُها فلمَّا انقَضتْ أبَتْ ذلكَ، إنْ شرَطَ في الإنفاقِ التزوُّجَ -كأنْ يقولَ: أُنفِقُ بشرطِ أنْ تتزوَّجِيني- يَرجعُ، زوَّجتْ نفْسَها أو لا، وكذا إذا لم يَشترطْ على الصَّحيحِ، وقيلَ: لا يَرجعُ إذا زوَّجتْ نفْسَها وقد كانَ شرَطَه، وصُحِّحَ أيضًا، وإنْ أبَتْ ولم يَكنْ شرَطَه لا يَرجعُ على الصَّحيحِ.

قالَ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: والحاصِلُ أنَّ المُعتمَدَ ما ذكَرَه العِماديُّ في

فُصولِه، أنَّها إنْ تزوَّجَتْه لا رُجوعَ مُطلَقًا، وإنْ أبَتْ فلهُ الرُّجوعُ إنْ كانَ دفَعَ لها، وإنْ أكَلَتْ معهُ فلا مُطلَقًا (١).

وجاءَ في «تَنقيح الفَتاوى الحامِديةِ» لابنِ عابدِينَ رحمة الله عليه: (سُئلَ) في رَجلٍ خطَبَ بِكرًا بالِغةً ثمَّ بعَثَ إليها أشياءَ هَديةً واستُهلِكَتْ، ولم يُزوجْها أبوها، ويُريدُ الرُّجوعَ بما بعَثَه، فهل ليسَ لهُ ذلكَ؟

(الجَوابُ): ما بعَثَ للمَهرِ يَستردُّ عيْنَه قائِمًا أو قِيمتَه هالِكًا، وكذا ما بعَثَ هَديةً وهو قائِمٌ، دونَ الهالِكِ والمُستهلَكِ، والمَسألةُ في التَّنويرِ مِنْ المَهرِ والحاوِي الزَّاهِديِّ.

أقولُ: وفي «الفَتاوى الخَيريَّةِ»: سُئلَ في رَجلٍ خطَبَ مِنْ آخَرَ أختَهُ ودفَعَ لها شيئًا يُسمَّى «مُلَّاكًا» ودَراهمَ أيضًا مِنْ عادةِ أهلِ الزَّوجةِ اتِّخاذُ طعامٍ بها، ولم يَتمَّ أمرُ النكاحِ، هل للخاطِبِ أنْ يَرجعَ فيهِ أم لا؟

(أجابَ): نَعم له أنْ يَرجعَ بذلكَ، بشَرطِ عَدمِ الإذنِ منهُ، فإنْ أَذِنَ لهم باتخاذِه وإطعامِه للناسِ صارَ كأنَّه أطعَمَ الناسَ بنَفسِه طَعامًا له وفيهِ لا يَرجعُ. اه.

وفيها أيضًا مِنْ كِتابِ النَّفقةِ: (سُئلَ): في رَجلٍ خطَبَ امرأةً وصارَ يُنْفِقُ

(١) «البحر الرائق» (٣/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «درر الحكام» (٤/ ١٤٥)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٥٣٢)، و «الدر المختار» (٣/ ١٥٣)، و «الهندية» (١/ ٣٢٨)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (١/ ١٥٩).

عليها لتَتزوَّجَ به، وتَحقَّقتْ أنهُ إنَّما يُنْفِقُ عليها ليَتزوَّجَها، ثمَّ امتَنعَتْ عنِ التزوُّجِ به وتَزوَّجتْ بغيرِه، هل يَرجعُ بما أنفَقَ أم لا؟

(أجابَ): نعَمْ يَرجعُ، قالَ في «الخَانيَّة» بعدَ أنْ ذكَرَ القَولينِ في المسألةِ: قالَ المُصنِّفُ رحمة الله عليه: ويَنبغِي أنْ يَرجعَ؛ لأنهُ إذا عَلِمَ أنهُ لو لم يَتزوَّجْها لا يُنْفِقُ عليها كانَ ذلكَ بمَنزلةِ الشَّرطِ وإنْ لم يَكنْ مَشروطًا لَفظًا.

قالَ في «التَّتمَّة»: سُئلَ والِدِي عمَّن بعَثَ إلى أبِ الخَطيبةِ سكَّرًا ولَوزًا وجَوزًا وتَمرًا، ثمَّ ترَكَ الأبُ المُعاقَدةَ، هل لهذا الخاطِبِ أنْ يَرجعَ باستِردادِ ما دفَعَ؟

فقالَ: إنْ فرَّقَ ذلكَ على الناسِ بإذنِ الدَّافعِ فليسَ له حَقُّ الرُّجوعِ، وإنْ لم يأذَنْ له في ذلكَ فلهُ ذلك. اه.

وهوَ مُرجَّحٌ؛ لِما علَّلَه في «الخانيَّة»، وهو ظاهِرُ الوجهِ، فلا يَنبغي أنْ يُعدَلَ عنه، واللهُ أعلَمُ. اه ما في «الخَيريَّة» فليُتأمَّلْ (١).

وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ الإهداءُ للمُعتدَّةٍ مِنْ وفاةٍ أو طلاقِ غيرِه البائنِ، لا الإنفاقُ عليها، فيَحرمُ كالمُواعَدةِ، فإنْ أهدَى أو أنفَقَ عليها ثمَّ تزوَّجَتْ غيرَه فلا يَرجعُ عليها بشَيءٍ، قالَ الشَّيخُ عليش: وفي «التَّوضيح» أنَّ غيرَ المُعتدَّةِ مثلُها.

(١) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (١/ ١٤٨، ١٤٩)، ويُنظَر: «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٥٤).

وذكَرَ اللَّقانِيُّ عنِ «البَيان» أنَّ ذلكَ إذا كانَ الإعراضُ منه، فإنْ أعرَضَتْ عنه فيَرجعُ عليها؛ لأنَّ الَّذي أعطَى لأجْلِه لم يَتمَّ له.

وفي «المِعيَار»: للرَّجلِ الرُّجوعُ بما أنفَقَ على المرأةِ، أو بما أعطَى في اختِلاعِها مِنْ الزَّوجِ الأولِ، إذا جاءَ التعذُّرُ والامتِناعُ مِنْ قِبَلها؛ لأنَّ الذي أعطَى مِنْ أجْلِه لم يَثبتْ لهُ، وإنْ كانَ التعذُّرُ مِنْ قِبَله فلا رُجوعَ له عليها؛ لأنَّ التَّمكينَ كالاستِيفاءِ. اه.

ولعلَّ هذا كلَّه إنْ لم يَكنْ شَرطٌ ولا عُرفٌ بالرُّجوعِ، وإلَّا عُملَ به اتِّفاقًا (١).

وجاءَ في «حاشِيَة الصَّاوي على الشَّرحِ الصَّغيرِ»: (و) جازَ (الإهداءُ فيها) أي في العدَّةِ، كالخُضَرِ والفواكِهِ وغيرِهما، لا النَّفقةُ، فلو تزوَّجَتْ بغيرِه فلا رُجوعَ له عليها بشَيءٍ.

وكذا لو أهدَى أو أنفَقَ لمَخطوبةٍ غيرِ مُعتدَّةٍ ثم رجَعَتْ عنه ولو كانَ الرُّجوعُ مِنْ جهتِها، إلَّا لعُرفٍ أو شَرطٍ.

وقيل: إنْ كانَ الرُّجوعُ مِنْ جهتِها فلهُ الرُّجوعُ عليها؛ لأنه في نَظيرِ شَيءٍ لم يَتمَّ، واستُظهِرَ.

قولُه: [لا النَّفقةُ]: أي: فلا يَجوزُ إجراءُ النَّفقةِ عليها في العدَّةِ، بل يَحرمُ.

قولُه: [واستُظهِرَ]: أي: استَظهَرَ هذا التَّفصيلَ الشَّمسُ اللَّقانِيُّ (٢).

(١) «منح الجليل» (٣/ ٢٦٤، ٢٦٥).
(٢) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٢٣).

وقالَ الخِرَشيُّ رحمة الله عليه: يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُهديَ إلى المُعتدَّةِ هَديةً في عدَّتِها؛ لأنَّ في الهَديةِ مودَّةً، ولا يكونُ كالتَّصريحِ بالخِطبةِ في العدِّةِ، بخِلافِ إجراءِ النَّفقةِ عليها، فإنْ أنفَقَ أو أهدَى ثمَّ تزوَّجَتْ غيْرَه لم يَرجعْ عليها بشَيءٍ، ومثلُه لو أهَدَى أو أنفَقَ لمَخطوبةٍ غيرِ مُعتدَّةٍ ثم تزوَّجَتْ غيرَه (١).

وقالَ الدِّرديرُ رحمة الله عليه: وجازَ (الإهداءُ) في العدَّةِ لا النَّفقةُ عليها، فإنْ أهدَى أو أنفَقَ ثمَّ تزوَّجَتْ غيرَه لم يَرجعْ عليها بشَيءٍ، ومثلُ المُعتدَّةِ غيرُها، ولو كانَ الرُّجوعُ مِنْ جِهتِها، والأوجَهُ الرُّجوعُ عليها إذا كان الامتناعُ مِنْ جهتِها، إلَّا لعُرفٍ أو شَرطٍ (٢).

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قولُه: (لا النَّفقةُ عليها) أي: لا إجراءُ النَّفقةِ عليها في العدَّةِ، فلا يَجوزُ بل يَحرمُ.

قولُه: (لم يَرجعْ عَليها بشَيءٍ) أي: سَواءٌ كانَ الرُّجوعُ عن زَواجِها مِنْ جهتِه أو مِنْ جهتِها، وهذا هو أصلُ المَذهبِ.

قولُه: (والأوجَهُ .. إلخ) هذا التَّفصيلُ ذكَرَه الشَّمسُ اللَّقانِيُّ عن «البَيان»، وأجابَ بهِ صاحِبُ «المِعيار» لمَّا سُئلَ عنِ المَسألةِ، وصحَّحَه ابنُ غازِي في «تكمِيل التَّقييدِ».

(١) «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٧١)، ويُنظَر: «مواهب الجليل» (٥/ ٤٦)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٤١).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١١).

قولُه: (إذا كانَ الامتناعُ مِنْ جهتِها) أي: لأنَّ الَّذي أعطَى لأجْلِه لم يَتمَّ، أمَّا إنْ كانَ الرُّجوعُ مِنْ جهتِه فلا رُجوعَ له قَولًا واحِدًا (١).

وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ خطَبَ امرأةً ثمَّ أنفَقَ عليها نَفقةً ليَتزوَّجَها فله الرُّجوعُ بما أنفَقَه على مَنْ دفَعَه له، سواءٌ أكانَ مأكلًا أم مَشرَبًا أم حلوى أم حُليًّا، وسواءٌ رجَعَ هو أم مُجيبُه أم ماتَ أحَدُهما؛ لأنه إنَّما أنفَقَه لأجْلِ تزوُّجِها، فيَرجعُ به إنْ بَقيَ، وببَدلِه إنْ تَلفَ، ولو كانَ ذلكَ بقَصدِ الهديَّةِ لا لأجْلِ تزوُّجِه بها لم يُختلَفْ في عَدمِ الرُّجوعِ؛ لأنَّ قَرينةَ سَبْقِ الخِطبةِ تُغلِّبُ على الظَّنَّ أنهُ إنَّما بعَثَ أو دفَعَ إليها لتَتمَّ تلكَ الخِطبةُ.

وقالُوا: لو دفَعَ الخاطِبُ بنَفسِه أو وكيلِه أو وليِّه شيئًا مِنْ مأكولٍ أو مَشروبٍ أو مَلبوسٍ لمَخطوبتِه أو وليِّها ثمَّ حصَلَ إعراضٌ مِنْ الجانبَينِ أو مِنْ أحَدِهما أو مَوتٌ لهما أو لأحَدِهما رجَعَ الدَّافعُ أو وارثُه بجَميعِ ما دفَعَه إنْ كانَ قبْلَ العقدِ مُطلَقًا، وكذا بعدَه إنْ طلَّقَ قبلَ الدُّخولِ أو ماتَ، لا إنْ ماتَتْ هي، ولا رُجوعَ بعدَ الدُّخولِ مُطلَقًا (٢).

وقالَ البجيرمِيُّ رحمة الله عليه: وقدْ سُئلَ م ر عمَّن خطَبَ امرأةً وأنفَقَ عليها ولم يَتزوَّجْ بها، فهل له الرُّجوعُ بما أنفَقَه أم لا؟

فأجابَ بأنَّ له الرُّجوعَ بما أنفَقَه على مَنْ دفَعَه له، سواءٌ كانَ مأكَلًا أم

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ١١، ١٢).
(٢) «حاشية الجمل» (٤/ ١٢٩)، و «حاشية إعانة الطالبين» (٣/ ٢٩٥).

مَشربًا أو مَلبسًا أم حُليًّا، وسَواءٌ رجَعَ هو أم مُجيبُه أم ماتَ أحَدُهما؛ لأنه إنَّما أنفَقَ لأجْلِ تزوُّجِها، فيَرجعُ بهِ إنْ بَقيَ، وببَدلِه إنْ تَلفَ (١).

وقالُوا أيضًا: لو خطَبَ امرأةً ثمَّ أرسَلَ أو دفَعَ إليها بلا لَفظٍ يَدلُّ على التَّبرعِ مالًا قبلَ العَقدِ -أي ولم يَقصدِ التَّبرعُ، ويُعرَفُ القَصدُ بإقرارِه- ثمَّ وقَعَ الإعراضُ عنِ العَقدِ منها أو منهُ رجَعَ عليها أو على وليِّها أو وَكيلِها بما وصَلَها منه، كما صرَّحَ به جَمعٌ مُحقِّقونَ.

ولو طلَّقَ في مَسألتِنا بعدَ العَقدِ لم يَرجعْ بشَيءٍ، كما رجَّحَه الأذرعِيُّ، خِلافًا للبَغويِّ، لأنه إنَّما أعطَى لأجلِ العَقدِ وقد وُجِدَ.

ولو دفَعَ لمَخطوبتِه قبلَ العَقدِ مالًا وقالَ: «جعَلْتُه مِنْ الصَّداقِ الذي سيَجبُ بالعقدِ، أو مِنْ الكِسوةِ التي ستَجبُ بالعَقدِ والتَّمكينِ» وقالتَ: «بل هيَ هَديةٌ» فالَّذي يتَّجهُ تَصديقُها؛ إذ لا قَرينةَ هنا على صِدقِه في قَصدِه (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: وهَديةُ الزَّوجِ ليسَتْ مِنْ المَهرِ، فما أهداهُ الزَّوجُ مِنْ هَديةٍ قبلَ العَقدِ إنْ وَعَدوهُ بأنْ يزوِّجوهُ ولم يَفُوا بأنْ زوَّجُوا غيرَه رجَعَ بها، قالَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ؛ لأنهُ بذَلَها في نَظيرِ النِّكاحِ ولم يَسلمْ لهُ، وعُلِمَ منه أنهُ إنْ امتَنعَ هو لا رُجوعَ له، كالمُجاعِلِ إذا لم يَفِ بالعَملِ.

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه فيما إنِ اتَّفقَ الخاطِبُ مع المرأةِ

(١) «حاشية البجيرمي» (٣/ ٣٨٨).
(٢) «إعانة الطالبين» (٣/ ٦٤٣، ٦٤٤).

ووليِّها على النِّكاحِ مِنْ غيرِ عَقدٍ، فأعطَى الخاطِبُ إيَّاها لأجْلِ ذلكَ شيئًا مِنْ غيرِ الصَّداقِ، فماتَتْ قبلَ العَقدِ: ليسَ له استِرجاعُ ما أعطاهُم. انتهى؛ لأنَّ عدَمَ التَّمامِ ليسَ مِنْ جِهتِهم، وعلى قياسِ ذلكَ لو ماتَ الخاطِبُ لا رُجوعَ لوَرثتِه.

وما قُبضَ بسَببِ النِّكاحِ -كالَّذي يُسمُّونَه المأكَلةَ- فحُكمُه حكمُ المَهرِ فيما يُسقِطُه أو يُنصِّفُه أو يُقرِّرُه، ويكونُ ذلك لها، ولا يَملكُ منه الوليُّ شيئًا، إلَّا أنْ تَهبَه له بشَرطِه، إلَّا الأبَ فله أنْ يأخُذَ بالشَّرطِ وبلا شَرطٍ مِنْ مالِها ما شاءَ بشَرطِه، وما كُتِبَ فيه المَهرُ لها ولو طَلُقَتْ، قالهُ الشَّيخُ؛ لأنَّ العادةَ أخذُها له.

ولو فُسخَ النكاحُ في فُرقةٍ قَهريةٍ كفَسخِها لفَقدِ كَفاءةٍ قبلَ الدُّخولِ رُدَّ للزَّوجُ كلُّ الصَّداقِ وما دفَعَه ولو هَديةً؛ لدَلالةِ الحالِ على أنهُ وهَبَ بشرطِ بقاءِ العَقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرُّجوعَ، كالهبةِ بشَرطِ الثَّوابِ.

قالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: قلتُ: قِياسُ ذلكَ لو وهَبَتْه هي شَيئًا قبلَ الدُّخولِ ثمَّ طلَّقَ ونحوه.

وكذا يُرَدُّ إليه الكلُّ ولو هَديةً في فُرقةٍ اختِياريةٍ مُسقِطةٍ للمهرِ، كفَسخِها لعَيبِه ونَحوه قبلَ الدُّخولِ؛ لدَلالةِ الحالِ على أنهُ وهَبَ بشرطِ بقاءِ العَقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرُّجوعَ، كالهبةِ بشَرطِ الثَّوابِ.

وتَثبتُ الهديةُ للزوجةِ مع فَسخٍ للنِّكاحِ مُقرِّرٍ له -أي للصَّداقِ- مِنْ

وَطءٍ أو خَلوةٍ، أو لنِصفِه كطَلاقٍ ونحوِه، فلا رُجوعَ له في الهديةِ إذنْ؛ لأنَّ زَوالَ العَقدِ ليسَ مِنْ قِبَلها، وهوَ المُفوِّتُ على نَفسِه.

وإنْ كانَتِ العَطيةُ لغيرِ العاقدِينِ بسَببِ العَقدِ، كأُجرةِ الدلَّالِ ونَحوِها كأُجرةِ الكيَّالِ والوزَّانِ قالَ ابنُ عَقيلٍ في «النَّظريات»: إنْ فُسخَ بَيعٌ بإقالةٍ ونحوِها ممَّا يَقفُ على تَراضٍ مِنْ العاقدَينِ لم يَرُدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه، وإنْ لم يَقفِ الفَسخُ على تراضِيهما كالفَسخِ لعَيبٍ ونحوِه رَدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه؛ لأنَّ المَبيعَ وقَعَ مُتردِّدًا بينَ اللُّزومِ وعَدمِه، وقِياسُ المَبيعِ نكاحٌ فُسخَ لفَقدِ كَفاءةِ الزَّوجِ، أو ظُهورِ عَيبٍ في أحَدِهما فيَردُّه، أي يَردُّ الخاطِبُ ما أخَذَه مِنْ الزَّوجينِ أو مِنْ أحَدِهما بسَببِ توسُّطِه التَّزويجَ؛ لأنه أخَذَ على عَقدٍ لم يَسلمْ، ولا يَردُّ المأخوذَ إنِ انفَسخَ النكاحُ لردَّةٍ ورَضاعٍ ومُخالَعةٍ (١).

(١) «كشاف القناع» (٥/ ١٧٠، ١٧١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٥، ٢١٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٣، ٢٤)، وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه في «الإنصاف» (٨/ ٢٩٦، ٢٩٧): هديةُ الزوجةِ ليستْ مِنْ المهرِ، نصَّ عليه، فإنْ كانتْ قبلَ العقدِ وقد وَعدُوه بأنْ يزوِّجُوه فزوَّجُوا غيرَه رجَعَ بها، قالَه الشيخُ تقيُّ الدينِ رحمة الله عليه، واقتَصرَ عليه في «الفُروع».
قلتُ: وهذا ممَّا لا شكَّ فيه، وقالَ الشيخُ تقيُّ الدينِ رحمة الله عليه أيضًا: ما قُبضَ بسببِ النكاحِ فكَمَهرٍ، وقالَ أيضًا: ما كُتبَ فيه المهرُ لا يَخرجُ منها بطلاقِها.
وقالَ في القاعدةِ الخَمسينَ بعدَ المائةِ: حكَى الأثرمُ عن الإمامِ أحمدَ رحمة الله عليه في المَولى يتزوَّجُ العرَبيةَ يُفرَّقُ بينَهُما، فإنْ كانَ دفَعَ إليها بعضَ المهرِ ولم يَدخلْ بها يَردُّوه، وإنْ كانَ أهدَى هديةً يَردُّونها عليهِ، قالَ القاضي في «الجامِع»: لأنَّ في هذه الحالِ يَدلُّ على أنه وهَبَ بشرطِ بقاءِ العقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرجوعَ، كالهبةِ بشرطِ الثَّوابِ. انتهى.
وهذا في الفُرقةِ القَهريةِ لفَقدِ الكفاءةِ ونحوِها ظاهِرٌ، وكذا الفُرقةِ «الاختياريةِ» المُسقِطةِ للمهرِ، فأمَّا الفسخُ المقرِّرُ للمهرِ أو لنِصفِه فتَثبتُ معه الهَديةُ، وإنْ كانتِ العَطيةُ لغيرِ المتعاقدَينِ بسببِ العقدِ كأجرةِ الدلَّالِ والخاطِبِ ونحوِهما ففِي «النَّظريات» لابنِ عَقيلٍ: إنْ فُسخَ البيعُ بإقالةٍ ونحوِها لم يَقفْ على التَّراضي فلا تُردُّ الأجرةُ، وإنْ فُسخَ بخِيارٍ أو عَيبٍ رُدَّتْ؛ لأنَّ البيعَ وقَعَ مُترددًا بينَ اللزومِ وعَدمِه، وقياسُه في النكاحِ أنه إنْ فُسخَ لفَقدِ الكفاءةِ أو لعَيبِه رُدَّت، وإنْ فُسخَ لردَّةٍ أو رَضاعٍ أو مُخالَعةٍ لم تُردَّ. انتهى. نقلَه صاحِبُ «القَواعِد».

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في النفقة بالنكاح والملك والقرابة]
[فصل نفقة الرقيق والدابة والقريب وخادمه والحضانة وما يتعلق بها]

(فَصْلٌ) إنَّمَا تَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ وَدَابَّتِهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعَى، وَإِلَّا بِيعَ: كَتَكْلِيفِهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ،

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالدَّابَّةِ وَالْقَرِيبِ وَخَادِمِهِ وَالْحَضَانَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 123 - 131

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل