ثامنا: خطبة المحرم

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > ثامنا: خطبة المحرم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ثامنا: خطبة المحرم - الأقوال والأدلة

واختَلفُوا فيمَن طلَّقَ واحِدةً منهنَّ طلاقًا بائنًا، هل له أنْ يَنكحَ وهي ما زالَتْ في عدَّتِها؟ أم لا بُدَّ مِنْ انتهاءِ العدَّةِ؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنهُ يَجوزُ له إذا كانَ تحتَه أربَعُ نِسوةٍ وطلَّقَ واحِدةً طلاقًا بائنًا فلهُ أنْ يتزوَّجَ مِنْ أُخرى وإنْ كانَتْ هذهِ ما زالَتْ في عدَّتِها (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَنكحَ حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ الَّتي طلَّقَها، ولا أنْ يتزوَّجَ أختَها (٢).

وستأتي المَسألةُ مُفصَّلةً في الرُّكنِ الرَّابعِ مِنْ أركانِ النكاحِ (الزَّوجانِ).

ثامنًا: خِطبةُ المُحرِمِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ خِطبةِ المُحرِمِ، هل تُكرَهُ أم تَحرمُ أم تَجوزُ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ يُكرهُ خِطبةُ المُحرمِ كراهةً تَنزيهٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ عن نافعٍ عنِ نُبَيهِ بنِ وَهبٍ أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سَمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا

(١) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢١٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٠١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٢٦)، و «الفروع» (٥/ ١٥٥)، و «المبدع» (٧/ ٦٨)، و «الإنصاف» (٨/ ١٣١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٠٨).

يُنكَحُ ولا يَخطُبُ» (١)، قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا قولُه : «ولا يَخطُبُ» فهو نهيُ تنزيهٍ ليسَ بحَرامٍ، وكذلكَ يُكرهُ للمُحرمِ أنْ يكونَ شاهِدًا في نكاحٍ عقَدَه المُحِلُّونَ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: لا يَنعقدُ بشَهادتِه؛ لأنَّ الشَّاهدَ رُكنٌ في عقدِ النكاحِ كالوليِّ، والصَّحيحُ الَّذي عليهِ الجُمهورُ انعقادُه (٢).

قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ رحمة الله عليه: تَصريحُهم بكراهةِ خِطبةِ المُحرِمِ مع حُرمةِ نكاحِه مَحلُّه حيثُ لم يَخطبْها لِيَنكحَها مع الإحرامِ، وإلَّا حَرُمتْ، وكذا يقالُ في خِطبةِ الحَلالِ للمُحرِمةِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: قولُه: «ولا يَخطُبُ» على أنهُ قد صرَّحَ في «شَرح دُررِ البحارِ» بأنَّ النهيَ للتنزيهِ، وقولُ «الكَنز»: «وحَلَّ تَزوُّجُ الكتابيَّةِ والصابِئةِ والمُحرِمةِ» صَريحٌ في ذلكَ؛ فإنَّ المكروهَ تَحريمًا لا يَحلُّ، فافهَمْ (٤).

(١) رواه مسلم (١٤٠٩).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٩٥).
(٣) «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٢١)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٣٤).
(٤) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٧)، ويُنظَر: فتح باب «العناية» بشرح النقاية لملا علي القاري (٣/ ٢٢٥): قالَ: ويُحمَلُ قولُه : «لا يَنْكِحُ المُحرِمِ» إمَّا على نَهيِ التَّحريمِ، -والنكاحُ: الوطءُ، والمرادُ بالجملةِ الثانيةِ: التَّمكينُ مِنْ الوطءِ، والتَّذكيرُ باعتبارِ الشَّخصِ، أي: لا تُمكِّنُ المُحرِمةُ زوْجَها منهُ- أو على الكَراهةِ جَمعًا بينَ الأدلةِ، وذلكَ لأنَّ المُحرِمَ في شغلٍ عن مباشَرةِ عقدِ النكاحِ؛ لأنه يَشغَلُ القلبَ عنِ الإحسانِ في العبادةِ، لِمَا فيه مِنْ خِطبةٍ ومُراوَداتٍ ودَعوةٍ واجتِماعاتٍ، ويَتضمنُ تنبيهَ النفسِ لطَلبِ الجِماعِ، وهذا مَحمَلُ قولِه: «ولا يَخطبُ» إجماعًا، وقالَ في «الكافي»: والأَوجهُ أنْ يقالَ: الحَديثُ (يُروَى) بالنهيِّ مَجزومًا، وهو اختيارُ الخطَّابيِّ، والنهيُ يكونُ للتنزيهِ، وإن رُويَ مَنفيًّا فالنفيُ يَجيءُ بمَعنى النهيِ.

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: تُكرهُ خِطبةُ المُحرمِ كخطبةِ العقدِ وشُهوده على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وقالَ ابنُ عَقيلٍ: يَحرمُ ذلكَ؛ لتَحريمِ دواعِي الجِماعِ، وأطلَقَ أبو الفرَجِ الشِّيرازيُّ تَحريمَ الخِطبةِ (١).

وذهَبَ ابنُ عَقيلٍ مِنْ الحَنابلةِ وشيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنهُ يَحرمُ خِطبةُ المُحرمِ؛ لتَحريمِ دَواعِي الجِماعِ.

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: إذا خطَبَ المُحرمُ امرأةً لنَفسِه وتزوَّجَها بعدَ الحِلِّ، أو خطَبَها لرَجلٍ حَلالٍ، أو خُطبَتِ المُحرِمةُ لمَن يتزوَّجُها بعدَ الحِلِّ؛ فقالَ القاضي وابنُ عَقيلٍ في بعضِ المَواضعِ وأبو الخطَّابِ وكثيرٌ مِنْ أصحابِنا: تُكرهُ الخِطبةُ ولا تَحرمُ، ويَصحُّ العقدُ في هذهِ الصُّورِ.

وقالَ ابنُ عقيلٍ في مَوضعٍ: لا يَحلُّ له أنْ يَخطبَ ولا يَشهَدَ، وهذا قِياسُ المَذهبِ؛ لأنَّ النبيَّ نهَى عنِ الجَميعِ نهيًا واحِدًا ولم يُفصِّلْ، ومُوجَبُ النهيِ التَّحريمُ، وليسَ لنا ما يُعارِضُ ذلكَ مِنْ أثَرٍ ولا نَظرٍ، بل رُويَ ما يُؤكِّدُ ذلكَ، فعَن نافعٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ قالَ: «لا يَصلحُ للمُحرِمُ أنْ يَخطبَ ولا يَنْكِحَ ولا يَخطبَ على غَيرِه ولا يُنكِحَ غيْرَه» رواهُ حَربٌ،

(١) «الفروع» (٣/ ٢٨٥)، و «الإنصاف» (٣/ ٤٩٣).

ولأنَّ الخِطبةَ مُقدِّمةُ النكاحِ وسَببٌ إليهِ، كما أنَّ العقدَ سببٌ للوَطءِ، والشَّرعُ قد منَعَ مِنْ ذلكَ كلِّه حَسمًا للمادةِ، ولأنَّ الخِطبةَ كَلامٌ في النكاحِ وذِكرٌ لهُ، ورُبَّما طالَ فيه الكلامُ وحَصلَ بها أنواعٌ مِنْ ذِكرِ النِّساءِ، والمُحرِمُ مَمنوعٌ مِنْ ذلكَ كلِّه، ولأنَّ الخِطبةَ تُوجِبُ تَعلُّقَ القلبِ بالمَخطوبةِ واستِثقالَ الإحرامِ والتعجُّلَ إلى انقِضائِه لتَحصيلِ مَقصودِ الخِطبةِ، كما يَقتضِي العَقدُ تعلُّقَ القلبِ بالمَنكوحةِ، ولهذا مُنعَتِ المُعتدَّةُ أنْ تُخطَبَ، كما مُنعتْ أنْ تُنكَحَ، ونُهيَ الرَّجلُ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ، كما نُهيَتِ المَرأةُ أنْ تَسألَ طَلاقَ أختِها.

فأمَّا الشَّهادةُ فقدْ سَوَّى كَثيرٌ مِنْ أصحابِنا بينَها وبينَ الخِطبةِ كَراهةً وحَظرًا، وقالَ القاضي في «المُجرَّد»: لا يُمنَعُ مِنْ الشَّهادةِ على عَقدِ النِّكاحِ؛ لأنه لا فِعلٌ لهُ، فهو كالخاطِبِ أنَّ الشَّهادةَ لا تُكرَهُ مُطلَقًا؛ إذْ لا نَصَّ فيها ولا هيَ في معنَى المَنصوصِ (١).

أمَّا الحَنفيةُ فإنهُم يَرَونَ جوازَ نكاحِ المُحرِمِ -كما سيأتي مُفصَّلًا-، فكذلكَ خِطبتُه (٢).

وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ الحاجِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: وإنْ سَعَى المُحرِمُ في عَقدِ النكاحِ بسِفارةِ حَلالٍ أو سَعى فيهِ بنَفسِه وأكمَلَ العَقدَ بعدَ أنْ حَلَّ قالَ

(١) «شرح العمدة» (٣/ ٢١٦، ٢١٧).
(٢) «شرح مشكل الأثار» (١٤/ ٥٠٦، ٥٠٧)، و «التجريد الضروري» (٤/ ١٨٤٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرضاع
فصل في صفة الرضاع المحرم

مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ إذَا وَلَدَتْ ابْنًا وَلَهَا بِنْتٌ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ؛ فَهِيَ أُخْتُ أَخِيهِ لِأَبِيهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَكَذَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَيَجُوزُ لِزَوْجِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ الْمُرْضَعِ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمُرْضَعَ ابْنُهُ، وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ ابْنِهِ مِنْ النَّسَبِ وَكَذَا أَبَ الْمُرْضَعِ مِنْ النَّسَبِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُرْضِعَةَ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ فَهِيَ كَأُمِّ ابْنِهِ مِنْ النَّسَبِ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَحَارِمِ أَبِي الصَّبِيِّ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي صفة الرَّضَاع الْمُحَرِّمِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 92 - 95

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل