ثانيا: التعريض بالخطبة للمطلقة ثلاثا

الإسلام > النكاح والأسرة > الخطبة وأحكامها > ثانيا: التعريض بالخطبة للمطلقة ثلاثا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

ثانيا: التعريض بالخطبة للمطلقة ثلاثا - الأقوال والأدلة

وقالَ المَوصليُّ الحنَفيُّ رحمة الله عليه بعدَما أجازَ التَّعريضَ بالخِطبةِ: وهذا كلُّه في المَبتوتةِ -أي المُطلَّقةِ ثلاثًا- والمُتوفَّى عنها زَوجُها، أمَّا المُطلَّقةُ الرَّجعيةُ فلا يَجوزُ التَّصريحُ ولا التلويحُ؛ لأنَّ نكاحَ الأولِ قائمٌ على ما بيَّنَّا (١).

ثانيًا: التَّعريضُ بالخِطبةِ للمُطلَّقةِ ثلاثًا:

اختَلفَ فُقهاءُ المُسلمينَ في المرأةِ المُطلَّقةِ ثَلاثًا، هل يَجوزُ التَّعريضُ لها في أثناءِ عدَّتِها أم لا يَجوزُ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ -وهو ما حكاهُ المَوصليُّ عن الحَنفيةِ- أنه يَجوزُ التَّعريضُ للمُطلَّقةِ ثلاثًا في عدَّتِها، وفي معنى المُطلَّقةِ ثلاثًا المُلاعنةُ والمحرَّمةُ بمُصاهرةٍ أو رَضاعٍ، لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)[البقرة: ٢٣٥]، فأباحَ اللهُ التَّعريضَ بالنكاحِ في العِدةِ.

ولأنَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ طلَّقَها زَوجُها فبَتَّ طلاقَها، فقالَ لها النبيُّ : «إذا حلَلْتِ فآذنيني» فعن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ أنَّ أبا عَمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وَكيلُه بشَعيرٍ فسَخِطَته، فقالَ:

(١) «الاختيار» (٣/ ٢١٦).

واللهِ ما لكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ فذكَرَتْ ذلكَ له، فقالَ: «ليسَ لكِ عليهِ نَفقةٌ»، فأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بيتِ أمِّ شَريكٍ، ثمَّ قالَ: «تلكِ امرأةٌ يَغشاها أصحابي، اعتَدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، فإنهُ رَجلٌ أعمَى، تَضعينَ ثيابَكِ، فإذا حلَلْتِ فآذنيني، فآذَنتْهُ» (١).

وفُرِّقَ بينَ التصريحِ والتعريضِ بأنهُ إذا صرَّحَ تحقَّقَتِ الرَّغبةُ فيها، فربَّما كذَبَتْ في انقضاءِ العدَّةِ لغلَبةِ الشهوةِ أو غيرِها، وفي التَّعريضِ لا يَتحقَّقُ ذلكَ.

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أباحَ التعريضَ بالنكاحِ في العدَّةِ، ولم يَختلفِ العُلماءُ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ في ذلكَ، فهو مِنْ المُحكَمِ المُجتمَعِ على تأويلِه، إلا أنهمُ اختَلفُوا في ألفاظِ التَّعريضِ (٢).

وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ التعريضَ بالخِطبةِ وهي في عدَّتِها حَلالٌ إذا كانَتْ العدَّةُ غيرَ رَجعيةٍ أو كانَتْ مِنْ وفاةٍ (٣).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: أباحَ التَّعريضَ في العِدةِ بقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] الآية، ولم يَختلفِ العُلماءُ في إباحةِ ذلكَ (٤).

(١) رواه مسلم (١٤٨٠).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٣٨٥).
(٣) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١١٥٢) رقم (٢١٢٢).
(٤) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٩٣).

وقالَ المَوصليُّ الحنَفيُّ رحمة الله عليه بعدَما أجازَ التَّعريضَ بالخِطبةِ: وهذا كلُّه في المَبتوتةِ -أي المُطلَّقةِ ثلاثًا- والمُتوفَّى عنها زَوجُها، أمَّا المُطلَّقةُ الرَّجعيةُ فلا يَجوزُ التَّصريحُ ولا التلويحُ؛ لأنَّ نكاحَ الأولِ قائمٌ على ما بيَّنَّا (١).

وذهَبَ أكثرُ الحَنفيةِ إلى أنهُ لا يَجوزُ التَّعريضُ للمُعتدةِ مِنْ طَلاقٍ في عدَّتِها.

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا أحكامُ العدَّةِ:

فمِنها: أنهُ لا يَجوزُ للأجنَبيِّ نكاحُ المعتدَّةِ، لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، قيلَ: أي لا تَعزِمُوا على عُقدةِ النِّكاحِ، وقيلَ: أي لا تَعقدُوا عقْدَ النكاحِ حتَّى ينقَضِي ما كتَبَ اللهُ عليها مِنْ العدَّةِ، ولأنَّ النكاحَ بعْدَ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ قائمٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ، وبعدَ الثَّلاثِ والبائنِ قائمٌ مِنْ وجهٍ حالَ قيامِ العدَّةِ؛ لقِيامِ بعضِ الآثارِ، والثابتُ مِنْ وجهٍ كالثابتِ مِنْ كلِّ وجهٍ في بابِ الحُرُماتِ احتِياطًا.

ويجوزُ لصاحبِ العدَّةِ أنْ يَتزوَّجَها؛ لأنَّ النَّهيَ عنِ التَّزوجِ للأجانبِ لا لِلأزواجِ؛ لأنَّ عدَّةَ الطَّلاقِ إنما لَزمَتْها حقًّا للزَّوجِ؛ لكَونها باقيةً على حُكمِ نكاحِه مِنْ وَجهٍ، فإنَّما يَظهرُ في حقِّ التَّحريمِ على الأجنبيِّ لا على الزوجِ؛ إذ لا يَجوزُ أنْ يُمنَعَ حقَّه.

(١) «الاختيار» (٣/ ٢١٦).

ومنها: أنهُ لا يجوزُ للأجنبيِّ خِطبةُ المعتدَّةِ صريحًا، سواءً كانَتْ مُطلَّقةً أو مُتوفَّى عنها زَوجُها.

أمَّا المُطلَّقةُ طلاقًا رَجعيًّا فلِأنها زَوجةُ المطلِّقِ؛ لقيامِ مِلكِ النكاحِ مِنْ كلِّ وجهٍ، فلا يَجوزُ خِطبتُها كما لا يَجوزُ قبلَ الطَّلاقِ.

وأمَّا المُطلَّقةُ ثلاثًا أو بائنًا والمُتوفَّى عنها زَوجُها فلِأنَّ النكاحَ حالَ قيامِ العدَّةِ قائمٌ مِنْ كلِّ وجهٍ؛ لقيامِ بعضِ آثارِه، كالثابتِ مِنْ كلِّ وجهٍ في بابِ الحُرمةِ، ولأنَّ التَّصريحَ بالخِطبةِ حالَ قيامِ النكاحِ مِنْ وجهِ وُقوفِ مَوقفِ التُّهمةِ ورَتعٌ حولَ الحِمَى، وقدْ قالَ النبيُّ : «مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَقفنَّ مَواقِفَ التُّهمِ»، وقالَ: «مَنْ رتَعَ حولَ الحِمَى يُوشكُ أنْ يقَعَ فيهِ»، فلا يَجوزُ التَّصريحُ بالخِطبةِ في العدَّةِ أصلًا.

وأمَّا التعريضُ فلا يَجوزُ أيضًا في عدَّةِ الطَّلاقِ، ولا بأسَ به في عدَّةِ الوفاةِ، والفَرقُ بينَهُما مِنْ وجهَينِ:

أحَدُهما: أنهُ لا يَجوزُ للمعتدَّةِ مِنْ طلاقٍ الخُروجُ مِنْ مَنزلِها أصلًا باللَّيلِ ولا بالنهارِ، فلا يُمكِنُ التعريضُ على وجهٍ لا يَقِفُ عليهِ الناسُ، والإظهارُ بذلكَ بالحُضورِ إلى بيتِ زَوجِها قَبيحٌ.

وأمَّا المُتوفَّى عنها زَوجُها فيُباحُ لها الخروجُ نهارًا، فيُمكِنُ التعريضُ على وجهٍ لا يَقفُ عليه سِواها.

والثَّاني: أنَّ تعريضَ المُطلَّقةِ اكتسابُ عَداوةٍ وبُغضٍ فيما بينَها وبينَ

زَوجِها؛ إذِ العدَّةُ مِنْ حقِّه، بدليلِ أنهُ إذا لم يَدخلْ بها لا تَجبُ العدَّةُ، ومعنَى العَداوةِ لا يتقدَّرُ بينَها وبينَ المَيتِ، ولا بينَها وبينَ وَرثتِه أيضًا؛ لأنَّ العدَّةَ في المُتوفَّى عنها زَوجُها ليسَتْ لحَقِّ الزَّوجِ، بدليلِ أنها تَجبُ قبلَ الدُّخولِ بها، فلا يكونُ التَّعريضُ في هذهِ العدَّةِ تَسبيبًا إلى العَداوةِ والبُغضِ بينَها وبينَ وَرثةِ المُتوفَّى، فلم يكُنْ بها بأسٌ، والأصلُ في جوازِ التَّعريضِ في عدَّةِ الوفاةِ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١).

وقالَ في «الدُّر المُختار»: (وصَحَّ التَّعريضُ) ك: «أُريدُ التَّزوجَ» (لو مُعتدَّةَ الوفاةِ) لا المُطلَّقةَ إجماعًا؛ لإفضائِه إلى عَداوةِ المُطلِّقِ.

قالَ ابنُ عابدِينَ: قولُه: (لا المُطلَّقةَ إجماعًا .. إلخ) نقَلَه في «البَحر» و «النَّهر» عنِ «المِعراج»، وشَملَ المُطلَّقةَ البائنَ، وبهِ صرَّحَ الزَّيلعيُّ.

وفي «الفَتح» أنَّ التعريضَ لا يَجوزُ في المُطلَّقةِ بالإجماعِ، فإنه لا يَجوزُ لها الخُروجُ مِنْ منزلِها أصلًا، فلا يَتمكنُ مِنْ التَّعريضِ على وجهٍ لا يَخفى على النَّاسِ، ولإفضائِه إلى عَداوةِ المُطلِّقِ. اه.

ويُنافِي نَقلُ الإجماعِ ما في «الاختِيار»، حيثُ قالَ ما نَصُّه: وهذا كلُّه في المَبتوتةِ والمُتوفَّى عنها زَوجُها، أما المُطلَّقةُ الرَّجعيةُ فلا يَجوزُ التَّصريحُ ولا التلويحُ؛ لأنَّ نكاحَ الأولِ قائمٌ. اه (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٤).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥٣٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في أحكام العدة

انْقَضَتْ تَجَدَّدَ وُجُوبُ عِدَّةٍ أُخْرَى بِالْعِتْقِ فَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهَا.

وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ مِنْهَا وَمَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءً مِنْ دُيُونٍ لَهُ أَوْ مَالٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ فِي شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ يُؤَدَّى الْمَالُ فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ أَوْ يَنْوِي فَيُحْكَمُ بِعَجْزِهِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِدَّتَيْنِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِنْتَ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى وَمَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَفَاءً فَعَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عِنْدَنَا لَا يَفْسُدُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى، فَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ مَنْكُوحَتِهِ الْحُرَّةِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحَرَائِرِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَاجِزًا فَمَلَكَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْفُرْقَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا.

فَصْلٌ فِي أَحْكَامُ الْعِدَّةِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 74 - 78

ارجع إلى الخطبة وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد