الصورة الثانية: حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو في مجلس واحد لغير المدخول بها

الإسلام > النكاح والأسرة > الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو في مجلس واحد > الصورة الثانية: حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو في مجلس واحد لغير المدخول بها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 47 دقيقة قراءة

الصورة الثانية: حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو في مجلس واحد لغير المدخول بها - الأقوال والأدلة

الصورةُ الثانيةُ: حكمُ الطلاقِ الثلاثِ بلفظٍ واحدٍ أو في مَجلسٍ واحدٍ لغَيرِ المدخولِ بها:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا عقَدَ على امرَأةٍ وطلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها، هل تقَعُ واحَدةً أم ثلاثًا؟

وهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:

الحالةُ الأُولَى: أنْ يَقولَ لها: (أنتِ طالِقٌ ثلاثًا) بلَفظٍ واحِدٍ، أو يقولَ: (أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ) ونَوى الثَّلاثَ.

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرَأةٍ ولَم يَدخُلْ بها ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ بالثَّلاثِ»، أو: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ونَوى الثَّلاثَ أنَّها تكونُ طالِقًا بالثَّلاثِ، ولا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ، واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقالَ تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فالقُرآنُ يَدلُّ

= صَحَّ عن رَسولِ اللهِ ، ولم يَصحَّ عنهُ حديثٌ آخَرُ يَنسخُه؛ أنَّ الفَرْضَ علينا وعلى الأمَّةِ الأخذُ بحَديثِه، وتَركُ كلِّ ما خالَفهُ، ولا نَتركُهُ لخِلافِ أحَدٍ مِنْ النَّاسِ كائنًا مَنْ كانَ». انتَهى حاصِلهُ.
وتمامُ هذا البَحثِ في «إعلام الموقعين»، و «إغاثة اللهفان» للحافِظِ ابنِ القيِّمِ، وفي رسالةٍ مُستقلَّةٍ للماتِنِ، وفي كتابِنا «مِسْك الخِتامِ»، فلْيَرجعِ الطَّالبُ إليها إنْ أرادَ التَّفصيلَ والتَّحقيقَ، وباللهِ التَّوفيقُ. «الرَّوضَةُ النَّديةُ» (٢/ ٢٥٠، ٢٥٧).

على أنَّ مَنْ طلَّقَ زوجةً لهُ -دخلَ بها أو لم يَدخُل بها- ثلاثًا لَم تَحِلَّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ، فإذا قالَ الرَّجلُ لامرأتِهِ الَّتي لَم يَدخُلْ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فقَدْ حَرُمَتْ عليهِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ.

وقَول اللهِ ﷿: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الآيَة، فالقُرآنُ يَدلُّ على أنَّ الرَّجعةَ لِمَنْ طلَّقَ واحِدةً أو اثنتَينِ إنَّما هيَ على المُعتدَّةِ؛ لأنَّ اللهَ ﷿ إنَّما جعَلَ الرَّجعةَ في العِدَّةِ -وكانَ الزَّوجُ لا يَملِكُ الرَّجعةَ إذا انقَضَتِ العِدَّةُ-؛ لأنَّهُ يَحِلُّ للمَرأةِ في تلكَ الحالِ أنْ تَنكحَ زَوجًا غيرَ المُطلِّقِ، فمَن طلَّقَ امرأتَهُ ولم يَدخلْ بها تَطليقةً أو تَطليقتَينِ فلا رَجعةَ لهُ عَليها ولا عِدَّةَ، ولها أنْ تَنْكِحَ مَنْ شاءَتْ ممَّنْ يَحلُّ لها نِكاحُهُ، وسواءٌ البكرُ في هذا والثَّيبُ (١).

ولمَا رَواهُ الإمامُ مالِكٌ وغَيرُهُ عنِ ابنِ شِهابٍ عن مُحمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثوْبانَ عن مُحمَّدِ بنِ إياسِ بنِ البُكيرِ «أنَّه قالَ: طلَّقَ رجُلٌ امرأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها، ثمَّ بدَا لهُ أنْ يَنكحَها، فجاءَ يَستَفتي، فذَهَبتُ معَهُ أسألُ لهُ، فسألَ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ وأبا هُريرةَ عن ذلكَ فقَالا: لا نرَى أنْ تَنكحَها حتَّى تَنكحَ زوْجًا غيْرَكَ، قالَ: فإنَّما طلاقي إيَّاها واحدةٌ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «إنَّكَ أرسَلْتَ مِنْ يدِكَ ما كانَ لكَ مِنْ فَضلٍ» (٢).

(١) «الأم» (٥/ ١٨٣).
(٢) رواه مالك في «الموطأ» (١١٨٠).

ولمَا رَواهُ مالِكٌ عَنْ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ بُكَيرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الأشَجِّ عنِ النُّعمانِ بنِ أبي عيَّاشٍ الأنصَاريِّ عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ أنَّهُ قالَ: «جاءَ رجُلٌ يَسألُ عبدَ اللهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ عنْ رجُلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يمَسَّها، قالَ عطاءٌ: فقُلتُ: إنَّما طلاقُ البِكرِ واحِدةٌ، فقَال لِي عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ: «إنَّما أنتَ قاصٌّ، الواحِدةُ تُبِينُها، والثَّلاثةُ تُحرِّمُها حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ» (١).

وعَن مُعاويةَ بنِ أبي عيَّاشٍ الأنصاريِّ أنَّهُ كانَ جالِسًا معَ عبدِ اللهِ بنِ الزّبَيرِ وعاصمِ بنِ عُمرَ فجاءَهما مُحمدُ بنُ إياسِ بنِ البكَيرِ فقالَ: إنَّ رَجلًا مِنْ أهلِ الباديَةِ طلَّقَ امرَأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخلَ بها، فماذا ترَيانِ؟ فقالَ ابنُ الزّبَيرِ: إنَّ هذا الأمرَ ما لنا فيهِ مِنْ قَولٍ، فاذهَبْ إلى عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وأبي هرَيرةَ رضي الله عنهم فاسْألهُما ثمَّ ائْتِنا فأَخبِرْنا، فذَهبَ فسَألَهُما فقالَ ابنُ عبَّاسٍ لأبي هُريرةَ: أَفْتِهِ يا أبا هُريرةَ فقدْ جاءَتْكَ مُعضلةٌ -أي: مسألةٌ صعبةٌ مُشكلةٌ- فقالَ أبو هُريرةَ: «الواحدَةُ تُبِينُها والثَّلاثُ تُحرِّمُها حتَّى تَنكحَ زوجًا غيْرَه» (٢).

وعن شقيقٍ أنَّه سَمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يَقولُ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرَأتَهُ ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها قالَ: «هيَ ثلاثٌ، لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَه، وكانَ عمَرُ إذا أُتِيَ به أَوجَعَه» (٣).

(١) رواه مالك في «الموطأ» (١١٨١).
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٥٧).
(٣) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١٠٧٣، ١٠٧٤).

وعَنِ الحكَمِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعُودٍ قالا في رَجلٍ طلَّقَ امرَأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخلَ بها: «لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرُه» (١).

وعنِ عليٍّ رضي الله عنه قالَ: «إذا طلَّقَ البِكرَ واحدةً فقدْ بَتَّها، وإذا طلَّقَها ثلاثًا لمْ تَحِلَّ لهُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَه» (٢).

قال محمَّدُ بنُ الحسَنِ الشَّيبانِيُّ رحمة الله عليه: وبهذا نأخذُ، وهوَ قولُ أبي حَنيفةَ والعامَّةِ مِنْ فُقهائِنا؛ لأنَّهُ طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا فَوقَعْنَ عَليها جَميعًا معًا (٣).

وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: (وإذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتهُ ثلاثًا قبْلَ الدُّخولِ بها وَقعْنَ عَليها) ش: عِنْدَ عامَّةِ العُلماءِ، وهوَ مَذهبُ عُمرَ وعَليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرَةَ وعَبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ وابنِ مَسعودٍ وأنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنهم، وبهِ قالَ سَعيدُ بنُ المُسيّبِ ومحمَّدُ بنُ سِيرينَ وعِكرمةُ وإبراهيمُ النَّخعيُّ وعامرٌ الشعبيُّ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والحكَمُ وابنُ أبي ليلَى والأوزاعيُّ وسُفيانُ الثَّوريُّ، وقالَ ابنُ المُنذِرِ: وبهِ أقولُ، ذكَرَ أبو بَكرٍ ابنُ أبي شَيبةَ أنَّهُ قَولُ عائشةَ وأُمِّ سلَمةَ وخالدِ بنِ مُحمَّدٍ ومَكحولٍ وحميدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ، وكانَ طاوسٌ وأبو الشَّعثاءِ وعَمرُو بنُ دينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البكْرَ ثلاثًا فهيَ واحدةٌ، وفي «مُصنَّف ابنِ أبي شَيبةَ» عَنْ

(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٨٥٢).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٨٥٣).
(٣) «موطأُ الإمامِ مالكٍ» مِنْ روايةِ مُحمدِ بنِ الحسَنِ (٢/ ٥١٦).

جابرِ بنِ زَيدٍ وطاوسٍ وعَطاءٍ أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّق امرَأتَه ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فهي واحدَةٌ، وفي «المَبسُوط»: وهوَ قولُ الحسَنِ البَصريِّ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه بعَدما ذكَرَ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ المُتقدِّمِ: في هَذا الحَديثِ لُزومُ طَلاقِ الثَّلاثِ المُجتمِعاتِ، وفيهِ أنَّ غَيرَ المَدخولِ بها كالمَدخولِ بها في ذلكَ، وعلى ذلكَ جُمهورُ الفُقهاءِ وجُمهورُ العُلماءِ في التَّسويةِ بَينَ البكْرِ وغَيرِ البِكرِ والمَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها أنَّ الثَّلاثَ تُحرِّمُها على مُطلِّقِها حتَّى تَنكحَ زوجًا غيرَهُ.

وقدْ رُويَ عنْ عَطاءٍ وطاوسٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ أنَّهم جَعَلُوا الثَّلاثَ في الَّتي لَم يدْخلْ بها واحدةً، ورُويَ ذلكَ عَنْ طاوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في حَديثِ أبِي الصَّهباءِ.

حدَّثنِي عَبدُ اللهِ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ المُؤمِنِ قالَ: حدَّثني أبو بَكرٍ محمَّدُ بنُ عُثمانَ بنِ ثابتٍ قالَ: حدَّثني إسماعِيلُ بنُ إسحاقَ قالَ: أخبَرَنا عَليُّ بنُ المَدينيِّ قالَ: حدَّثني سُفيانُ بنُ عُيَينةَ عَنْ عَمرِو بنِ دينارٍ عَنْ عطاءٍ وعن أبي الشَّعثاءِ: «إذا طلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فهيَ واحدَةٌ»، قالَ عليٌّ: قُلتُ لسُفيانَ: إنَّ إبراهيمَ بنَ نافِعٍ قالَ: عَنْ عَمرٍو عَنْ طَاوسٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ «هيَ واحدَةٌ»، قالَ سُفيانُ: حَفظْتُه عَنْ عَمرٍو وجَابرِ بنِ زَيدٍ وعَطاءٍ.

(١) «البناية شرح الهداية» (٥/ ٣٥٤).

قالَ: وإنْ كانَ إبراهيمُ قالَ عَنهُم فهوَ كانَ حافظًا أيضًا.

وقالَتْ بذلكَ فِرقةٌ شَذَّتْ عنِ الجُمهورِ الَّذينَ اجتِماعُهم حُجَّةٌ على مَنْ خالَفَهم، منهُم داودُ وأهلُ الظَّاهرِ، وقالُوا: لنْ يَصحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ إلَّا ما رَواهُ عنهُ كُتَّابُ أصحابِهِ، طاوسٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وعَطاءٌ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ على حَسبِ حديثِ أبي الصَّهباءِ عنهُم.

قالَ أبو عُمرَ: وممَّنْ رُوِّينا عنهُ أنَّ الثَّلاثَ تُحرِّمُ الَّتي لم يَدخلُ بها زوْجُها حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ كالمَدخولِ بها سَواءٌ، عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ مَسعُودٍ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ وعَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ وأبو سَعيدٍ الخُدريُّ وجابرُ بنُ عَبدِ اللهِ وعَبدُ اللهِ بنُ مُغفَّلٍ وأبو هُريرةَ وعَائشةُ وأنسٌ، وهوَ قولُ جَماعةِ التَّابعِينَ عمَّن ذكَرْنا.

وبهِ قالَ جَماعةُ الأمصارِ، ابنُ أبي لَيلَى وابنُ شُبرمةَ وسُفيانُ الثَّوريُّ والحَسنُ بنُ حَيٍّ ومالكٌ وأبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ وأصحابُهُم وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو عُبيدٍ الطَّبريُّ (١).

وقالَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ نَصرٍ المَروَزيُّ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في غَيرِ المَدخُولِ بها إذا طلَّقَها الزَّوجُ ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ.

فقالَ الأوزاعيُّ ومالكٌ وأهلُ المَدينةِ وسُفيانُ وأصحابُ الرَّأيِ والشَّافعيُّ وأصحابُهُ وأحمدُ وأبو عُبيدٍ: لا تَحلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ.

(١) «الاستذكار» (٦/ ١٠٩)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٢٥٠).

ورُويَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ وغَيرِ واحدٍ مِنَ التَّابعِينَ أنَّهُم قالُوا: إذا طلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فِهيَ واحدَةٌ، وأكثرُ أهلِ الحَديثِ على القَولِ الأوَّلِ.

وكانَ إسحاقُ يَقولُ: طلاقُ الثَّلاثِ البائنُ واحدةٌ، ويتأوَّلُ حَديثَ طاووسٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ وأبي بَكرٍ وعُمَرَ تُجعَلُ واحدةً» على هذا (١).

وقالَ القَاضِي عَبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» طلِّقَتْ ثَلاثًا، خِلافًا لابنِ عُليَّةَ في قَولهِ: لا تُطلَّقُ إلَّا واحدةٌ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ قالَ: «يا رَسولَ اللهِ، أَرأَيتَ لو كُنْتُ طلَّقْتُها ثلاثًا؟ قالَ: كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وتَكونُ مَعصيةً»، ولَم يُفصِّلْ، ولأنَّها حالُ زَوجيَّةٍ كبعْدَ الدُّخولِ، ولأنَّ قولَهُ «ثَلاثًا» تَفسيرٌ لِمُرادِهِ بقولِهِ: «أنْتِ طالِقٌ»، بدَليلِ أنَّهُ لوِ اقتَصرَ على قولِهِ: «أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «أَردْتُ بهِ الثَّلاثَ» لَقُبِلَ منهُ، وإذا كانَ كذلكَ وَجبَ وُقوعُه (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَهُ ولَم يَدخُلْ بها تَطليقةً أنَّها قدْ بانَتْ منهُ، فلا تَحلُّ لهُ إلَّا بنِكاحٍ جَديدٍ، ولا عِدَّةَ لهُ عَليها.

واختَلفُوا في الرَّجلِ يُطلِّقُ غيرَ المَدخولِ بها ثلاثًا بلفظَةٍ واحدَةٍ.

(١) «اختلاف العلماء» ص (١٣٣).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٢٦، ٤٢٧) رقم (١٢٤٣).

فقالتْ طائِفةٌ: لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَهُ، كَذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ وأبو هُريرَةَ وعَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ وعَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ وأنسُ بنُ مالِكٍ وابنُ مَسعودٍ، وبهِ قالَ سَعيدُ بنُ المُسيّبِ وابنُ سِيرينَ وابنِ معقلٍ وعِكرمَةُ والنَّخعيُّ والشَّعبيُّ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ والحكَمُ ومالِكٌ وابنُ أبي لَيلَى والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والشَّافعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ورُويَ ذلكَ عَنْ عَليٍّ وزَيدٍ.

قالَ أَبو بَكرٍ: وبهِ نَقولُ.

وكانَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ وطاووسٌ وأبو الشَّعثاءِ وعَطاءٌ وعَمرُو بنُ دينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البِكرَ ثلاثًا فهيَ واحدَةٌ.

واختَلفتِ الأخبارُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فَروى طاووسٌ عنهُ أنَّهُ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ وأبي بَكرٍ وسَنتَينِ مِنْ خِلافةِ عُمرَ طلاقُ الثَّلاثِ وَاحدةٌ».

ورَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ ومالِكُ بنُ الحارِثِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ خلافَ رِوايةِ طاووسٍ عَنهُ (١).

قالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وفي «الإشرَاف» لابنِ المُنذِرِ: وكانَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ وطاوسٌ وأبو الشَّعثاءِ وعَطاءٌ وعَمرُو بنُ دِينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البِكرَ ثلاثًا فهيَ واحدَةٌ، قلتُ: وربَّما اعتَلُّوا فقالُوا: غَيرُ المَدخولِ بها لا عِدَّةَ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٨٧، ١٨٨)، و «الأوسط» (٩/ ١٥١، ١٥٥).

عَليها، فإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فقدْ بانَتْ بنَفْسِ فراغِهِ مِنْ قولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، فيَرِدُ «ثَلاثًا» عَليها وهيَ بائنٌ فلا يُؤثِّرُ شَيئًا، ولأنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» مُستقلٌّ بنَفسِهِ فوجَبَ ألَّا تَقفَ البَينونَةُ في غَيرِ المَدخولِ بها على ما يَرِدُ بَعدَهُ، أصلُهُ إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» (١).

وقالَ ابنُ هُبَيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا علَى أنَّهُ إذا قالَ الزَّوجُ لِغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» طُلِّقَتْ ثَلاثًا (٢).

وقالَ الإمامُ الماوَردِيُّ رحمة الله عليه: قالَ الشَّافِعيُّ: (ولَو قالَ للَّتي لم يَدخُلْ بها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ» وَقَعْنَ مَعًا).

قالَ الماوَردِيُّ: أمَّا إذا طلَّقَ غَيرَ المَدخولِ بهَا ثلاثًا طُلِّقَتْ ثَلاثًا، وهوَ قَولُ الجُمهورِ، وقالَ عَطاءُ بنُ

(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٣٣).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ١٧٤).

يَسارٍ والمَغربيُّ: تُطلَّقُ واحدةً؛ لأنَّها قدْ بانَتْ بقولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، فلَم يقَعْ عَليها بعْدَ البَينونَةِ بقولِهِ «ثلاثًا» شَيءٌ، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ وُقوعَ الثَّلاثِ هو بقَولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»؛ لِاحتِمالِه العَددَ، وقَولُه «ثَلاثًا» تَفسيرًا منهُ للعَددِ المرادِ بقولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، ولذلكَ جاءَ بهِ مَنصوبًا؛ لكَونِهِ تَفسيرًا، كما لو قالَ: «لهُ عليَّ عِشرونَ دِرهمًا»، صارَ الدِّرهمُ لكَونِهِ مَنصوبًا تَفسيرًا للعَددِ، كذلكَ الثَّلاثُ تَفسيرٌ للعدَدِ، وقدْ حُكيَ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنَّهُ سُئلَ عَنْ غَيرِ المَدخولِ بها إذا طُلِّقَتْ ثلاثًا، قالَ عَطاءُ بنُ يَسارٍ: فقلْتُ: ولِاثنتَينِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ: «وأمَّا هِيَ الواحدةُ بَيَّنَتْها والثَّلاثُ تُحرِّمُها حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَهُ».

فإذا تَقرَّرَ أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ يَقعُ على غَيرِ المَدخولِ بها كوُقوعِهِ على المَدخولِ بها فقالَ لها -وهيَ غَيرُ مَدخولٍ بها-: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ» وقَعْنَ معًا في الحالِ على أيِّ حالٍ كانَتْ مِنْ حَيضٍ أو طُهرٍ؛ لأنَّنا قَدْ ذكَرْنا أنَّ غَيرَ المَدخولِ بها لا سُنَّةَ في طلاقِها ولا بِدعةَ، وليسَ عِندَنا في عَددِ الطَّلاقِ سُنَّةٌ ولا بِدعةٌ، وعِندَ أبي حَنيفةَ أنَّها تُطلَّقٌ واحدةً تَبِينُ بها ولا يَقعُ عَليها غَيرُها؛ بِناءً على أصلِهِ في أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ بِدعةٌ، وأنَّ السنَّةَ فيهِ أنْ تَقعَ في كُلِّ قُرءٍ طَلقةٌ، وهي بالطَّلقةِ الأُولى قد بانَتْ فلم يَقعْ عَليها غَيرُها، وقَد مَضَى الكَلامُ معهُ (١).

وقالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: إذا قالَ للَّتي لَم يَدخُلْ بها: «أنْتِ طالقٌ ثلاثًا» .. وَقعَ عَليها الثَّلاثُ، وبهِ قالَ جَميعُ الفُقهاءِ، إلَّا رِوايةً عَنْ عَطاءٍ؛ فإنَّهُ قالَ: تَقعُ عَليها طَلقةٌ.

دَليلُنا: أنَّ قولَه: (أنتِ طالِقٌ) اسمٌ لجِنسٍ مِنَ الفِعلِ يَصلُحُ للواحِدَةِ ولِمَا زادَ عَليها، وقولُهُ: (ثلاثًا) مُفسِّرٌ لَهُ، فكانَ وُقوعُ الثَّلاثِ عَليها دُفعةً واحدةً (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٨٩).
(٢) «البيان» (١٠/ ١١٥).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ طلَّقَ ثلاثًا بكَلمةٍ واحِدةٍ وقَعَ الثَّلاثُ وحُرِّمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ، ولا فرْقَ بيْنَ قبْلِ الدُّخولِ وبعْدَه، رُويَ ذلكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وابنِ عُمرَ وعَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو وابنِ مَسعودٍ وأنسٍ، وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ مِنَ التَّابعينَ والأئمَّةِ بعدَهُم، وكانَ عَطاءٌ وطاوسٌ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وأبو الشَّعثاءِ وعَمرُو بنُ دِينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البِكرَ ثلاثًا فهيَ واحدَةٌ (١).

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عَنْ رَجلٍ عقَدَ العَقدَ على أنَّها تَكونُ بالِغًا، ولم يَدخُلْ بها ولم يُصبْها، ثمَّ طلَّقَها ثلاثًا، ثمَّ عقَدَ عَليها شَخصٌ آخَرُ، ولم يَدخُلْ بها ولَم يُصبْها، ثمَّ طَلَّقَها ثلاثًا، فهلْ يَجوزُ للَّذي طلَّقَها أوَّلًا أنْ يَتزوَّجَ بها؟

فأجابَ: إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فهوَ كما لو طلَّقَها بعْدَ الدَّخولِ عندَ الأئمَّةِ الأربعَةِ، لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غَيرَهُ ويَدخلَ بها، فإذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ لم تَحِلَّ للأوَّلِ.

وسُئلَ رحمة الله عليه عَنْ رَجلٍ تزوَّجَ بنتًا بكرًا ثمَّ طلَّقَها ثلاثًا ولم يُصبْها، فهل يَجوزُ أنْ يَعقِدَ عَليها عَقدًا ثانيًا أم لا؟

فأجابَ: طلاقُ البِكرِ ثلاثًا كطَلاقِ المَدخولِ بها ثلاثًا عِنْدَ أكثرِ الأئمَّةِ (٢).

(١) «المغني» (٧/ ٢٨٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٨٠).

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، أو: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» ولمْ يَنوِ بالأُولى الثَّلاثَ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الرَّجلُ لزَوجتِهِ غَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، أو: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» ولَم يَنوِ بالأُولى الثَّلاثَ، هلْ تقَعُ ثلاثٌ أم واحدَةٌ؟

فذَهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابِلةُ إلى أنَّهُ إذا قالَ لها هذا وقَعَ عَليها بقَولِهِ الأوَّلِ -أنتِ طالِقٌ- طَلقةٌ واحدَةٌ وبانَتْ بها، ولا يَلحَقُها ما بعْدَها؛ لأنَّه قدْ فرَّقَ، فوقَعَ بالأُولَى طلقَةٌ وبانَتْ بها، ولَم يقَعْ ما بعْدَها؛ لأنَّها بانَتْ بها، ولا عدَّةَ عَليها؛ لأنَّها غَيرُ مَدخولٍ بها، ولَم تقَعِ الثَّانيةُ ولا الثَّالثةُ؛ لأنَّهُ لا يَبقَى لوُقوعِها مَحلٌّ، فيَلغُو كِلاهُما.

وخالَفَ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا»؛ لأنَّهنَّ وقَعْنَ معًا باللَّفظِ الأوَّلِ مِنْ غَيرِ تَرتيبٍ (١).

قالَ مُحمَّدُ بنُ نَصرٍ المَرْوَزيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قالَ ولَم يَدخُلْ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، فإنَّ سُفيانَ وأصحابَ الرَّأيِ والشَّافعيَّ وأبا عُبيدٍ قالُوا: بانَتْ منهُ بالأُولى وليسَ الاثنَتانِ بشَيءٍ؛ لأنَّ غَيرَ المَدخولِ بها

(١) «موطأ مالك» من رواية محمد بن الحسن (٢/ ٥١٦)، و «المبسوط» (٦/ ٨٩)، و «البناية» (٥/ ٣٥٤)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٨٩، ١٩٠)، و «المهذب» (٢/ ٨٤، ٨٥)، و «البيان» (١٠/ ١١٥، ١١٦)، و «الإفصاح» (٢/ ١٧٤)، و «المغني» (٧/ ٣٦٧).

تَبِينُ بواحدةٍ، فلا عِدَّةَ عَليها، فإذا هيَ بانَتْ بالطَّلقةِ ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» فإنَّها كوقْعِ الطَّلاقِ على امرأةٍ أجنبيَّةٍ فلا يَقعُ عَليها.

وقالَ مالِكٌ ورَبيعةُ وأصحابُ الرَّأيِ وأهلُ المَدينةِ والأوزاعيُّ وابنُ أبِي لَيلَى: إذا قالَ لها ثَلاثَ مرَّاتٍ: «أنتِ طالِقٌ» سَبقًا مُتتابعًا حرمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ، فإنْ هوَ سكَتَ فيما بيْنَ الطَّلقتَينِ بانَتْ بالأُولى ولَم تَلحَقْها الثَّانيةُ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: باب افتِرَاق الطَّلاقِ الثَّلاثِ قبْلَ الدُّخولِ.

واختَلفُوا في الرَّجلِ يَقولُ لامرأتِهِ الَّتي لَم يَدخلْ بهَا: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ».

فقالَتْ طائِفةٌ: تَبِينُ بِالأُولى، واللَّتانَ اتبعَتا ليسَتا بشَيءٍ.

روينَا هذا القولَ عَنِ النَّخعيِّ وأبي بكر ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ وعِكرمةَ وحمَّادِ بنِ أبِي سُليمانَ والحكَمِ، وذكَرَه الحكَمُ عَنْ عليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وزَيدٍ.

وبهِ قالَ سُفيانُ الثَّوريُ والشَّافعيُّ وأحمدُ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ.

(١) «اختلاف العلماء» ص (١٣٤).

وكذلكَ نَقولُ؛ لأنَّ الأُولَى لمَّا وقَعَتْ لم تَكنْ في عِدَّة، فتَقعَ عَليها الثَّانيةُ والثَّالثةُ.

وفيهِ قَولانِ: وهوَ أنَّهُ إذا تابَعَ بيْنَ كلامِهِ طلِّقَتْ ثلاثًا، ولم تَحِلَّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ، كذلكَ قالَ الأوزاعيُّ واللَّيثُ بنُ سَعْدٍ ومالِكٌ، وقالَ مالِكٌ: إذا لَم تكنْ لهُ نيَّةٌ (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشَّافعيُّ: (ولَو قالَ لهَا: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» وقَعَتِ الأُولَى وبانَتْ بلا عدَّةٍ، واللهُ أعلَمُ).

قالَ الماوَرديُّ: وهذا في غَيرِ المَدخولِ بها، إذا قالَ لهَا: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» مُريدًا بالثَّانيةِ والثَّالثةِ الاستِئنافَ طُلِّقَتْ واحدَةً باللَّفظِ الأوَّلِ ولم تقَعْ بالثَّانيةِ والثَّالثةِ؛ لأنَّها بالأُولى بانَتْ، وقالَ مالِكٌ: تُطلَّقُ ثلاثًا إذا قالَ لها مُتَّصِلًا؛ لأنَّ بعضَ الكَلامِ مُرتبِطٌ ببَعضٍ، وحُكمُ أوَّلِه مَوقوفٌ على آخِرِه، فجَرَى مَجرَى قولِهِ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا». وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّهُ طلاقٌ مُرتَّبٌ قُدِّمَ بَعضُه على بَعضٍ، فإذا وقَعَ ما تَقدَّمَ مِنهُ منَعَ مِنْ وُقوعِ ما تأخَّرَ عنهُ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامَةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ قالَ: (وإذا قالَ لمَدخولٍ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» لَزِمَهُ تَطليقَتانِ، إلَّا أنْ يَكونَ أرادَ بالثَّانيةِ إفهامَها أنْ قَدْ

(١) «الإشراف» (٥/ ١٨٨، ١٨٩).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٨٩).

وَقعَتْ بها الأُولَى، فتَلزَمُه واحدةٌ، وإنْ كانَتْ غَيرَ مَدخولٍ بها بانَتْ بالأُولى ولم يَلزَمْها ما بَعدَها؛ لأنَّهُ ابتِداءُ كَلامٍ …

فأمَّا غَيرُ المَدخولِ بها فلا تُطلَّقُ إلَّا طَلقةً واحدَةً، سواءٌ نَوَى الإيقاعَ أو غَيرَه، وسَواءٌ قالَ ذلكَ مُنفصِلًا أو مُتَّصِلًا، وهذا قَولُ أبي بكر ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ وعِكرمةَ والنَّخَعيِّ وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ والحكَمِ والثَّوريِّ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ وأبي عُبيدٍ وابنِ المُنذِرِ، وذكَرَهُ الحكَمُ عَنْ عليٍّ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ مَسعودٍ، وقالَ مالِكٌ والأوزاعيُّ واللَّيثُ: يقَعُ بها تَطليقَتانِ، وإنْ قالَ ذلكَ ثلاثًا طَلُقَتْ ثلاثًا إذا كانَ مُتَّصِلًا؛ لأنَّهُ طلَّقَ ثلاثًا بكَلامٍ مُتَّصلٍ، أشبَهَ قولَهُ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا».

ولنا: إنَّهُ طلاقٌ مُفرَّقٌ في غَيرِ المَدخولِ بها فلَم تقَعِ الأُولى، كما لو فَرَّقَ كَلامَهُ، ولأنَّ غَيرَ المَدخولِ بها تَبِينُ بطَلقةٍ؛ لأنَّهُ لا عِدَّةَ عَليها فتُصادِفُها الطَّلقةُ الثَّانيةُ بائنًا، فلَم يُمكِنْ وُقوعُ الطَّلاقِ بها؛ لأنَّها غَيرُ زوجةٍ، وإنَّما تَطلُقُ الزَّوجةُ، ولأنَّهُ قولُ مَنْ سَمَّينا مِنْ الصَّحابةِ، ولا نَعلمُ لهُم مُخالِفًا في عَصرِهم فيكونُ إجماعًا (١).

وذَهبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» بألفاظٍ مُتناسِقةٍ طُلِّقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ كلَّ زَوجٍ ملَكَ إيقاعَ الطَّلاقِ ثلاثًا عَليها بلفظٍ واحدٍ صحَّ أنْ يُوقِعَه بثلاثةِ ألفاظٍ مُتناسِقةٍ

(١) «المغني» (٧/ ٣٦٧).

كالمدخولِ بها، ولأنَّ التَّناسُقَ في حُكمِ المَجموعِ بلفظٍ واحِدٍ أنْ يُوقِعَه بثلاثةِ ألفاظٍ مُتناسِقةٍ (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» نَسقًا فإنَّهُ يَكونُ ثلاثًا عِنْدَ مالِكٍ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ: يقَعُ واحدةٌ، فمَن شبَّهَ تكرارَ اللَّفظِ بلَفظِهِ بالعَددِ -أعني بقولِهِ: «طلَّقتُكِ ثلاثًا» - قالَ: يَقعُ الطَّلاقُ ثلاثًا، ومَن رأى أنَّهُ باللَّفظةِ الواحدَةِ قد بانَتْ منهُ قالَ: لا يَقعُ عَليها الثَّاني والثَّالثُ (٢).

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٢٧) رقم (١٢٤٤).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٦٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الثانية في أركان الطلاق

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ.

الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ.

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ مِنَ النِّسَاءِ مِمَّنْ لَا يَقَعُ.

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ فَصْلَانِ:

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ.

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُقَيَّدَةِ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في بيان أركان الطلاق وما يتعلق بها]

أَوْ وَاحِدَةً عَظِيمَةً، أَوْ قَبِيحَةً، أَوْ كَالْقَصْرِ، وَثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ بَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ، وَبَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ، فَثَلَاثٌ فِيهِمَا.

(فَصْلٌ) وَرُكْنُهُ: أَهْلٌ،

ــ

منح الجليل

أَحْسَنِهِ، أَوْ أَجْمَلِهِ أَوْ أَفْضَلِهِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ أَكْثَرَ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (وَاحِدَةً عَظِيمَةً، أَوْ قَبِيحَةً) أَوْ خَبِيثَةً أَوْ مُنْكَرَةً، أَوْ شَدِيدَةً، أَوْ طَوِيلَةً (أَوْ) كَبِيرَةً (كَالْقَصْرِ) أَوْ الْجَبَلِ، أَوْ الْبَلَدِ، أَوْ الْمِصْرِ، أَوْ إلَى الْبَصْرَةِ، أَوْ تَمْلَأُ الْأَرْضَ، أَوْ مَا بَيْنَهُمَا وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَلَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ. سَحْنُونٌ: لَوْ قَالَ: وَاحِدَةً لِلْبِدْعَةِ، أَوْ لَا لِلْبِدْعَةِ وَلَا لِلسُّنَّةِ فَوَاحِدَةٌ، أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ لَا لِلْبِدْعَةِ وَلَا لِلسُّنَّةِ لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَ) لَوْ قَالَ (ثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ بَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ فَثَلَاثٌ فِيهِمَا) أَيْ الْمَسْأَلَتَيْنِ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا.

فَصَلِّ فِي بَيَان أَرْكَان الطَّلَاق وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة

أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ الشَّهْرِ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي حَقِّهَا بَدَلٌ مِنْ الْحَيْضِ وَلَا حُكْمَ لِلْبَدَلِ مَعَ وُجُودِ الْمُبْدَلِ.

وَأَمَّا إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ثُمَّ أَيِسَتْ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى حَتَّى تَيْأَسَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُطَلِّقُهَا حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ وَجْهُ قَوْلِهِ إنَّ هَذَا طُهْرٌ وَاحِدٌ فَلَا يَحْتَمِلُ طَلَاقَيْنِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ قَدْ بَطَلَ بِالْيَأْسِ وَانْتَقَلَ حَالُهَا مِنْ الْعِدَّةِ بِالْحَيْضِ إلَى الْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ وَذَلِكَ يَفْصِلُ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ كَالِانْتِقَالِ مِنْ الشُّهُورِ إلَى الْحَيْضِ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ، وَهَذَا التَّفْرِيعُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَدَّرَتْ لِلْإِيَاسِ حَدًّا مَعْلُومًا خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ سَنَةً، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا ذَكَرْنَا.

فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ تُقَدِّرْ لِلْإِيَاسِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَإِنَّمَا عَلَّقَتْهُ بِالْعَادَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا التَّفْرِيعُ.

وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ أَرَادَ طَلَاقَهَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 178 - 193
بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل