الجمع بين المرأة وعمتها أو بين المرأة وخالتها من نسب أو رضاع

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > الجمع بين المرأة وعمتها أو بين المرأة وخالتها من نسب أو رضاع

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

الجمع بين المرأة وعمتها أو بين المرأة وخالتها من نسب أو رضاع - الأقوال والأدلة

٢ - الجَمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو بينَ المرأةِ وخالتِها مِنْ نسَبٍ أو رضاعٍ.

أجمَعَ مَنْ يُعتدُّ بهِ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنه لا يَجوزُ للرجلِ أنْ يَجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها ولا بينَ المرأةِ وخالتِها مِنْ نسبٍ أو رضاعٍ؛ لحديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنهُ قالَ: «نَهى رَسولُ اللهِ أنْ تُنكَحَ المَرأةُ على عمَّتِها أو خالَتِها» (١).

وفي لفظٍ قالَ رَسولُ اللهِ : «لا تُنكَحُ المَرأةُ على عمَّتِها ولا العمَّةُ على بنتِ أخيها، ولا المَرأَةُ على خالَتِها ولا الخالَةُ على بنتِ أُخْتهَا، ولا تُنكَحُ الكُبرى على الصُّغرى ولا الصُّغرَى على الكُبرى» (٢).

قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ رحمة الله عليه: والعملُ على هذا عندَ عامةِ أهلِ العِلمِ لا نعلمُ بينهمُ اختِلافًا أنه لا يَحلُّ للرجلِ أنْ يَجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها أو خالتِها، فإنْ نكَحَ امرأةً على عمَّتِها أو خالتِها أو العمةَ على بنتِ أخيها فنِكاحُ الأُخرى منهُما مَفسوخٌ، وبهِ يقولُ عامةُ أهلِ العلمِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العلماءُ على القولِ بهذا الحديثِ، فلا يجوز عندَ جميعِهم نكاحُ المرأةِ على عمَّتِها وإنْ علَت، ولا على ابنةِ أختِها وإنْ سفَلَتْ، ولا على خالتِها وإنْ علَتْ، ولا على ابنةِ

(١) رواه البخاري (٤٨٩١)، ومسلم (١٤٠٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٦٥)، والترمذي (١١٢٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١١٨).
(٣) «سنن الترمذي» (٣/ ٤٣٣).

أخيها وإنْ سفَلَتْ، والرَّضاعةُ في ذلكَ كالنَّسبِ، وقد كانَ بعضُ أهلِ الحَديثِ يَزعمُ أنَّ الحديثَ لم يَرْوِه أحَدٌ غيرُ أبي هريرةَ، وقد رواهُ علي بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ وعبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ وجابرٌ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ المنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنْ لا تُنكَحَ المرأةُ على عمَّتِها ولا على خالتِها، لا الكُبرى على الصُّغرى ولا الصُّغرى على الكُبرى (٢).

وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: والمنصوصُ على تحريمِه في الكتابِ هو الجَمعُ بينَ الأختَين، وقد ورَدَتْ آثارٌ متواتِرةٌ في النهيِ عنِ الجمعِ بينَ المرأةِ وعمتِها وخالتِها، رواه عليٌّ وابنُ عباسٍ وجابرٌ وابنُ عمرَ وأبو مُوسى وأبو سَعيدٍ الخُدريُّ وأبو هريرةَ وعائشةُ وعبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو أنَّ النبيَّ قالَ: «لا تُنكَحُ المرأةُ على عمَّتِها ولا على خالتِها ولا على بنتِ أخيها ولا على بنتِ أختِها» وفي بعضِها: «لا الصُّغرى على الكُبرى ولا الكُبرى على الصُّغرى» على اختلافِ بعضِ الألفاظِ معَ اتفاقِ المعنى، وقد تَلقَّاها الناسُ بالقَبولِ معَ تواترِها واستِفاضتِها، وهيَ مِنَ الأخبارِ الموجِبةِ للعلمِ والعملِ، فوجَبَ استعمالُ حُكمِها معَ الآيةِ.

وشذَّتْ طائفةٌ مِنَ الخوارجِ بإباحةِ الجمعِ بينَ مَنْ عدا الأختُينِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وأخطَأَتْ في ذلكَ وضَلَّتْ عن سواءِ السبيلِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى كما قالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾

(١) «التمهيد» (١٨/ ٢٧٧)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٥٢، ٤٥٥).
(٢) الإجماع (٣٧٠)، و «الإشراف» (٥/ ١٠٠، ١٠١).

قالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وقد ثبَتَ عنِ النبيِّ تَحريمُ الجمعِ بينَ مَنْ ذَكَرْنا، فوجَبَ أنْ يكونَ مَضمومًا إلى الآيةِ، فيَكونُ قولُه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مُستعمَلًا فيمَن عدا الأختَينِ وعدا مَنْ بيَّنَ النبيُّ تَحريمَ الجمعِ بينَهنَّ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ العلماءُ أنه لا يَجوزُ الجَمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وإنْ علَتْ، ولا بينَ المرأةِ وخالتِها وإنْ علَتْ (٢).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: أمَّا الجَمعُ بينَ ذواتِ الأرحامِ في النكاحِ فنَقولُ: لا خلافَ في أنَّ الجَمعَ بينَ الأختَين في النكاحِ حرامٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] مَعطوفًا على قولهِ ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولأنَّ الجَمعَ بينَهما يُفضي إلى قطيعةِ الرحمِ؛ لأنَّ العَداوةَ بينَ الضرتَينِ ظاهرةٌ، وأنها تُفضي إلى قطيعةِ الرحمِ، وقطيعةُ الرحمِ حرامٌ فكذا المُفضي، وكذا الجمعُ بينَ المرأةِ وبنتِها؛ لِمَا قُلنا، بل أَولى؛ لأنَّ قرابةَ الوِلادِ مُفترَضةُ الوصلِ بلا خلافٍ.

واختُلفَ في الجمعِ بينَ ذواتَي رَحمٍ مُحرَّمٍ سِوى هذَينِ الجَمعَينِ بينَ امرأتَين لو كانَتْ إحداهما رَجلًا لا يَجوزُ له نكاحُ الأُخرى مِنَ الجانبَين جَميعًا أيتُهما كانَت غيرَ عَينٍ، كالجَمعِ بينَ امرأةٍ وعمَّتِها والجَمعِ بينَ امرأةٍ وخالتِها ونحوِ ذلكَ.

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٧٩).
(٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢١٦).

قالَ عامةُ العُلماءُ: لا يَجوزُ، وقالَ عُثمانُ البَتيُّ: الجَمعُ فيما سِوى الأختَين وسِوى المرأةِ وبنتِها ليس بحَرامٍ، واحتجَّ بقولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ذكَرَ المحرَّماتِ وذكَرَ فيما حرَّمَ الجمعَ بينَ الأختَين وأحَلَّ ما وراءَ ذلكَ، والجَمعُ فيما سوى الأختَينِ لم يَدخلْ في التحريمِ، فكانَ داخِلًا في الإحلالِ، إلَّا أنَّ الجمعَ بينَ المرأةِ وبنتِها حُرِّمَ بدَلالةِ النصِّ؛ لأنَّ قرابةَ الوِلادِ أَقوى، فالنصُّ الواردُ ثمَّةَ يكونُ وارِدًا ههُنا مِنْ طريقِ الأَولى.

ولنا: الحديثُ المَشهورُ، وهوَ ما رُويَ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ أنه قالَ: «لا تُنكَحُ المرأةُ على عمَّتِها ولا على خالتِها ولا على ابنةِ أخِيها ولا على ابنةِ أختِها»، وزادَ في بعضِ الرِّواياتِ: «لا الصُّغرى على الكُبرى ولا الكُبرى على الصُّغرى» الحديث، أخبَرَ أنَّ مَنْ تزوَّجَ عمَّةً ثم بنتَ أخيها أو خالةً ثمَّ بنتَ أختِها لا يجوزُ، ثم أخبَرَ أنه إذا تزوَّجَ بنتَ الأخِ أولًا ثم العمَّةَ أو بنتَ الأختِ أولًا ثم الخالةَ لا يَجوزُ أيضًا؛ لئلا يُشكِلَ أنَّ حرمةَ الجمعِ يَجوزُ أنْ تكونَ مختصَّةً بأحدِ الطرفَينِ دونَ الآخرِ، كنكاحِ الأمَةِ على الحرةِ أنه لا يَجوزُ ويَجوزُ نكاحُ الحرةِ على الأمَةِ، ولأنَّ الجمعَ بينَ ذواتي رحِمٍ مُحرَّمٍ في النكاحِ سَببٌ لقطيعةِ الرحمِ؛ لأنَّ الضَّرتَينِ يَتنازعانِ ويَختلفانِ ولا يَأتلفانِ، هذا أمرٌ معلومٌ بالعُرف والعادةِ، وذلكَ يُفضي إلى قَطعِ الرحمِ وأنه حرامٌ، والنكاحُ سَببٌ فيَحرمُ حتى لا يُؤدِّيَ إليه، وإلى هذا المَعنى أشارَ النبيُّ في آخرِ الحديثِ فيما

رُويَ أنه قالَ: «إنكُم لو فَعلْتُم ذلكَ لَقَطَعْتُم أرحامَهُنَّ»، ورُويَ في بعضِ الرواياتِ: «فإنهنَّ يَتقاطَعْنَ»، وفي بعضِها أنه «يُوجِبُ القطيعةَ»، ورُويَ عن أنسٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ يَكرهونَ الجمعَ بينَ القَرابةِ في النكاحِ وقالوا: إنهُ يورِثُ الضغائنَ».

ورويَ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه كَرِهَ الجَمعَ بينَ بنتَي عمَّينِ وقالَ: «لا أُحَرِّمُ ذلكَ لكنْ أَكرَهُه»، أمَّا الكَراهةُ فلِمكانِ القطيعةِ، وأمَّا عدمُ الحرمةِ فلِأنَّ القرابةَ بينَهُما ليسَتْ بمُفترضةِ الوصلِ.

أمَّا الآيةُ فيُحتملُ أنْ يكونَ معنَى قولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما وراءَ ما حرَّمَه اللهُ تعالَى، والجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وبنتِها وبينَ خالتِها ممَّا قد حرَّمَه اللهُ تعالى على لِسانِ رسولِ اللهِ الذي هوَ وَحيٌ غيرُ مَتلوٍّ، على أنَّ حُرمةَ الجمعِ بينَ الأختَين مَعلولةٌ بقطعِ الرَّحمِ، والجمعُ ههُنا يُفضي إلى قطعِ الرَّحمِ، فكانَت حُرمةً ثابتةً بدَلالةِ النصِّ، فلم يَكنْ ما وراءَ ما حُرِّمَ في آيةِ التحريمِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقوا فيما أعلَمُ على تحريمِ الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وبينَ المرأةِ وخالتِها؛ لثُبوتِ ذلكَ عنه عليه الصلاة والسلام مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، وتَواترِه عنه عليه الصلاة والسلام مِنْ أنه قالَ عليه الصلاة والسلام: «لا يُجمَعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها ولا بينَ المرأةِ وخالتِها».

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٦٢، ٢٦٣).

واتَّفقوا على أنَّ العمَّةَ ههُنا هيَ كلُّ أنثَى هيَ أختٌ لذكَرٍ له عليكَ وِلادةٌ إمَّا بنفسِه وإمَّا بواسطةِ ذكَرٍ آخَرَ، وأنَّ الخالةَ هيَ كلُّ أنثى هيَ أختٌ لكلِّ أنثى لها عليكَ وِلادةٌ إمَّا بنفسِها وإمَّا بتوسُّطِ أنثى غيرِها، وهُنَّ الجدَّات مِنْ قِبَلِ الأمِّ (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وبينَ المرأةِ وخالَتِها حرامٌ بعقدِ النكاحِ ومِلكِ اليمينِ، كالجمعِ بينَ أختَينِ، وهوَ قولُ الجمهورِ، وحُكِيَ عن الخَوارجِ وعثمانَ البتيِّ أنه لا يَحرمُ الجمعُ بينَهما في نكاحٍ ولا مِلكِ يمينٍ، وحرَّمَ داودُ الجَمعَ بينَهما في النكاح دونَ مِلكِ اليمينِ، فأمَّا داودُ فقد مضَى الكلامُ معه في الجَمعِ بينَ الأختَين، وأمَّا البَتيُّ والخَوارجُ فاستَدلُّوا بأنَّ تحريمَ المَناكحِ مأخوذٌ مِنْ نصِّ الكتابِ دونَ السُّنَّةِ ولم يَرِدِ الكِتابُ بذلكَ فلم يَحرمْ، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ كلَّ ما جاءَتْ به السُّنةُ يَجبُ العملُ بهِ كما يَلزمُ بما جاءَ به الكتابُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)[النجم: ٣، ٤].

وقد جاءتِ السُّنةُ بما رواه مالِكٌ عن أبي الزِّنادِ عن الأعرَجِ عن أبي هُريرةَ أنَّ النبيَّ قالَ: «لا يُجمَعُ بينَ المَرأةِ وعمَّتِها ولا بينَ المَرأةِ وخالتِها»، وروى داودُ بنُ أبي هندٍ عن الشَّعبيِّ عن أبي هُريرةَ أنَّ النبيَّ قالَ: «لا تُنكَحُ المَرأةُ على عمَّتِها، ولا العمَّةُ على بنتِ أخيها، ولا تُنكَحُ المرأةُ على خالتِها، ولا الخالةُ على بنتِ أختِها، ولا تُنكَحُ

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣١).

الصُّغرى على الكُبرى ولا الكُبرى على الصُّغرى»، وهذانِ الحَديثانِ نَصٌّ، والثاني أكمَلُ، وهُمَا وإنْ كانَا خبَرَي واحدٍ فقدْ تلقَّتْه الأمَّةُ بالقبولِ وعَمِلَ به الجُمهورُ، فصارَ بأخبارِ التواترِ أشبَهَ، فلَزمَ الخَوارجَ العَملُ به وإنْ لم يَلتزموا أخبارَ الآحادِ.

ولأنَّ الأختَين يَحرمُ الجمعُ بينَهما؛ لأنَّ إحداهما لو كانَ رجلًا حَرُمَ عليه نكاحُ أختِه، كذلكَ المرأةُ وخالتُها وعمَّتُها يَحرمُ الجمعُ بينَهما؛ لأنه لو كانَ إحداهما رَجلًا حَرُمَ عليه نكاحُ عمَّتِه وخالتِه (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مسألةٌ قالَ: (والجَمعُ بينَ المرأةِ وبينَ عمَّتِها وبينَها وبينَ خالتِها).

قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ أهلُ العلمِ على القولِ بهِ، وليسَ فيه بحَمدِ اللهِ اختلافٌ، إلا أنَّ بعضَ أهلِ البِدَعِ ممَّن لا تُعَدُّ مُخالَفتُه خِلافًا -وهُم الرافِضةُ والخوارجُ- لم يُحرِّموا ذلكَ ولم يَقولوا بالسُّنةِ الثابتةِ عن رَسولِ اللهِ

ولأنَّ العلَّةَ في تحريمِ الجَمعِ بينَ الأختَينِ إيقاعُ العَداوةِ بينَ الأقاربِ وإفضاؤُه إلى قطيعةِ الرحمِ المُحرَّمِ، وهذا مَوجودٌ فيما ذَكَرْنا، فإنِ احتَجُّوا بعُمومِ قولِه سُبحانَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] خصَّصْناه بما رويناهُ.

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٠٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب مختصر ما يحرم من الرضاع
(باب لبن الرجل والمرأة)

(باب لبن الرجل والمرأة)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَاللَّبَنُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ كَمَا الْوَلَدُ لَهُمَا وَالْمُرْضَعُ بِذَلِكَ اللَّبَنِ وَلَدُهُمَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا قَدْ مَضَى فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ لَبَنَ الرضاع للرجل والمرأة، والمرضع به ابناً لَهُمَا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ فَجَعَلُوا اللَّبَنَ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَى آخِرِهَا.

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ وَلَدَتِ ابْنًا مِنْ زِنًا فَأَرْضَعَتْ مَوْلُودًا فَهُوَ ابْنُهَا وَلَا يَكُونُ ابْنَ الَّذِي زَنَى بِهَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَدُ الرَّضَاعِ تَبَعٌ لِوَلَدِ الْوِلَادَةِ فَإِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، كَانَ وَلَدُهَا الذي ولدته لاحقاً بِزَوْجِهَا الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ وَبِالْوَطْءِ لَهَا بِالشُّبْهَةِ فَإِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ وَلَدًا كَانَ وَلَدُ الرَّضَاعِ وَلَدًا لِلزَّوْجِ الَّذِي تَزَوَّجَتْ بِهِ، وَلِلْوَاطِئِ الَّذِي وطئها بالشبهة لأنه مخلوق من مائهما كان ولد الرضا لهما لأنه معتد بِلَبَنِهِمَا، فَإِنْ زَنَتْ وَوَلَدَتْ وَلَدًا مِنْ زِنًا وَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ وَلَدًا كَانَ وَلَدُ الزِّنَا وَوَلَدُ الرَّضَاعِ لَاحِقَيْنِ بِهَا وَلَمْ يُلْحَقَا بِالزَّانِي، لِأَنَّ ابْنَهَا الْمَوْلُودَ عَنِ الزَّانِي يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمُرْضَعِ عَنْهُ، لِأَنَّ وَلَدَ النَّسَبِ أَقْوَى حُكْمًا مِنْ وَلَدِ الرَّضَاعِ، وَقَدِ انْتَفَى عَنِ الزَّانِي فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ وَلَدُ الرَّضَاعِ.

(مَسْأَلَةٌ)

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرضاع
١٣٧٠ - مسألة؛ قال: (ويحرم لبن الميتة، كما يحرم لبن الحية؛ لأن اللبن لا يموت)

فصل: ولو حَلَبَتِ المرأةُ لَبَنَها في إناءٍ، ثم ماتَتْ، فشَرِبَه صبيٌّ، نَشَرَ الحُرْمةَ. في قولِ كلِّ مَنْ جَعَلَ الوَجُورَ مُحَرِّمًا. وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّه لَبَنُ امرأةٍ في حَياتِها، فأشْبَهَ ما لو شَرِبَه وهي في الحياةِ.

١٣٧١ - مسألة؛ قال: (وإذَا حَبِلَتْ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِها بِهِ، فثابَ لها لَبَنٌ، فأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا خمْسَ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، في حَوْلَينِ، حُرِّمَتْ عَلَيْه، وبَناتُها مِنْ أَبِى هذَا الحَمْلِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، وبَنَاتُ أبى هذَا الْحَمْلِ مِنْهَا ومِنْ غَيْرِهَا. وإنْ أرْضَعَتْ صَبِيَّةً، فَقَدْ صَارَتْ ابْنةً لها، ولِزَوْجِهَا؛ لِأنَّ اللَّبَنَ مِنَ الْحَمْلِ الَّذِى هُوَ مِنْهُ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرضاع
فصل في المحرمات بالرضاع

كِتَابُ الرَّضَاعِ فَصْلٌ فِي الْمُحْرِمَات بِالرَّضَاعِ

قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ نِكَاحًا عَلَى التَّأْبِيدِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ، وَمُحَرَّمَاتٌ بِالصِّهْرِيَّةِ، وَمُحَرَّمَاتٌ بِالرَّضَاعِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْمُحَرَّمَاتِ بِالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِيَّةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَهَذَا الْكِتَابُ وُضِعَ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا فِي.

بَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعِ، وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ صِفَةِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ، وَالثَّالِثُ: فِي بَيَانِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ (فَصْلٌ) :

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَحْرُمُ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ مِنْ الْفِرَقِ السَّبْعِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ؛ يَحْرُمُ بِسَبَبِ الرَّضَاعَةِ إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي جَانِبِ الْمُرْضِعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَفِي جَانِبِ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 391 - 397

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله