النوع الثالث: المحرمات بالمصاهرة

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > النوع الثالث: المحرمات بالمصاهرة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 32 دقيقة قراءة

النوع الثالث: المحرمات بالمصاهرة - الأقوال والأدلة

فمَن رَأى أنَّ ما في الحديث شَرعٌ زائدٌ على ما في الكِتابِ وهو قولُه تعالُى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وعلى قولِه : «يَحرمُ مِنَ الرضاعةِ ما يَحرمُ مِنَ الولادةِ» قالَ: لبنُ الفَحلِ مُحرِّمٌ.

ومَن رَأى أنَّ آيةَ الرَّضاعِ وقولَه: «يحرمُ مِنَ الرضاعِ ما يحرمُ مِنَ الولادةِ» إنما ورَدَ على جِهةِ التأصيلِ لحُكمِ الرضاعِ، إذْ لا يَجوزُ تأخيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ قالَ: ذلكَ الحديثُ إنْ عُمِلَ بمُقتضاهُ أَوْجَبَ أنْ يكونَ ناسخًا لهذهِ الأصولِ؛ لأنَّ الزيادةَ المُغيِّرَةَ للحكمِ ناسخةٌ، معَ أنَّ عائشةَ لم يَكنْ مَذهبُها التَّحريمَ بلبنِ الفَحلِ، وهي الرَّاويةُ للحَديثِ، ويَصعُبُ ردُّ الأصولِ المُنتشِرَةِ التي يُقصَدُ بها التأصيلُ والبَيانُ عندَ وقتِ الحاجةِ بالأحاديثِ النادِرةِ، وبخاصةٍ التي تكونُ في عَيْنٍ، ولذلكَ قالَ عمرُ رضي الله عنه في حديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ: «لا نَتركُ كِتابَ اللهِ لحَديثِ امرأةٍ» (١).

النوعُ الثالِثُ: المُحرَّماتُ بالمُصاهَرةِ:

المُحرَّماتُ بالمُصاهَرةِ أربعةٌ، وهُنَّ محرَّماتٌ تَحريمَ أسبابٍ:

١ - أمُّ زوْجَتِه: لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فتَحرمُ عليه أمُّ زَوجتِه وكُلُّ أمٍّ لها مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، قَريبةٍ أو بَعيدةٍ، بمُجرَّدِ العقدِ على البنتِ مطلَقًا، دخَلَ بالبنتِ أو لم يَدخلْ، عندَ فقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٩).

وعامَّةِ فُقهاءِ الإسلامِ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولمَا رواهُ التِّرمذيُّ وغيرُه عن ابنِ لَهيعةَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ أنَّ النبيَّ قالَ: «أيُّما رَجلٍ نكَحَ امرَأةً فدخَلَ بها فلا يَحِلُّ له نِكاحُ ابنَتِهَا، وإنْ لم يكُنْ دخَلَ بها فلْيَنكِحِ ابنَتَها، وأيُّما رَجلٍ نكَحَ امرَأةً فدخَلَ بها أو لمْ يَدخلْ بها فلا يَحِلُّ له نِكاحُ أمِّها» (١).

ويُروَى عن عليّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه أنهُ قالَ: «لا تَحرمُ أمُّ زوجتِهِ إلا إذا دخَلَ ببِنتِها»، قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا أعلمُ أحَدًا قالَ بهذا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ أهلِ الرأي والحَديثِ الذينَ تَدورُ عليهم وعلى أصحابهمُ الفتوَى، والحديثُ فيهِ عن عَليٍّ رضي الله عنه ضعيفٌ لا يَصحُّ؛ لأنَّ خلاسًا يَروِي عن عليٍّ مَناكيرَ ولا يُصحِّحُ رِوايتَه أهلُ العِلمِ بالحِديثِ (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الأمُّ فذهَبَ الجُمهورُ مِنْ كافةِ فُقهاءِ الأمصارِ إلى أنها تَحرمُ بالعقدِ على البنتِ، دخَلَ بها أو لمْ يدخلْ، وذهَبَ قومٌ إلى أنَّ الأمَّ لا تَحرمُ إلا بالدُّخولِ على البنتِ كالحالِ في البنتِ، أعنِي

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١١١٧) قالَ أبو عيسَى: هذا حديث لا يَصحُّ مِنْ قِبَلِ إسنادِه، وإنما رواهُ ابن لَهيعةَ والمثنَّى بن الصباحِ عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، والمُثنَّى بنُ الصباحِ وابنُ لَهيعةَ يُضعَّفانِ في الحديثِ، والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ، قالوا: إذا تزوَّجَ الرجلُ امرأةً ثم طلَّقَها قبلَ أنْ يَدخلَ بها حَلَّ له أنْ يَنكحَ ابنتَها، وإذا تزوَّجَ الرجلُ الابنةَ فطلَّقَها قبلَ أنْ يَدخلَ بها لم يَحِلَّ له نكاحُ أمِّها؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ.
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٤٥٨).

أنها لا تَحرمُ إلَّا بالدُّخولِ على الأمِّ، وهو مَرويٌّ عن عليٍّ وابنِ عباسٍ رضي الله عنهما مِنْ طُرقٍ ضعيفةٍ.

ومَبنى الخِلافِ: هل الشرطُ في قولِه تَعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] يَعودُ إلى أقربِ مَذكورٍ وهُمُ الرَّبائبُ فقطْ؟ أو إلى الرَّبائبِ والأمَّهاتِ المذكوراتِ قبْلَ الربائبِ في قولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]؟ فإنه يُحتملُ أنْ يكونَ قولُه تعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ يَعودُ على الأمَّهاتِ والبناتِ، ويُحتملُ أنْ يَعودَ إلى أقربِ مذكورٍ وهمُ البناتُ.

ومِنَ الحُجةِ للجُمهورِ ما روَى المثنَّى بنُ الصباحِ عن عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قالَ: «أيُّمَا رَجلٍ نكَحَ امرَأةً فدخَلَ بها فلا يَحِلُّ له نِكاحُ ابنَتِها، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فلْيَنكِحِ ابنَتَها، وأيُّما رَجلٍ نكَحَ امرَأةً فدخَلَ بها أو لم يَدخلْ بها فلا يَحِلُّ له نِكاحُ أمِّها» (١) (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَنْ تزوَّجَ امرأةً حَرُمَ عليه كلُّ أمٍّ لها مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، قريبةٍ أو بعيدةٍ، بمُجرَّدِ العقدِ، نَصَّ عليه أحمَدُ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهمُ ابنُ مسعودٍ وابنُ عُمرَ وجابرٌ وعِمرانُ بنُ حُصينٍ وكثيرٌ مِنَ التابعِينَ، وبه يَقولُ مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُ الرأيِ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تقدم.
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥، ٢٦)، ويُنظَر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٥٨، ٤٦٠)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٠٧، ٢٠٨).

وحُكيَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنها لا تَحرمُ إلا بالدُّخولِ بابنتها كما لا تَحرمُ ابنتُها إلا بالدُّخولِ.

ولنَا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والمَعقودُ عليها مِنْ نِسائِه، فتَدخلُ أمُّها في عُمومِ الآيةِ، قالَ ابنُ عباسٍ: «أَبهِمُوا ما أَبهَمُه القُرآنُ» (١)، يعني عَمِّمُوا حُكمَها في كلِّ حالٍ ولا تفصلُوا بينَ المَدخولِ بها وبينَ غيرِها … وقالَ زَيدٌ: تحرمُ بالدُّخولِ أو بالمَوتِ؛ لأنه يَقومُ مَقامَ الدخولِ، وقد ذكَرْنا ما يُوجِبُ التحريمَ مطلَقًا، سواءٌ وُجِدَ الدُّخولُ أو الموتُ أو لا، ولأنها حَرُمَتْ بالمُصاهرةِ بقبولٍ مُبْهَمٍ فحَرُمَتْ بنَفسِ العقدِ كحَليلةِ الابنِ والأبِ (٢).

٢ - بنتُ زَوجتِهِ إذا دخَلَ بأمِّها بالإجماعِ: لقَولِه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَة، فإذا عقَدَ النكاحَ على امرأةٍ ودخَلَ بها حرمَتْ عليهِ ابنتُها التي في حِجْرِهِ على التأبيدِ، وإنْ ماتَتِ الزوجةُ أو طلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدخلَ بها جازَ له أنْ يتزوَّجَ ابنتَها.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «الكبرى» (٧/ ١٦٠)، بلَفظِ: «هيَ مُبهَمةٌ، وكَرِهَها»، وفي إسنادِه قَتادةُ، (مُدلِّسٌ ولم يُصرِّحْ بالسَّماعِ).
(٢) «المغني» (٧/ ٨٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٨)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧٣).

قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ اللهُ ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى قَولِه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣].

فأجمَعَتِ الأمَّةُ أنَّ الرجلَ إذا تزوَّجَ امرأةً ولها ابنةٌ أنه لا تَحلُّ له الابنةُ بعدَ موتِ الأمِّ أو فراقِها إنْ كانَ دخَلَ بها، وإنْ كانَ لمْ يَدخلْ بالأمِّ حتى فارَقَها حَلَّ لهُ نكاحُ الرَّبيبةِ، وأنَّ قولَهُ ﷿: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] شَرطٌ صحيحٌ في الربائبِ اللاتي في حُجورِهم (١).

والبنتُ المَقصودةُ هنا هيَ كلُّ بِنتٍ للزوجةِ مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، قريبةٍ أو بعيدةٍ، وارثةٍ أو غيرِ وارثةٍ، فتَحرمُ بناتُ بنتِ المرأةِ وبناتُ ابنِها؛ لدُخولهنَّ تحتَ اسمِ الربييةِ.

وسَواءٌ كانتْ في حِجْرِه أو لم تَكنْ في حِجْرِه تَحرمُ عليهِ إذا دخَلَ بأمِّها، فالدخولُ بالأمهاتِ يُحرِّمُ البناتِ مَطلَقًا، سواءٌ كانَتِ البنتُ في حِجرِه أو لم تكنْ، وذِكرُ الحِجرِ في الآيةِ خرَجَ مَخرجَ العادةِ والغالبِ لا الشَّرطِ، وإنما وصَفَها بذلكَ تَعريفًا لها؛ لأنَّ العادةَ أنَّ الرَّبيبةَ تكونُ في حِجرِه، وهذا قولُ عامةِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ وغيرِهم، إلا أنه رُوِيَ عن عُمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما أنهما رخَّصَا فيها إذا لم تَكنْ في حِجرِه، وهوَ قولُ داودَ؛ لقولِ اللهِ تعالَىِ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].

(١) «الاستذكار» (٥/ ٤٥٧).

قالَ ابنُ المنذرِ رحمة الله عليه: وقد أجمَعَ علماءُ الأمصارِ على خِلافِ هذا القولِ، ولأنَّ التربيةَ لا تأثيرَ لها في التحريمِ كسائرِ المحرَّماتِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا الآيةُ فلم تَخرجْ مخرَجَ الشرطِ، وإنما وصَفَها بذلك تعريفًا لها بغالبِ حالِها، وما خرَجَ مَخرجَ الغالبِ لا يَصحُّ التمسكُ بمَفهومِه، وإنْ لم يَدخلْ بالمرأةِ لم تَحرمْ عليه بناتُها في قول عامةِ عُلماءِ الأمصارِ إذا بانَتْ مِنْ نكاحِه، إلا أنْ يَموتَ قبلَ الدخولِ ففيهِ روايتَانِ:

إحداهُما: تَحرمُ ابنتُها، وبهِ قالَ زيد بنُ ثابتٍ، وهيَ اختيارُ أبي بكرٍ؛ لأنَّ الموتَ أُقيمَ مَقامَ الدخولِ في تكميلِ العدَّةِ والصداقِ، فيَقومُ مقامَه في تحريمِ الربيبةِ.

والثانيةُ: لا تَحرمُ، وهوَ قولُ عليٍّ ومذهبُ عامةِ العلماءِ.

قالَ ابنُ المُنذرِ (١): وأجمَعَ عوامُّ علماءِ الأمصارِ أنَّ الرجلَ إذا تَزوَّجَ المرأةَ ثم طلَّقَها أو ماتَتْ قبلَ الدخولِ بها جازَ له أنْ يتزوَّجَ ابنتَها، كذلكَ قالَ مالكٌ والثوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ ومَن تَبِعَهم؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا نصٌّ لا يُتركُ لقِياسٍ ضعيفٍ وحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وقدْ ذكَرْناه، ولأنها فُرقةٌ قبلَ

(١) «الإجماع» (٣٦٣)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١١٣).

الدُّخولِ، فلمْ تُحرِّمِ الرَّبيبةَ كفرقةِ الطلاقِ، والموتُ لا يَجرِي مَجرى الدخولِ في الإحصانِ والإحلالِ وعدَّةِ الأقراءِ، وقيامُه مقامَه مِنْ وجهٍ ليسَ بأَولى مِنْ مُفارقتِهِ إياهُ مِنْ وجهٍ آخَرَ، ولو قامَ مَقامَه مِنْ كلِّ وجهٍ فلا يُتركُ صَريحُ نصِّ اللهِ تعالِى ونصّ رَسولِه لقياسٍ ولا غيرِه (١).

إلّا أنَّ الفقهاءَ اختلفوا: هل الذي يُحرِّمُ البنتَ هوَ وطءُ الأمِّ؟ أم مجردُ الخلوةِ بأمِّها والاستمتاعِ بها فيما دونَ الوطءِ؟ أو النظر إلى فرجِها أو جسدِها بشهوةٍ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ وبَعضُ الحَنابلةِ إلى أنَّ مَنْ باشَرَ امرأةً فيما دونَ الفرجِ بشَهوةٍ أو نَظَرَ إلى فرجِها ثبتَتْ به حرمةُ المصاهرةِ، فلا يجوزُ له أنْ يتزوَّجَ ابنتَها وإنْ لم يطَأها في الفرجِ؛ لأنه رُويَ عن عمرَ رضي الله عنه، ولم يُعلَمْ له مُخالفٌ مِنَ الصحابةِ، ولأنَّه تَلذذٌ بمباشَرةٍ، فتعلَّقَ بهِ تحريمُ المُصاهرَةِ والربيبةِ كالوطءِ، ولمَا رُويَ مرفوعًا: «مَنْ نظَرَ إلى فَرْجِ امرَأةٍ لم تَحلَّ له أمُّها ولا ابنَتُها» (٢).

وكذا إذا نظَرَ إلى شَعرِها أو صَدرِها أو شيءٍ مِنْ مَحاسنِها للذَّةٍ حَرُمَتْ عليه أمُّها وابنتُها عندَ المالِكيةِ في المذهبِ، والثاني: لا؛ لأنَّه تَلذذٌ مِنْ غيرِ مباشَرةٍ كالفكرِ.

(١) «المغني» (٧/ ٨٥، ٨٦).
(٢) حَدِيثٌ منكر: رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٢٣٥).

والدليلُ على أنه بالنظرِ يقَعُ التحريمُ أنَّ فيهِ نوعَ استمتاعٍ، فجرَى مجرَى النكاحِ؛ إذِ الأحكامُ تتعلَّقُ بالمعاني لا بالألفاظِ، وقد يُحتملُ أنْ يقالَ: إنه نوعٌ مِنَ الاجتماعِ بالاستمتاعِ، فإنَّ النظرَ اجتماعٌ ولقاءٌ، وفيهِ بينَ المحبِّينَ استمتاعٌ (١).

وذهبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَتعلَّقُ به تحريمُ المُصاهرةِ ولا الرَّبيبةِ إلا إذا جامَعَ الأمَّ، فإنَّ الدخولَ بها هو وطؤُها كُنِّيَ عنهُ بالدخولِ، فإنْ خَلا بها ولمْ يَطأْها لم تَحرمِ ابنتُها؛ لأنها غيرُ مدخولٍ بها؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فشرَطَ الدخولَ، وهذا ليسَ بدُخولٍ، ولأنه لَمسٌ لا يُوجِبُ الغُسلَ، فلم يتعلَّقْ به التحريمُ كالمُباشرةِ بغيرِ شَهوةٍ.

وإنْ نظَرَ إلى فرجِها بشهوةٍ … لم يَتعلَّقْ به تَحريمُ المصاهرةِ ولا تَحريمُ

(١) «فتاوى السغدي» (١/ ٢٥٥)، و «الاختيار» (٣/ ١١٠)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٢٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٧٨)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٢٧٤)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٦٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٢٣) رقم (١١٦٠)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١١٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٠٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٠٣)، و «البيان» (٩/ ٢٥١، ٢٥٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٦٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٩٥، ٢٩٥)، و «المغني» (٧/ ٨٦، ٩٣).

الربيبةِ عندَ الشافِعيةِ في الصحيحِ والحَنابلةِ في المَذهبِ؛ لأنه نظَرَ إلى بعضِ بَدنها، فلمْ يَتعلَّقْ به التحريمُ كما لو نظَرَ إلى وجهِها، فإنه لا خِلافَ بينَ العلماءِ في أنَّ النظَرَ إلى الوجهِ لا يُثبتُ الحُرمةَ، فكذلكَ غيرُه، ولا خلافَ أيضًا في أنَّ النظَرَ إذا وقَعَ مِنْ غيرِ شَهوةٍ لا يَنشرُ حرمةً؛ لأنَّ اللمسَ الذي هوَ أبلَغُ منه لا يؤثِّرُ إذا كانَ لغير شَهوةٍ، فالنظَرُ أَولى.

والسببُ في اختلافِهم: هلِ المَفهومُ مِنِ اشتِراطِ الدخولِ في قولِه تعالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الوطءُ أو التلذذُ بما دونَ الوطءِ؟ فإنْ كانَ التلذُّذَ فهل يَدخلُ فيه النظرُ أم لا؟ (١).

٣ - وزَوجةُ أبيه مِنْ قِبَلِ الأبِ والأمِّ وإنْ عَلا حرامٌ على الابنِ، فإذا تزوَّجَ الرجلُ امرأةً حَرُمَتْ على ابنِ الزوجِ، سواءٌ دخَلَ بها الزوجُ أو لمْ يَدخلْ بها بالإجماع؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. وهو يَتناولُ العقدَ والوطءَ، فكلُّ مَنْ عقَدَ عليها الأبُ عقْدَ النكاحِ فهي حَرامٌ على الابن بمجرِّدِ العقدِ الصحيحِ، فيَحرمُ على الرجلِ امرأةُ أبيه، قريبًا كانَ أو بَعيدًا، وارِثًا كانَ أو غيرَ وارثٍ، مِنْ نسبٍ أو رَضاعٍ، فبُمجرَّدِ العقدِ عليها تَحرمُ على الابنِ.

(١) «تفسير القرطبي» (٥/ ١١٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥)، و «البيان» (٩/ ٢٥١، ٢٥٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٦٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٩٥، ٢٩٥)، و «المغني» (٧/ ٨٦، ٩٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٦٠).

وعنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قالَ: «مَرَّ بي خَالي الحارِثُ بنُ عَمرٍو وقد عقَدَ له النبيُّ لِواءً، فقلتُ لهُ: أينَ تُريدُ؟ فقالَ: بَعَثني رسولُ اللَّهِ إلى رَجلٍ تَزوَّجَ امرَأةَ أبيه مِنْ بَعدِه، فأمَرَني أنْ أَضرِبَ عُنقَه» (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وسواءٌ في هذا امرأةُ أبيهِ أو امرأةُ جدِّهِ لأبيه وجَدِّه لأمِّه، قَرُبَ أم بَعدَ، وليسَ في هذا بينَ أهلِ العِلمِ خلافٌ عَلِمْناهُ والحمدُ للهِ، ويَحرمُ عليه مَنْ وَطئَها أبوه أو ابنُه بمِلكِ يمينٍ أو شُبهةٍ، كما يَحرمُ عليه مِنْ وَطئَها في عقدِ نكاحٍ، قالَ ابنُ المنذرِ: المِلكُ في هذا والرضاعُ بمَنزلةِ النسَبِ، وممَّن حَفظْنا ذلكَ عنه عطاءٌ وطاوُسٌ والحسَنُ وابنُ سِيرينَ ومكحولٌ وقَتادةُ والثوريُّ والأوزاعيُّ وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا نَحفظُ عن أحدٍ خِلافَهم (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ الرجلَ إذا تزوَّجَ المرأةَ حرمَتْ على أبيهِ وابنِه، دخَلَ بها أو لم يَدخلْ بها، وعلى أجدادِه وعلى ولده مِنَ الذكورِ والإناثِ أبدًا ما تَناسَلُوا، لا تَحِلُّ لبَني بَنيهِ ولا بَني بناتِه، ولم يَذكرِ اللهُ في الآيتينِ دُخولًا، والرَّضاعُ بمَنزلةِ النسبِ (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٣٦٢)، وابن ماجه (٢٦٠٧).
(٢) «المغني» (٧/ ٨٦).
(٣) «الإجماع» (٣٦٤)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٧١)، و «اللباب» (٢/ ٢٠)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٤٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٠٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٠٢)، و «البيان» (٩/ ٢٤٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «المغني» (٧/ ٨٦، ٨٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٦٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧٢).

٤ - وزَوجةُ الابنِ وابنِ الابنِ وابنِ البنتِ وإنْ سَفَلَ حرامٌ على الأبِ سواءٌ بمُجرَّدِ العقدِ، سواءٌ دخَلَ الابنُ بها أو لم يَدخلْ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احتِرازًا عمَّن تَبنَّاهُ، فلا يَدخلُ فيه زوجةُ الابنِ المُتبَنَّى، وسُميَتِ امرأةُ الرجلِ حَليلةً؛ لأنها مَحلُّ إزارِ زَوجِها وهيَ مُحلَّلَةٌ له، فيَحرمُ على الرجلِ أزواجُ أبنائِه وأبناءِ بناتِه مِنْ نَسبٍ أو رضاعٍ، قريبًا كانَ أو بَعيدًا، بمُجرَّدِ العقدِ بالإجماعِ.

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ الرجلَ إذا تزوَّجَ المرأةَ حرمَتْ على أبيه وابنِه، دخَلَ بها أو لم يدخَلْ بها، وعلى أجدادِه وعلى ولدِه مِنَ الذكورِ والإناثِ أبدًا ما تَناسَلُوا، لا تَحلُّ لبَني بَنيه ولا بَني بناتِه، ولم يَذكرِ اللهُ في الآيتينِ دخولًا، والرضاعُ بمَنزلةِ النسبِ (١).

(١) «الإجماع» (٣٦٤)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٧١)، و «اللباب» (٢/ ٢٠)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٤٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٠٧)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٦٠٢)، و «البيان» (٩/ ٢٤٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «المغني» (٧/ ٨٦، ٨٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٦٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل المحرمات بالمصاهرة فحليلة الابن من الصلب وإن سفل

وَبَنَاتُ أَبْنَائِهَا وَإِنْ سَفَلْنَ فَتَثْبُتُ حُرْمَتُهُنَّ بِالْإِجْمَاعِ وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ لَا بِعَيْنِ النَّصِّ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ عِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا.

فَصْلٌ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ فَحَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ الصُّلْبِ وَإِنْ سَفَلَ

(فَصْلٌ) :

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللعان
الفصل الثالث في صفة اللعان

يَجِبُ فِي قَذْفِهِ الْحَدُّ، إِذْ كَانَ اللِّعَانُ إِنَّمَا وُضِعَ لِدَرْءِ الْحَدِّ مَعَ نَفْيِ النَّسَبِ، وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا لِعَانَ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: الْعَبْدَيْنِ، وَالْكَافِرَيْنِ» ، وَالْجُمْهُورُ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى شَهَادَةً، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْيَمِينِ فَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا} المنافقون: ١ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} المنافقون: ٢ .

وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ لِعَانِ الْأَعْمَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْرَسِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ إِذَا فُهِمَ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُلَاعِنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعَقْلَ، وَالْبُلُوغَ.

الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ اللِّعَانِ

ِ. فَأَمَّا صِفَةُ اللِّعَانِ فَمُتَقَارِبَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ خِلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا تَقْتَضِيهِ أَلْفَاظُ الْآيَةِ، فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهَا تَزْنِي، وَأَنَّ ذَلِكَ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنِّي، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ تَشْهَدُ هِيَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِنَقِيضِ مَا شَهِدَ هُوَ بِهِ، ثُمَّ تُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ، هَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 352 - 362

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله