النوع الرابع: المحرمات باللعان

الإسلام > النكاح والأسرة > المحرمات من النكاح > النوع الرابع: المحرمات باللعان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

النوع الرابع: المحرمات باللعان - الأقوال والأدلة

الثاني: الاشتِراكُ في اسمِ النكاحِ، أعنِي في دَلالتِه على المعنى الشَّرعيِّ واللغويِّ، فمَن راعَى الدَّلالةَ اللغويةَ في قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] قالَ: يُحرِّمُ الزنا، ومَن راعَى الدلالةَ الشَّرعيةَ قالَ: لا يحرِّمُ الزنا.

ومَن علَّلَ هذا الحكمَ بالحُرمةِ التي بينَ الأمِّ والبنتِ وبينَ الأبِ والابنِ قالَ: يُحرِّمُ الزنا أيضًا، ومَن شبَّهَهُ بالنسَبِ قالَ: لا يحرِّمُ؛ لإجماعِ الأكثرِ على أنَّ النسبَ لا يلحَقُ بالزنا (١).

النَّوعُ الرَّابعُ: المُحرَّمات باللِّعانِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المتلاعنَينِ إذا لم يُكَذِّبْ أحدُهما نفسَه بعدَ اللعانِ فإنهما يُحرَّمانِ على بعضِهما تَحريمًا مؤبَّدًا.

إلا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو تلاعَنَا فكذَّبَ الزوجُ نفْسَه أو أقرَّتِ المرأةُ، هل تتأبَّدُ الحُرمةُ بينَهما؟ أم تكون طَلقةً بائنةً ولا يتأبَّدُ التحريمُ بينَهما ويكونُ خاطبًا مِنَ الخُطَّابِ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنَ الحَنفيةِ إلى أنَّ المتلاعنَينِ إذا حصلَ بينَهما اللعانُ أنهما لا يَجتمعانِ أبدًا، وصارَتْ محرَّمةً عليه تَحريمًا مُؤبَّدًا، وسواءٌ كذَّبَ نفسَه بعدَ ذلكَ أو لم يُكَذِّبْها.

(١) يُنظَر: «بداية المجتهد» (٢/ ٢٦).

لِمَا رُويَ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ رحمة الله عليه عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ قالَ لِلمُتلاعِنَينِ: «حِسابُكُما على اللهِ، أحَدُكما كاذِبٌ، لا سَبيلَ لكَ عليها، قالَ: يا رسولَ اللهِ مالي؟، قالَ: لا مالَ لكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عليها فهو بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها، وإنْ كنتَ كَذَبْتَ عليها فذاكَ أبعَدُ وأبعَدُ لكَ منها» (١).

ولِمَا رُويَ عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ قالَ: سُئِلتُ عنِ المُتلاعِنَينِ في إِمْرةِ مُصعبٍ أيُفرَّقُ بينَهُما؟ قالَ: فما دَرَيتُ ما أقولُ، فمَضَيتُ إلى مَنزلِ ابنِ عُمرَ بمكَّةَ فقلتُ للغُلامِ: استَأذِنْ لي، قالَ: إنه قائِلٌ، فسَمعَ صَوتي قالَ: ابنُ جُبيرٍ؟ قلتُ: نَعمْ، قالَ: ادخُلْ فوَاللَّهِ ما جاءَ بكَ هذهِ الساعَةَ إلا حاجةٌ، فدَخلْتُ فإذا هو مُفتَرِشٌ برْذَعةً مُتوَسِّدٌ وِسادةً حَشوُها ليفٌ، قلتُ: أبا عبدِ الرَّحمَنِ الْمُتلاعِنانِ أيُفرَّقُ بينَهُما؟ قالَ: سُبحانَ اللهِ! نعم … (٢).

وعنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ سهلَ بنَ سَعدٍ الساعِديَّ أخبَرَه أنَّ عُويمرَ بنَ أشقَرَ العَجلانِيَّ جاءَ إلى عاصمِ بنِ عَديٍّ فقالَ لهُ: يا عاصِمُ أرَأيتَ رَجلًا وجَدَ معَ امرَأتِه رَجلًا أيَقتلُه فتَقتلُونَه أم كيفَ يَفعلُ؟ سَلْ لي يا عاصِمُ رسولَ اللهِ عن ذلكَ، فسَألَ عاصمٌ رسولَ اللهِ فكَرهَ رسولُ اللهِ المَسائلَ وعابَها، حتى كَبُرَ على عاصمٍ ما سَمعَ مِنْ رسولِ اللهِ ، فلمَّا رجَعَ عاصِمٌ إلى أهلِه جاءهُ

(١) رواه البخاري (٥٠٣٥)، ومسلم (١٤٩٣).
(٢) رواه مسلم (١٤٩٣).

عُويمرٌ فقالَ لهُ: يا عاصِمُ ماذَا قالَ لكَ رسولُ اللهِ ؟ فقالَ عاصمٌ: لم تَأتِني بخَيرٍ، قد كَرهَ رسولُ اللهِ المَسألةَ التي سَألتُه عنها، فقالَ عُويمرٌ: واللهِ لا أنتهي حتى أسأَلَه عنها، فأَقبلَ عُويمرٌ حتَّى أتى رَسولَ اللهِ وهو وَسطَ الناسِ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا أيَقتلُه فتَقتلونَه أم كيفَ يَفعلُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ : قد أُنْزِلَ فيكَ وفي صاحبَتِكَ قُرآنٌ، فاذهَبْ فَأتِ بها، قالَ سَهلٌ: فتَلاعَنَا وأنا معَ الناسِ عندَ رسولِ اللهِ ، فلمَّا فرَغَا قالَ عُويمرٌ: كذَبْتُ عليها يا رَسولَ اللهِ إنْ أمسَكتُها، فطَلَّقَها عُويمرٌ ثلاثًا قبلَ أنْ يَأمرَهُ النبيُّ ، قالَ ابنُ شهَابٍ: فكانَتْ تلكَ سُنةُ المُتلاعِنَينِ» (١).

وفي روايةٍ: قالَ سَهلُ بنُ سعدٍ في هذا الخبَرِ قالَ: فطَلَّقَها ثلاثَ تَطليقاتٍ عندَ رسولِ اللهِ فأَنفَذَه رسولُ اللهِ ، وكانَ ما صُنِعَ عندَ النبيِّ سُنَّةٌ، قالَ سَهلٌ: حَضَرتُ هذا عندَ رَسولِ اللهِ فمَضَتِ السُّنةُ بعدُ في المُتلاعِنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثمَّ لا يَجتمِعانِ أبَدًا» (٢).

فالنبيُّ قالَ: «لا سَبيلَ لكَ عليها» ولم يَقلْ له: «إلَّا أنْ تُكذِّبَ نفسَكَ»، فصارَ كالتحريمِ المؤبَّدِ في الأمَّهاتِ ومَن ذُكِرَ معَهنَّ، وهذا شأنُ تَحريمٍ مُطلَقِ التأبيدِ، ألَا ترَى أنَّ المطلِّقَ ثلاثًا لمَّا لم تَكنْ بائنةً

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٢٤٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٢٥٠).

أوقعَ فيه الشَّرط بنكاحِ زَوجٍ غيرِه، ولو قالَ: «فإنْ طلَّقَها فلا تَحِلُّ لهُ» لَكانَ نهيًا مُطلَقًا لا تَحلُّ له أبدًا.

وقدْ كانَ رسولُ اللهِ أَطلَقَ التَّحريمَ في المُلاعنةِ ولم يقيِّدْهُ بوَقتٍ فهوَ مؤبَّدٌ، فإنْ أَكذَبَ نفسَه لَحِقَ به الولدُ؛ لأنه حَقٌّ جحَدَهُ ثم أقَرَّ به فلَزمَه، وليسَ النكاحُ كذلكَ؛ لأنه حقٌّ ثبَتَ عليهِ فليسَ يَتهيأُ له إبطالُه.

ولقَولِ النبيِّ : «المُتلاعِنانِ لا يَجتمِعانِ أبَدًا»، والمعنى فيه أنَّ سبَبَ هذه الفُرقةِ يَشتركُ فيه الزَّوجانِ، والطلاقُ يَختصُّ به الزوجُ، فما يَشتركُ الزوجانِ فيه لا يَكونُ طلاقًا، ومِثلُ هذا السَّببِ متى كانَ مُوجِبًا للحُرمةِ كانَتْ مؤبَّدةً كالحُرمةِ بالرضاعِ.

تَوضيحُه: أنَّ ثُبوتَ الحُرمةِ هنا باللعانِ نَظيرُ حُرمةِ قَبولِ الشهادةِ بعدَ الحدِّ في قَذفِ الأجنبيِّ وذلكَ يتأبَّدُ، فكذلكَ هنا.

ولأنه تَحريمٌ لا يَرتفعُ قبلَ الحَدِّ والتكذيبِ، فلمْ يَرتفعْ بهما كتَحريمِ الرضاعِ (١).

(١) «المبسوط» (٧/ ٤٣، ٤٤)، و «شرح مشكل الآثار» (٣/ ٢٠٢، ٢٠٣)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ٢٢٢)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٥٠٦)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٥٥، ١٥٧)، و «الهداية» (٢/ ٢٤، ٢٥)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٢٨٨)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١٩)، و «العناية» (٦/ ٦٧، ٦٩)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٣١)، و «الاستذكار» (٦/ ١٠٢)، و «تفسير القرطبي» (١٢/ ١٩٤)، و «المهذب» (٢/ ١٢٧)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٧٥، ٧٦)، و «البيان» (١٠/ ٤٦٧، ٤٦٨)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١١٣، ١١٤)، و «المغني» (/ ٥٤، ٥٥)، و «الكافي» (٣/ ٢٦٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٢٠)، و «المبدع» (٧/ ٦٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٦١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٩، ٨٠).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدُ بنُ الحسَنِ إلى أنه لا تتأبَّدُ الحُرمةُ بسَببِ اللعانِ، وإنما الفُرقةُ في اللعانِ فرقةٌ بتَطليقةٍ بائنةٍ، فيَزولُ مِلكُ النكاحِ وتَثبتُ حرمةُ الاجتهادِ والتزوُّجِ ما دامَا على حالةِ اللعانِ، فإنْ أَكذَبَ الزوجُ نفسَهُ فجُلِدَ الحدَّ أو أكذَبَتِ المرأةُ نفسَها بأنْ صدَّقتْهُ وصارتِ المَرأةُ بحالٍ لا يَجبُ بينَها وبينَ زوجِها إذا قذَفَها لِعانٌ، فله أنْ يتزوَّجَها.

لأنَّ رسولَ اللهِ لمَّا لاعَنَ بينَ عُويمرٍ العَجلانِيِّ وبينَ امرأتِهِ فقالَ عُويمرٌ: «كَذبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إنْ أَمسكْتُها فهيَ طالقٌ ثَلاثًا»، وفي بعضِ الرِّواياتِ: «كَذبتُ عليها إنْ لم أُفارِقْها فهيَ طالقٌ ثَلاثًا»، فصارَ طلاقُ الزوجِ عَقيبَ اللعانِ سنَّةَ المتلاعنَينِ؛ لأنَّ عُويمرًا طلَّقَ زوْجتَه ثَلاثًا بعدَ اللعانِ عندَ رسولِ اللهِ ، فأنفذَها عليه رسولُ اللهِ ، فيَجبُ على كلِّ مُلاعِنٍ أنْ يطلِّقَ، فإذا امتَنعَ يَنوبُ القاضي مَنابَهُ في التفريقِ، فيكونُ طلاقًا كما في العنِّينِ، ولأنَّ سببَ هذهِ الفرقةِ قَذفُ الزوجِ؛ لأنَّه يُوجِبُ اللعانَ، واللعانُ يُوجِبُ التفريقَ، والتفريقُ يُوجبُ الفرقةَ، فكانتِ الفرقةُ بهذهِ الوسائطِ مُضافةً إلى القذفِ السابقِ، وكلُّ فرقةٍ تكونُ مِنَ الزوجِ أو يكونُ فعلُ الزوجِ سبَبَها تكونُ طلاقًا، كما في العنِّين والخلعِ والإيلاءِ ونحوِ ذلك.

وكذلكَ كلُّ فرقةٍ متعلِّقةٍ بحكمِ الحاكمِ فإنها لا تُوجبُ تحريمًا مؤبَّدًا، والدليلُ على ذلكَ أنَّ سائرَ الفُرَقِ التي تتعلَّقُ بحكمِ الحاكمِ لا يُوجبُ

تَحريمًا مؤبَّدًا، مثلَ فُرقةِ العنِّينِ وخيارِ الصغيرَينِ وفرقةِ الإيلاءِ عندَ مُخالفِنا، وكذلكَ سائرُ الفُرَقِ المتعلِّقةِ بحُكمِ الحاكمِ في الأُصولِ هذهِ سبيلُها.

وأمَّا الحديثُ فلا يُمكِنُ العملُ بحَقيقتِه؛ لمَا ذكَرْنا أنَّ حقيقةَ المُتفاعلِ هوَ المُتشاغِلُ بالفعلِ، وكما فرَغَا مِنَ اللعانِ ما بقيَا مُتلاعنَينِ حقيقةً، فانصَرفَ المرادُ إلى الحُكمِ، وهو أنْ يكونَ حُكمُ اللعانِ فيهما ثابتًا.

فإذا أَكذَبَ الزوجُ نفسَه وحُدَّ حَدَّ القذفِ بطَلَ حكمُ اللعانِ، فلمْ يَبْقَ مُتلاعنًا حقيقةً وحُكمًا، فجازَ اجتماعُهما.

ونظيرُه قولُه تعالَى في قصةِ أصحابِ الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)[الكهف: ٢٠] أي: ما دامُوا في ملَّتِهم، ألَا ترَى أنهم إذا لم يَفعلُوا يُفلِحُوا، فكذا هذا.

ولأنَّ الثابتَ بالنصِّ اللعانُ بينَ الزوجَينِ، فلو أثبتْنَا به الحرمةَ المؤبَّدةَ كانَ زيادةً على النصِّ، وذلكَ لا يجوزُ، خصوصًا فيما كانَ طريقُه طريقَ العقوباتِ، ثمَّ هذهِ فرقةٌ تختصُّ بمجلسِ الحُكمِ ولا يتقرَّرُ سببُه إلا في نكاحٍ صحيحٍ، فيكونُ فرقةً بطلاقٍ كالفرقةِ بسببِ الجَبِّ والعُنَّةِ؛ وهذا لأنَّ باللعانِ يفوتُ الإمساكُ بالمعروفِ، فيتعيَّنُ التسريحُ بالإحسانِ، فإذا امتَنعَ منه نابَ القاضي مَنابَه، فيكونُ فعلُ القاضي كفعلِ الزوجِ، وإذا ثبَتَ أنه طلاقٌ والحُرمةُ بسببِ الطلاقِ لا تتأبَّدُ.

فأمَّا الحديثُ فإنَّ حقيقةَ المتلاعنَينِ حالَ تَشاغُلِهما باللعانِ، ومِن حيثُ المجازُ إنما يُسمَّيانِ مُتلاعنَينِ ما بَقيَ اللعانُ بينَهما حُكمًا، وعندنا لا

يَجتمعانِ ما بقيَ اللعانُ بينَهما حُكمًا، وإنما تجوزُ المُناكَحةُ بينَهما إذا لم يَبْقَ اللعانُ بينَهما حكمًا؛ لأنه إذا أَكْذَبَ نفسَه يُقامُ عليه الحدُّ؛ لإقرارِه على نفسهِ بالتزامِ الحَدِّ، ومِن ضرورةِ إقامةِ الحدِّ عليه بُطلانُ اللعانُ، ولا يبقَى أهلًا للِّعانِ بعد إقامةِ الحدِّ، وكذلكَ إنْ أقرَّتِ المرأةُ بالزنى فقد خرَجَتْ مِنْ أنْ تكونَ أهلًا للِّعانِ، وكذلكَ إنْ قذفَتْ رجلًا فأُقيمَ عليها الحدُّ، فعرفْنَا أنَّ حِلَّ المُناكَحةِ بينَهما بعدَما بطَلَ حُكمُ اللِّعانِ، فلا يكونُ في هذا إثباتُ الاجتماعِ بينَ المتلاعنَينِ (١).

ولإجماعِ الجَميعِ على أنه إذا أَكذَبَ نفسَهُ جُلِدَ الحَدَّ ولَحِقَ به الولدُ، فيَعودُ النكاحُ حَلالًا كما عادَ الولدُ؛ لأنه لا فرْقَ بينَ شيءٍ مِنْ ذلكَ (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا هل له أنْ يُراجِعَها … ؟ فقَالَ مالكٌ والشافعيُّ والثوريُّ وداودُ وأحمدُ وجُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ: إنهما لا يَجتمعانِ أبدًا وإنْ أَكذَبَ نفسَهُ.

وقالَ أبو حَنيفةَ وجماعةٌ: إذا أَكذَبَ نفسَه جُلِدَ الحدَّ وكانَ خاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ.

(١) «المبسوط» (٧/ ٤٣، ٤٤)، و «شرح مشكل الآثار» (٣/ ٢٠٢، ٢٠٣)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ٢٢٢)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٥٠٦)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٥٥، ١٥٧)، و «الهداية» (٢/ ٢٤، ٢٥)، و «شرح فتح القدير» (٤/ ٢٨٨)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١٩)، و «العناية» (٦/ ٦٧، ٦٩)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٣١).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ١٠٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللعان
الفصل الثالث في صفة اللعان

يَجِبُ فِي قَذْفِهِ الْحَدُّ، إِذْ كَانَ اللِّعَانُ إِنَّمَا وُضِعَ لِدَرْءِ الْحَدِّ مَعَ نَفْيِ النَّسَبِ، وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا لِعَانَ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: الْعَبْدَيْنِ، وَالْكَافِرَيْنِ» ، وَالْجُمْهُورُ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى شَهَادَةً، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْيَمِينِ فَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا} المنافقون: ١ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} المنافقون: ٢ .

وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ لِعَانِ الْأَعْمَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْرَسِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ إِذَا فُهِمَ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُلَاعِنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعَقْلَ، وَالْبُلُوغَ.

الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ اللِّعَانِ

ِ. فَأَمَّا صِفَةُ اللِّعَانِ فَمُتَقَارِبَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ خِلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا تَقْتَضِيهِ أَلْفَاظُ الْآيَةِ، فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهَا تَزْنِي، وَأَنَّ ذَلِكَ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنِّي، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ تَشْهَدُ هِيَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِنَقِيضِ مَا شَهِدَ هُوَ بِهِ، ثُمَّ تُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ، هَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللعان
فصل في حكم اللعان

وَتَعَالَى خَصَّ اللِّعَانَ بِالْأَزْوَاجِ وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَا يَسْقُطُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُبْطِلُ الزَّوْجِيَّةَ.

وَلَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ أَوْجَبَ اللِّعَانَ لَا الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ الزَّوْجَةَ وَلَمَّا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَدْ أَبْطَلَ الزَّوْجِيَّةَ، وَاللِّعَانُ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْأَزْوَاج وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَجِبُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَقَذْفُ الْأَجْنَبِيَّةِ يُوجِبُ الْحَدَّ لَا اللِّعَانَ، وَلَوْ أَكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ سَقَطَ اللِّعَانُ لِتَعَذُّرِ الْإِتْيَانِ بِهِ إذْ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَشْهَدَ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَهُوَ يَقُولُ إنَّهُ كَاذِبٌ، وَيَجِبُ الْحَدُّ لِمَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب كيف اللعان) من كتاب اللعان والطلاق وأحكام القرآن)

(باب كيف اللعان) من كتاب اللعان والطلاق وأحكام القرآن)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَمَّا حَكَى سَهْل شهود المتلاعنين مع حداثته وحكاه ابن عمر رضي الله عنهما اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بمحضر من طائفة من المؤمنين لأنه لا يحضر أمراً يريد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ستره ولا يحضره إلا وغيره حاضر له وكذلك جميع حدود الزنا يشهدها طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة لأنه لا يجوز في شهادة الزنا أقل منهم وهذا يشبه قول الله تعالى في الزانيين {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} وفي حكاية من حكى اللعان عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جملة بلا تفسير دليل على أن الله تعالى لما نصب اللعان حكاية في كتابه فإنما لاعن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بين المتلاعنين بما حكى الله تعالى في القرآن " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي تَغْلِيظِ اللِّعَانِ بِحُضُورِ الَّذِينَ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الدَّلِيلِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُدُودِ الَّتِي يَخْفَى أَثَرُهَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَالْقَذْفِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، كَانَ أَقَلَّ مَنْ شَهِدَ حَدَّهُ أَرْبَعَةٌ، وَمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ كَالْقَذْفِ، فَالشَّاهِدَانِ أَقَلُّ مَنْ يَحْضُرُ اسْتِيفَاؤهُ، فَأَمَّا مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْقَطْعِ فِي السرقة، فليس يؤمر في استيفاؤه بحضور الشهود، لأن شواهد استيفاؤه تُغْنِي عَنِ الشَّهَادَةِ. وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً أَشَارَ إِلَيْهَا، وَهَلْ يَحْتَاجُ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى ذِكْرِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 373 - 379

ارجع إلى المحرمات من النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل