أولا: تفسير العاجز عن الصوم

الإسلام > النكاح والأسرة > كفارة الظهار > أولا: تفسير العاجز عن الصوم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

أولا: تفسير العاجز عن الصوم - الأقوال والأدلة

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا لم يَجدِ الرَّقبةَ ولم يَستطعِ الصِّيامَ أنَّ فرْضَه إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا على ما أمَرَ اللهُ تعالى في كِتابِه وجاءَ في سُنةِ نبيِّهِ ، سواءٌ عجَزَ عنِ الصِّيامِ لكِبَرٍ أو مَرضٍ يَخافُ بالصَّومِ تَباطُؤَه أو الزِّيادةَ فيهِ أو الشَّبَقَ فلا يَصبِرُ فيه عنِ الجِماعِ، فإنَّ أَوسَ بنَ الصَّامتِ لمَّا أمَرَه رَسولُ اللهِ بالصِّيامِ قالَتِ امرَأتُه: يا رَسولَ اللهِ إنه شَيخٌ كَبيرٌ ما به مِنْ صِيامٍ، قالَ: «فلْيُطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، ولمَّا أمَرَ سَلمةَ بنَ صَخرٍ بالصِّيامِ قالَ: وهل أصَبْتُ الذي أصَبْتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! قالَ: «فأَطعِمْ»، فنقَلَه إلى الإطعامِ لمَّا أخبَرَ أنه به مِنْ الشَّبَقِ والشَّهوةِ ما يَمنعُه مِنْ الصِّيامِ، وقِسنَا على هذَينِ ما يُشبِهُهما في مَعناهُما (١).

إلا أنَّ هاهُنا بعضَ المَسائلِ التي يَنبغِي ذِكرُها:

أولاً: تَفسيرُ العاجِزِ عنِ الصَّومِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإنسانَ إذا كانَ عاجِزًا عَنِ الصَّومِ في كفَّارةِ الظِّهارِ أنَّه يَنتقلُ إلى الإطعامِ، أي إطعامِ ستِّينَ مِسكينًا.

وقَد فسَّرَ الفُقهاءُ العاجِزَ عنِ الصَّومِ:

قالَ الحَنفيةُ: إنْ عجَزَ المُظاهِرُ عنِ الصَّومِ لكِبَرِ سِنٍّ أو مَرضٍ لا يُرجَى زَوالُه أَطعَمَ هو أو نائبُه سِتِّينَ مِسكينًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ

(١) «المغني» (٨/ ٢٤).

سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولو بَرِئَ مِنْ المَرضِ وجَبَ الصَّومُ، وكذا الشَّيخُ الفاني إذا فَدَى ثمَّ قدَرَ على الصَّومِ أنه تَبطلُ الفِديةُ ويَلزمُه الصَّومُ؛ لأنَّ الشَّيخَ الفاني هو الذي لا تُرجَى له القُدرةُ على الصَّومِ، فإذا قدَرَ تبيَّنَ أنه لم يَكنْ شَيخًا فانِيًا، ولأنَّ الفِديةَ ليسَتْ ببَدلٍ مُطلَقٍ؛ لأنها ليسَتْ بمِثلٍ للصَّومِ صُورةً ومُعنًى، فكانَتْ بَدلًا ضَروريًّا، وقدِ ارتَفعَتِ الضَّرورةُ فبَطلَتِ القُدرةُ (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا جزَمَ بالقُدرةِ على الصِّيامِ أو ظنَّها فلا يَنتقِلُ إلى الإطعامِ قَولًا واحِدًا.

وإنْ جزَمَ بعَدمِ قُدرتِه على الصِّيامِ أو ظَنَّ عدَمَ القُدرةِ على الصِّيامِ -بأنْ كانَ المُظاهِرُ حِينئذٍ مَريضًا مَثلًا وغلَبَ على ظنِّهِ أنه لا يَقدِرُ على الصِّيامِ الآنَ ولا في المُستقبَلِ- انتَقلَ إلى الإطعامِ قَولًا واحِدًا، وكذا كلُّ مرَضٍ يَطولُ بصاحبِه ولا يَدري أيَبْرَأُ منه أم لا؟ فلْيُطعِمْ، ويُجزِئُه ذلكَ إنْ صَحَّ.

وفي «المُدوَّنة»: إذا تَمادَى بهِ المَرضُ انتَظرَ حتى إذا صَحَّ صامَ، إلا أنْ يُصيبَه مَرضٌ يُعلَمُ أنَّ مِثلَ ذلكَ المَرضِ لا يَقوى صاحِبُه على الصِّيامِ بعدَ ذلكَ، فإنَّ هذا قد خرَجَ مِنْ أنْ يكونَ مِنْ أهلِ الصِّيامِ وصارَ مِنْ أهلِ الإطعامِ، وقالَ غيرُه: إذا مَرضَ فهو ممَّنْ لا يَستطيعُ، وعليهِ الإطعامُ.

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٩٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٤١٨)، و «البحر الرائق» (٤/ ١١٦)، و «اللباب» (٢/ ١٣٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٧٨).

واختَلفوا فيما لو شَكَّ هل يَقدِرُ على الصِّيامِ أو لا يَقدِرُ، قَولانِ في المَذهبِ، أحَدُهما: يَجوزُ له الانتِقالُ للإطعامِ، والثَّاني: لا (١).

وقالَ الشافِعيةُ: فإنْ عجَزَ المُظاهِرُ عن صَومٍ بهَرَمٍ أو مَرضٍ قالَ الأكثَرونَ مِنْ الأصحابِ: لا يُرجَى زَوالُه، وقالَ الإمامُ الجُوَينيُّ والغَزاليُّ ورَجحَّه النَّوويُّ: لا بُدَّ مِنْ تَقييدِ المَرضِ بكَونِه يَدومُ شَهرينِ، إمَّا بظَنِّ عادَةٍ مُطَّرِدةٍ في مِثلِه أو بَقولِ الأطبَّاءِ، فله العُدولُ إلى الإطعامِ ولا يَنتظرُ زَوالَه ليَصومَ.

وأطلَقَ جَمعٌ مِنْ الأصحابِ المرَضَ مِنْ غَيرِ تَفرقةٍ بينَ رَجاءِ زَوالِه وعَدمِه.

وقالَ الماوَرديُّ: إنْ كانَ عَجزُه بهَرَمٍ ونحوِه فهو مُتأبِّدٌ، فلهُ الإطعامُ والأَولى تَقديمُه، وإنْ كانَ يُرجَى زَوالُه كالعَجزِ بالمَرضِ فهوَ بالخِيارِ بينَ تَعجيلِ الإطعامِ وبينَ انتِظارِ البِرِّ للتَّكفيرِ بالصِّيامِ، وسَواءٌ كانَ عَجزُه بحَيثُ لا يَقدرُ على الصِّيامِ أو يَلحقُه مَشقَّةٌ غالِبةٌ مع قُدرتِه عليهِ، فله في الحالَينِ الإطعامُ، وكذا الفِطرُ في رَمضانَ.

قالَ: ولو قدَرَ على صَومِ شَهرٍ فقطْ أو عَلى صَومِ شَهرينِ بلا تَتابعٍ فله العُدولُ إلى الإطعامِ.

(١) «المدونة الكبرى» (٦/ ٦٧)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٥٦)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٢١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٩٨، ٢٩٩).

أو لم يَعجزْ عنِ الصَّومِ ولكنْ لَحقَه بالصَّومِ أو تَتابعِه مَشقةٌ شَديدةٌ لا تُتحمَّلُ في العادةِ فله العُدولُ إلى الإطعامِ، وضبَطَها بَعضُهم بما يُبيحُ التَّيممَ، وغَلبةُ الجُوعِ ليسَتْ بعُذرٍ ابتِداءً؛ لفَقدِه حِينئذٍ، فيَلزمُه الشُّروعُ في الصَّومِ، فإنْ عجَزَ عنه أفطَرَ وانتَقلَ للإطعامِ.

وكذا مَنْ بهِ شدَّةُ شَبَقٍ -وهو شِدَّةُ الغُلْمَةِ، أي شَهوةِ الوَطءِ- فيَجوزُ له العُدولُ إلى الإطعامِ، بخِلافِ صَومِ رَمضانَ، وإنَّما لم يَجُزْ تَركُ صَومِ رَمضانَ بشدَّةِ الشَّبقِ لأنه لا بَدلَ له ولأنه يُمكِنُه الوَطءُ فيه لَيلًا، بخلافِه في كفَّارةِ الظِّهارِ؛ لاستِمرارِ حُرمَتِه إلى الفَراغِ مِنها.

أو خافَ مِنْ الصَّومِ زِيادةَ مَرضٍ كفَّرَ بإطعامِ ستِّينَ مِسكينًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولحَديثِ أَوسِ بنِ الصَّامتِ وسَلمةَ بنِ صَخرٍ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ عجَزَ عنِ الصَّومِ لكِبَرٍ أو مَرضٍ يخافُ بالصَّومِ تَباطُؤَه أو الزِّيادةَ فيه ولو رُجِيَ بُرؤُه، أو الشَّبَقَ فلا يَصبِرُ فيهِ عنِ الجِماعِ، ففَرضُه إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا، فإنَّ أَوسَ بنَ الصَّامتِ لمَّا أمَرَه رسولُ اللهِ بالصِّيامِ قالَتِ امرَأتُه: يا رَسولَ اللهِ إنه شَيخٌ كَبيرٌ ما بهِ مِنْ

(١) «البيان» (٣٩١)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٣٠، ٦٣٢)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٧٨، ٧٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٤، ٥٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٩٧، ٦٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١١٧، ١١٨)، و «الديباج» (٣/ ٥٢١، ٥٢٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يتأكد به المهر

إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى فَلَمْ يَكُنْ الرَّدُّ مُفِيدًا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ فَكَانَ سَفَهًا فَلَا يَثْبُتُ لَهَا حَقُّ الرَّدِّ، وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ لِمَا قُلْنَا: بِخِلَافِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِرَدِّ الْمَبِيعِ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ فَكَانَ الرَّدُّ مُفِيدًا لِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَهَلْ يَثْبُتُ خِيَارُ الْعَيْبِ فِي الْمَهْرِ؟ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَيْبُ يَسِيرًا لَا يَثْبُتُ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا يَثْبُتُ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي بَدَلِ الْخُلْعِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَلَى مَالٍ أَنَّهُ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَالْفَاحِشِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ، وَهَهُنَا لَا يَنْفَسِخُ وَإِذَا لَمْ يَنْفَسِخْ فَيَقْبِضُ مِثْلَهُ فَرُبَّمَا يَجِدُ فِيهِ عَيْبًا يَسِيرًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ عَيْبٍ عَادَةً فَيَرُدُّهُ ثُمَّ يَقْبِضُ مِثْلَهُ فَيُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى فَلَا يُفِيدُ الرَّدُّ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالرَّدِّ فَكَانَ الرَّدُّ مُفِيدًا؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إنَّمَا يَثْبُتُ اسْتِدْرَاكًا لِلْفَائِتِ وَهُوَ صِفَةُ السَّلَامَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْعَقْدِ، وَالْعَيْبُ إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُعْرَفُ الْفَوَاتُ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الْيَسِيرَ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ لَا يَخْلُو عَنْهُ فَمِنْ مُقَوِّمٍ يُقَوِّمُهُ بِدُونِ الْعَيْبِ بِأَلْفٍ، وَمِنْ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 431 - 434

ارجع إلى كفارة الظهار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل