ثانيا: تفسير العود

الإسلام > النكاح والأسرة > كفارة الظهار > ثانيا: تفسير العود

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ثانيا: تفسير العود - الأقوال والأدلة

قَولِ القائِلِ: «مَنْ دخَلَ الدارَ فصلَّى فله دِينارٌ»، فإنه لا يَستحقُّ الدِّينارَ إلا بدُخولِه وصَلاتِه؛ لأنهُما شَرطانِ في استِحقاقِ الدِّينارِ، فلا يَجوزُ أنْ يَستحقَّ الدِّينارَ بأحَدِ الشَّرطَينِ.

ولأنَّ الكفَّارةَ في الظِّهارِ كفَّارةُ يَمينٍ، فلا يَحنثُ بغَيرِ الحِنثِ كسائرِ الأيمانِ.

فعَلى هذا: إذا ماتَ أحَدُهما أو فارَقَها قبلَ العَوْدِ فلا كفَّارةَ عليهِ (١).

ثانيًا: تَفسيرُ العَوْدِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في تَفسيرِ العَوْدِ، هل المَقصودُ به هو العَزمُ على وَطءِ الزوجةِ؟ أم هو العَزمُ على الوَطءِ مع نيَّةِ الإمساكِ في العِصمةِ؟ أو المَقصودُ بهِ الوَطءُ نَفسُه؟ أم المَقصودُ به إمساكُها بعدَ ظِهارِه زَمَنًا يُمكِنُه طَلاقُها فيه؟ على أقوالٍ.

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ العَودَ في قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] هو العَزمُ على وَطئِها عَزمًا مُؤكَّدًا، حتى لو عزَمَ ثمَّ بَدَا له أنْ لا يَطأَها لا كفَّارةَ عليهِ؛ لعَدمِ العَزمِ؛ فقَولُه تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أي: ثمَّ يَرجِعونَ عمَّا قَالوا، أي: إلى تَحليلِ

(١) «بدائع الصنائع» (٣// ٢٣٥)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٤)، و «مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر» (٢/ ١١٧، ١١٨)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٤٥١، ٤٥٢)، و «البيان» (١٠/ ٣٤٧).

ما حرَّمُوا على أنفُسِهم وذلكَ بالعَزمِ على الوَطءِ؛ لأنَّ ما قالَه المُظاهِرُ هو تَحريمُ الوَطءِ، فكانَ العَوْدُ لنَقضِه وفَسخِه استباحةَ الوَطءِ.

فتَجبُ الكفَّارةُ إذا قصَدَ وطْأَها بعدَ الظِّهارِ، كأنه تَعالى قالَ: إذا عزَمْتَ على الوَطءِ فكَفِّرْ قبلَه، كما قالَ : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقَولِه سُبحانَه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢]، ونَحوِ ذلكَ.

فإذا رَضيَ أنْ تَكونَ مُحرَّمةً عليه ولَم يَعزِمْ على وَطئِها لا تَجبُ عليهِ الكفَّارةُ، ويُجبَرُ على التَّكفيرِ دَفعًا للضَّررِ عنها.

فإنْ عزَمَ على وَطئِها وجَبَتِ الكفَّارةُ، فإنْ عزَمَ بعدَ ذلكَ أنْ لا يطَأَها سقَطَتْ، وكذا إذا ماتَ أحَدُهما بعدَ العَزمِ وقبلَ الوَطءِ.

فإنْ كفَّرَ عن ظِهارِه وهي مُبانةٌ أو تحتَ زَوجٍ آخَرَ أجزَأهُ (١).

فحَقيقةُ قَولِ الحَنفيةِ أنه لا يَجبُ عليهِ الكفَّارةُ إلا إذا وطَأَ زَوجتَه.

وأمَّا المالِكيةُ فقَدِ اختَلفُوا: هل المَقصودُ بالعَودِ في قَولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] هل هو العَزمُ على الوَطءِ والتَّصميمُ عليهِ؟ أم هو العَزمُ على الوَطءِ مع نيَّةِ الإمساكِ في العِصمةِ؟ أي: لا يُفارِقُها على الفَورِ

(١) «تحفة الفقهاء» (٢/ ٢١٤)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٣٥)، و «أحكام القرآن» (٥/ ٣٠٣)، و «المبسوط» (٦/ ٢٢٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٣٣)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٩)، و «اللباب» (٢/ ١٢٣)، و «فتاوى السغدي» (١/ ٣٧٤).

فيُمسِكُها مدَّةً لا يُفهَمُ منها الفِراقُ فَورًا، فليسَ المُرادُ الإمساكَ أبدًا، بل مُدَّةً ولو أقَلَّ مِنْ سَنةٍ، قَولانِ لمالِكٍ شُهِّرَ كلٌّ منهُما.

وفائِدةُ الخِلافِ تَظهرُ إذا عزَمَ على الوَطءِ والإمساكِ ثمَّ طلَّقَ أو ماتَتْ، فعِندَ ابنِ رُشدٍ تَسقطُ الكفَّارةُ، وعندَ عِياضٍ لا تَسقطُ، وكَذا إنْ كفَّرَ بعدَ أنْ بانَتْ منهُ، فعندَ ابنِ رُشدٍ لا تُجزِئُه، وعندَ عِياضٍ تُجزئُه.

وسقَطَتِ الكفَّارةُ المُترتِّبةُ على العَودِ إذا عزَمَ عليه ولم يطَأْ حتى طلقَتْ طَلاقًا بائِنًا أو ماتَتْ أو ماتَ، وأمَّا الرَّجعيُّ فإنه لا يُسقِطُها فيَستمِرُّ الخِطابُ في العدَّةِ، وليسَ المُرادُ بسُقوطِ الكفَّارةِ عدَمَ المُطالَبةِ بها وإنْ عادَتْ لعِصمتِه، وإنَّما المُرادُ: لا يُخاطَبُ بها قبلَ عَودِها لعِصمتِه، وأمَّا بعدَه فلا يَقربُها حتى يُكفِّرَ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ العَوْدَ هو أنْ يُمسِكَها بعدَ الظِّهارِ زَوجةً زَمانًا يُمكِنُه أنْ يُطلِّقَها فيه فلا يُطلِّقَ، فإذا أتَتْ على المُتظاهِرِ مُدَّةٌ بعدَ القَولِ بالظِّهارِ لم يُحرِّمْها بالطلاقِ الذي تَحرمُ بهِ وجَبَتْ عليه الكفَّارةُ؛ لأنه إذا أمسَكَ ما حرَّمَ على نفسِه فقدْ عادَ لِمَا قالَ فخالَفَه فأحَلَّ ما حرَّمَ؛ لقَولِه

(١) «الموطأ» (٢/ ٥٦٠)، و «الكافي» (٢٨٣)، و «الاستذكار» (٦/ ٥٦، ٥٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٩٠، ٤٩٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٧٩، ٨٠)، و «التاج والإكليل» (٣/ ١٤٧)، و «مواهب الجليل» (٥/)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١١٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٧٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٧٨، ٢٧٩)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٣٢، ٢٣٣).

تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآيَة، فإذا أمسَكَها زَوجةً .. فقَدْ عادَ فيما قالَ؛ لأنَّ تَشبيهَها بأمِّه يَقتضي أنْ لا يُمسِكَها زَوجةً، فإذا أمسَكَها زَوجةً .. فقدْ عادَ فيما قالَ؛ لأنَّ العَودَ للقَولِ مُخالَفتُه، يُقالُ: «قالَ فُلانٌ قَولًا ثمَّ عادَ له، وعادَ فيهِ» أي: خالَفَه ونقَضَه، وهو قَريبٌ مِنْ قَولِهم: «عادَ في هِبتِه».

فعَلى هذا: لو أمكَنَه أنْ يُطلِّقَها فلمْ يَفعلْ لَزمَتْه الكفَّارةُ، وكذلكَ لو ماتَ أو ماتَتْ، وأمَّا إنْ ماتَ قبلَ زمانِ العَودِ -وهو أنْ يَموتَ عَقيبَ ظِهارِه قبلَ أنْ يَمضيَ عليه زَمانُ طلاقِها، أو تَموتَ الزوجةُ بأنِ اتَّصلَ بالظِّهارِ المَوتُ، أو فُرقةٌ بسَببِ فَسخٍ للنكاحِ بسَببِه أو بسَببِها، أو بانفِساخٍ كردَّةٍ قبلَ الدُّخولِ، أو فُرقةٍ بسَببِ طلاقٍ بائِنٍ أو رَجعيٍّ- ولم يُراجِعْ أو جُنَّ الزوجُ عَقيبَ ظِهارِه فلا عَودَ ولا كفَّارةَ عليه في جَميعِ ما ذُكِرَ؛ لأنه ما أمسَكَها بعدَ الظِّهارِ ولا قدَرَ على طَلاقِها بالمَوتِ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العَودَ هو الوَطءُ في الفَرجِ، فمتَى وَطئَ لَزمَتْه الكفَّارةُ، ولا تَجبُ قبلَ ذلكَ، إلا أنها شَرطٌ لحِلِّ الوَطءِ، فيُؤمَرُ بها مَنْ أرادَه ليَستحِلَّه بها كما يُؤمَرُ بعَقدِ النكاحِ مَنْ أرادَ حِلَّ المَرأةِ.

(١) «الأم» (٥/ ٢٧٩)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٤٤٣، ٤٥٠)، و «المهذب» (٢/ ١١٣)، و «البيان» (١٠٣٤٧، ٣٤٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٥٨٨، ٥٨٩)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٥٤، ٥٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٣٨، ٣٩)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٦٤، ٦٦٦)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٩٩، ١٠٠)، و «الديباج» (٣/ ٥٠٨، ٥٠٩).

وقالَ أحمَدُ في قَولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قالَ: العَودُ الغَشَيانُ، إذا أرادَ أنْ يَغشَى كفَّرَ؛ لأنَّ العَودَ في القَولِ فِعلُ ضَدِّ ما قالَ، كما أنَّ العَودَ في الهِبةِ هو استِرجاعُ ما وهَبَ، فالمُظاهِرُ مُحرِّمٌ للوَطءِ على نفسِه ومانعٌ لها منهُ، فالعَودُ فِعلُه.

وقالَ القاضي وأصحابُه: العَودُ العَزمُ على الوَطءِ، إلا أنهُم لم يُوجبُوا الكفَّارةَ على العازِمِ على الوَطءِ إذا ماتَ أحَدُهما أو طلَّقَ قبلَ الوَطءِ، إلا أبا الخطَّابِ فإنه قالَ: إذا ماتَ بعدَ العَزمِ أو طلَّقَ فعليهِ الكفَّارةُ، وقد أنكَرَ أحمَدُ هذا.

وعلى كِلا القولَينِ: لا يَحلُّ له الوَطءُ قبلَ التَّكفيرِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فإنْ وَطئَ قبلَه أَثمَ واستَقرَّتِ الكفَّارةُ عليهِ ولم يَجِبْ عليه أكثَرُ منها؛ لحَديثِ سَلمةَ حينَ وَطئَ فلَم يأمُرْه النبيُّ بأكثَرَ مِنْ كفَّارةٍ، وتَحريمُها باقٍ حتى يُكفِّرَ؛ لِمَا رُويَ أنَّ النبيَّ قالَ لسَلمةَ: «ما حمَلَكَ على ما صنَعْتَ؟ قالَ: رأيْتُ بَياضَ ساقِها في القمَرِ، قالَ: فاعتَزِلْها حتى تُكفِّرَ»، وأمَّا قبلَ الوَطءِ فلا كفَّارةَ عليهِ، وإنَّما أُمِرَ بها لكَونِها شَرطًا لحِلِّ الوَطءِ كاستِبراءِ الأمَةِ المُشتراةِ.

ولو ماتَ أحَدُهما أو فارَقَها المُظاهِرُ قبلَ الوَطءِ فلا كفَّارةَ عليهِ ولو كانَ عزَمَ على الوَطءِ؛ لأنه لم يَعُدْ إلى ما قالَ، وقالَ أبو الخطَّابِ: إنْ كانَتِ الفُرقةُ بعدَ العَزمِ على الوَطءِ فعَليهِ الكفَّارةُ، وقد صرَّحَ أحمَدُ بإنكارِه، وكذلكَ قالَ القاضِي: لا كفَّارةَ عليهِ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الظهار
باب كفارة الظهار

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب كفارة الظهار

وكفارته عتق رقبة لمن وجد وصيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرقبة وإطعام ستين مسكينا لمن لا يجد الرقبة ولا يطيق الصوم، والدليل عليه قوله عز وجل " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا " وروت خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت " ظاهر منى زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول: اتق الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن " قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله.

الآية " فقال يعتق رقبة، فقلت لا يجد، قال فليصم شهرين متتابعين، قلت يا رسول الله شيخ كبير ما به صيام، قال فليطعم ستين مسكينا، قلت يا رسول الله ما عنده شئ يتصدق به، قال فأتى

بعرق من تمر، قلت يا رسول الله وأنا أعينه بعرق آخر، قال قد أحسنت فاذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكنيا وارجعي إلى ابن عمك " فإن كان له مال يشترى به رقبة فاضلا عما يحتاج إليه لقوته ولكسوته ومسكنه وبضاعة لا بد له منها وجب عليه العتق.

وان كان له رقبة لا يستغنى عن خدمتها، بأن كان كبيرا أو مريضا أو ممن لا يخدم نفسه لم يلزمه صرفها في الكفارة، لان ما يستغرقه حاجته كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل، كما نقول فيمن معه ماء يحتاج إليه للعطش، وان كان ممن يخدم نفسه ففيه وجهان

(أحدهما)

يلزمه العتق لانه مستغن عنه

(والثانى)

لا يلزمه لانه ما من أحد الا ويحتاج إلى الترفه والخدمة، وان وجبت عليه كفارة وله مال غائب - فإن كان لا ضرر عليه في تأخير الكفارة، ككفارة القتل وكفارة الوطئ في رمضان - لم يجز أن ينتقل إلى الصوم لانه

قادر على العتق من غير ضرر، فلا يكفر الصوم كما لو حضر المال، وإن كان عليه ضرر في تأخير الكفارة ككفارة الظهار ففيه وجهان

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 394 - 398

ارجع إلى كفارة الظهار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.9 / 29.5
الإضاءة 45%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده