آداب المعبرين والتحذير من التسرع في التعبير

الإسلام > تفسير الأحلام > قواعد الرؤيا

هذه الصفحة تجمع ما ورد في هذا الموضوع من كتاب الرؤيا للتويجري وكلام المفسرين، بألقابها كما وردت في الأصل، منسوبةً كل مقطعٍ إلى موضعه.

آخر تحديث 01 أكتوبر 2026 - 03:34

📖 29 دقيقة قراءة

ما تعتبر به الرؤيا

بالمطر والغيث، وروي أيضًا عن ابن جريج قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ} قال: أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه وكان الله قد علمه إياه عام فيه يغاث الناس بالمطر. وذكر القرطبي عن قتادة أنه قال: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها إظهارًا لفضله وإعلامًا لمكانه من العلم وبمعرفته. فصل في ذكر ما تعتبر به الرؤيا عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «للرؤيا كنى ولها أسماء فكنوها بكناها واعتبروها بأسمائها والرؤيا لأول عابر» رواه ابن أبي شيبة وابن ماجه من طريق يزيد الرقاشي، وهو ضعيف.

وعنه رضي الله عنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعبر على الأسماء» رواه البزار وقال: يعنى الرؤيا، قال الهيثمي: فيه من لم أعرفه. وعن محمد – وهو ابن سيرين – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أحب القيد في المنام وأكره الغُلَّ، القيد ثبات في الدين» ، وقال أبو هريرة: «اللبن في المنام الفطرة» رواه ابن أبي شيبة وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وروى عبد الرزاق منه قوله: «يعجبني القيد وأكره الغُلَّ، القيد ثبات في الدين» وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

وقد روي هذا الحديث مرفوعًا بأسانيد صحيحة وتقدم ذكره في الحديث الثالث عشر في أول الكتاب فليراجع. وأما قوله: «اللبن في المنام فطرة» فقد رواه ابن أبي شيبة موقوفًا، ورواه البزار مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي إسناده محمد بن مروان، قال الهيثمي: وهو ثقة وفيه لين قال: وبقية رجاله ثقات. وعن محمد بن قيس قال: حدثني بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللبن الفطرة والسفينة نجاة والجمل حزن والخضرة الجنة والمرأة خير» رواه الدارمي.

ما أوله ابن سيرين من الرؤيا

فصل في ذكر ما أوّله محمد بن سيرين من الرؤيا قال الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" قد جاء عن ابن سيرين في التعبير عجائب يطول الكتاب بذكرها، وكان له في ذلك تأييد إلهي. انتهى. وقال الذهبي أيضًا في "تذكرة الحفاظ" : كان علاّمة في التعبير. انتهى. فمن تأويله ما رواه ابن أبي شيبة حدثنا عفان قال: حدثنا جرير بن حازم قال: قيل لمحمد بن سيرين: إن فلانًا يضحك، قال: ولم لا يضحك فقد ضحك من هو خير منه. حدثت أن عائشة رضي الله عنها قالت: ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - من رؤيا قصّها عليه رجل ضحكًا ما رأيته ضحك من شيء قط أشد منه، قال محمد: وقد علمت ما الرؤيا وما تأويلها، رأى كأن رأسه قطع فذهب يتبعه، فالرأس

النبي - صلى الله عليه وسلم -، والرجل يريد أن يلحق بعمله عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يدركه، إسناده صحيح على شرط الشيخين.

وقد روى القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في شرح الترمذي بإسناده إلى أبي مجلز – واسمه لاحق بن حميد السدوسي – قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت في المنام أن رأسي قطع وجعلت أنظر إليه، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «بأي عين كنت تنظر إلى رأسك إذ قطع؟» فلم يلبث إلا قليلاً حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فأوّلوا رأسه موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونظره اتباعه سنته. قال ابن العربي: فلعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في إخباره بتلعب الشيطان كان على رؤيا ذهب بعضها، فأما ما أرى فإنه يحتمل موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباعه

لهديه، أو لموته فيموت على قرب منه أو معه.

انتهى. وقد تقدم في أول الكتاب (1) ما رواه جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: رأيت في المنام كأن رأسي قطع، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس» هذا لفظ إحدى روايات مسلم عن جابر رضي الله عنه. وقال في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «يطرق أحدكم الشيطان فيتهول له ثم يغدو يخبر الناس» رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه بأسانيد صحيحة. ومن المنامات التي أَوَّلَها ابن سيرين ما رواه ابن أبي شيبة حدثنا ابن علية عن أيوب قال: سأل رجل محمدًا قال: إني رأيت كأني آكل خبيصًا في الصلاة، فقال: الخبيص حلال ولا يحل لك

الأكل في الصلاة، فقال له: أتقبل امرأتك وأنت صائم؟

قال: نعم، قال: فلا تفعل، إسناده على شرط الشيخين. ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا بكير بن أبي السميط قال: سمعت محمد بن سيرين سئل عن رجل رأى في المنام كأن معه سيفًا مخترطه، فقال ولد ذكر، قال: اندق السيف قال: يموت، قال: وسئل ابن سيرين عن الحجارة في النوم، فقال: قسوة، وسئل عن الخشب في النوم، فقال: نفاق، إسناده حسن. ومن تأويله أيضًا ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن خالد بن دينار قال: كنت عند ابن سيرين فأتاه رجل فقال: يا أبا بكر رأيت في المنام كأني أشرب من بلبلة لها مثقبان فوجدت أحدهما عذبًا والآخر ملحًا، قال ابن سيرين: اتق الله لك امرأة وأنت تخالف إلى أختها.

ومن تأويله أيضًا ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن أبي جعفر أن رجلاً رأى في المنام كان في حجره صبيًا يصيح فقصّ رؤياه على ابن سيرين، فقال: اتق الله ولا تضرب العود. ومن تأويله أيضًا ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن سليمان بن حبيب أن امرأة رأت في المنام أنها تحلب حية، فقُصَّتْ على ابن سيرين، فقال ابن سيرين: اللبن فطرة والحية عدو وليست من الفطرة في شيء، هذه امرأة يدخل عليها أهل الأهواء. ومن تأويله أيضًا ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن مغيرة بن حفص قال: رأى الحجاج بن يوسف في منامه رؤيا كأنَّ حَوْرَاوَيْن أتتاه فأخذ إحداهما وفاتته الأخرى فكتب بذلك إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك: هنيئًا يا أبا محمد

فبلغ ذلك ابن سيرين، فقال: أخطأت استه الحفرة، هذه فتنتان يدرك إحداهما وتفوته الأخرى، قال: فأدرك الجماجم وفاتته الأخرى.

قلت: أما الجماجم فهي الفتنة التي كانت بين الحجاج وابن الأشعث وكان ابتداؤها في سنة إحدى وثمانين وانتهت في سنة ثلاث وثمانين. وأما الفتنة الثانية التي فاتت الحجاج ولم يدركها فهي فتنة يزيد بن المهلب، وكان ابتداؤها في سنة إحدى ومائة وانتهت في سنة اثنتين ومائة، وكان بين موت الحجاج وبين ابتدائها خمس سنين. ومن المنامات التي أوّلها ابن سيرين ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن مغيرة قال: رأى ابن سيرين كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في وصيته وقال: يموت الحسن وأموت بعده هو أشرف مني.

وقد رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه "المعرفة والتاريخ" عن ابن نمير حدثنا أبو بكر – يعني ابن عياش – عن مغيرة بن حفص قال: سئل ابن سيرين فقال: رأيت كأن الجوزاء تقدمت الثريا، فقال: هذا الحسن يموت قبلي ثم أتبعه وهو أرفع مني. وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن هشام – وهو ابن حسان – عن ابن سيرين قال: لما مات الحسن بن أبي الحسن رأت امرأته في المنام كأنما لحقت الجوزاء بالثريا فاجتمع الناس ينظرون ويتعجبون، فقال رجل: ما تعجبون من هذا، ابعثوا إلى ابن سيرين يعبره لكم، قال: فأصبحت المرأة فأتت ابن سيرين فأخبرته فبكى ابن سيرين وقال: جزاكم الله خيرًا، أما الثريا فالحسن وأما الجوزاء فأنا فألحق به فعاش أحدًا

وثمانين يومًا بعد الحسن.

ومن الأحلام التي أوّلها ابن سيرين ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن الحارث بن مشقف قال: قال رجل لابن سيرين: إني رأيت كأني ألعق عسلاً من جام من جوهر، فقال: اتق الله وعاود القرآن فإنك رجل قرأت القرآن ثم نسيته، قال: وقال رجل لابن سيرين: رأيت كأني أحرث أرضًا لا تنبت، قال: أنت رجل تعزل عن امرأتك. ومن تأويله أيضًا ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن مبارك بن يزيد البصري قال: قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأني أغسل ثوبي وهو لا ينقى، قال: أنت رجل مصارم لأخيك، قال: وقال رجل لابن سيرين: رأيت كأني أطير بين السماء والأرض، قال: أنت رجل تكثر المُنَى.

ومن تأويله أيضًا ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن هشام بن حسان قال: جاء رجلٌ إلى ابن سيرين وأنا عنده فقال: إني رأيت كأن على رأسي تاجًا من ذهب، فقال له ابن سيرين: اتق الله فإن أباك في أرض غربة وقد ذهب بصره وهو يريد أن تأتيه، قال: فما رادّه الرجل الكلام حتى أدخل يده في حجزته فأخرج كتابًا من أبيه يذكر فيه ذهاب بصره وأنه في أرض غربة ويأمره بالإتيان إليه. ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن عساكر في "تاريخه" عن معمر قال: جاء رجلٌ إلى ابن سيرين فقال: رأيت في النوم كأنه حمامة التقمت لؤلؤة فخرجت منها أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها أصغر خلت ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت كما دخلت

سواء؛

فقال له ابن سيرين: أما التي خرجت أعظم مما دخلت فذلك الحسن يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثم يصل فيه من مواعظه، وأما التي خرجت أصغر مما دخلت فذاك محمد بن سرين يسمع الحديث فينقص منه، وأما التي خرجت كما دخلت فهو قتادة فهو أحفظ الناس. ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن عساكر في "تاريخه" عن عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن مسلم – وهو رجل من أهل مرو – قال: كنت أجالس ابن سيرين فتركت مجالسته وجالست قومًا من الإباضية فرأيت فيما يرى النائم كأني مع قوم يحملون جنازة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتيت ابن سيرين فذكرت له ذلك فقال: ما لك جالست أقوامًا يريدون أن يدفنوا ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -.

ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن عساكر في "تاريخه" عن هشام – يعني ابن حسان – قال: قصّ رجل على ابن سيرين قال: رأيت كأن بيدي قدحًا من زجاج فيه ماء فانكسر القدح وبقي الماء، فقال له: اتق الله فإنك لم تر شيئًا، فقال الرجل: سبحان الله أقصّ عليك الرؤيا وتقول إنك لم تر شيئًا، فقال له ابن سيرين: إنه من كذب فليس عليّ من كذبه شيء، إن كنت رأيت هذا فستلد امرأتك وتموت ويبقى ولدها، فلما خرج الرجل قال: والله ما رأيت شيئًا. قال هشام: فما لبث الرجل غير كثير حتى ولدت امرأته غلامًا وماتت وبقي الغلام.

قال: وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال: إني رأيت كأني وجارية لي سوداء، نأكل في قصعة من صدر سمكة، قال: فقال ابن سيرين: هل يخفّ عليك أن تهيء لي طعامًا وتدعوني إلى منزلك؟ قال: نعم، قال: فهيأ له طعامًا ودعاه فلما وضعت المائدة إذا جارية له سوداء ممتشطة، قال: فقال له ابن سيرين: هل أصبت من جاريتك هذه شيئًا؟ قال: لا، قال: فإذا وضعت القصعة فخذ بيدها فأدخلها المخدع، فأخذ بيدها فأدخلها المخدع فصاح: يا أبا بكر رجل والله، فقال له ابن سيرين: هذا الذي كان يشاركك في أهلك.

وقال ابن عبد البر في كتابه "بهجة المجالس" : قال رجل لابن سيرين: رأيتُ في المنام كأن قردًا يأكل معي على مائدة، فقال: هذا غلامٌ أمرد اتخذه بعض نسائك. قال: وكان ابن سيرين يُعبر الأذان في النوم عملاً صالحًا فيه شهرة. قال: وقال ابن سيرين في جنازة يتبعها الناس: هذا قائد له أتباع. قال: وأتى رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت البارحةَ امرأة من جيراني كأنها ذبحت في بيت من دارها، فقال: هذه امرأة نكحت الليلة في ذلك البيت. فعزَّ على السائل ما ذكره لأن زوج المرأة كان غائبًا عنها فلما انصرف قال له أهله: رأيت فلانًا – يعنون الغائب جاره؟

فقال: وهل أتى، قالوا: نعم وفي بيته بات البارحة، فقصده وسأله فكان كما قال ابن سيرين. قال: وقال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام كأن لحيتي بلغت سرتي وأنا أنظر إليها، فقال له: أنت رجل مؤذن تنظر في دور الجيران. قال: وكان ابن سيرين يستحب الطيب في النوم، يقول: هو ثناء حسن، وكان يعجبه الطيب الأسود كالمسك والغالية وشبه ذلك ويقول: هو عيش وثناء حسن. قال: وسئل ابن سيرين عن الفيل في النوم، فقال: أمر جسيم قليل المنفعة. قال: وقال رجل لابن سيرين: ما تقول يا أبا بكر في امرأة كانت ترى في المنام كأنها تأكل رأس جزور، فقال: تتقي الله ولا تبغض العرب.

قال: وكان ابن سيرين يستحب الزيت في النوم ويقول هو بركة كله، إن أكلته أو أدخلته بيتك أو شربته أو ادهنت به أو تلطخت لأنه من شجرة مباركة. قال: وكان ابن سيرين يقول: الماء في النوم فتنة وبلاء في الدين وأمر شديد لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} البقرة: 249 ، وقال: {مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} الجن: 16 - 17 . قال: وقال ابن سيرين: ومن عبر نهرًا قطع بلاء وفتنة ومشقة ونجا من ذلك. قال: وأتى رجل إلى ابن سيرين فقال له: خطبت امرأة فرأيتها في المنام، فقال له ابن سيرين: كيف رأيتها؟

قال: رأيتها سوداء قصيرة مكسورة الفم، فقال ابن سيرين: أما الذي رأيت من سوادها فإنها امرأة لها مال، وأما ما رأيت من كسر فمها فإنها امرأة فظيعة اللسان، وأما ما رأيت من قصرها فإنها امرأة قصيرة العمر وتوشك أن تموت عاجلاً فذهب فتزوجها. قال: وكان ابن سيرين يعبر الرجل إذا رأى أنه حل إزاره أو انحل، قال: هذا رجل يرزق امرأة. قال: وكان ابن سيرين لا يعبر الخاتم في المنام إلا امرأة يستفيدها، وكذلك كان هشام بن حسان لا يعبر الفصّ في الخاتم إلا أنه يقول امرأة فيها قسوة.

قول ابن سيرين: ما حدثك الميت في النوم فهو حق

قال: وقال هشام بن حسان: كان ابن سيرين يُسئل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم وكان يجيب في خلال ذلك ويقول إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب، قال: وقيل لابن سيرين: إنك تستقبل الرجل بما يكره، قال: إنه علم أكره كتمانه، انتهى المقصود مما ذكره ابن عبد البر. وروى أبو نعيم في "الحلية" عن سلام بن مسكين قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: إذا اتقى الله العبد في اليقظة لا يضره ما رئي له في النوم.

وروى أيضًا عن وهب بن جرير قال: حدثني أبي قال: كان الرجل إذا سأل ابن سيرين عن الرؤيا قال: اتق الله في اليقظة لا يضرك ما رأيت في المنام. وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" عن ابن سيرين أنه قال: ما حدثك الميت بشيء في النوم فهو حق لأنه في دار حق. وروى الخطيب في "تاريخه" عن هشام بن حسان قال: قال محمد بن سيرين: ما أتيت امرأة في نوم ولا يقظة إلا أم عبد الله – يعني زوجته – قال: وقال ابن سيرين: إني أرى المرأة في المنام فأعرف أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها.

وذكر القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في شرح الترمذي عن ابن سيرين أنه قال: ما احتلمت في حرام قط، قال ابن العربي: فقال بعضهم: ليت عقل ابن سيرين في المنام يكون لي في اليقظة. فصل وقد رأيت لابن القيم رحمه الله تعالى كلامًا حسنًا في ذكر الأصول التي تدل على تعبير الرؤيا، ذكره في أثناء الجزء الأول من كتابه "إعلام الموقعين" وكثير منه مأخوذ مما ذكره البغوي في كتابه "شرح السنة" من كلام شيخه القاضي حسين بن محمد المرورذي شيخ الشافعية في تعبير الرؤيا، وسأذكر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى لما فيه من الفوائد الكثيرة في بيان أصول التعبير.

قال رحمه الله تعالى: قالوا: وقد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرًا وشرعًا ويقظة ومنامًا ودل عباده على الاعتبار بذلك وعبورهم من الشيء إلى نظيره واستدلالهم بالنظير على النظير، بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي فإنها مبنية على القياس والتمثيل واعتبار المعقول بالمحسوس. ألا ترى أن الثياب في التأويل تدل على الدين فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين كما أوّل النبي - صلى الله عليه وسلم - القميص بالدين والعلم.

والقدر المشترك بينهما أن كلاً منهما يستر صاحبه ويجمّله بين الناس، فالقميص يستر بدنه، والعلم والدين يستر روحه وقلبه ويجمّله بين الناس، ومن هذا تأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة وأن الطفل إذا خُلّي وفطرته لم يعدل عن اللبن فهو مفطور على إيثاره على ما سواه، وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس. ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض كما أن البقر كذلك مع عدم شرها وكثرة خيرها وحاجة الأرض وأهلها إليها، ولهذا لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقرًا تنحر كان ذلك نحرًا في أصحابه، ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل لأن العامل زارع

للخير والشر، ولا بد أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره، فالدنيا مزرعة والأعمال البذر، ويوم القيامة يوم طلوع الزرع وحصاده.

ومن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين، والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك، ولهذا شبه الله تعالى المنافقين بالخشب المسندة لأنهم أجسام خالية عن الإيمان والخير. وفي كونها مسندة نكتة أخرى، وهي أن الخشب إذا انتفع به جعل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع. وما دام متروكًا فارغًا غير منتفع به جعل مسندًا بعضه إلى بعض، فشبه المنافقين بالخشب في الحالة التي لا ينتفع فيها بها. ومن ذلك تأويل النار بالفتنة لإفساد كل منهما ما يمر عليه ويتصل به، فهذه تحرق الأثاث والمتاع والأبدان، وهذه تحرق القلوب والأديان والإيمان.

ومن ذلك تأويل النجوم بالعلماء والأشراف لحصول هداية أهل الأرض بكل منهما، ولارتفاع الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم. ومن ذلك تأويل الغيث بالرحمة والعلم والقرآن والحكمة وصلاح حال الناس. ومن ذلك خروج الدم في التأويل يدل على خروج المال، والقدر المشترك أن قوام البدن بكل واحد منهما. ومن ذلك الحدث في التأويل يدل على الحدث في الدين، فالحدث الأصغر ذنب صغير، والأكبر ذنب كبير. ومن ذلك أن اليهودية والنصرانية في التأويل بدعة في الدين، فاليهودية تدل على فساد القصد واتباع غير الحق، والنصرانية تدل على فساد العلم والجهل والضلال.

ومن ذلك الحديد في التأويل وأنواع السلاح يدل على القوة والنصر بحسب جوهر ذلك السلاح ومرتبتة. ومن ذلك الرائحة الطيبة تدل على الثناء الحسن وطيب القول والعمل، والرائحة الخبيثة بالعكس، والميزان يدل على العدل، والجراد يدل على الجنود، والعساكر والغوغاء الذين يموج بعضهم في بعض، والنحل يدل على من يأكل طيبًا ويعمل صالحًا، والديك رجل عالي الهمة بعيد الصيت، والحية عدو أو صاحب بدعة يهلك بسمّه، والحشرات أوغاد الناس، والخلد رجل أعمى يتكفف الناس بالسؤال، والذئب رجل غشوم ظلوم غادر فاجر، والثعلب رجل غادر مكَّار محتال مراوغ عن الحق، والكلب عدو ضعيف كثير الصخب والشر في كلامه وسبابه، أو رجل مبتدع متبع هواه مؤثر له

على دينه، والسَّنَّوْر العبد والخادم الذي يطوف على أهل الدار، والفأرة امرأة سوء فاسقة فاجرة، والأسد رجل قاهر مسلط، والكبش الرجل المنيع المتبوع.

ومن كليات التعبير أن كل ما كان وعاء للماء فهو دال على الأثاث. وكل ما كان وعاء للمال كالصندوق والكيس والجراب فهو دال على القلب، وكل مدخول بعضه في بعض وممتزج ومختلط فدال على الاشتراك والتعاون أو النكاح، وكل سقوط وخرور من علو إلى أسفل فمذموم. وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يجاوز العادة وكان ممن يليق به، وكل ما أحرقته النار فجائحة وليس يرجى صلاحه ولا حياته. وكذلك ما انكسر من الأوعية التي لا ينشعب مثلها. وكل ما خطف وسرق من حيث لا يرى خاطفه ولا سارقه فإنه ضائع لا يرجى، وما عرف خاطفه أو سارقه أو مكانه أو لم يغب عن عين صاحبه فإنه يرجى عوده.

وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان والذكر واللحية واليد والرجل فزيادة خير. وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك مذمومة وشر وفضيحة. وكل ما رأى من اللباس في غير موضعه المختص به فمكروه كالعمامة في الرجل والخف في الرأس والعقد في الساق. وكل من استقضى أو استخلف أو أمَّر أو استوزر أو خطب ممن لا يليق به ذلك نال بلاء من الدنيا وشرًا وفضيحة وشهرة قبيحة. وكل ما كن مكروهًا من الملابس فخلقه أهون على لابسه من جديده. والجوز مال مكنوز، فإن تفقع كان قبيحًا وشرًا.

ومن صار له ريش أو جناح صار له مال، فإن طار سافر، وخروج المريض من داره ساكتًا يدل على موته، ومتكلمًا يدل على حياته، والخروج من الأبواب الضيقة يدل على النجاة والسلامة من شر وضيق هو فيه، وعلى توبة، ولا سيما إن كان الخروج إلى فضاء وسعة فهو خير محض، والسفر والنقلة من مكان إلى مكان انتقال من حال إلى حال بحسب حال المكانين، ومن عاد في المنام إلى حال كان فيها في اليقظة عاد إليه ما فارقه من خير أو شر، وموت الرجل ربما دل على توبته ورجوعه إلى الله لأن الموت رجوع إلى الله، قال تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} الأنعام: 62 والمرهون مأسور بدين أو بحق عليه لله أو لعبيده، ووداع المريض

أهله أو توديعهم له دال على موته.

وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبّر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تعبّر بالنجاة لقوله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} العنكبوت: 15 وتعبّر بالتجارة، والخشب بالمنافقين، والحجارة بقساوة القلب، والبيض بالنساء، واللباس أيضًا بهن، وشرب الماء بالفتنة، وأكل لحم الرجل بغيبته، والمفاتيح بالكسب والخزائن والأموال، والفتح يعبّر مرة بالدعاء، ومرة بالنصر.

وكالملك يرى في محلة لا عادة له بدخولها يعبّر بإذلال أهلها وفسادها، والحبل يعبّر بالعهد والحق والعضد، والنعاس قد يعبّر بالأمن، والبقل والبصل والثوم والعدس يعبّر لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئًا أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو زوجة أو دار، والمرض يعبّر بالنفاق والشك وشهوة الزنا، والطفل الرضيع يعبّر بالعدو لقوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} القصص: 8 ، والنكاح بالبناء، والرماد بالعمل الباطل لقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} إبراهيم: 18 ، والنور يعبّر بالهدى، والظلمة بالضلال.

وقيل: لعابر رأيت الشمس والقمر دخلا في جوفي فقال: تموت واحتج بقوله تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} القيامة: 7 - 10 . وقال رجل لابن سيرين: رأيت معي أربعة أرغفة فطلعت الشمس، فقال: تموت إلى أربعة أيام، ثم قرأ: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} الفرقان: 45 - 46 ، وأخذ هذا التأويل أنه حمل رزق أربعة أيام.

وقال له آخر: رأيت كيسي مملوءًا أرضة، فقال أنت ميت ثم قرأ: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ} سبأ: 14 . والنخلة تدل على الرجل المسلم وعلى الكلمة الطيبة، والحنظلة تدل على ضد ذلك، والصنم يدل على العبد السوء الذي لا ينفع، والبستان يدل على العمل، واحتراقه يدل على حبوطه، ومن رأى أنه ينقض غزلاً أو ثوبًا ليعيده مرة ثانية فإنه ينقض عهدًا وينكثه، والمشي سويًا في طريق مستقيم يدل على استقامته على الصراط المستقيم.

والأخذ في بنيات الطريق يدل على عدوله عنه إلى ما خالفه، وإذا عرضت له طريقان ذات يمين وذات شمال فسلك أحدهما فإنه من أهلها، وظهور عورة الإنسان له ذنب يرتكبه ويفتضح به، وهروبه وفراره من شيء نجاة وظفر، وغرقه في الماء فتنة في دينه ودنياه، وتعلقه بحبل بين السماء والأرض تمسكه بكتاب الله وعهده واعتصامه بحبله، فإن انقطع به فارق العصمة إلا أن يكون ولي أمرًا فإنه قد يقتل أو

كلام القاضي المروروذي في التعبير

يموت. فالرؤيا أمثال مضروبة يضربها الملَك الذي قد وَكَّلَه الله بالرؤيا ليستدل الرائي بما ضرب له من المثل على نظيره. ويعبر منه إلى شبهه، ولهذا سمي تأويلها تعبيرًا، وهو تفعيل من العبور كما أن الاتعاظ يسمى اعتبارًا وعبرة لعبور المتعظ من النظير إلى نظيره. انتهى. وذكر البغوي في "شرح السنة" عن شيخه القاضي حسين بن محمد المرورّوذي أنه قال: إعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب أو من جهة السنة، أو من الأمثال السائرة بين الناس. وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب.

قال: والتأويل بدلالة الحديث كالغراب يعبّر بالرجل الفاسق لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه فاسقًا والفأرة تعبّر بالمرأة الفاسقة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماها فويسقة، والضلع يعبر بالمرأة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» ، والقوارير تعبّر بالنساء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير» . والتأويل بالأمثال كالصائغ يعبّر بالكذاب لقولهم: أكذب الناس الصواغون وحفر الحفرة يعبّر بالمكر لقولهم: من حفر حفرة وقع فيها.

والحاطب يعبّر بالنمام لقولهم: لمن وشى إنه يحطب عليه وفسروا قوله سبحانه وتعالى: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} المسد: 4 بالنميمة، ويعبّر طول اليد بصنائع المعروف لقولهم: أطول يدًا من فلان، ويعبّر الرمي بالحجارة وبالسهم بالقذف لقوهم: رمى فلانَا بفاحشة قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} النور: 4 ويعبّر غسل اليد باليأس عما يأمل لقولهم: غسلت يدي عنك. والتأويل بالأسامي كمن رأى رجلاً يسمى راشدًا بالرشد وإن كان يسمى سالمًا يعبّر بالسلامة. وأما التأويل بالضد والقلب فكالخوف في النوم يعبّر بالأمن لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} النور: 55 والأمن فيه

يعبّر بالخوف،

التحذير من التسرع إلى تعبير الأحلام بغير علم

ويعبّر البكاء بالفرح إذا لم يكن رنّة، ويعبّر الضحك بالحزن إلا أن يكون تبسمًا، ويعبّر الطاعون بالحرب والحرب بالطاعون، وتعبّر العجلة في الأمر بالندم والندم بالعجلة، ويعبّر العشق بالجنون والجنون بالعشق، والنكاح بالتجارة والتجارة بالنكاح، ويعبّر التحول عن المنزل بالسفر والسفر بالتحول عن المنزل، والمريض يخرج من منزله ولا يتلكم فهو موته، وإن تكلم برأ. وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر، وكان ابن سيرين يقول في الرجل يخطب على المنبر: يصيب سلطانًا فإن لم يكن من أهله يصلب، وسأل رجل ابن سيرين قال: رأيت في المنام كأني أؤذن، قال: تحج،

وسأله آخر فأول بقطع يده في السرقة فقيل له في التأويلين فقال: رأيت الأول على سيما حسنة فأولت قوله سبحانه وتعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} الحج: 27 ، ولم أرض هيئة الثاني فأوّلت قوله عز وجل: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} يوسف: 70 وقد يرى الرجل في منامه فيصيبه عين ما رأى حقيقة من ولاية أو حج أو قدوم غائب أو خير أو نكبة فقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - الفتح فكان كذلك، قال الله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} الفتح: 27 وقد يرى الشيء في المنام للرجل ويكون التأويل لولده أو قريبه أو سميّه فقد رأى النبي - صلى الله

عليه وسلم - في النوم مبايعة أبي جهل معه فكان ذلك لابنه عكرمة فلما أسلم قال عليه الصلاة والسلام: «هو هذا» ، ورأى لأسيد بن العاص ولاية مكة فكان لابنه عتّاب بن أَسِيد ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، انتهى باختصار.

وليعلم المتسرعون إلى تأويل الرؤيا أن ما ذكر في هذا الفصل من التأويل ليس هو من التوقيف الذي يقطع به في تأويل الأشياء التي ذكرت فيه، وإنما هو من باب التقريب الذي قد يكون التأويل فيه صوابًا وقد يكون غير صواب، وقد تقدم ما ذكره ابن عبد البر عن هشام بن حسان أنه قال: كان ابن سيرين يسئل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في

لا خير في الاشتغال بكتب تعبير الأحلام

اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: إنما أجيب بالظن والظن يخطئ ويصيب. وإذا كان هذا قول إمام المعبرين في زمانه وما بعده من الأزمان فما الظن بغيره، فاتقوا الله أيها المتسرعون إلى تعبير الأحلام بغير علم، واعلموا أنكم ستسئلون عن تخرصاتكم يوم القيامة، ولا يأنف أحدكم أن يقول: لا أدري، فقد قال غير واحد من العلماء إن قول: لا أدري نصف العلم. فصل وقد أُلَّف في تعبير الأحلام عدة مؤلفات. منها ما ينسب إلى ابن سيرين. ومنها ما ينسب إلى غيره، ولا خير في الاشتغال بها وكثرة النظر فيها لأن ذلك قد يشوّش الفكر، وربما حصل منه القلق والتنغيص من رؤية المنامات المكروهة، وقد يدعو بعض من

لا علم لهم إلى تعبير الأحلام على وفق ما يجدونه في تلك الكتب ويكون تعبيرهم لها بخلاف تأويلها المطابق لها في الحقيقة فيكونون بذلك من المتخرصين القائلين بغير علم، ولو كان كل ما قيل في تلك الكتب من التعبير صحيحًا ومطابقًا لكل ما ذكروه من أنواع الرؤيا لكان المعبرون للرؤيا كثيرين جدًا في كل عصر ومصر.

وقد علم بالاستقراء والتتبع لأخبار الماضين من هذه الأمة أن العاملين بتأويل الرؤيا قليلون جدًا، بل إنهم في غاية الندرة في العلماء فضلاً عن غير العلماء. وذلك لأن تعبير الرؤيا علم من العلوم التي يختص الله بها من يشاء من عباده كما قال تعالى مخبرًا عن يعقوب عليه الصلاة والسلام أنه قال ليوسف عليه الصلاة والسلام: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} يوسف: 6 وقال تعالى مخبرًا عن يوسف أنه قال للفتيين اللذين دخلا معه السجن: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} يوسف:

37 وقال تعالى مخبرًا عن يوسف أيضًا أنه قال: {رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي

تقدم ابن المسيب وابن سيرين في التعبير

مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} يوسف: 101 . والمراد بتأويل الأحاديث تعبير الرؤيا قاله غير واحد من المفسرين. وقال القرطبي: أجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، قال البغوي: وسمي تأويلاً لأنه يئول أمره إلى ما رأى في منامه، وبنحو هذا قال ابن الجوزي. وقال القرطبي: عَنَى بالأحاديث ما يراه الناس في المنام وهي معجزة له فإنه لم يلحقه فيها خطأ. وكان يوسف عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بتأويلها، وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك، وكان الصديق رضي الله عنه من أعبر الناس لها، وحصل لابن سيرين فيها التقدم العظيم والطبع والإحسان، ونحوه أو قريب منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا.

انتهى. فصل وممن اشتهر بتعبير الرؤيا وكان من الراسخين في هذا العلم أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي النابلسي شهاب الدين أو العباس – المعروف بالشهاب العابر – وكان في المائة السابعة من الهجرة، وقد سمع منه خلق من الحفاظ ومنهم المزي والبرزالي والذهبي وابن القيم وحدث عنه غير واحد. وقد ترجم له الحافظ ابن رجب في "الذيل على طبقات الحنابلة" وقال: إنه برع في معرفة تعبير الرؤيا وانفرد بذلك بحيث لم يشارك فيه ولم يدرك شأوه، وكان الناس يتحيرون منه إذا عبر الرؤيا لما يخبر الرائي بأمور جرت له وربما أخبره باسمه وبلده ومنزله ويكون من بلد ناءٍ، وله في ذلك حكايات كثيرة غريبة مشهورة، وهي من أعجب

العجب.

وله مصنف في هذا العلم سماه "النور المنير" . انتهى. وقال ابن كثير في ترجمته في "البداية والنهاية" : كان عجبًا في تفسير المنامات وله فيه اليد الطولى، وله تصنيف فيه ليس كالذي يؤثر عنه من الغرائب والعجائب. انتهى. وقال ابن القيم في "زاد المعاد" في الفصل الذي ذكر فيه وفد بني حنيفة: أنبأني أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم بن عبد المنعم بن نعمة بن

تعبيرات الشهاب العابر وكلام ابن القيم عليها

سرور المقدسي – المعروف بالشهاب العابر – قال: قال لي رجل: رأيت في رجلي خلخالاً، فقلت له: تتخلخل رجلك بألم، فكان كذلك. وقال لي آخر: رأيت كأنّ في أنفي حلقة ذهب وفيها حب مليح أحمر، فقلت له: يقع بك رعاف شديد فجرى كذلك. وقال آخر: رأيت كلابندًا معلقًا في شفتي، فقلت: يقع بك ألم يحتاج إلى الفصد في شفتك، فجرى كذلك. وقال لي آخر: رأيت في يدي سوارًا والناس يبصرونه، فقلت له: سوء يبصره الناس في يدك. فعن قليل طلع في يده طلوع. ورأى ذلك آخر لم يكن يبصره الناس، فقلت: تتزوج أمراة حسنة وتكون رقيقة.

قال ابن القيم: قلت: عَبَّرَ له السوار بالمرأة لمّا أخفاه وستره عن الناس، ووصفها بالحسن لحسن منظر الذهب وبهجته، وبالرقة لشكل السوار، والحلية للرجل تنصرف على وجوه فربما دلت على تزويج العزب لكونها من آلات التزويج، وربما دلت على الإماء والسراري، وعلى الغنى، وعلى البنات، وعلى الخدم، وعلى الجهاز، وذلك بحسب حال الرائي وما يليق به. قال أبو العباس العابر: وقال لي رجل: رأيت كأن في يدي سوارًا منفوخًا لا يراه الناس، فقلت له: عندك امرأة بها مرض الاستسقاء. قال ابن القيم: فتأمل كيف عَبَّر له السوار بالمرأة ثم حكم عليها بالمرض لصفرة السوار، وأنه مرض الاستسقاء الذي ينتفخ معه البطن.

قال: وقال آخر: رأيت في يدي خلخالاً وقد أمسكه آخر وأنا ممسك له وأصيح عليه وأقول: اترك خلخالي فتركه، فقلت له: فكان الخلخال في يدك أملس، فقال: بل كان خشنًا تألمت منه مرة بعد مرة، وفيه شراريف، فقلت له: أمك وخالك شريفان، ولست بشريف، واسمك عبد القاهر، وخالك لسانه نجس رديء يتكلم في عرضك ويأخذ مما في يدك، قال: نعم، قلت: ثم إنه يقع في يد ظالم متعد ويحتمي بك فتشد منه وتقول: خلَّ خالي، فجرى ذلك عن قليل. قال ابن القيم: قلت: تأمل أخذه الخال من لفظ الخلخال ثم عاد إلى

أسئلة شائعة

هل يجوز التسرع في تعبير الأحلام؟

الثابت التحذير من التسرع إلى تعبير الأحلام بغير علم، ومن الاشتغال بكتب التعبير بغير ضابط، والتفصيل في هذه الصفحة.

ما منزلة ابن سيرين في التعبير؟

حصل لابن المسيب وابن سيرين التقدم في تعبير الرؤيا، وما أوله ابن سيرين من الرؤيا مذكور في هذه الصفحة.

صفحات القواعد الأخرى

أبواب تفسير الأحلام — الفهرس الأبجدي للرموز

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 25 ربيع الآخر
هلال متناقص اليوم 26.1 / 29.5
الإضاءة 13%
الهلال الجديد بعد 3 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56