الإسلام > تفسير الأحلام > قواعد الرؤيا
هذه الصفحة تجمع ما ورد في هذا الموضوع من كتاب الرؤيا للتويجري وكلام المفسرين، بألقابها كما وردت في الأصل، منسوبةً كل مقطعٍ إلى موضعه.
آخر تحديث 01 أكتوبر 2026 - 03:34
📖 42 دقيقة قراءةمن رأى شيئًا منها، وبعضها في الآداب التي تتعلق بتأويل الرؤيا، وبعضها في ذكر الرؤيا الظاهرة التي لا تحتاج إلى تأويل، وبعضها في تأويل الرؤيا التي تحتاج إلى التأويل، وسأذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى، وأذكر ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين في تأويل الرؤيا وما جاء عمن بعدهم ممن اشتهر بتأويل الرؤيا. والذي دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو ما رأيته من تهاون الأكثرين بشأن الرؤيا سواء كانت صالحة أو غير صالحة، وما رأيته أيضًا من جهلهم بالآداب التي تتعلق بالرؤيا وتأويلها وما ينبغي ذكره من الرؤيا وما لا ينبغي ذكره، وقد رأيت كثيرًا من الناس يسارعون إلى السؤال عما يرونه في المنام من الرؤيا المكروهة
وذلك لعدم علمهم بأنه لا يجوز ذكرها ولا السّؤال عنها لأنها من تهويل الشيطان وتحزينه وربما حملهم حب الاطلاع على ذكرها لبعض المتخرصين الذين لا علم لهم بآداب الرؤيا وتأويلها فيعبَّرونها لهم من الوجه المكروه فيحصل لهم الغم والحزن من تعبيرهم.
وربما وقع بهم المكروه من الرؤيا لما سيأتي في حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت» . فليحذر العاقل من ذكر الرؤيا لكل أحد، وليحذر أيضًا أن يقص رؤياه على غير ذي رأي عالم بالتأويل. والأولى بالعاقل أن يكتم ما يراه في منامه من المكروه ولا يذكره لأحد من الناس ولو كان أقرب قريب إليه. وأما ما يراه من الحسن الذي يعجبه فإنه يذكره لمن يحبه كما سيأتي بيان ذلك في بعض الأحاديث الصحيحة.
والله المسئول المرجو الإجابة أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم إنه خير مأمول وأكرم مسئول. فصل في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة وقد جاء في تعظيمها أحاديث كثيرة تزيد على الثلاثين: الأول منها عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» ، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» رواه البخاري. وقد رواه مالك في الموطأ مختصرًا ولفظه: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه" كلهم من طريق مالك وصححه الحاكم والذهبي.
الحديث الثاني: روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» فقالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له» «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» وهذا مرسل صحيح الإسناد، ويشهد له حديث أبي هريرة المذكور قبله وما سيأتي بعده من الأحاديث الصحيحة. الحديث الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيها الناس إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في
"صحيحه" والبيهقي في "سننه" .
الحديث الرابع: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» ، قال: فشق ذلك على الناس فقال: «ولكن المبشرات» ، قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة» رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم؛ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وحذيفة بن أسيد وابن عباس وأم كرز وأبي أسيد.
الحديث الخامس: عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات» ، قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له» رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله بإسناد على شرط مسلم، وقد رواه البزار وقال فيه: قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له» . الحديث السادس: عن أبي الطفيل – عامر بن واثلة – رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» ، قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟
قال: «الرؤيا الحسنة» ، أو قال: «الرؤيا الصالحة» رواه الإمام أحمد والطبراني. قال الهيثمي: ورجاله ثقات. الحديث السابع: عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ذهبت النبوة فلا نبوة بعدي إلا المبشرات» ، قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له» رواه الطبراني والبزار. قال الهيثمي: ورجال الطبراني ثقات. الحديث الثامن: عن أم كرز الكعبية رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» رواه الدارمي وابن ماجه وابن جرير وابن حبان في "صحيحه" .
الحديث التاسع: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تبارك وتعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ} يونس: 64 ، قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» رواه الإمام أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجه وابن جرير والحاكم. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي رواية لأحمد وابن جرير عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ} ،
فقال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي أو أحد قبلك» ، قال: «تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له» .
عليه وليذكره ومن رأى غير ذلك فليستعذ بالله من شر رؤياه ولا يذكرها فإنها لا تضره» رواه الإمام أحمد والطبراني في "الأوسط" . قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير سليمان بن داود الهاشمي وهو ثقة. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على المسند: إسناده صحيح. الحديث التاسع عشر: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثًا وليستعذ مما رأى» رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
الحديث العشرون: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني أرى الرؤيا تمرضني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا الحسنة من الله والسيئة من الشيطان فإذا رأى أحدكم ذلك فلينفث عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره» رواه الطبراني في "الأوسط" . قال الهيثمي: وفيه كثير بن سليم وهو ضعيف وقد وثقه ابن حبان وذكره في الضعفاء. قلت: يشهد لحديثه كثير من الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها.
الحديث الحادي والعشرون: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا الصالحة بشرى وهي جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه البزار والطبراني في "الكبير والصغير" . قال الهيثمي: ورجال الصغير رجال الصحيح. الحديث الثاني والعشرون: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه. الحديث الثالث والعشرون: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني.
قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. الحديث الرابع والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا العبد المؤمن الصادقة الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: وفيه كليب بن شهاب وهو ثقة وفيه كلام لا يضر. وقد رواه ابن حبان في "صحيحه" مختصرًا ولفظه: «الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة» . الحديث الخامس والعشرون: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رؤيا الرجل المسلم الصالح جزء من سبعين جزءًا من النبوة» رواه ابن أبي شيبة وابن ماجه.
الحديث السادس والعشرون: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه مالك وأحمد والبخاري وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" . الحديث السابع والعشرون: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه البخاري. الحديث الثامن والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
وفي رواية لأحمد ومسلم: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» ، ورواه مسلم ولفظه: «رؤيا المسلم يراها أو تُرى له» . وفي حديث ابن مسهر: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» . وساق مالك في "الموطأ" إسناده إلى أبي هريرة وأحال بلفظه على حديث أنس الذي تقدم ذكره. الحديث التاسع والعشرون: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه
الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والدارمي. وقال الترمذي: حديث صحيح. الحديث الثلاثون: عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه البخاري. الحديث الحادي والثلاثون: عن أبي رزين – واسمه لقيط بن عامر العقيلي – رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والذهبي. وفي رواية لأحمد والترمذي وابن حبان: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة» . وفي رواية لأحمد: «الرؤيا الصالحة جزء من أربعين جزءًا من النبوة» . وفي رواية لابن حبان: «الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة» . الحديث الثاني والثلاثون: عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» رواه البزار. الحديث الثالث والثلاثون: عن جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رؤيا الرجل المؤمن جزء من النبوة» رواه الإمام أحمد.
قال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف. فصل في ذكر الآثار عن الصحابة والتابعين في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة وقد جاءت عنهم في ذلك آثار كثيرة. منها ما رواه ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» ، قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له» . ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يونس: 64 قال: «هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو تُرى له» .
وفي رواية قال: «هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه» ورواه ابن أبي شيبة بنحو هذه الرواية. ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي المبشرات» ورواه ابن أبي شيبة ولفظه قال: «الرؤيا من المبشرات وهي جزء من سبعين جزءًا من النبوة» . ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن نافع بن جبير عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: «هي الرؤيا الحسنة يراها الإنسان أو ترى له» .
ومنها ما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «الرؤيا الصالحة الصادقة جزء من سبعين جزءًا من النبوة» هذا لفظ ابن أبي شيبة، ولفظ عبد الرزاق: «رؤيا المؤمن جزء من سبعين جزءًا من النبوة» . ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» . ومنها ما رواه مالك في "الموطأ" عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول في هذه الآية: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ} قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له» ورواه ابن أبي شيبة وابن جرير بنحوه.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» ورواه ابن جرير بنحوه.
ومنها ما رواه ابن جرير عن عطاء في قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: «هي رؤيا الرجل المسلم يبشر بها في حياته» . ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: «الرؤيا من المبشرات» . ومنها ما رواه ابن جرير أيضًا عن يحيى بن أبي كثير في قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» . وهذه الآثار لها حكم الرفع وقد تقدمت بألفاظها في الأحاديث المرفوعة. فصل في ذكر فوائد الأحاديث التي تقدم ذكرها وقد اشتملت الأحاديث التي تقدم ذكرها على فوائد كثيرة وأمور مهمة من آداب الرؤيا وما يتعلق بها من الأحكام.
الأولى: تعظيم شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، وبيان أنها من المبشرات التي يبشر بها المؤمن في حياته كما أخبر الله بذلك في قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ} . قال ابن العربي المالكي: معنى صلاحها استقامتها وانتظامها. انتهى. الثانية: أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، وقد اختلفت الروايات في تحديد هذا الجزء كما تقدم، وكثرت أقوال العلماء في توجيه الروايات بما لا طائل تحته ولا فائدة في ذكره. وقد قال ابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي" : القدر الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيّن أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا لأنه اطلاع على
الغيب، وذلك قوله: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات» وتفصيل النسبة تختص به درجة النبوة.
وقال أيضًا وأنا موعز إليكم أن لا تتعرضوا لأعداد الشريعة فإنها ممتنعة عن إدراكها في متعلقاتها. انتهى. وقال الخطابي في الكلام على قوله - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة
وأربعين جزءًا من النبوة» معنى هذا الكلام تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده. ونقل العيني في "عمدة القاري" عن الزجاج أنه قال تأويل قوله: «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن الأنبياء عليهم السلام يخبرون بما سيكون والرؤيا تدل على ما يكون. انتهى. وذكر الخطابي عن بعض العلماء أنه قال: معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة. وقال آخر: معناه أنها جزء من أجزاء علم النبوة باقٍ، والنبوة غير باقية بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» .
انتهى. الثالثة: أن الرؤيا من الله والحُلْم من الشيطان. قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" : الرؤيا والحُلْم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحُلْم على ما يراه من الشر والقبيح. ومنه "أضغاث أحلام" ويستعمل كل منهما موضع الآخر، وتضم لام الحُلم وتسكن. ومنه الحديث: «من تَحلَّم كلّف أن يعقد بين شعيرتين» أي قال: إنه رأى في النوم ما لم يره. يُقال: حَلَم بالفتح إذا رأى، وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا.
انتهى. وقال الجوهري: الحُلْم بالضم ما يراه النائم تقول منه حَلَم بالفتح واحتلم، والحِلْم بالكسر الأناة تقول منه حَلُم الرجل بالضم وتَحَلَّم تكلف الحِلْم، وتحالم أرى من نفسه ذلك وليس به. انتهى. وقال النووي: أما الحُلْم فبضم الحاء وإسكان اللام، والفعل منه حَلَم بفتح اللام. انتهى. الرابعة: أنه إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب. وقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء في معنى اقتراب الزمان قولين، أحدهما: أنه قرب زمان الساعة ودنو وقتها. والثاني: أن معنى اقترب الزمان اعتداله واستواء الليل والنهار.
قال الخطابي والمعبرون: يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع ووقت اعتدال الليل والنهار. قلت: والقول الأول هو الصحيح وقد جاء النص على ذلك في رواية أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب» وهو حديث صحيح وقد تقدم ذكره في الحديث الثالث عشر. وأما القول الثاني فباطل مردود لأنه لا قول لأحد مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال ابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي" قوله: "اقترب الزمان" هو افتعل من القرب، واختلف في معناه فقيل: أراد به اقترب من الاعتدال، والثاني إذا اقترب من الانتهاء بإقبال
الساعة.
فأما الأول فلا يصح من وجهين. أحدهما: أن اعتدال الليل والنهار ليس له في ذلك أثر ولا يتعلق به معنى إلا ما قالته الفلاسفة من أن اعتدال الزمان تعتدل به الأخلاط. وهذا مبني على تعليقها بالطبائع وهو باطل. الثاني: أنه يعارضه أن الزمان يعتدل إذا شارفت الشمس الميزان وهو معارض لصناعتهم لأن في ذلك الزمان وإن كان في مقابلة مشارفة الحمل تسقط الأوراق ويسقط الماء عن الثمار عكس المقارن الأول. والرؤيا عندهم فيه قاصرة وقد اغتّر بعض الناس بهذا التأويل فقال به، والأصح أنه اقتراب يوم القيامة فإنها الحاقة التي تحق فيها الحقائق فكلما قرب منها فهو أخص بها.
انتهى. ونقل ابن حجر في "فتح الباري" عن ابن أبي جمرة أنه قال: معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب أنها تقع غالبًا على الوجه الذي لا يحتاج إلى تعبير فلا يدخلها الكذب. قال: والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا فيقل أنيس المؤمن ومُعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة. انتهى. الخامسة: أن أصدق المؤمنين حديثًا أصدقهم رؤيا. قال النووي: ظاهره أنه على إطلاقه لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته إياها.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي قوله: «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وذلك لأن الأمثال إنما تضرب له على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق وكذب وصدق وهزل وجدّ ومعصية وطاعة. قال ابن سيرين: ما احتلمت في حرام قط، فقال بعضهم: ليت عقل ابن سيرين في المنام يكون لي في اليقظة. انتهى. ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن المهلب أنه قال: الناس على ثلاث درجات، الأنبياء ورؤياهم كلها صدق وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وهم على ثلاثة أقسام.
مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًا، ويشير إلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف عليه السّلام ورؤيا ملكهما وغير ذلك. انتهى. وقال القرطبي: المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤياهم أحيانًا فذلك كما قد يصدق الكذوب، وليس كل من حدًّث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم.
انتهى. وقال ابن حجر: إن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح فقد تقع لغيرهم. انتهى. السادسة: تقسيم الرؤيا إلى ثلاث. الأولى: رؤيا حق وهي الرؤيا الصالحة التي هي بشرى من الله لمن رآها أو رؤيت له. الثانية: رؤيا مما يحدث به الرجل نفسه. الثالثة: رؤيا أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم. قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي: أما تقسيم الرؤيا على ثلاثة أقسام فهي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع، وقد بيّنا في كل كتاب ونادينا على كل باب وصرخنا على الوهاد والأنقاب بأنه لا تأثير للأخلاط ولا فعل، وإنما الصحيح ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي
الرؤيا البشرى إما بمحبوب وإما بمكروه وإما تحزين من الشيطان يضرب به الأمثال المكروهة الكاذبة ليحزنه، وإما خطرات الوساوس وحديث النفوس فتجري على غير قصد ولا عقد في المنام جريانها في اليقظة.
انتهى. السابعة: الإخبار عن الرؤيا التي تعجب من رآها بأنها بشرى من الله. الثامنة: أنه ينبغي للمؤمن أن يستبشر بالرؤيا الحسنة لقوله في بعض الروايات عن أبي قتادة رضي الله عنه: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر» . قال الإمام أحمد: الرؤيا تسرّ المؤمن ولا تغرّه. التاسعة: الأمر لمن رأى رؤيا يحبها أن يحمد الله عليها ويحدث بها. العاشرة: نهي من رأى رؤيا حسنة أن يخبر بها إلا من يحب. وهذا مما يتساهل فيه كثير من المنسوبين إلى العلم فضلاً عن العامة فتجد كثيرًا منهم يخبر بالرؤيا الحسنة من يحب ومن لا يحب.
الحادية عشرة: نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يحدث بها أحدًا. وهذا أيضًا مما يتساهل فيه كثير من الناس. الثانية عشرة: الأمر لمن رأى رؤيا يكرهها أن يبصق عن يساره ثلاثًا إذا استيقظ وأن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه. الثالثة عشرة: أمره أيضًا أن يستعيذ من شر رؤياه. الرابعة عشرة: الإخبار بأن من فعل ما أمر به إذا رأى الرؤيا المكروهة واجتنب ما نهي عنه من التحديث بها فإنها لا تضره. وقد قال ابن سيرين: اتق الله في اليقظة ولا تبال ما رأيت في النوم.
الخامسة عشرة: أمر من رأى رؤيا يكرهها أن يقوم فيصلي. قال ابن العربي المالكي: لأن التحرم بها عصمة من الأسواء ونهي عن المنكر والفحشاء. انتهى. السادسة عشرة: أن رؤية القيد في المنام حسن محمود وقد تقدم النص على أن القيد ثبات في الدين. قال أبو بكر ابن العربي المالكي: إنما جعل القيد ثباتًا في الدين لأن المقيد لا يستطيع المشي وقد ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلاً للإيمان الذي يمنع عن المشي إلى الباطل فجعله ثباتًا في الدين كذلك. انتهى. السابعة عشرة: أن رؤية الغُلّ في المنام مكروه لأنه من صفات أهل النار.
والغُلُّ بضم المعجمة وتشديد اللام واحد الأغلال. قال الفيومي في "المصباح المنير" : الغُلُّ بالضم طوق من حديث يجعل في العنق والجمع أغلال مثل قفل وأقفال. وقال ابن منظور في "لسان العرب" : الغُلُّ جامعة توضع في العنق أو اليد، والجمع أغلال، ويقال: في رقبته غُلُّ من حديد. وقوله تعالى وتقدس: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا أغلالاً} يس: 8 هي الجوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم، وقولهم في المرأة السيئة الخلق: «غُلُّ قَمِلٌ» أصله أن العرب كانوا إذا أسروا أسيرًا غلوه بغل من قِدًّ وعليه شعر فربما قمل في عنقه إذا قَبَّ ويبس فتجتمع عليه محنتان الغُلُّ والقمل.
ضربه مثلاً للمرأة السيئة الخلق الكثيرة المهر لا يجد بعلها منها مخلصًا، والعرب تكني عن المرأة بالغُلّ. وفي الحديث: «وإن من النساء غُلاُّ قَمِلاً يقذفه الله في عنق من يشاء ثم لا يخرجه إلا هو» . انتهى. قال المهلب: الغُلّ يعبّر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم} غافر: 71 الآية. وقد يدل على الكفر وقد يعبّر بامرأة تؤذي. انتهى. وقال ابن العربي المالكي قوله: «وأحب القيد وأكره الغُلّ» أما حبه القيد فلذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - له في قسم المحمود فقال: «قَيَّد الإيمان الفتك» وأما الغُلّ فذكره شرعًا في المذموم كقوله: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ}
الحاقة: 30 ، {إذ الأغلال في أعناقهم} الإسراء: 29 ، {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} الإسراء: 29 و {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} المائدة: 64 .
انتهى. وقال النووي: قال العلماء: إنما أحب القيد لأنه في الرجلين وهو كفّ عن المعاصي والشرور وأنواع الباطل. وأما الغُلّ فموضعه العنق وهو صفة أهل النار. وأما أهل التعبير فقالوا: إن القيد ثبات في الأمر الذي يراه الرائي بحسب من يرى له ذلك. وقالوا: إذا انضم الغل إلى القيد دل على زيادة
البخاري، وابن قطن رجل من بني المصطلق من خزاعة، وفي رواية قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية، وقد جاءت هذه الزيادة في إحدى الروايات عند أحمد. ومن ذلك رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بني الحكم ينزون على منبره. والحديث بذلك رواه أبو يعلى والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في منامه كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون فأصبح كالمتغيظ فقال: «ما لي رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة؟» قال: فما رُئِي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستجمعًا ضاحكًا بعد ذلك حتى مات - صلى الله عليه وسلم -.
قال الهيثمي: رجال أبي يعلى رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير وهو ثقة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: على شرط مسلم. وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" بنحوه. ومن الرؤيا الظاهرة ما جاء في حديث سمرة بن جندب الطويل وقد رواه الإمام أحمد والبخاري من طريقين، أحدهما عن عوف – وهو الأعرابي – عن أبي رجاء العطاردي حدثنا سمرة بن جندب الفزاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقصّ وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت
معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ههنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟
قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: وأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟
قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرًا، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة وإذا عنده نارٌ يحشها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟
قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أَرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارق؛ فارتقيت فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففُتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأنَّ
ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عَدْنٍ وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صُعُدًا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا فما هذا الذي رأيتُ؟
قال: قالا لي: أما إنّا سنخبرك؛ أما الرجل الأول الذي أَتيتَ عليه يُثْلَغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على
الفطرة»، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسنًا وشطر قبيحًا فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم» هذا لفظ البخاري. وقد رواه ابن شيبة وابن حبان في "صحيحه" بنحوه. قوله: "ضوضوا" قال أبو عبيدة: يعني ضجوا وصاحوا. وقال الجوهري: الضوضاة أصوات الناس وجلبتهم يقال ضوضوا بلا همز، وضوضيت أبدلوا من الواو ياء، وقوله: «فأتينا على روضة مُعْتَمَّة فيها من كل لون الربيع» كذا جاء في رواية البخاري، وجاء في رواية أحمد وابن أبي شيبة: «فأتينا على روضة معشبة فيها من كل نور الربيع» .
قال ابن حجر في "فتح الباري" قوله: «فأتينا على روضة معتمة» بضم الميم وسكون المهملة وكسر المثناة وتخفيف الميم بعدها هاء تأنيث. ولبعضهم بفتح المثناة وتشديد الميم. قال الداودي: اعتمَّت الأرض: غطاها الخصب. انتهى المقصود من كلامه، وقوله: «فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أَرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن» هكذا جاء في رواية البخاري، وجاء في رواية أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان: «فانتهينا إلى دوحة عظيمة لم أَرَ دوحة قط أعظم منها ولا أحسن» . قال الجوهري: الدوحة الشجرة العظيمة من أي الشجر كان، انتهى.
وسيأتي في رواية جرير بن حازم ما يؤيد رواية أحمد وابن أبي شيبة وابن حبان. الطريق الثاني: عن جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يحدث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى صلاة الغداة أقبل علينا بوجهه فقال: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا» فإن كان أحد رأى تلك الليلة رؤيا قصَّها عليه فيقول فيها ما شاء الله أن يقول، فسألنا يومًا فقال: «هل رأى منكم الليلة رؤيا» ، قال: فقلنا: لا، قال: «لكن أنا رأيت رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى أرض فضاء أو أرض مستوية فمرا بي على رجل ورجل قائم على رأسه بيده كلوب من حديد فيدخله في شدقه فيشقه حتى يبلغ قفاه ثم يخرجه
فيدخله في شقه الآخر ويلتئم هذا الشق فهو يفعل ذلك به، قلت: ما هذا؟
قالا: انطلق، فانطلقت معهما فإذا رجل مستلق على قفاه ورجل قائم بيده فهر أو صخرة يشدخ بها رأسه فيتدهدى الحجر فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان فيصنع مثل ذلك فقلت: ما هذا؟ قالا لي: انطلق، فانطلقت معهما فإذا بيت مبني على بناء التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار فإذا فيه رجال ونساء عراة فإذا أوقدت ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا فيها فقلت: ما هذا؟ قالا لي: انطلق، فانطلقت فإذا نهر من دم فيه رجل وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فيقبل الرجل الذي في النهر فإذا دنا ليخرج رمى في فيه حجرًا فرجع إلى مكانه فهو يفعل ذلك به، فقلت: ما هذا؟
فقالا: انطلق، فانطلقت فإذا روضة خضراء فإذا فيها شجرة عظيمة وإذا شيخ في أصلها حوله صبيان وإذا رجل قريب منه بين يديه نار فهو يحششها ويوقدها فصعدا بي في الشجرة فأدخلاني دارًا لم أر دارًا قط أحسن منها فإذا فيها رجال شيوخ وشباب وفيها نساء وصبيان فأخرجاني منها فصعدا بي في الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل منها فيها شيوخ وشباب، فقلت لهما: إنكما قد طوفتماني منذ الليلة فأخبراني عما رأيت؟ فقالا: نعم. أما الرجل الأول الذي رأيت فإنه رجل كذاب يكذب الكذبة فتحمل عنه في الآفاق فهو يصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة ثم يصنع الله تبارك وتعالى به ما شاء، وأما الرجل الذي رأيت مستلقيًا فرجل آتاه الله تبارك وتعالى
القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار فهو يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة، وأما الذي رأيت في التنور فهم الزناة، وأما الذي رأيت في النهر فذاك آكل الربا، وأما الشيخ الذي في أصل الشجرة فذاك إبراهيم عليه السلام، وأما الصبيان الذي رأيت فأولاد الناس، وأما الرجل الذي رأيت يوقد النار ويحششها فذاك مالك خازن النار وتلك النار، وأما الدار التي دخلت أولاً فدار عامة المؤمنين، وأما الدار الأخرى فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل.
ثم قالا لي: ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا هي كهيئة السحاب فقالا لي: وتلك دارك، فقلت لهما: دعاني أدخل داري، فقالا: إنه قد بقي لك عمل لم تستكمله فلو استكملته دخلت دارك» هذا لفظ أحمد، وفي رواية البخاري: «قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك» . وقد روى مسلم والترمذي طرفًا من أوله وهو قوله: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا» ؟ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ويروى هذا الحديث عن عوف وجرير ابن حازم عن أبي رجاء عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة طويلة.
انتهى. ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة الصبح فقال: «إني رأيت رؤيا هي حق فاعقلوها، أتاني رجل فأخذ بيدي فاستتبعني حتى أتى بي جبلاً وعرًا طويلاً فقال لي: إرقه، فقلت: إني لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك، فجعلت كلما رقيت قدمي وضعتها على درجة حتى استوينا على سواء الجبل فانطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يقولون ما لا يعلمون.
ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مسمرة أعينهم وآذانهم فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذي يُرُوْنَ أعينهم ما لا يَرَوْن ويسمعون آذانهم ما لا يسمعون. ثم انطلقنا فإذا نحن بنساء معلقات بعراقيبهن مصوبة رءوسهن تنهش ثديانهن الحيات، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يمنعون أولادهن من ألبانهن. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء معلقات بعراقيبهن مصوبة رءوسهن يلحسن من ماء قليل وحمأ، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يصومون ويفطرون قبل تحلة صومهم، ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء أقبح شيء منظرًا وأقبحه لبوسًا وأنتنه ريحًا كأنما ريحهم المراحيض، قلت: ما هؤلاء؟
قال: هؤلاء الزانون والزناة. ثم انطلقنا فإذا نحن بموتى أشد شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى الكفار. ثم انطلقنا وإذا نحن نرى دخانًا ونسمع عواء، قلت: ما هذا؟ قال: هذه جهنم فدعه. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال نيام تحت ظلال الشجر، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين. ثم انطلقنا فإذا نحن بغلمان وجوار يعلبون بين نهرين، قلت: ما هؤلاء؟ قال: ذرية المؤمنين. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال أحسن شيء وجهًا وأحسنه لبوسًا وأطيبه ريحًا كأن وجوههم القراطيس، قلت: ما هؤلاء؟
قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون. ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرًا لهم ويتغنون، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: ذلك زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة فملت قبلهم فقالوا: قدنا لك قدنا لك، قال: ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون. ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرًا لهم ويتغنون، فقلت: ما هؤلاء قال: ذلك زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة فلمت قبلهم فقالوا: قدنا لك قدنا لك، قال: ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء؟
قال: ذاك أبوك إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينتظرونك صلى الله عليهم أجمعين». قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ ابن حجر: سنده جيد، ورواه الطبراني أيضًا بنحوه مختصرًا وقال فيه: «ثم انطلق بي حتى أشرفت على غلمان يلعبون بين نهرين، قلت: من هؤلاء؟ قال: ذراري المؤمنين يحضنهم إبراهيم» . ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في "مستدركه" مختصرًا ولا سيما رواية الحاكم فإنها مختصرة جدًا، وأوله عندهم: «بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتي بي جبلاً وعرًا فقالا لي: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهله لك» الحديث.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد نقله ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر فضيلة أمراء مؤتة من كتاب "دلائل النبوة" لأبي زرعة الرازي وفيه اختصار عما جاء في رواية الطبراني. ومن الرؤيا الظاهرة ما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا وكنا في صُفَّة المدينة فقام علينا فقال: «إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله عز وجل
فطرد الشيطان عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشًا كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فسقاه وأرواه، ورأيت رجلاً من أمتي ورأيت النبيين جلوسًا حلقًا حلقًا كلما دنا إلى حلقة طُرد فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءه حجّه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلاً من أمتي يتقي بيده وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه، ورأيت
رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين إنه كان وصولاً لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلاً من أمتي جاثيًا على ركبتيه وبينه وبين الله عز وجل حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل، ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شماله فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلاً من أمتي خَفَّ ميزانه فجاءه أَفْراطه فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلاً من أمتي قائمًا على شفير جهنم فجاءه رجاؤه
من الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكَّن رعدته ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أيحانًا ويتعلق أحيانًا فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة» رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب «الترغيب في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية» وقال: هذا حديث حسن
جدًا.
ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الوابل الصيب في الكلم الطيب» ووصف هذا الحدث قبل سياقه له بأنه حديث عظيم شريف القدر ينبغي لكل مسلم أن يحفظه. ثم قال فنذكره بطوله لعموم فائدته وحاجة الخلق إليه، وبعد أن انتهى من سياقه قال: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث وبلغني عنه أنه كان يقول شواهد الصحة عليه. انتهى. وقد رواه الطبراني في الأحاديث الطوال وإسناده ضعيف. ومن الرؤيا الظاهرة ما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم سليم وبلال وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم وقد جاء ذلك في عدة أحاديث.
منها ما ذكروا فيه جميعًا. ومنها ما ذكر فيه اثنان منهم. ومنها ما ذكر فيه كل واحد منهم على انفراده. فمن الأحاديث التي ذكروا فيها جميعًا حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أريتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة أمامي قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا بلال، قال: ورأيت قصرًا أبيض بفنائه جارية فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد قلت: فأنا محمد لمن هذا القصر؟ قال: هذا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فأنظر إليه قال فذكرت غيرتك» ، فقال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أو عليك أغار.
رواه الإمام أحمد والبخاري وهذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين عنده. ورواه مسلم مختصرًا ولفظه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُريت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال» . ومن الأحاديث التي ذكر فيها عمر وبلال رضي الله عنهما حديث بريدة رضي الله عنه قال: أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا بلالاً فقال: «يا بلال بم سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف فقلت: لمن هذا القصر؟
قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا غيرتك يا عمر لدخلتُ القصر» ، فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال: «بمَ سبقتني إلى الجنة» ، قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بهذا» رواه الإمام أحمد والترمذي وهذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين عنده. وفي رواية الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فأتيت على قصر مربَّع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟
فقالوا: لرجل من العرب، فقلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلت: أنا قرشي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد، قلت: أنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» . فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بهما» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. قال: وفي الباب عن جابر ومعاذ وأنس وأبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأيت في الجنة قصرًا من ذهب فقلت: لمن هذا؟
فقيل: لعمر بن الخطاب» ، قال: ومعنى هذا الحديث أني دخلت البارحة الجنة، يعني رأيت في المنام كأني دخلت الجنة. هكذا روي في بعض الحديث، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «رؤيا الأنبياء وحي» انتهى كلام الترمذي. قلت: وقد جاء التصريح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ذلك في المنام. وقد جاء في ذكر عمر وحده ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة توضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟
قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" . الثاني: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك» .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي يا نبي الله أوعليك أغار. رواه الإمام أحمد والبخاري وابن حبان في "صحيحه" وهذا لفظ البخاري في "باب الغيرة" من "كتاب النكاح" ورواه في "كتاب التعبير" ولفظه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب إلا ما أعلمه من غيرتك» ، قال: وعليك أغار يا رسول الله. وفي رواية ابن حبان: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أدخلت الجنة فرأيت فيها قصرًا من ذهب أو لؤلؤ فقلت: لمن هذا القصر؟
قالوا: لعمر بن الخطاب» وذكر بقيته بنحوه. وقد بوّب البخاري على هذا الحديث وحديث أبي هريرة المذكور قبله بقوله «باب القصر في المنام» . الثالث: حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش، قلت: لمن؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، قال: فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته» ، فقال عمر رضي الله عنه: عليك يا رسول الله أغار، رواه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن يحيى – وهو ابن سعيد القطان – عن حميد عن أنس.
ورواه أيضًا عن عبد الله بن بكر – وهو السهمي – عن حميد عن أنسٍ، وكل واحد من هذه الأسانيد الثلاثة ثلاثي على شرط الشيخين، ورواه أيضًا بإسنادين صحيحين سوى هذه الأسانيد الثلاثة، ورواه الترمذي وابن حبان في "صحيحه" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومما جاء في ذكر بلال وحده حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - لبلال عند صلاة الغداة: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة قال بلال: ما عطلت عملاً في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن
أصلي» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" قوله: «عند صلاة الفجر» فيه إشِارة إلى أن ذلك وقع في المنام لأن عادته - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر. انتهى. ومما جاء في ذكر الرميصاء وحدها حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يديّ فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» رواه الإمام أحمد عن هشيم عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن يحيى عن حميد عن أنس رضي الله عنه، وكل واحد من هذه الأسانيد الثلاثة ثلاثي على شرط الشيخين، ورواه أيضًا بإسنادين صحيحين من طريق
ثابت عن أنس رضي الله عنه، ورواه مسلم وابن حبان في "صحيحه" والطبراني في "الكبير" .
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان» ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كذلك البر كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه، وقد رواه عبد الرزاق وابن حبان في "صحيحه" والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة البحر الذين غزوا قبرص في زمان عثمان رضي الله عنه والذين غزوا الروم في زمان معاوية رضي الله عنه، وقد جاء في ذلك حديثان.
أحدهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وقد روي عنه من ثلاثة طرق: أحدها: ما رواه مالك في "الموطأ" عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا فأطعمته وجلست تفلي رأسه فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج
نعم، ورد في الحديث أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، وقد أفرد المفسرون لهذا الباب أحاديث وآثاراً عن الصحابة والتابعين مذكورة في هذه الصفحة.
الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، وفي هذه الصفحة كلام ابن الأثير وغيره من العلماء على هذا الحديث.