(١٧) - كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا[٢٥٤ - باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ١٥١٠

الحديث رقم ١٥١٠ من كتاب «كتاب الدعوات» في رياض الصالحين، تحت باب: باب كرامات الأولياء وفضلهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: (١٧) - كتاب الأمور المنهي عنها[٢٥٤ - باب…

(١٧) - كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا

[٢٥٤ - باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: ١٢]، وقال تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: ٣٦]، وقال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ} [ق: ١٨].

اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلَاّ كَلَامًا ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.

سند حديث: ١٥١٠ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ…

١٥١٠ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: مَا سَمِعْتُ عمر - رضي الله عنه - يقولُ لِشَيءٍ قَطُّ: إنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا، إِلَاّ كَانَ كَمَا يَظُنُّ. رواه البخاري. (١)

رواة الحديث

شرح حديث: (١٧) - كتاب الأمور المنهي عنها[٢٥٤ - باب…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[باب كرامات الأولياء وفضلهم]

قال الله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} وقال تعالى {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي}

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصاحين باب كرامات الأولياء وفضلهم الكرامات هنا معناها هي كل أمر خارق للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد متبعي الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكرامة يعني أمر غير معتاد يظهره الله على يد متبع الرسول إما تكريما له وإما نصرة للحق وهي ثابتة أعني الكرامات ثابتة بالكتاب والسنة والواقع ولكن من هم الأولياء؟ الأولياء هم من بينهم الله في قوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون هؤلاء هم الأولياء جمعوا بين الإيمان والتقوى وليس أولياء الله الذين يدعون أنهم أولياءه وهم من أعدائه كما يفعل في بعض البلاد يأتي الرجل يدعي أنه ولي وهو عاص فاسق يدعو الناس إلى أن يعبدوه ويطيعوه في كل شيء ويدعي أن الله قد أحل له كل شيء حتى المحرمات أحلها الله له لأنه بلغ الغاية هؤلاء ليسوا بأولياء الله هؤلاء أعداء الله ولي الله هو المؤمن التقي كما في هذه الآية

الكريمة التي ساقها المؤلف {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} وسوف يذكر المؤلف إن شاء الله الآيات والأحاديث الدالة على ذلك والواقع أيضا والفرق بين الآية آية النبي صلى الله عليه وسلم وكرامة الولي وشعوذة العدو الفرق بينهم أن آية النبي صلى الله عليه وسلم أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد النبي صلى الله عليه وسلم تأييدا له وتصديقا له مثل إحياء عيسى صلى الله عليه وسلم للموتى كان عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم يحيي الموتى بل يخرجهم من القبور بعد الدفن كما قال الله تعالى {وإذ تخرج الموتى بإذني} فيقف على القبر ويدعو صاحبه فيخرج من قبره حيا يبرئ الأكمة والأبرص يخلق من الطين على صورة الطير يعني يصنع شيئا على صورة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله يطير من بين يديه كان بالأول طينا فإذا نفخ فيه طار هذا أيضا من آيات الله إذن فآيات الأنبياء هي أمور خارقة للعادة يظهرها الله تعالى على أيديهم تأييدا لهم أما كرامات الأولياء فهي أمور خارق للعادة ولكنها لا تكون للأنبياء بل تكون لمتبعي الأنبياء مثل ما حدث لمريم بنت عمران {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فنادها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} هذه من آيات الله كرامة لمريم امرأة في المخاض تحت نخلة تهز الجذع وهز الجذع ليس سهلا هز رأس النخلة ممكن لكن هز الجذع صعب تهز الجذع ثم يتساقط الرطب من النخلة جنيا

يعني كأنه مخروط خرطا ما يتفصص إذا نزل في الأرض أو يفسد هذه آية من آيات الله كذلك ما حدث لها من الحمل والولادة كلها من آيات الله عز وجل كرامة لها كما قال تعالى {وجعلناها وابنها آية للعالمين} أما الثالث الذي يظهره الله على يد المشعوذين الذين يستخدمون الجن يظهرها الله عز وجل على أيديهم فتنة لهم وفتنة بهم فإنه يوجد من الناس من يأتي بأشياء خارقة للعادة ولكنه ليس وليا فنقول كرامة ومعلوم أيضا أنه ليس بنبي لأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم إذن فهي من الشياطين الأمر الرابع: ما يكون خارقا للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد الكاذب تكذيبا له مثل ما يذكر عن مسيلمة الكذاب مسيلمة رجل ادعى النبوة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنه نبي وتبعه من تبعه من الناس وفي يوم من الأيام أتاه قوم أهل حرب يشكون إليه أن بئرهم قد غار ماؤها ولم يبق فيه إلا القليل فطلبوا منه أن يأتي إلى البئر ويمج فيه من ريقه لعله يعود الماء ففعل فأعطوه ماء فتمضمض به ثم مجه في البئر وكان في البئر شيء من الماء ولما مجه في البئر غار الماء كله ما بقي شيء هذا خارق للعادة ولا شك أنه آية ولكن الله سبحانه وتعالى جعله إهانة لذلك الرجل الكذاب وإظهارا لكذبه فهذه أربعة أشياء آية النبي وكرامة الولي وشعوذة المشعوذ وإهانة الكذاب المفتري كلها أمور خارقة للعادة لكنها تختلف بحسب من أظهرها الله على يديه ويأتي إن شاء الله الكلام على الآيات التي ذكرها المؤلف

قال تعالى {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}

[الشَّرْحُ]

تقدم لنا الكلام على كرامات الأولياء وأنها أي الكرمات كل أمر خارق للعادة يعني كل ما يخرج عن العادة يظهره الله تعالى على يد الوالي تكريما له أو نصرة لدين الله وذكرنا أن هناك آيات وهناك شعوذة وهناك إهانات أربعة أشياء كلها تخرج عن العادة وبيناها فيما سبق واعلم أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه لأن هذا الوالي الذي اتبع هذا النبي إذا أكرم بكرامة فهي شهادة من الله سبحانه وتعالى على صحة طريقته وعلى صحة الشرع الذي اتبعه ولهذا نقول كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه.

ثم ذكر المؤلف آيات فيها كرامات منها كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب مريم ابنة عمران نذرتها أمها {إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني

محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فزكريا إذا دخل على مريم المحراب أي مكان صلاتها وجد عندها رزقا أي وجد عندها طعاما لم تجر العادة بوجوده فيقول أنى لك هذا ما جاء به قالت هو من عند الله لم تقل جاء به فلان أو فلان بل هو من عند الله عز وجل والله تعالى على كل شيء قدير يأتي به من عنده لا من سعي البشر ولكنه من عند الله {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} وعندئذ دعا زكريا ربه وكان قد بلغه الكبر ولم يأته أولاد فقال إن الله على كل شيء قدير واستدل بقدرة الله الذي جاء بهذا الرزق إلى مريم بدون سبب بشري فاستدل بذلك على كمال قدرة الله فدعا ربه أن يأتيه ولدا فجاءه الولد وفيه أيضا كرامات لذلك فمريم رضي الله عنها لها كرامات منها هذه المسألة رزقها يأتيها من عند الله لا يشترى من السوق ولا يأتي به فلان أو فلان من عند الله وكذلك ما ذكرناه بالأمس حين جاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} وسبق الكلام على هذا ومن الكرامات أيضا ما وقع لأصحاب الكهف والكهف هو غار فسيح في الجبل وكان هؤلاء القوم سبعة رجال رأوا ما عليه أهل بلدتهم من

الشرك والكفر ولم يرضوا بذلك فاعتزلوا قومهم وهاجروا من بلدهم لأنها بدل شرك وكفر فاعتزلوا قومهم ولجأوا إلى غار كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمنوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} يعني لما اعتزلوهم وشركهم أمروا أن يأووا إلى الكهف {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} فأووا إلى الكهف اذهبوا إلى الكهف وهذا الكهف كما قلنا هو غار في الجبل ذهبوا إليه هذا الغار وجهه إلى الشمال الشرقي بحيث الشمس ما تدخل عليه لا أول النهار ولا آخره يسره الله لهم لأن الله تعالى يقول {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} وهؤلاء خرجوا يريدون وجه الله فيسر الله أمرهم أوووا إلى الكهف وألقى الله عليهم النوم قال الله تعالى مبينا هذا {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} يعني ما تدخل عليهم الشمس دخولا كاملا فيصيبهم الحر لكنه تقرضه شيء بسيط يأتيهم من الشمس لكي لا يتبخر الغار فيفسد يدخل عليه من الشمس بقدر الحاجة فقط {وهم في فجوة منه} أي في

مكان متسع كما جاء في الحديث كلما أتى فجوة..

...

أي شيء متسع هم في مكان متسع في الغار ذلك من آيات الله أن يسر الله لهم هذا المكان لما دخلوا في هذا المكان آمنين متوكلين على الله عز وجل مفوضين أمرهم إليه ألقى الله عليهم النوم فناموا كم ناموا يوما..

يومين ...

ثلاثة؟ لا ناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنين وهم نائمين ٣٠٩ سنة لا يستيقظون من حر ولا برد ولا جوع ولا عطش هذا من كرامات الله هل يبقى الواحد منا ثلاثة أيام نائما لا يجوع ولا يعطش ولا يحتر ولا يبرد لا هؤلاء بقوا في كهفهم ٣٠٩ سنة {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} ويقول الله عز وجل {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} الله عز وجل هو الذي يقلبهم لماذا يقلبهم الله عز وجل لأن النائم لا فعل له مرفوع عنه القلم حتى لو فعل لن يتم فعله {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} عند الباب يحرصهم بإذن الله عز وجل وإنما قلبهم الله تعالى لأنهم لو بقوا هذه المدة الطويلة على جنب واحد لفسد الدم ولم يتحرك لكن يقلبون ذات اليمين وذات الشمال إذا رآهم الإنسان حسبهم أيقاظا يعني ليس على وجههم وجه النوم الذي يراهم يقول هؤلاء أيقاظ وهم رقود نائمون وألقى الله عليهم

المهابة العظيمة {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا} لوليت منهم فرارا ببدنك ولملئت منهم رعبا بقلبك القلب يفزع والبدن يهرب لأن لا يحوم أحد حولهم فيوقظهم لكن الله عز وجل أكرمهم بهذا وكرامات أصحاب الكهف كثيرة نقتصر منها على هذا ونذكر إن شاء الله الباقي في درس آخر نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أوليائه المكرمين إنه على كل شيء قدير

وقال تعالى {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال}

قال الله تعالى {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال}

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة آيات تشتمل على كرامات الأولياء ومنها قصة أصحاب الكهف وكانوا فتية آمنوا بالله واعتزلوا قومهم وخرجوا من بلدهم فهيأ الله لهم كهفا يعني غارا واسعا في الجبل فدخلوا فيه فألقى الله عليهم النوم فناموا ٣٠٩ سنة وهم نائمون لم يحتاجوا إلى أكل ولا شرب ولم تتأثر أبدانهم وكان الله تعالى يقبلهم ذات اليمين وذات الشمال وهذه من كرامات الله لهم أن الله تعالى هيأ لهم مقرا آمنا حتى إن الله يقول

لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ما أحد يحوم حولهم ومن كرامات الله لهم أنهم بقوا هذه المدة ٣٠٩ سنة ولم يتغير منهم ظفر ولا شعر ولا غيره مع أن العادة أن الشعور تطول والأظفار تطول لكن هؤلاء لم تطل شعورهم ولا أظفارهم وبقوا وكأنهم ناموا بالأمس ولهذا قال الله تعالى {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يتغير منهم شيء وأما ما ذكر بعض الناس أنهم طالت أظفارهم وشعورهم فهذا خطأ لأنه لو كان كذلك لعرفوا أنهم بقوا مدة طويلة ولكنهم لم يتغيروا ومن كرامات الله لهم أن الله أبقاهم على هذه النومة حتى أبدل الله تعالى ملكهم الظالم بملك صالح ولما استيقظوا بعثوا واحدا منهم إلى البلدة ليأتي بطعام له وكان معهم نقود سابقة من النقود التي لها ٣٠٩ سنة فلما جاءوا يشترون من البلدة ودفعوا النقود تعجب أهل البلدة من أين هذه النقود حتى أطلع الله الناس عليهم فهذا من كرامات الله لهم ويحسن أن يجمع هذه الآيات وغيرها وتتأمل ويستخرج ما فيها من الكرمات الدالة على قدرة الله عز وجل وعلى أنه تبارك وتعالى أكرم من خلقه إذا تعبد الإنسان له بما يرضى أعطاه الله تعالى ما يرضى والله الموفق

قال الله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}

[الشَّرْحُ]

صدر المؤلف رحمه الله تعالى باب كرامات الأولياء بهذه الآية ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون وتقدم الكلام على أولها وأن الله تعالى بين أن أولياءه هم المؤمنون المتقون {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} وقد أخذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من هذه الآية عبارة قال فيها من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا فيقول الله عز وجل إن هؤلاء الأولياء {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} لا خوف عليهم لما يستقبل من أمرهم ولا هم يحزنون على ما مضى من أمرهم لأنهم أدركوا معنى الحياة الدنيا فعملوا عملا صالحا وآمنوا بالله واتقوه فصاروا من أوليائه ثم قال {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} البشرى تعني البشارة في الحياة الدنيا وفي الآخرة والبشارة في الحياة الدنيا أنواع فمنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له أحد يراها له يعني يرى في المنام ما يسره أو يرى له أحد من أهل الصلاح ما يسره مثل أن يرى أنه يبشر بالجنة أو يرى أحد من الناس أنه من أهل الجنة أو ما أشبه ذلك أو يرى على هيئة صالحة المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرؤيا الصالحة يراها أو ترى له تلك عاجل بشرى المؤمن ومنها إن الإنسان يسر في الطاعة، ويفرح بها وتكون قرة عينه، فإن هذا يدل على أنه من أولياء الله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سرته حسنته، وساءته سيئته فذلك المؤمن فإذا رأيت من نفسك أن صدرك ينشرح بالطاعة، وأنه يضيق بالمعصية فهذه بشرى لك، أنك من عباد الله المؤمنين ومن أوليائه المتقين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: وجعلت قرة عيني في الصلاة ومن ذلك أيضاً أن أهل الخير يثنون عليه ويحبونه ويذكرونه بالخير، فإذا رأيت أن أهل الخير يحبونك ويثنون عليك بالخير، فهذه بشرى للإنسان أنه يثنى عليه من أهل الخير، ولا عبرة بثناء أهل الشر ولا قدحهم، لأنهم لا ميزان لهم ولا تقبل شهادتهم عند الله، لكن أهل الخير إذا رأيتهم يثنون عليك وأنهم يذكرونك بالخير ويقتربون منك ويتجهون إليك فاعلم أن هذه بشرى من الله لك.

ومن البشرى في الحياة الدنيا، ما يبشر به العبد عند فراق الدنيا، حيث تتنزل عليه الملائكة {ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلاً من غفور رحيم} ومن البشارة أيضاً أن الإنسان عند موته بشارة أخرى، فيقال لنفسه: اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان، فتفرح وتسر.

ومن ذلك أيضاً البشارة في القبر، فإن الإنسان إذا سئل عن ربه ودينه ونبيه وأجاب بالحق، ناد مناد من السماء أن صدق عبدي؛ فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً من الجنة.

ومنها أيضاً البشارة في الحشر، تتلقاهم الملائكة {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} و {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} المهم أن أولياء الله لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم {لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} يعني لا أحد يبدل كلمات الله تعالى، أما الكونية فلا يستطيع أحد أن يبدلها وأما الشرعية فقد يحرفها أهل الباطل، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم حرفوها وبدلوها وغيروها، وأما الكلمات الكونية فلا أحد يبدلها {لا تبديل لكلمات الله ذلك الفوز العظيم} .

والله الموفق

١٥٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد، فإنه عمر.

رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية عائشة، وفي روايتهما قال

ابن وهب: محدثون أي: ملهمون.

[الشَّرْحُ]

سبق لنا ما يتعلق بقضية أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما أكرمه الله به من الكرامة، ثم أتى المؤلف رحمه الله بحديث لأبي هريرة في كرامة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: كان فيما كان قبلكم محدثون - يعني: ملهمون للصواب، يقولون قولاً فيكون موافقًا للحق، وهذا من كرامة الله للعبد أن الإنسان إذا قال قولاً، أو أفتى بفتوى، أو حكم بحكم تبين له بعد ذلك أنه مطابق للحق، فعمر رضي الله عنه من أشد الناس توفيقًا للحق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فيما سيذكره المؤلف من أمثلة لذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن يكن فيكم محدثون فعمر يعني إن كان فيكم محدثون فعمر، ويحتمل قوله: إن يكن فيكم إنه خطاب لقوم مجتمعين ليس فيهم أبو بكر ويحتمل أنه خطاب إلى الأمة كلها، ومن بينهم أبو بكر رضي الله عنه، فإن كان الأول فلا إشكال، وإن كان الثاني فقد يقول قائل: كيف يكون عمر ملهمًا وأبو بكر ليس كذلك، فيقال: إن أبا بكر رضي الله عنه يوفق للصواب بدون إلهام، بمعنى أنه رضي الله عنه من ذات نفسه بتوفيق الله - عز وجل - يوفق للصواب ويدل على هذا عدة مسائل، يعني يدل على أن أبا بكر أشد توفيقًا للصواب من عمر عدة مسائل: أولاً: في صلح الحديبية لما اشترطت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم شروطاً يبدو أنها ثقيلة عظيمة، عمل عمر رضي الله عنه على إبطالها، وجاء إلى النبي

صلى الله عليه وسلم يراجعه في ذلك ويقول: كيف نعطي الدنية في ديننا؟ كيف نشترط على أنفسنا أن من جاءنا منهم مسلمًا، ردنناه إليهم، ومن جاءهم منا لا يردونه؟ هذا ثقيل , ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) ، فذهب عمر رضي الله عنه - إلى أبي بكر - رضي الله عنه - يريد أن يستنجد به في إقناع الرسول صلى الله عليه وسلم فكلم أبا بكر فقال له أبو بكر مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بسواء قال إنه رسول الله وليس بعاصيه وهو ناصره فاستمسك بعرزه، يعني لا يكن عندك شك في أمر، فهذه واحدة، إذن من الموفق إلى الصواب في هذا؟ أبو بكر لا شك، كذلك أيضًا في موت الرسول صلى الله عليه وسلم، لما شاع الخبر في المدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم مات.

قال عمر في الناس وقال إنه لم يمت وإنما صعق وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف، وأنكر أن يكون قد مات، وكان أبو بكر قد خرج ذلك اليوم إلى بستان له خارج المدينة فلما رجع وجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات حقًا، فخرج إلى المسجد وصعد المنبر، وقال كلماته المشهورة التي تكتب بأغلى من ماء الذهب.

قال: أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قول الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون وقوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}

قال عمر: فوالله ما إن تلاها أبو بكر حتى عقرت فما تحملني رجلاي، يعني الإنسان إذا خاف واشتد به الشيء ما يقدر أن يقف، هذه الثانية، الثالثة: إنه لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب، كفروا والعياذ بالله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جهز جيشًا أميره أسامة بن زيد، ليقاتل أدنى أهل الشام والجيش كان ظاهر المدينة ولكن لم يسيروا بعد، ولما ارتد العرب جاء عمر لأبي بكر، وقال لا ترسل الجيش، نحن في حاجة، فقال له أبو بكر: والله لا أحلن راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرهم أبو بكر، فكان الصواب مع أبي بكر - رضي الله عنه - لأن الناس لما سمعوا أن أهل المدينة أرسلوا الجيوش إلى أطراف الشام، قالوا: هؤلاء عندهم قوة ولا يمكن أن نرتد، فامتنع كثير من الناس عن الردة وبقوا في الإسلام، المهم أن أبا بكر رضي الله عنه أبلغ من عمر، رضي الله عنه - في إصابة الصواب لاسيما في المواضع الضنكة الضيقة، وعلى كل حال كلا الرجلين - رضي الله عنهما - كلاهما موفق إلى الصواب، جمعنا الله وإياكم بهما في الجنة، وكلما الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر طاعة لله وفقه الله تعالى إلى الحق بقدر ما معه من الإيمان والعلم والعمل الصالح، تجده مثلاً يعمل عملاً يظنه صوابًا بدون ما يكون معه دليل من الكتاب والسنة فإذا راجع أو سأل، وجد أن عمله مطابق للكتاب والسنة، وهذه من الكرامات، فعمر رضي الله عنه قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إن يكن فيه محدثون فإنه عمر

١٥٠٥ - وعن جابر بن سمرة، رضي الله عنهما.

قال: شكا أهل الكوفة سعداً، يعني: ابن أبي وقاص - رضي الله عنه - إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي.

فقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين، وأخف في الأخريين، قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجلاً - أو رجالاً - إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجداً إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجداً لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء، وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد ذلك إذا سئل يقول، شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.

قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

هذه من الكرامات التي نقلها المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصاحين، وهي ما رواه جابر بن سمرة في قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان سعد معروفاً بإجابة الدعوة (مستجاب الدعاء) يعني أن الله أعطاه كرامة وهو أن الله تعالى يجيب دعوته إذا دعا، وقد جعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أميراً على أهل الكوفة، لأن المسلمين لما فتحوا العراق مصروا الأمصار وجعلوا البصرة والكوفة وهما أشهر ما يكون في العراق، ثم إن أمير المؤمنين جعل لهم أمراء، فأمر سعد بن أبي وقاص على الكوفة، فشكاه أهل الكوفة إلى أمير المؤمنين عمر، حتى قالوا إنه لا يحسن أن يصلي، وهو صحابي جليل شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فأرسل إليه عمر، فحضر وقال له: إن أهل الكوفة شكوك حتى قالوا: إنك لا تحسن تصلي، فأخبره سعد رضي الله عنه أنه كان يصلي بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر صلاة العشاء وكأنها - والله أعلم - هي التي وقع تعيينها من هؤلاء الشكاة، فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أخرم عنها يعني لا أدعها، فكنت أطول في العشاء بالأوليين وأقصر في الأخريين، فقال له عمر رضي الله عنه: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، فزكاه عمر؛ لأن هذا هو الظن به، أنه يحسن الصلاة وانه يصلي بقومه الذين أمر عليهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن مع ذلك تحرى ذلك عمر رضي الله عنه لأنه يتحمل المسئولية ويعرف قدر المسئولية، أرسل رجالاً إلى أهل الكوفة، يسألونهم عن سعد وعن سيرته، فكان هؤلاء

الرجال، لا يدخلون مسجداً ويسألون عن سعد إلا أثنوا عليه معروفًا.

حتى أتى هؤلاء الرجال إلى مسجد بني عبس، فسألوهم، فقام رجل فقال: أما ناشدتمونا، فإن هذا الرجل لا يعدل في القضية ولا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، فقوله لا يسير في السرية، يعني لا يخرج في الجهاد، ولا يقسم بالسوية إذا غنم ولا يعدل في القضية إذا حكم بين الناس، فاتهمه هذه التهم، فهي تهم ثلاث، فقال أما إن قلت كذا (المتحدث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه) ، فلأدعون عليك بثلاث دعوات، دعا عليه أن يطيل الله تعالى عمره وفقره ويعرضه للفتن، نسأل الله العافية، ثلاث دعوات عظيمة، لكنه رضي الله عنه استثنى، قال: إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة يعني لا بحق، فأجاب الله دعاءه، فكان هذا الرجل طويل العمر، عمر طويلاً وشاخ حتى إن حاجبيه سقطت على عينيه من الكبر، وكان فقيراً وعرض للفتن، حتى وهو في هذه الحال وهو كبير إلى هذا الحد كان يتعرض للجواري، يتعرض لهن في الأسواق ليغمزهن والعياذ بالله، وكان يقول عن نفسه شيخ مفتون كبير أصابتني دعوة سعد.

فهذه من الكرامات التي أكرم الله بها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

وفيه فوائد عديدة منها: أن من تولى أمراً في الناس فإنه لا يسلم منهم مهما كانت منزلته، لابد أن يناله السوء قال ابن الوردي في منظومته المشهورة، التي أولها

اعتزل ذكر الأغاني والغزل ...

وقل الفصل وجانب من هذل

ودع الذكرى لأيام الصبى ...

فلأيام الصبى نجم أفل

قال فيها من جملة ما قال من حكم:

إن نصف الناس أعداء لمن ...

ولي الأحكام، هذا إن عدل

ومن الفوائد أيضاً في هذا الحديث جواز دعاء المظلوم على ظالمه بمثل ما ظلمه كما دعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هذه الدعوات على من ظلمه، ومن فوائدها: أن الله تعالى يستجيب دعاء المظلوم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة من أموالهم، قال: إياك وكزائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فالمظلوم يستجيب الله دعاءه حتى ولو كان كافراً فلو كان كافراً وظلم ودعا على من ظلمه أجاب الله دعاءه، لأن الله حكم عدل عز وجل، يأخذ بالإنصاف والعدل لمن كان مظلوماً ولو كان كافراً، فكيف إذا كان مسلماً؟ ومن فوائد هذا الحديث، أنه يجوز للإنسان أن يستثني في الدعاء، إذا دعا على شخص يستثني فيقول: اللهم إن كان كذا فافعل به كذا، اللهم إن كان ظلمني فأنصفني منه أو فابتله بكذا وكذا، تدعو بمثل ما ظلمك، وقد جاء الاستثناء في الدعاء في القرآن الكريم فقال تبارك وتعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادت بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين

ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: حرص أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على الرعية وتحمله المسئولية والإحساس بها وشعوره بها رضي الله عنه ولهذا اشتهر بعدالته وحسن سياسته في الأمور كلها، الحربية والسلمية والدينية والدنيوية، فهو في الحقيقة خير الخلفاء بعد أبي بكر، بل حسنة من حسنات أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن الذي ولاه على المسلمين هو أبو بكر رضي الله عنه، فالحاصل أن هذا الحديث فيه فوائد نقتصر منها على ذلك.

(والله الموفق)

١٥٠٦ - وعن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، رضي الله عنه خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم، وادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبراً من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة، فاعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بمعناه وأنه

رآها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها، فوقعت فيها، وكانت قبرها.

[الشَّرْحُ]

من كرامات الأولياء أن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوتهم، حتى يدركوها بأعينهم فهذا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، خاصمته امرأة ادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته عند مروان، فقال: أنا آخذ من أرضها شيئاً بعد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: وماذا سمعت؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من اقتطع شبراً من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين - أو - طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يعني فكيف آخذ منها بعد أن سمعت هذا من النبي صلى الله عليه وسلم؟ كل مؤمن يؤمن بالله ورسوله إذا سمع مثل هذا الخبر الصادر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فإنه لا يمكن أن يظلم أحداً من أرضه ولا شبراً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أنك لو أخذت شبراً من الأرض وقيده بالشبر من باب المبالغة وإلا فإن أخذ أقل من ذلك ولو سنتيمتر واحدًا فإنه يطوق به يوم القيامة من سبع أرضين، إذا كان يوم القيامة جاءت هذه القطعة التي أخذها مطوقة في عنقه من سبع أرضين؛ لأن الأرضين سبع طباق، كما قال الله تعالى الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن.

والإنسان إذا ملك أرضاً، ملك قعرها إلى أسفل السافلين، إلى الأرض السابعة، وإذا ملكها أيضاً ملك هواءها إلى الثريا، لا أحد يستطيع

أن يبني فوقه جسراً أو أن يحفر تحته خندقًا، لأن الأرض له إلى أسفل السافلين، وإلى أعلى السماء، كلها له، إذا كان يوم القيامة وهذا قد اقتطع شبراً من الأرض بغير حق، فإنه يأتي يوم القيامة مطوق به عنقه نسأل الله العافية.

وعند جميع العالم كل شيء محشور يوم القيامة حتى الوحوش تحشر حتى الإبل حتى البقر حتى الغنم كلها تحشر يوم القيامة، وهذا يشاهد حاملاً هذه الأرض والعياذ بالله من سبع أرضين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله من غير منار الأرض) غير منارها: أي غير مراسيمها فأدخل شيئاً ليس له، وفي هذا دليل على أن قصف الأرض أو أخذ شيء بغير الحق من كبائر الذنوب لأن عليه هذا الويل العظيم، اللعن وأنه يحمل به يوم القيامة، فما بالك بقوم اليوم يأخذون أميالاً بل أميال الأميال والعياذ بالله بغير الحق، يأخذونها يضيقون بها مراعي المسلمين، ويحرمون المسلمين من مراعيهم أو من طرقهم أو ما أشبه ذلك، هؤلاء سوف يطوقون ما أخذوا يوم القيامة والعياذ بالله، لأنهم أخذوها بغير الحق، المراعي للمسلمين عموماً، الخطوط الطرقات للمسلمين عمومًا، الأودية أودية الأمطار للمسلمين عموماً، ولهذا قال العلماء: إن الإنسان لا يملك بالأحياء ما قرب من عامر وهو يتعلق بمصلحة هذا العامر، حتى لو أحياها وغرسها يقلع غرسه ويهدم بناؤه إذا كان هذا يتعلق بمصالح البلد، والبلد ليست ملكاً لفلان أو علان بل هي لعموم المسلمين، حتى لو فرضنا أن ولي الأمر أقطع

هذا الرجل من الأرض التي يحتاجها أهل البلد فإنه لا يملكها بذلك لأن ولي الأمر إنما يفعل لمصالح المسلمين، لا يخص أحدًا بمصالح المسلمين دون أحد، وهذه المسألة خطيرة للغاية، ولهذا لما ارتفعت قيم الأراضي صار الناس والعياذ بالله يعتدي بعضهم على بعض، يدعي أن الأرض له وهي ليست له يكون جاراً لشخص ثم يدخل شيئاً من أرضه إلى أرضه، وهذا على خطر عظيم إن العلماء - أقول لكم كلامًا تعجبون منه قالوا: لو أن الإنسان بني جدارًا ثم زاد في لياصته (المحارة) إذا زاد في لياصته دخل على السور سنتيمترًا في اللياصة فإنه يكون ظالمًا ويكون بذلك معاقبًا عند الله يوم القيامة، إلى هذا الحد الناس الآن والعياذ بالله يبلعون أميالاً أو أمتارا مع هذا الوعيد الشديد، سعيد بن زيد رضي الله عنه، لما حدث مروان بهذا الحديث قال الآن لا أطلب عليك بينة، لأنه عارف أن سعيدًا لا يمكن أبدًا أن يأخذ من أرض هذه المرأة بدون حق أما المرأة؟ فقال سعيد رضي الله عنه: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها وأهلكها في أرضها، فماذا كان، كانت هذه المرأة أعماها الله عز وجل قبل أن تموت وبينما هي تمشي في أرضها ذات يوم إذ سقطت في بئر فماتت فكانت البئر قبرها في نفس الأرض التي كانت تخاصم سعيد بن زيد رضي الله عنه فيها، وهذا من كرامة الله عز وجل لسعيد بن زيد أن الله أجاب دعوته وشاهدها حيا قبل أن يموت، وقد سبق لنا أن المظلوم تجاب دعوته ولو كان كافراً إذا كان مظلوماً، لأن الله تعالى ينتصر للمظلوم من الظالم؛ لأن الله تعالى حكم عدل لا يظلم ولا يمكن أحدًا من الظلم وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم إنه لا يفلح الظالمون

فالظالم لا يفلح أبدًا، ولذلك انظر إلى هذه القصة وإلى قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه التي ذكرناها سابقاً وكيف أجاب الله الدعوة؟ وهذه هي عادة الله سبحانه وتعالى في عباده نسأل الله أن يحمينا وإياكم من الظلم (والله الموفق)

١٥٠٧ - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما حضرت أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا: فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه، فجعلته في قبر على حدة رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

سبق لنا بيان شيء من كرامات الأولياء التي ذكرها المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم، وذكر في هذا الحديث ما جرى لعبد الله بن حرام رضي الله عنه والد جابر بن عبد الله، فإنه أيقظ ابنه جابراً ليلة من الليالي

وقال: ما أراني إلا أول قتيل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك قبيل غزوة أحد، ثم أوصاه وقال: إني لن أترك من بعدي أحدًا أعز منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصاه بأن يقضي ديناً كان عليه وأوصاه بأخواته ثم كانت الغزوة فقاتل رضي الله عنه (عبد الله بن حرام) وقتل، وكان القتلى في ذلك اليوم سبعين رجلاً فكان يشق على المسلمين أن يحفروا لكل رجل قبرًا، فجعلوا يدفنون الاثنين والثلاثة في قبر واحد، فدفن مع أبي جابر (عبد الله بن حرام) رجل آخر، ولكن جابر رضي الله عنه لم تطب نفسه حتى فرق بين أبيه وبين من دفن معه، فحفره بعد ستة أشهر من دفنه فوجده كأنه دفن اليوم، لم يتغير إلا شيء في أذنه، شيئاً يسيرا، ثم أفرده في قبر، أما جابر رضي الله عنه فقد وفى دين أبيه واستوصى بأخواته خيراً حتى إنه تزوج بعد ذلك - أعني جابرًا - فقد تزوج بعد ذلك وتزوج امرأة ثيبًا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم هل تزوجت؟ قال: نعم قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا، قال: فهلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها فقال: يا رسول الله إن أبي ترك أخوات لي وذكر أنه أخذ الثيب لتقوم عليهن (لتقوم على خدمتهن) .

في هذا الحديث كرامة لأبي جابر وهو عبد الله بن حرام أنه رضي الله عنه صدق الله رؤياه فصار أول قتيل في أحد، دفن ولم تأكل الأرض منه شيئاً إلا يسيراً وقد مضى عليه ستة أشهر وهذا من كراماته.

واعلم أن الإنسان إذا دفن فإن الأرض تأكله لا يبقى إلا عجب الذنب، وعجب الذنب هذا يكون كالنواة لخلق الناس يوم القيامة، تنبت منه الأجساد، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن الأرض لا تأكلهم، كما

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أما غير الأنبياء فإن الأرض تأكل أجسادهم، ولكن قد يمنع الله الأرض أن تأكل أحدًا كرامة له والله الموفق

١٥٠٨ - وعن أنس رضي الله عنه: أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا، صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله رواه البخاري من طرق، وفي بعضها أن الرجلين أسيد بن حُضير، وعباد بن بشر رضي الله عنهما.

[الشَّرْحُ]

هذان حديثان ذكره النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب كرمات الأولياء وفضلهم وهو حديث الرجلين: أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة وكان في ذات الوقت ليس في الأسواق أنوار بل ولا في البيوت مصابيح، فخرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، الليلة المظلمة، فجعل الله تعالى بين أيديهما مثل المصباحين يعني مثل

لمبة الكهرباء تضيء لهما الطريق، وليس هذا من فعلهما ولا بسبب منهما ولكن الله تعالى خلق نوراً يسعى بين أيديهما حتى تفرقا، وتفرق النور مع كل واحد منهما، حتى بلغا بيوتهما، وهذه كرامة من الله عز وجل، من كرامة الله تعالى أنه يضيء للعبد الطريق، الطريق الحسي وفائدته الحسية، فإن هذين الرجلين رضي الله عنهما وأرضاهما مشيا في إضاءة ونور بينما الأسواق ليس فيها إضاءة ولا أنوار والليلة مظلمة، فقيض الله لهما هذا النور.

هناك أيضًا نور معنوي يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن كرامة له، تجد بعض العلماء يفتح الله عليه من العلوم العظيمة الواسعة في كل فن ويرزقه الفهم والحفظ والمجادلة، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فإن هذا الرجل من الله به على الأمة الإسلامية، ومازالت الأمة الإسلامية تنتفع بكتبه إلى يومنا هذا وقد توفي رحمه الله سنة ٧٢٨هـ يعني منذ مئات السنين والأمة تنتفع بكتبه، وقد أعطاه الله تعالى علمًا عظيمًا، وفهمًا ثاقبًا، وقوة في المجادلة ولا أحد يستطيع أن يجادله في شيء أبداً، ما قام له أحد حتى إنه رحمه الله قال: أي إنسان يجادلني بالباطل ويستدل بآية أو حديث فإنني أنا سأجعل الآية والحديث دليلاً عليه وليست دليلاً له.

وهذا من نعمة الله عز وجل أن الله تعالى يعطي الإنسان قدرة إلى هذا الحد، وحتى إنه يتكلم مع المجادلين ويناظرهم ثم يقول لهم: انظروا إلى قول فلان من زعمائهم في كتابه الفلاني مع أن أتباع هذا الرجل الذي يجادلون فيه شيخ الإسلام لا يعلمون عن كتبه شيئاً وهو يعلم ما في كتبه، ومناظرته في العقيدة الواسطية مع القاضي المالكي عجيبة،

كان القاضي المالكي يحاول أن يجعل السلطان يبطش به؛ لكنه هو يقول: هذا لا يمكن ولا يجري على مذهبكم وأنتم أيها المالكية قلتم كذا وكذا.

ولا يمكن أن يدين للوالي في هذا الذي ذكرت بناء على مذهبكم، فيبهت الرجل، كيف يعرف من مذهبنا ما لا نعلم.

وله أيضًا رحمه الله في كل فن يد واسعة، كان عالماً في النحو والعربية والصرف والبلاغة.

حتى إن تلميذه ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد بحث بحثًا دقيقًا جدًا جدًا في الفرق بين مدح وحمد وكيف تفرق اللغة العربية بين المعاني في الكلمات بتقديم حرف أو تأخيره، وأتى ببحث عجيب، ثم قال: وكان شيخنا رحمه الله إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، يعني في مسألة اللغة والصرف، ولكنه كما قال الشاعر:

تألق البرق نجديا فقلت له ...

إليك عني فإني عنك مشغول

يعني شيخ الإسلام مشتغل بما هو أكبر من مسألة نحوية أو بلاغية أو صرفية، فهو مشغول بأكبر من هذا، وفي يوم من الأيام قدم مصر وكان فيها أبو حيان اللغوي المشهور والمفسر من الكبير في هذا الباب، وكان أبو حيان يمدح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله في مدحه قصيدة عصماء، منها قوله: قام ابن تيمية في

نشر الدين نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذا عصت مضر

وسيد تيم هو أبو بكر رضي الله عنه، يعني أنه قام في

الإسلام في محنة الإسلام والبدع مقام أبي بكر في يوم المحن ومدحه في قصيدة عصماء، فلما قدم مصر، جاء الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفيدون من علمه ويناقشونه وكان من بينهم أبو حيان، فناقشه في مسألة نحوية، لأن أبا حيان بحر محيط في النحو ناقشه في مسألة نحوية فقال له شيخ الإسلام: هذا غلط من كلام العرب، فقال له: كيف وسيبويه إمام النحويين ذكر هذا في كتابه، فقال له شيخ الإسلام: وهل سيبويه نبي نحو يجب علينا أن نتبعه؟ لقد أخطأ سيبويه في كتابه في أكثر من ثمانين موضعًا لا تعلمه أنت ولا سيبويه، سيبويه عند النحويين مثل البخاري عند أهل الحديث، فتعجب أبو حيان، كيف يقول هذا الكلام، ثم إنه ذهب عنه فأنشأ فيه قصيدة يذمه والعياذ بالله، بالأمس يمدحه والآن يذمه.

المهم أني أقول: إذا كان الله تعالى يعطي بالكرامات نورًا حسيًا يستضيء به الإنسان كما حدث لهذين الصحابيين، فكذلك يعطي الله نورًا معنويًا يقذفه في قلب العبد المؤمن، نسأل الله يقذف في قلوبنا وإياكم نورًا، يستطيع الإنسان به أن يتكلم في شريعة الله وكأن النصوص بين عينيه، وهذا من نعمة الله على العبد، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوليائه المتقين وعباده الصالحين

١٥٠٩ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط عينا سرية، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله

عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة، بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه، لجأوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم، فقالوا: انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا.

فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر.

اللهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب، وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة، يريد القتلى فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب، وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبًا، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، فوالله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي

ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً.

وقال:

فلست أبالي حين أقتل مسلماً ...

على أي جنب كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ...

يبارك على أوصال شلو ممزع

وكان خبيب هو سن لكل مسلم صبراً الصلاة وأخبر - يعني النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف وكان قتل رجلاً من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً رواه البخاري.

قوله: الهداة: موضع، والظلة: السحاب، والدبر: النحل.

وقوله: اقتلهم بددا بكسر الباء وفتحها، فمن كسر، قال: هو جمع بدة بكسر الباء وهو النصيب، ومعناه اقتلهم حصصاً منقسمة لكل واحد منهم نصيب، ومن فتح، فقال: معناه: متفرقين في القتل واحدًا بعد واحد من التبديد.

وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب، منها حديث الغلام الذي كان يأتي الراهب والساحر، ومنها حديث جريج، وحديث أصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة، وحديث الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: اسق حديقة فلان،

وغير ذلك والدلائل في الباب كثيرة مشورة، وبالله التوفيق.

:

[الشَّرْحُ]

ساق المؤلف رحمه الله في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة أحاديث، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة عاصم بن ثابت الأنصاري وصحبه، أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو عشرة عينا سرية، عيناً يعني مثل الجواسيس للعدو، سرية يعني أخفاهم عليه الصلاة والسلام، فلما وصلوا قرب مكة شعر بهم جماعة من هذيل، فخرجوا إليهم في نحو مائة رجل رامٍ، يعني يجيدون الرمي، فاتبعوا آثارهم حتى أحاطوا بهم، ثم طلبوا منهم أي هؤلاء الهذليون طلبوا منهم أن ينزلوا بأمان وأعطوهم عهدًا أن لا يقتلوهم، فأما عاصم فقال: والله لا أنزل على ذمة كافر أي على عهده؛ لأن الكافر قد خان الله عز وجل، ومن خان الله خان عباد الله، ولهذا لما كتب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كتب إليه أن عنده رجلاً نصرانياً جيدًا في المحاسبة، وطلب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأذن له أن يوظف هذا النصراني على بيت المال؛ لأنه رجل جيد في الحساب، فكتب إليه عمر (إنني لا آمن من خان الله ورسوله) ؛ لأن كل كافر فهو خائن ولا توله على بيت المال، فكتب إليه مرة ثانية (أبو موسى) قال: هذا الرجل قلما يوجد مثله في الحساب والجودة، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين عبد الله عمر بن الخطاب: مات النصراني، والسلام كلمة واحدة

جملة واحدة، مات النصراني، يعني قدره أنه مات، هل إذا مات تتعطل المحاسبة عندنا في بيت المال، فقطع طمع أبي موسى رضي الله عنه.

المهم أن عاصم بن ثابت رضي الله عنه أبى أن ينزل على عهد الكفار؛ لأنهم لا يؤمنون، كل كافر فهو غير أمين، ثم إنهم رموهم بالنبل، أي هؤلاء الهذليون رموا هؤلاء الصحابة العشرة، فقتلوا عاصماً وقتلوا ستة آخرين، وبقي ثلاثة، بقي هؤلاء الثلاثة وقالوا: ننزل وننظر هل يوفون أم لا؟ فأخذهم الهذليون ثم حلوا قسيهم وربطوهم بها أي ربطوا أيديهم، فقال الثالث: هذا أول الغدر، لا يمكن أن أصحبكم، فحاولوا معه قال: أبدًا فقتلوه، ثم ذهبوا بخبيب وصاحبه إلى مكة فباعوهما، فاشترى خبيباً رضي الله عنه أناس من أهل مكة وقد كان قتل زعيمًا لهم في بدر، ورأوا أن هذه فرصة أن يقتلوه ثم أبقوه عندهم أسيراً مغلولة يداه، وفي يوم من الأيام كان في البيت وكان أسيراً مغلولة يده، فدرج صبي من أهل البيت إلى خبيب رضي الله عنه، فكأنه رق له ورحمه كعادة الإنسان يرحم الصغار ويرق لهم، ولهذا إذا رأيت من نفسك أنك ترق للصغار وترحمهم فهذه من علامة رحمة الله لك، لأن الراحمين يرحمهم الله عز وجل، ولهذا قال الأقرع بن الحابس لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل - أظنه الحسن والحسين - قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم، قال: أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، إنما يرحم الله من عباده الرحماء.

خبيب أخذ الصبي ووضعه على فخذه وكان قد استعار من أهل البيت موسى (يعني موس) يستحد به أي يحلق به عانته، لما ذهب الصبي يلعب وأمه غافلة عنه، لما تفطنت له إذا هو على فخد خبيب، وخبيب معه الموس فظنت أن هذه فرصة لخبيب، ماذا يصنع، يذبح الولد، الموس معه والولد صبي وهو منفرد به، لكنه رضي الله عنه أمين، صحابي جليل، لما أحس أنها ارتاعت (فزعت) الأم، قال: والله ما كنت لأذبحه، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، رأيته ذات يوم وفي يده قطف عنب يأكله، ومكة ما فيها ثمر، فعلمت أن ذلك من عند الله عز وجل، الله سبحانه وتعالى هيأ له هذا العنب وهو أسير لا يملك لنفسه شيئاً لا يستطيع أن يخرج إلى السوق يشتري أو يطعم، تحت رحمة هؤلاء، ولكن الله جل وعلا يسر له هذا القطف من العنب، يأكل عنباً وهو في مكة فعلمت أنه من عند الله.

وهذا كقصة مريم رضي الله عنها كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فهذه من كرامة الله تعالى لخبيب رضي الله عنه، أكرمه الله سبحانه وتعالى، تنزل عليه مائدة من العنب يأكلها وهو أسير في مكة، وبقي أسيراً ثم أجمع هؤلاء القوم - الذين قتل والدهم على يد خبيب - أجمعوا على أن يقتلوه، لكنهم لاحترامهم للحرم قالوا: نقتله خارج الحرم، لأن الإنسان إذا قتل أحدًا خارج الحرم ودخل إلى الحرم فإنه لا يجوز أن يقتل

في الحرم قال الله تعالى {ومن دخله كان أمناً} فهذه سنة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، على أن الإنسان إذا فعل ما يوجب القتل (يستحق عليه القتل) خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإن الحرم يعيذه ولا يجوز أن يقتل فيه، وماذا يصنع به؟ يعني لو قال قائل: لو سلمنا بهذه القاعدة، كان كل إنسان مجرم يذهب إلى الحرم ويلوذ به، قلنا: نحن لا نقتله في الحرم لكن نضيق عليه حتى يخرج، كيف نضيق عليه؟ قال العلماء: لا يؤكل معه ولا يشارب ولا يبايع ولا يشترى منه ولا يكلم، نضيق عليه حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، حينئذ ماذا يفعل؟ يخرج، وإذا خرج أقمنا عليه ما يجب عليه.

المهم أنهم خرجوا بخبيب خارج الحرم إلى الحل ليقتلوه، فطلب منهم، أن يصلي ركعتين؛ لأن أشرف الأعمال البدنية الصلاة، ولأنها صلة بين العبد وبين ربه عز وجل، فأذنوا له أن يصلي ركعتين، انتهى منها وقال: لولا أني أخاف أن تقولوا: إنه فر من القتل أو كلمة نحوها، لزدت، ولكنه رضي الله عنه صلى ركعتين فقط ثم قال: لولا أني أخاف أن تظنوا أن بي جزعاً لزدت؛ لأنه رضي الله عنه، كان حريصًا على الصلاة ويحب أن يكثر منها عند موته ثم دعا عليهم رضي الله عنه بهذه الدعوات الثلاث، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدًا.

فأجاب الله دعوته، وما دار الحول على واحد منهم، كلهم قتلوا وهذا من كرامته.

ثم انشد هذا الشعر:

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله فإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

فصار من الكرامة لهذا الرجل أن الله سبحانه وتعالى كان يرزقه

الفاكهة التي لا توجد في مكة، وأنه كان يأكلها بيده، ويده موثقة بالحديد، وأنه أول من سن الصلاة عند القتل، فإنه فعل ذلك وأقره الله ورسوله، وأنه دعا على هؤلاء القوم، فأجاب الله دعوته أما عاصم بن ثابت الذي قتل رضي الله عنه، فإنه شعر به قوم من قريش، وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم فأرسلوا إليه جماعة يأتون بشيء من أعضائه يعرف به حتى يطمئنوا أنه قتل، فلما جاء هؤلاء القوم ليأخذوا شيئاً من أعضائه، أرسل الله سبحانه وتعالى عليه شيئاً مثل الظلة من الدبر (أي من النحل) نحل عظيم، يحميه به الله تعالى من هؤلاء القوم، فعجزوا أن يقربوه ورجعوا خائبين.

وهذا أيضاً من كرامة الله سبحانه وتعالى لعاصم رضي الله عنه، أن الله سبحانه وتعالى حمى جسده بعد موته من هؤلاء الأعداء الذين يريدون أن يمثلوا به.

والكرامات كثيرة ذكر المؤلف منها ما ذكر في هذا الباب وذكر أيضاً أشياء متفرقة في هذا الكتاب.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله سبحانه وتعالى على أيديهم من أنواع العلوم والمكاشفات، والقدرة والتقديرات، وقال: الكرامات موجودة قبل هذه الأمة، وفي صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة.

وذكر شيئاً كثيراً منها في كتابه الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن

باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والحياة والروح ونعمة السلطان وتربة فلان وهي من أشدها نهيا

١٧٠٧ - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ينهاكم أن تخلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه وفي رواية في الصحيح فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت

١٧٠٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم رواه مسلم الطواغي جمع طاغية وهي الأصنام ومنه الحديث هذه طاغية دوس أي: صنمهم ومعبودهم وروي في غير مسلم بالطواغيت جمع طاغوت وهو الشيطان والصنم

١٧٠٩ - وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف

بالأمانة فليس منا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح

١٧١٠ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود

١٧١١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال ابن عمر لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك رواه الترمذي وقال حديث حسن وفسر بعض العلماء قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرياء شرك

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن الحلف الحلف معناه تأكيد الشيء بذكر معظم والإنسان لا يحلف بشيء إلا لأنه عظيم في نفسه فكأنه يقول بقدر عظمة هذا المحلوف به أني صادق ولهذا كان الحلف بالله عز وجل احلف بالله أو بصفة من صفاته أو بأي اسم من

أسمائه قال الله تعالى وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال الله تعالى {أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى} فإذا حلفت بالرحمن أو بالرحيم أو بالسميع ...

أو أي اسم من أسماء الله فهذا جائز وحروف القسم ثلاثة الواو والباء والتاء الواو مثل والله لأفعلن كذا والباء مثل بالله لأفعلن كذا والتاء تالله لأفعلن كذا قال الله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} وقال تعالى {تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} وقال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهذه حروف القسم والقسم بغير الله كفر أو شرك ثم قد يكون كفرا أكبر وقد يكون كفرا أصغر وكذلك قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر فإذا اعتقد الحالف في شيء أن هذا الشيء له من العظمة مثل ما لله فإن هذا شرك أكبر وإن اعتقد أن له عظمة دون عظمة الله فهو شرك أصغر لأنه وسيلة للأكبر وكانوا في الجاهلية قد اعتادوا أن يحلفوا بآبائهم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال لا تحلفوا بآبائكم يعني ولا بإخوانكم ولا بأجدادكم ولا برؤسائكم لكن خص الآباء بالذكر لأن هذا هو المعتاد عندهم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت يعني إما ليحلف بالله أو لا يحلف أما أن يحلف بغير الله فلا ومن ذلك الحلف بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أشرف البشر وسيد البشر لو قلت والنبي محمد كنت مشركا أو كافرا الحلف بجبريل لو قلت وجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك خازن النار أو غير هؤلاء فهذا شرك لو قلت والشمس والقمر والليل والنهار تحلف بها فهذا شرك إما أكبر وإما أصغر على حسب ما قسمنا وتحلف أيضا بصفة من صفات الله مثل وعزة الله لأفعلن وحكمة الله لأفعلن كذا وكذا لا بأس به أما الحلف بغير الله فهو كما قلت كفر أو شرك إما أكبر وإما أصغر ثم ذكر المؤلف الحديث أن من قال هو بريء من دين الإسلام إن كان كذا وأن الإنسان لا يحل له أن يقول هذا وأنه إن قال هذا فإن كان كاذبا فهو كما قال يعني أنه بريء من الإسلام والعياذ بالله وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما يعني لابد أن يأثم أو يكفر ومثله قول القائل هو يهودي إن حصل كذا وكذا هو نصراني إن حصل كذا وكذا هذا يقال له إن ذلك محرم عليك لأنك إن كنت كاذبا فأنت كما قلت يهودي أو نصراني وإن كنت صادقا فلن ترجع إلى الإسلام سالما مثال ذلك قال رجل إن فلانا قدم اليوم وصل اليوم وكان مسافرا فقال له صاحبه لا ما وصل قال الأول هو يهودي إن كان لم يقدم فإن كان كاذبا وأنه لم يقدم يعني كاذبا فإنه يكن يهوديا لأنه قال هو يهودي إن كان لم يقدم وهو كاذب فيكون بذلك يهوديا وإن كان صادقا أنه قدم فإنه لن يرجع إلى الإسلام سالما كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم المهم إنك إذا أردت أن تحلف فاحلف بالله بأي اسم من أسماء الله أو بأي صفة من صفات الله قد يقول قائل أليس الله تعالى أقسم بالمخلوقات قال {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} وقال {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} نقول إن الله تعالى له أن يحلف بما شاء من خلقه فهو إذا حلف بشيء كان ذلك دليلا على عظمة الله لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق والله تعالى لا يحلف بشيء إلا بشيء عظيم وعظم المخلوق من عظم الخالق ولله أن يحلف بما شاء من خلقه ولا أحد يحجر على الله يفعل ما يريد عز وجل فإن قال القائل نسمع بعض الناس تقول أقسم بآيات الله هل هذا حلف بغير الله وهل هذا كفر أو شرك نقول ماذا يريد بآيات الله إن أراد بآيات الله الشمس والقمر والليل والنهار فهذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا لأن الله يقول {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} فإذا قال أنا أريد بآيات الله التي حلفت بها هذه الأشياء قلنا هذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا وإن قال أريد بآيات الله القرآن لأن القرآن آيات الله عز وجل فهذا ليس بمشرك لماذا لأن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله تعالى من صفاته فإذا قال أقسم بآيات الله أقصد بذلك القرآن قلنا هذا قسم صحيح وليس فيه شيء وفي ظني أن العوام إذا قال أقسم بآيات الله في ظني أنهم يريدون القرآن فإذا كانوا يريدون القرآن فليس حراما ولكن إن كانوا يردون الآيات التي هي الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وما أشبه ذلك هذا شرك أو كفر والله الموفق

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

أكتب الحديث عنه، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا فَسُعِيَ به عند السلطان فحبسه، فرأيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المنام وجبريل عليه السلام عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قل: لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في (صحيح البخاري) حتى يفرج الله عنه. قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يكن إلا قليلاً حتى أخرج من السجن.

وقال الحسن البصري: أرسل إليَّ الحجاج فقلتهن، فقال: والله ما أرسلت إليك إلا وأنا أريد أنْ أقتلك، فلأنت اليوم أحب من كذا وكذا، فسل حاجتك.

قال العيني: اشتملت الجملة الأولى على التوحيد الذي هو أصل التنزيهات، وعلى العظمة التي تدل على القدرة العظيمة.

وحكمة تخصيص الحليم بالذكر، أنّ كرب المؤمن غالبًا إنما هو نوع من التقصير في الطاعات، أو غفلة في الحالات، وهذا يشعر برجاء العفو المقلل للحزن.

واشتملت الجملة الثانية على التوحيد، والربوبية، وعظم العرش.

ووجه تكرير الرب بالذكر من بين سائر الأسماء الحسنى، هو كونه مناسبًا لكشف الكرب الذي هو مقتضى التربية.

ووجه تخصيص العرش بالذكر، كونه أعظم أجسام العالم، فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى.

وخص السموات والأرض بالذكر؛ لأنهما من أعظم المشاهدات. انتهى. ملخصًا.

[٢٥٣- باب كرامات الأولياء وفضلهم]

قَالَ الله تَعَالَى: {ألا إنَّ أوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى في الحَيَاةِ

الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [يونس (٦٢: ٦٤) ] .

الكرامة: إحدى الخوارق للعادات، والولي هو المطيع لله، فكل من كان تقيًّا كان لله وليًّا.

قال ابن عباس وغيره: أولياء الله الذين إذا رُؤُا ذُكِرَ الله.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء» . قيل: من هم يَا رسول الله، لعلَّنا نحبهم؟ قال: «هم قوم تحابّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» . ثم قرأ: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس (٦٢) ] ، رواه ابن جرير وغيره.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [يونس (٦٤) ] ، قال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» . رواه أحمد.

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت (٣٠: ٣٢) ] .

وقوله تعالى: {لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ} [يونس (٦٤) ] ، أي: لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده، {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس (٦٤) ] .

وقال تَعَالَى: {وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} [مريم (٢٥، ٢٦) ] .

هذا من خوارق العادة، وهي كرامة لمريم عليها السلام، وأشار بقوله {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} [مريم (٢٩، ٣٠) ] إلى تكلم عيسى ومخاطبته لقومها، ومحاورته عنها، من ولادته إرهاصًا لنبوته، وكرامةً لها.

وقال تَعَالَى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكرِيّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالت هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران (٣٧) ] .

قيل: كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء. في قصة مريم عدة كرامات، منها: حبلها من غير ذَكَر، وحصول الرطب الطري من الجذع اليابس، ودخول الرزق عندها في غير أوان حضور أسبابه، وهي لم تكن نبية.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّيءْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقاً * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف (١٦، ١٧) ] .

قال بعض المفسرين: صرف الله عنهم الشمس بقدرته، وحال بينهم وبينها؛ لأنَّ باب الكهف على جانب لا تقع الشمس إلا على جنبه، فيكون كرامة لهم كما قال: ذلك من آيات الله إذا أرشدهم إلى ذلك الغار، وصرف عنهم الأضرار.

وفي لبثهم ثلاث مئة وأزيد، نيامًا أحياء من غير آفة، مع بقاء القوة العادية بلا غذاء ولا شراب من جملة الخوارق.

[١٥٠٣] وعن أَبي محمد عبد الرحمن بن أَبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهما: أنَّ أَصْحَابَ الصُّفّةِ كَانُوا أُنَاساً فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَرَّةً: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ، فَلْيَذْهَبْ بثَالِثٍ، وَمنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ» أَوْ كما قَالَ، وأنَّ أَبَا بكرٍ - رضي الله عنه - جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وانْطَلَقَ النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعَشَرَةٍ، وأنَّ أَبَا بَكرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ، فجاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ. قالت له امْرَأتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أضْيَافِكَ؟ قَالَ: أوَ ما عَشَّيْتِهمْ؟ قالت: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَذَهَبتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وقالَ: كُلُوا لا هَنِيئاً وَاللهِ لا أَطْعَمُهُ أَبَداً، قَالَ: وايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلا ربا من أسفلِها أكثرَ منها حتى شبعوا، وصارتْ أكثرَ مما كانتْ قبلَ ذلكَ، فنظرَ إليها أبو بكر فقالَ لامرأتِهِ: يا أختَ بني فراسٍ ما هذا؟ قالت: لا وقُرَّةِ عيني لهي الآنَ أكثرُ منها قبلَ ذلكَ بثلاثِ مراتٍ! فأكل منها أبو بكرٍ وقال: إنَّما كانَ ذلكَ من الشيطانِ، يعني: يمينَهُ. ثم أكلَ منها لقمةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الأجَلُ، فَتَفَرَّقْنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ.

وَفِي رِوَايةٍ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لا يَطْعَمُهُ، فَحَلَفَت المَرْأَةُ لا تَطْعَمُهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ. - أَو الأَضْيَافُ - أنْ لا يَطْعَمُهُ أَوْ يَطْعَمُوهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ! فَدَعَا بالطَّعَامِ فَأكَلَ وأكَلُوا، فَجَعَلُوا

لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلا رَبَتْ مِنْ أسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَني فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرْةِ عَيْنِي إنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ أنْ نَأكُلَ، فَأكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ أنَّهُ أكَلَ مِنْهَا.

وَفِي رِوايَةٍ: إنَّ أَبَا بكْرٍ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ: دُونَكَ أضْيَافَكَ، فَإنِّي مُنْطلقٌ إِلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَافْرُغْ مِنْ قِراهُم قَبْلَ أنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمنِ، فَأَتَاهُمْ بما عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا؛ فقالوا: أين رَبُّ مَنْزِلِنا؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قالوا: مَا نحنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ: اقْبَلُوا عَنْا قِرَاكُمْ، فَإنَّهُ إنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا، لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ فأبَوْا، فَعَرَفْتُ أنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحمنِ، فَسَكَتُّ: ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، فَسَكَتُّ، فَقال: يَا غُنْثَرُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوتِي لَمَا جِئْتَ! فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أضْيَافَكَ، فقالُوا: صَدَقَ، أتَانَا بِهِ، فَقَالَ: إنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي والله لا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ الآخَرُونَ: واللهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ لا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَ بِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، الأولَى مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. متفق عَلَيْهِ.

قَوْله: «غُنْثَرُ» بغينٍ معجمةٍ مَضمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ ثاءٍ مثلثةٍ وَهُوَ: الغَبِيُّ الجَاهِلُ. وقولُهُ: «فَجَدَّعَ» أَيْ شَتَمَهُ، والجَدْعُ القَطْعُ. قولُه «يَجِدُ عَليّ» هُوَ بكسرِ الجِيمِ: أيْ يَغْضَبُ.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لأبي بكر رضي الله عنه.

[١٥٠٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ كَانَ فيما قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإنْ يَكُ في أُمَّتِي أحدٌ فإنَّهُ عُمَرُ» . رواه البخاري.

ورواه مسلم من رواية عائشة.

وفي روايتهما قَالَ ابن وهب: «محَدَّثُونَ» أيْ مُلْهَمُونَ.

المُحْدَّث: الرجل الصادق الظن، وهو مَنْ أُلْقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى. وعند الترمذي: «إن الله جعل الحق على لسان عمر ... وقلبه» .

وفي حديث آخر: «لو كان نبي بعدي لكان عمر» .

وفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لعمر رضي الله عنه.

وعن ابن عمر قال: بينا عثمان يخطب إذ قام إليه جهجاه الغفاري، فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته، فدخلت شظية في ركبته، فوقعت فيها الأكلة.

وعن الحسن بن علي قال: قال علي: إنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح ظهري الليلة في منامي، فقلت يا رسول الله: ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: «ادع عليهم» . قلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. فخرج فضربه الرجل. رواهما ابن سيد الناس.

ففي هذين كرامة للخليفتين رضي الله عنهما.

[١٥٠٥] وعن جابر بنِ سُمْرَةَ رضي الله عنهما، قَالَ: شَكَا أهْلُ الكُوفَةِ سَعْداً يعني: ابنَ أَبي وقاص - رضي الله عنه -، إِلَى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فَعَزَلَهُ، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّاراً، فَشَكَوا حَتَّى

ذَكَرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إسْحَاقَ، إنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعَمُونَ أنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي، فَقَالَ: أَمَّا أنا واللهِ فَإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا أُخْرِمُ عَنْها، أُصَلِّي صَلَاةَ العِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ.

قَالَ: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إسْحَاقَ، وأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً - أَوْ رِجَالاً - إِلَى الكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أهْلَ الكُوفَةِ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إِلا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفاً، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِداً لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ، فَقال: أمَا إذْ نَشَدْتَنَا فَإنَّ سَعْداً كَانَ لا يَسِيرُ بالسَّرِيَّةِ وَلا يَقْسِمُ بالسَّوِيَّةِ، وَلا يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أمَا وَاللهِ لأَدْعُونَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِباً قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ.

قَالَ عَبدُ الملكِ بن عُمَيْرٍ الراوي عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ: فَأنا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وإنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوارِي فِي الطُّرُقِ فَيَغْمِزُهُنَّ. متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

[١٥٠٦] وعن عروة بن الزبير: أنَّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيلٍ - رضي الله عنه - خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، وادَّعَتْ أنَّهُ أخَذَ شَيْئاً مِنْ أرْضِهَا، فَقَالَ سعيدٌ: أنا كُنْتُ آخُذُ شَيئاً مِنْ أرْضِهَا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟! قَالَ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟

قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَنْ أخَذَ شِبْراً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أرْضِينَ» فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لا أسْألُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سعيد: اللَّهُمَّ إنْ كَانَتْ كاذِبَةً، فَأعْمِ بَصَرَها، وَاقْتُلْهَا في أرْضِها، قَالَ: فَما ماتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَما هِيَ تَمْشِي في أرْضِهَا إذ وَقَعَتْ في حُفْرَةٍ فَماتَتْ. متفق عَلَيْهِ.

وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عُمَرَ بِمَعْنَاهُ، وأنه رآها عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الجُدُرَ تقولُ: أصابَتْنِي دَعْوَةُ سَعيدٍ، وأنَّها مَرَّتْ عَلَى بِئرٍ في الدَّارِ الَّتي خَاصَمَتْهُ فِيهَا، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانتْ قَبْرَها.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لسعيد بن زيد رضي الله عنه.

[١٥٠٧] وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أُحُدٌ دعَانِي أَبي من اللَّيلِ فَقَالَ: مَا أُرَاني إِلا مَقْتُولاً في أوْلِ مَنْ يُقْتَلُ من أصْحَابِ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنَّ عَلَيَّ دَيْناً فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْراً، فَأصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ في قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أنْ أتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فإذا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذنِهِ، فَجَعَلْتُهُ في قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لعبد الله أبي جابر رضي الله عنهما.

[١٥٠٨] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رجلين مِنْ أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ

بَيْنَ أَيْديهِمَا. فَلَمَّا افْتَرَقَا، صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أتَى أهْلَهُ.

رواهُ البُخاري مِنْ طُرُقٍ؛ وفي بَعْضِهَا أنَّ الرَّجُلَيْنِ أُسَيْدُ بنُ حُضير، وَعَبّادُ بنُ بِشْرٍ رضي الله عنهما.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لأسيد بن حضير، وعبّاد بن بشر رضي الله عنهما.

[١٥٠٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: بعث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَة رَهْطٍ عَيْناً سَرِيَّة، وأمَّرَ عَلَيْهَم عاصِمَ بنَ ثَابِتٍ الأنْصَارِيَّ - رضي الله عنه -، فانْطلقوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بالهَدْأةِ؛ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ؛ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْل يُقالُ لَهُمْ: بَنُو لحيانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَريبٍ مِنْ مِئَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وأصْحَابُهُ، لَجَؤا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأَحاطَ بِهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأيْدِيكُمْ وَلَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ أنْ لا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أحَداً. فَقَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ: أَيُّهَا القَوْمُ، أَمَّا أنا، فَلا أنْزِلُ عَلَى ذِمَّةِ كَافِرٍ: اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَمُوهُمْ بِالنّبْلِ فَقَتلُوا عَاصِماً، وَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى العَهْدِ والمِيثاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ، وَزَيدُ بنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أطْلَقُوا أوْتَارَ قِسِيِّهِمْ، فَرَبطُوهُمْ بِهَا. قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أوَّلُ الغَدْرِ واللهِ لا أصْحَبُكُمْ إنَّ لِي بِهؤُلاءِ أُسْوَةً، يُريدُ القَتْلَى، فَجَرُّوهُ وعَالَجُوهُ، فأبى أنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وانْطَلَقُوا بِخُبَيبٍ، وزَيْدِ ابنِ الدَّثِنَةِ، حَتَّى بَاعُوهُما بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ؛ فابْتَاعَ بَنُو الحارِثِ بن عامِرِ بنِ نَوْفَلِ بنِ عبدِ مَنَافٍ خُبيباً، وكان خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ.

فَلِبثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أسيراً حَتَّى أجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ، فاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الحَارثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ

بِهَا فَأعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَجَدتهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخْذِهِ وَالموسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ. فَقَالَ: أَتَخَشَيْنَ أن أقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ! قالت: واللهِ مَا رَأيْتُ أسيراً خَيراً مِنْ خُبَيْبٍ، فواللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوماً يَأكُلُ قِطْفاً مِنْ عِنَبٍ في يَدِهِ وإنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْباً. فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ في الحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ: واللهِ لَوْلا أنْ تَحْسَبُوا أنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ: اللَّهُمَّ أحْصِهِمْ عَدَداً، وَاقْتُلهُمْ بِدَدَاً، وَلا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَداً. وقال:

?? ... فَلَسْتُ أُبَالِي حِيْنَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ... عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ للهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ في ذَاتِ الإلَهِ وإنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

وكان خُبَيبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْراً الصَّلَاةَ. وأخْبَرَ - يعني: النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بنِ ثَابتٍ حِيْنَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أن يُؤْتَوا بِشَيءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وكَانَ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمائِهِمْ، فَبَعَثَ الله لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِروا أنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئاً. رواه البخاري.

قولُهُ: «الهَدْأَةُ» : مَوْضِعٌ، «والظُّلَّةُ» : السَّحَابُ. «والدَّبْرُ» : النَّحْلُ. وَقَوْلُهُ: «اقْتُلْهُمْ بِدَداً» بِكَسْرِ الباءِ وفتحِهَا، فَمَنْ كَسَرَ قَالَ هُوَ جمع بِدَّةٍ بكسر الباء وهي النصيب ومعناه: اقْتُلْهُمْ حِصَصاً مُنْقَسِمَةً لِكُلِّ واحدٍ مِنْهُمْ نَصيبٌ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ معناهُ: مُتَفَرِّقِينَ في القَتْلِ واحداً بَعْدَ واحِدٍ مِنَ التَّبْدِيد.

قال في «القاموس» : الدَّبَر، بالفتح: جماعة النحل والزنابير، ويكسر فيهما.

وفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لخبيب وعاصم بن ثابت رضي الله عنهما.

وفي الباب أحاديث كثيرةٌ صَحيحةٌ سَبَقَتْ في مَوَاضِعِها مِنْ هَذَا الكِتَابِ، مِنْهَا حديثُ الغُلامِ الَّذِي كَانَ يأتِي الرَّاهِبَ والسَّاحِرَ، ومنْها حَدِيثُ جُرَيْج، وحديثُ أصْحابِ الغَارِ الذين أطْبِقَتْ عَلَيْهِم الصَّخْرَةُ، وَحديثُ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ صَوْتاً في السَّحَابِ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالدلائِل في البابِ كثيرةٌ مشهُورةٌ، وباللهِ التَّوفيقِ.

قال النووي: اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات كرامات الأولياء، وأنها واقعة موجودة مستمرة في الأعصار، ويدل عليه دلائل العقول وصرائح النقول.

[١٥١٠] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: مَا سَمِعْتُ عمر - رضي الله عنه - يقولُ لِشَيءٍ قَطُّ: إنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا، إِلا كَانَ كَمَا يَظُنُّ. رواه البخاري.

قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما بال الكرامات في زمن الصحابة قليلة بالنسبة لما يروى عمن بعدهم من الأولياء؟ ! فقال: أولئك كان إيمانهم قويًا فما احتاجوا إلى زيادة يقوي بها إيمانهم، وغيرهم ضعيف الإيمان في عصره فاحتاج إلى تقويته بإظهار الكرامة، والله أعلم.

كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا

[٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات (١٢) ] .

في هذه الآية: النهي عن الغيبة، وهي ذكرك المسلم بما يكره، وإن كان ذلك فيه.

قال ابن كثير: والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» . وكقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقد خطبها معاوية، وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» ، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال عزَّ وجلّ: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} ... [الحجرات (١٢) ] ، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا.

وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها. كما قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» . وقد قال: «ليس منا مثل السوء» .

وقال تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء (٣٦) ] .

قال ابن عباس: يقول: لا تقل.

وقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولمْ تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. فإنَّ الله تعالى سائلك عن ذلك كله.

وقال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ} [ق: ١٨] .

أي: ما يتكلم من كلام إلا وله حافظ يكتبه.

قال ابن عباس: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال: يكتب كلما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليُكْتَبُ قوله: أكلت. شربت. ذهبت. جئت. رأيت. حتى إذ كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد (٣٩) ] .

وقال الحسن البصري: وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}(١٧) ] ، يَا ابن آدم، بسطتْ لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك. أما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيِّآتك. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُوِيَتْ صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول تعالى {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء (١٣، ١٤) ] ، ثم يقول: عدل - والله - من جعلك حسيب نفسك.

اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلا كَلَاماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ،

وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.

قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .

[١٥١١] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.

وهذا الحديث صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلا إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ، فَلا يَتَكَلَّم.

يعني: من كان يؤمن الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوان الله، فليقل خيرًا أو ليصمت؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، واجتهد في فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.

[١٥١٢] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . متفق عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أن من سَلِم المسلمون من أذاه، أنه من أفضلهم، وخص اللسان واليد بالذكر، لغلبة صدور الأمر عنهما، فالقول باللسان، والفعل باليد.

[١٥١٣] وعن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: أنَّ من حفظ لسانه وفرجه عن الحرام دخل الجنة.

[١٥١٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّه سمع النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . متفق عَلَيْهِ.

ومعنى: «يَتَبَيَّنُ» يَتَفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا.

في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه.

وفي حديث أبي ذر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يروي عن صحف إبراهيم عليه السلام: «وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .

[١٥١٥] وعنه عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» . رواه البخاري.

قوله: «ما يلقى لها بالاً» ، أي، لا يصغى إليها، ولا يجعل قلبه نحوها.

[١٥١٦] وعن أَبي عبد الرحمن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى

يَومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» . رواه مالك في المُوَطَّأ، والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . إنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم يرضيه بها فيسخط الله عز وجل، ويزيّن له باطلاً يريده من إراقة دم، أو ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله وينال سخطه، وكذا الكلمة التي يرضى بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصيته التي يريدها يبلغ بها أيضًا رضوانًا من الله لا يحتبسه.

[١٥١٧] وعن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: «قلْ: رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

الاستقامة: هي امتثال الأومر واجتناب المناهي. والحديث مقتبس من مشكاة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت (٣٠) ] .

وفيه: أن أعظم ما يهلك الإنسان لسانه.

قال العاقولي: أسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان.

[١٥١٨] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ

اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ تعالى القَلْبُ القَاسِي» . رواه الترمذي.

الذكر: هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، و (أشرف الذكر) : القرآن.

وقسوة القلب: غلظة وعدم تأثره بالمواعظ، فلا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر.

[١٥١٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

أي: من حبس لسانه عن الشر، وأجراه في الخير، وحفظ فرجه عن الحرام دخل الجنة.

[١٥٢٠] وعن عقبة بن عامرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قيل: هذا الجواب من أسلوب الحكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها لأنه أهم.

[١٥٢١] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإنَّما نَحنُ بِكَ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» . رواه الترمذي.

معنى: «تُكَفِّرُ اللِّسَانَ» : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.

قوله: «فإنما نحن بك» ، أي: مجازون بما يصدر عنك.

قال الطيبي: الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إن في الجسد مضغة» . أن اللسان خليفة القلب وترجمانه، وأن الإنسان عبارة عن القلب واللسان، والمرء بأصغريه.

[١٥٢٢] وعن مُعَاذٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة (١٦، ١٧) ] ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «رَأسُ الأمْر الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ!» قُلْتُ: بلَى يَا رَسولَ اللهِ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.

وفيه: إشارة إلى أنَّ التوفيق كله بيد الله عز وجل، ولما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل.

وفيه: دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض، وأن كف اللسان إلا عن الخير هو أصل الخير.

[١٥٢٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ» قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن حقيقة الغيبة ذكر الإنسان بما فيه من المكروه.

[١٥٢٤] وعن أَبي بَكْرة - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: تحريم التعرض لدم مسلم، أو ماله، أو عرضه، بما لم يأذن به الشارع.

[١٥٢٥] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قُلْتُ للنبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ! قالت: وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

ومعنى: «مَزَجَتْهُ» خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا. وهذا مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} . [النجم (٣، ٤) ] .

قولها: وحكيت له إنسانًا، أي: حكت له بالفعل حركة إنسان يكرهها.

قال العاقولي: قوله: «ما أحب أني حكيت إنسانًا» ، أي: فعلت مثل فعله. يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما استعمل المحاكاة في القبيح، وهو في الغيبة المحرمة، كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها.

[١٥٢٦] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!» . رواه أَبُو داود.

فائدة: روى الإمام أحمد أنه قيل: يا رسول الله، إنَّ فلانة وفلانة صائمتان، وققد بلغتا الجهد. فقال: «ادعهما» . فقال لإحداهما: ... «قيئي» . فقاءت لحمًا، ودمًا عبيطًا، وقيحًا. والأخرى مثل ذلك. ثم قال: «صامتا عما أحل لله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما الأخرى فلم يزالا يأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا» .

[١٥٢٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: تغليظ تحريم دم المسلم، وتحريم عرضه، وتحريمم ماله.

حتى ينحر الهدي. ومحل الكراهة عند عدم الحاجة. انتهى ملخصًا.

وقال البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء. وذكر حديث مسروق أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إنَّ رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أنْ تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس؟ قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس.

قال الحافظ: واستدل الداودي به على أنَّ الحديث المرفوع: «إذا دخل عشر ذي الحجة فمن أراد أنْ يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره» . يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا.

قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك لأن عائشة أنكرت أنْ يصير محرمًا بمجرد بعثه الهدي، ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة، من اجتناب إزالة الشعر والظفر.

ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة.

قال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اجتناب ما يشترطه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر لغير المحرم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.

[٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي]

والكعبة والملائكة والسماء والآباء

والحياة والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهياً

[١٧٠٧] عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً،

فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.

وفي رواية في الصحيح: «فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلا بِاللهِ، أَوْ لِيَسْكُتْ» .

قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.

وعن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حدثيًا، فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» . فالتفتُّ فإذا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم» . رواه ابن أبي شيبة.

قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.

[١٧٠٨] وعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ» . رواه مسلم.

«الطَّواغِي» : جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وهِيَ الأصنَامُ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ» أيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ. وَرُوِيَ في غير مسلم: ... «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمعُ طَاغُوت، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.

قال الحافظ: من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المخلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة، والعلماء والصلحاء، والملوك، والآباء والكعبة.

أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد. أو يستحق التحقير والإَذلال كالشياطين، والأصنام، وسائر من عُبِد من دون الله.

[١٧٠٩] وعن بُريدَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

قال الخطابي: سَبَبُهُ أنَّ اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى، أو بصفاته، وليست منها الأمانة، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء الله وصفاته.

وقال ابن رسلان: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالحج والصوم ونحوهما.

[١٧١٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ، فَإنْ كَانَ كَاذِباً، فَهُوَ كمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقاً، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلَامِ سَالِماً» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: وعيد شديد وتهديد أكيد لمن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا أو صادقًَا.

[١٧١١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يقُولُ: لا وَالكَعْبَةِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَحْلِفْ بَغَيْرِ اللهِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فقد كَفَرَ أَوْ أشْرَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

وفَسَّرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قولَهُ: «كفَرَ أَوْ أشْرَكَ» عَلَى التَّغْلِيظِ، كما روي أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرِّياءُ شِرْكٌ» .

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[باب كرامات الأولياء وفضلهم]

قال الله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} وقال تعالى {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي}

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصاحين باب كرامات الأولياء وفضلهم الكرامات هنا معناها هي كل أمر خارق للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد متبعي الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكرامة يعني أمر غير معتاد يظهره الله على يد متبع الرسول إما تكريما له وإما نصرة للحق وهي ثابتة أعني الكرامات ثابتة بالكتاب والسنة والواقع ولكن من هم الأولياء؟ الأولياء هم من بينهم الله في قوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون هؤلاء هم الأولياء جمعوا بين الإيمان والتقوى وليس أولياء الله الذين يدعون أنهم أولياءه وهم من أعدائه كما يفعل في بعض البلاد يأتي الرجل يدعي أنه ولي وهو عاص فاسق يدعو الناس إلى أن يعبدوه ويطيعوه في كل شيء ويدعي أن الله قد أحل له كل شيء حتى المحرمات أحلها الله له لأنه بلغ الغاية هؤلاء ليسوا بأولياء الله هؤلاء أعداء الله ولي الله هو المؤمن التقي كما في هذه الآية

الكريمة التي ساقها المؤلف {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} وسوف يذكر المؤلف إن شاء الله الآيات والأحاديث الدالة على ذلك والواقع أيضا والفرق بين الآية آية النبي صلى الله عليه وسلم وكرامة الولي وشعوذة العدو الفرق بينهم أن آية النبي صلى الله عليه وسلم أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد النبي صلى الله عليه وسلم تأييدا له وتصديقا له مثل إحياء عيسى صلى الله عليه وسلم للموتى كان عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم يحيي الموتى بل يخرجهم من القبور بعد الدفن كما قال الله تعالى {وإذ تخرج الموتى بإذني} فيقف على القبر ويدعو صاحبه فيخرج من قبره حيا يبرئ الأكمة والأبرص يخلق من الطين على صورة الطير يعني يصنع شيئا على صورة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله يطير من بين يديه كان بالأول طينا فإذا نفخ فيه طار هذا أيضا من آيات الله إذن فآيات الأنبياء هي أمور خارقة للعادة يظهرها الله تعالى على أيديهم تأييدا لهم أما كرامات الأولياء فهي أمور خارق للعادة ولكنها لا تكون للأنبياء بل تكون لمتبعي الأنبياء مثل ما حدث لمريم بنت عمران {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فنادها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} هذه من آيات الله كرامة لمريم امرأة في المخاض تحت نخلة تهز الجذع وهز الجذع ليس سهلا هز رأس النخلة ممكن لكن هز الجذع صعب تهز الجذع ثم يتساقط الرطب من النخلة جنيا

يعني كأنه مخروط خرطا ما يتفصص إذا نزل في الأرض أو يفسد هذه آية من آيات الله كذلك ما حدث لها من الحمل والولادة كلها من آيات الله عز وجل كرامة لها كما قال تعالى {وجعلناها وابنها آية للعالمين} أما الثالث الذي يظهره الله على يد المشعوذين الذين يستخدمون الجن يظهرها الله عز وجل على أيديهم فتنة لهم وفتنة بهم فإنه يوجد من الناس من يأتي بأشياء خارقة للعادة ولكنه ليس وليا فنقول كرامة ومعلوم أيضا أنه ليس بنبي لأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم إذن فهي من الشياطين الأمر الرابع: ما يكون خارقا للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد الكاذب تكذيبا له مثل ما يذكر عن مسيلمة الكذاب مسيلمة رجل ادعى النبوة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنه نبي وتبعه من تبعه من الناس وفي يوم من الأيام أتاه قوم أهل حرب يشكون إليه أن بئرهم قد غار ماؤها ولم يبق فيه إلا القليل فطلبوا منه أن يأتي إلى البئر ويمج فيه من ريقه لعله يعود الماء ففعل فأعطوه ماء فتمضمض به ثم مجه في البئر وكان في البئر شيء من الماء ولما مجه في البئر غار الماء كله ما بقي شيء هذا خارق للعادة ولا شك أنه آية ولكن الله سبحانه وتعالى جعله إهانة لذلك الرجل الكذاب وإظهارا لكذبه فهذه أربعة أشياء آية النبي وكرامة الولي وشعوذة المشعوذ وإهانة الكذاب المفتري كلها أمور خارقة للعادة لكنها تختلف بحسب من أظهرها الله على يديه ويأتي إن شاء الله الكلام على الآيات التي ذكرها المؤلف

قال تعالى {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}

[الشَّرْحُ]

تقدم لنا الكلام على كرامات الأولياء وأنها أي الكرمات كل أمر خارق للعادة يعني كل ما يخرج عن العادة يظهره الله تعالى على يد الوالي تكريما له أو نصرة لدين الله وذكرنا أن هناك آيات وهناك شعوذة وهناك إهانات أربعة أشياء كلها تخرج عن العادة وبيناها فيما سبق واعلم أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه لأن هذا الوالي الذي اتبع هذا النبي إذا أكرم بكرامة فهي شهادة من الله سبحانه وتعالى على صحة طريقته وعلى صحة الشرع الذي اتبعه ولهذا نقول كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه.

ثم ذكر المؤلف آيات فيها كرامات منها كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب مريم ابنة عمران نذرتها أمها {إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني

محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فزكريا إذا دخل على مريم المحراب أي مكان صلاتها وجد عندها رزقا أي وجد عندها طعاما لم تجر العادة بوجوده فيقول أنى لك هذا ما جاء به قالت هو من عند الله لم تقل جاء به فلان أو فلان بل هو من عند الله عز وجل والله تعالى على كل شيء قدير يأتي به من عنده لا من سعي البشر ولكنه من عند الله {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} وعندئذ دعا زكريا ربه وكان قد بلغه الكبر ولم يأته أولاد فقال إن الله على كل شيء قدير واستدل بقدرة الله الذي جاء بهذا الرزق إلى مريم بدون سبب بشري فاستدل بذلك على كمال قدرة الله فدعا ربه أن يأتيه ولدا فجاءه الولد وفيه أيضا كرامات لذلك فمريم رضي الله عنها لها كرامات منها هذه المسألة رزقها يأتيها من عند الله لا يشترى من السوق ولا يأتي به فلان أو فلان من عند الله وكذلك ما ذكرناه بالأمس حين جاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} وسبق الكلام على هذا ومن الكرامات أيضا ما وقع لأصحاب الكهف والكهف هو غار فسيح في الجبل وكان هؤلاء القوم سبعة رجال رأوا ما عليه أهل بلدتهم من

الشرك والكفر ولم يرضوا بذلك فاعتزلوا قومهم وهاجروا من بلدهم لأنها بدل شرك وكفر فاعتزلوا قومهم ولجأوا إلى غار كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمنوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} يعني لما اعتزلوهم وشركهم أمروا أن يأووا إلى الكهف {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} فأووا إلى الكهف اذهبوا إلى الكهف وهذا الكهف كما قلنا هو غار في الجبل ذهبوا إليه هذا الغار وجهه إلى الشمال الشرقي بحيث الشمس ما تدخل عليه لا أول النهار ولا آخره يسره الله لهم لأن الله تعالى يقول {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} وهؤلاء خرجوا يريدون وجه الله فيسر الله أمرهم أوووا إلى الكهف وألقى الله عليهم النوم قال الله تعالى مبينا هذا {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} يعني ما تدخل عليهم الشمس دخولا كاملا فيصيبهم الحر لكنه تقرضه شيء بسيط يأتيهم من الشمس لكي لا يتبخر الغار فيفسد يدخل عليه من الشمس بقدر الحاجة فقط {وهم في فجوة منه} أي في

مكان متسع كما جاء في الحديث كلما أتى فجوة..

...

أي شيء متسع هم في مكان متسع في الغار ذلك من آيات الله أن يسر الله لهم هذا المكان لما دخلوا في هذا المكان آمنين متوكلين على الله عز وجل مفوضين أمرهم إليه ألقى الله عليهم النوم فناموا كم ناموا يوما..

يومين ...

ثلاثة؟ لا ناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنين وهم نائمين ٣٠٩ سنة لا يستيقظون من حر ولا برد ولا جوع ولا عطش هذا من كرامات الله هل يبقى الواحد منا ثلاثة أيام نائما لا يجوع ولا يعطش ولا يحتر ولا يبرد لا هؤلاء بقوا في كهفهم ٣٠٩ سنة {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} ويقول الله عز وجل {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} الله عز وجل هو الذي يقلبهم لماذا يقلبهم الله عز وجل لأن النائم لا فعل له مرفوع عنه القلم حتى لو فعل لن يتم فعله {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} عند الباب يحرصهم بإذن الله عز وجل وإنما قلبهم الله تعالى لأنهم لو بقوا هذه المدة الطويلة على جنب واحد لفسد الدم ولم يتحرك لكن يقلبون ذات اليمين وذات الشمال إذا رآهم الإنسان حسبهم أيقاظا يعني ليس على وجههم وجه النوم الذي يراهم يقول هؤلاء أيقاظ وهم رقود نائمون وألقى الله عليهم

المهابة العظيمة {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا} لوليت منهم فرارا ببدنك ولملئت منهم رعبا بقلبك القلب يفزع والبدن يهرب لأن لا يحوم أحد حولهم فيوقظهم لكن الله عز وجل أكرمهم بهذا وكرامات أصحاب الكهف كثيرة نقتصر منها على هذا ونذكر إن شاء الله الباقي في درس آخر نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أوليائه المكرمين إنه على كل شيء قدير

وقال تعالى {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال}

قال الله تعالى {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال}

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة آيات تشتمل على كرامات الأولياء ومنها قصة أصحاب الكهف وكانوا فتية آمنوا بالله واعتزلوا قومهم وخرجوا من بلدهم فهيأ الله لهم كهفا يعني غارا واسعا في الجبل فدخلوا فيه فألقى الله عليهم النوم فناموا ٣٠٩ سنة وهم نائمون لم يحتاجوا إلى أكل ولا شرب ولم تتأثر أبدانهم وكان الله تعالى يقبلهم ذات اليمين وذات الشمال وهذه من كرامات الله لهم أن الله تعالى هيأ لهم مقرا آمنا حتى إن الله يقول

لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ما أحد يحوم حولهم ومن كرامات الله لهم أنهم بقوا هذه المدة ٣٠٩ سنة ولم يتغير منهم ظفر ولا شعر ولا غيره مع أن العادة أن الشعور تطول والأظفار تطول لكن هؤلاء لم تطل شعورهم ولا أظفارهم وبقوا وكأنهم ناموا بالأمس ولهذا قال الله تعالى {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} وإنما قالوا ذلك لأنهم لم يتغير منهم شيء وأما ما ذكر بعض الناس أنهم طالت أظفارهم وشعورهم فهذا خطأ لأنه لو كان كذلك لعرفوا أنهم بقوا مدة طويلة ولكنهم لم يتغيروا ومن كرامات الله لهم أن الله أبقاهم على هذه النومة حتى أبدل الله تعالى ملكهم الظالم بملك صالح ولما استيقظوا بعثوا واحدا منهم إلى البلدة ليأتي بطعام له وكان معهم نقود سابقة من النقود التي لها ٣٠٩ سنة فلما جاءوا يشترون من البلدة ودفعوا النقود تعجب أهل البلدة من أين هذه النقود حتى أطلع الله الناس عليهم فهذا من كرامات الله لهم ويحسن أن يجمع هذه الآيات وغيرها وتتأمل ويستخرج ما فيها من الكرمات الدالة على قدرة الله عز وجل وعلى أنه تبارك وتعالى أكرم من خلقه إذا تعبد الإنسان له بما يرضى أعطاه الله تعالى ما يرضى والله الموفق

قال الله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}

[الشَّرْحُ]

صدر المؤلف رحمه الله تعالى باب كرامات الأولياء بهذه الآية ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون وتقدم الكلام على أولها وأن الله تعالى بين أن أولياءه هم المؤمنون المتقون {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} وقد أخذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من هذه الآية عبارة قال فيها من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا فيقول الله عز وجل إن هؤلاء الأولياء {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} لا خوف عليهم لما يستقبل من أمرهم ولا هم يحزنون على ما مضى من أمرهم لأنهم أدركوا معنى الحياة الدنيا فعملوا عملا صالحا وآمنوا بالله واتقوه فصاروا من أوليائه ثم قال {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} البشرى تعني البشارة في الحياة الدنيا وفي الآخرة والبشارة في الحياة الدنيا أنواع فمنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له أحد يراها له يعني يرى في المنام ما يسره أو يرى له أحد من أهل الصلاح ما يسره مثل أن يرى أنه يبشر بالجنة أو يرى أحد من الناس أنه من أهل الجنة أو ما أشبه ذلك أو يرى على هيئة صالحة المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرؤيا الصالحة يراها أو ترى له تلك عاجل بشرى المؤمن ومنها إن الإنسان يسر في الطاعة، ويفرح بها وتكون قرة عينه، فإن هذا يدل على أنه من أولياء الله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سرته حسنته، وساءته سيئته فذلك المؤمن فإذا رأيت من نفسك أن صدرك ينشرح بالطاعة، وأنه يضيق بالمعصية فهذه بشرى لك، أنك من عباد الله المؤمنين ومن أوليائه المتقين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: وجعلت قرة عيني في الصلاة ومن ذلك أيضاً أن أهل الخير يثنون عليه ويحبونه ويذكرونه بالخير، فإذا رأيت أن أهل الخير يحبونك ويثنون عليك بالخير، فهذه بشرى للإنسان أنه يثنى عليه من أهل الخير، ولا عبرة بثناء أهل الشر ولا قدحهم، لأنهم لا ميزان لهم ولا تقبل شهادتهم عند الله، لكن أهل الخير إذا رأيتهم يثنون عليك وأنهم يذكرونك بالخير ويقتربون منك ويتجهون إليك فاعلم أن هذه بشرى من الله لك.

ومن البشرى في الحياة الدنيا، ما يبشر به العبد عند فراق الدنيا، حيث تتنزل عليه الملائكة {ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلاً من غفور رحيم} ومن البشارة أيضاً أن الإنسان عند موته بشارة أخرى، فيقال لنفسه: اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان، فتفرح وتسر.

ومن ذلك أيضاً البشارة في القبر، فإن الإنسان إذا سئل عن ربه ودينه ونبيه وأجاب بالحق، ناد مناد من السماء أن صدق عبدي؛ فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً من الجنة.

ومنها أيضاً البشارة في الحشر، تتلقاهم الملائكة {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} و {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} المهم أن أولياء الله لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم {لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} يعني لا أحد يبدل كلمات الله تعالى، أما الكونية فلا يستطيع أحد أن يبدلها وأما الشرعية فقد يحرفها أهل الباطل، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم حرفوها وبدلوها وغيروها، وأما الكلمات الكونية فلا أحد يبدلها {لا تبديل لكلمات الله ذلك الفوز العظيم} .

والله الموفق

١٥٠ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد، فإنه عمر.

رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية عائشة، وفي روايتهما قال

ابن وهب: محدثون أي: ملهمون.

[الشَّرْحُ]

سبق لنا ما يتعلق بقضية أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما أكرمه الله به من الكرامة، ثم أتى المؤلف رحمه الله بحديث لأبي هريرة في كرامة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: كان فيما كان قبلكم محدثون - يعني: ملهمون للصواب، يقولون قولاً فيكون موافقًا للحق، وهذا من كرامة الله للعبد أن الإنسان إذا قال قولاً، أو أفتى بفتوى، أو حكم بحكم تبين له بعد ذلك أنه مطابق للحق، فعمر رضي الله عنه من أشد الناس توفيقًا للحق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى فيما سيذكره المؤلف من أمثلة لذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن يكن فيكم محدثون فعمر يعني إن كان فيكم محدثون فعمر، ويحتمل قوله: إن يكن فيكم إنه خطاب لقوم مجتمعين ليس فيهم أبو بكر ويحتمل أنه خطاب إلى الأمة كلها، ومن بينهم أبو بكر رضي الله عنه، فإن كان الأول فلا إشكال، وإن كان الثاني فقد يقول قائل: كيف يكون عمر ملهمًا وأبو بكر ليس كذلك، فيقال: إن أبا بكر رضي الله عنه يوفق للصواب بدون إلهام، بمعنى أنه رضي الله عنه من ذات نفسه بتوفيق الله - عز وجل - يوفق للصواب ويدل على هذا عدة مسائل، يعني يدل على أن أبا بكر أشد توفيقًا للصواب من عمر عدة مسائل: أولاً: في صلح الحديبية لما اشترطت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم شروطاً يبدو أنها ثقيلة عظيمة، عمل عمر رضي الله عنه على إبطالها، وجاء إلى النبي

صلى الله عليه وسلم يراجعه في ذلك ويقول: كيف نعطي الدنية في ديننا؟ كيف نشترط على أنفسنا أن من جاءنا منهم مسلمًا، ردنناه إليهم، ومن جاءهم منا لا يردونه؟ هذا ثقيل , ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) ، فذهب عمر رضي الله عنه - إلى أبي بكر - رضي الله عنه - يريد أن يستنجد به في إقناع الرسول صلى الله عليه وسلم فكلم أبا بكر فقال له أبو بكر مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بسواء قال إنه رسول الله وليس بعاصيه وهو ناصره فاستمسك بعرزه، يعني لا يكن عندك شك في أمر، فهذه واحدة، إذن من الموفق إلى الصواب في هذا؟ أبو بكر لا شك، كذلك أيضًا في موت الرسول صلى الله عليه وسلم، لما شاع الخبر في المدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم مات.

قال عمر في الناس وقال إنه لم يمت وإنما صعق وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف، وأنكر أن يكون قد مات، وكان أبو بكر قد خرج ذلك اليوم إلى بستان له خارج المدينة فلما رجع وجد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات حقًا، فخرج إلى المسجد وصعد المنبر، وقال كلماته المشهورة التي تكتب بأغلى من ماء الذهب.

قال: أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قول الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون وقوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}

قال عمر: فوالله ما إن تلاها أبو بكر حتى عقرت فما تحملني رجلاي، يعني الإنسان إذا خاف واشتد به الشيء ما يقدر أن يقف، هذه الثانية، الثالثة: إنه لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب، كفروا والعياذ بالله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جهز جيشًا أميره أسامة بن زيد، ليقاتل أدنى أهل الشام والجيش كان ظاهر المدينة ولكن لم يسيروا بعد، ولما ارتد العرب جاء عمر لأبي بكر، وقال لا ترسل الجيش، نحن في حاجة، فقال له أبو بكر: والله لا أحلن راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرهم أبو بكر، فكان الصواب مع أبي بكر - رضي الله عنه - لأن الناس لما سمعوا أن أهل المدينة أرسلوا الجيوش إلى أطراف الشام، قالوا: هؤلاء عندهم قوة ولا يمكن أن نرتد، فامتنع كثير من الناس عن الردة وبقوا في الإسلام، المهم أن أبا بكر رضي الله عنه أبلغ من عمر، رضي الله عنه - في إصابة الصواب لاسيما في المواضع الضنكة الضيقة، وعلى كل حال كلا الرجلين - رضي الله عنهما - كلاهما موفق إلى الصواب، جمعنا الله وإياكم بهما في الجنة، وكلما الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر طاعة لله وفقه الله تعالى إلى الحق بقدر ما معه من الإيمان والعلم والعمل الصالح، تجده مثلاً يعمل عملاً يظنه صوابًا بدون ما يكون معه دليل من الكتاب والسنة فإذا راجع أو سأل، وجد أن عمله مطابق للكتاب والسنة، وهذه من الكرامات، فعمر رضي الله عنه قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إن يكن فيه محدثون فإنه عمر

١٥٠٥ - وعن جابر بن سمرة، رضي الله عنهما.

قال: شكا أهل الكوفة سعداً، يعني: ابن أبي وقاص - رضي الله عنه - إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي.

فقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين، وأخف في الأخريين، قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجلاً - أو رجالاً - إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجداً إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجداً لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء، وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد ذلك إذا سئل يقول، شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.

قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

هذه من الكرامات التي نقلها المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصاحين، وهي ما رواه جابر بن سمرة في قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان سعد معروفاً بإجابة الدعوة (مستجاب الدعاء) يعني أن الله أعطاه كرامة وهو أن الله تعالى يجيب دعوته إذا دعا، وقد جعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أميراً على أهل الكوفة، لأن المسلمين لما فتحوا العراق مصروا الأمصار وجعلوا البصرة والكوفة وهما أشهر ما يكون في العراق، ثم إن أمير المؤمنين جعل لهم أمراء، فأمر سعد بن أبي وقاص على الكوفة، فشكاه أهل الكوفة إلى أمير المؤمنين عمر، حتى قالوا إنه لا يحسن أن يصلي، وهو صحابي جليل شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فأرسل إليه عمر، فحضر وقال له: إن أهل الكوفة شكوك حتى قالوا: إنك لا تحسن تصلي، فأخبره سعد رضي الله عنه أنه كان يصلي بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر صلاة العشاء وكأنها - والله أعلم - هي التي وقع تعيينها من هؤلاء الشكاة، فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أخرم عنها يعني لا أدعها، فكنت أطول في العشاء بالأوليين وأقصر في الأخريين، فقال له عمر رضي الله عنه: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، فزكاه عمر؛ لأن هذا هو الظن به، أنه يحسن الصلاة وانه يصلي بقومه الذين أمر عليهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن مع ذلك تحرى ذلك عمر رضي الله عنه لأنه يتحمل المسئولية ويعرف قدر المسئولية، أرسل رجالاً إلى أهل الكوفة، يسألونهم عن سعد وعن سيرته، فكان هؤلاء

الرجال، لا يدخلون مسجداً ويسألون عن سعد إلا أثنوا عليه معروفًا.

حتى أتى هؤلاء الرجال إلى مسجد بني عبس، فسألوهم، فقام رجل فقال: أما ناشدتمونا، فإن هذا الرجل لا يعدل في القضية ولا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية، فقوله لا يسير في السرية، يعني لا يخرج في الجهاد، ولا يقسم بالسوية إذا غنم ولا يعدل في القضية إذا حكم بين الناس، فاتهمه هذه التهم، فهي تهم ثلاث، فقال أما إن قلت كذا (المتحدث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه) ، فلأدعون عليك بثلاث دعوات، دعا عليه أن يطيل الله تعالى عمره وفقره ويعرضه للفتن، نسأل الله العافية، ثلاث دعوات عظيمة، لكنه رضي الله عنه استثنى، قال: إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة يعني لا بحق، فأجاب الله دعاءه، فكان هذا الرجل طويل العمر، عمر طويلاً وشاخ حتى إن حاجبيه سقطت على عينيه من الكبر، وكان فقيراً وعرض للفتن، حتى وهو في هذه الحال وهو كبير إلى هذا الحد كان يتعرض للجواري، يتعرض لهن في الأسواق ليغمزهن والعياذ بالله، وكان يقول عن نفسه شيخ مفتون كبير أصابتني دعوة سعد.

فهذه من الكرامات التي أكرم الله بها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

وفيه فوائد عديدة منها: أن من تولى أمراً في الناس فإنه لا يسلم منهم مهما كانت منزلته، لابد أن يناله السوء قال ابن الوردي في منظومته المشهورة، التي أولها

اعتزل ذكر الأغاني والغزل ...

وقل الفصل وجانب من هذل

ودع الذكرى لأيام الصبى ...

فلأيام الصبى نجم أفل

قال فيها من جملة ما قال من حكم:

إن نصف الناس أعداء لمن ...

ولي الأحكام، هذا إن عدل

ومن الفوائد أيضاً في هذا الحديث جواز دعاء المظلوم على ظالمه بمثل ما ظلمه كما دعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هذه الدعوات على من ظلمه، ومن فوائدها: أن الله تعالى يستجيب دعاء المظلوم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة من أموالهم، قال: إياك وكزائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب فالمظلوم يستجيب الله دعاءه حتى ولو كان كافراً فلو كان كافراً وظلم ودعا على من ظلمه أجاب الله دعاءه، لأن الله حكم عدل عز وجل، يأخذ بالإنصاف والعدل لمن كان مظلوماً ولو كان كافراً، فكيف إذا كان مسلماً؟ ومن فوائد هذا الحديث، أنه يجوز للإنسان أن يستثني في الدعاء، إذا دعا على شخص يستثني فيقول: اللهم إن كان كذا فافعل به كذا، اللهم إن كان ظلمني فأنصفني منه أو فابتله بكذا وكذا، تدعو بمثل ما ظلمك، وقد جاء الاستثناء في الدعاء في القرآن الكريم فقال تبارك وتعالى: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادت بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين

ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: حرص أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على الرعية وتحمله المسئولية والإحساس بها وشعوره بها رضي الله عنه ولهذا اشتهر بعدالته وحسن سياسته في الأمور كلها، الحربية والسلمية والدينية والدنيوية، فهو في الحقيقة خير الخلفاء بعد أبي بكر، بل حسنة من حسنات أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن الذي ولاه على المسلمين هو أبو بكر رضي الله عنه، فالحاصل أن هذا الحديث فيه فوائد نقتصر منها على ذلك.

(والله الموفق)

١٥٠٦ - وعن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، رضي الله عنه خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم، وادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبراً من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة، فاعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بمعناه وأنه

رآها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها، فوقعت فيها، وكانت قبرها.

[الشَّرْحُ]

من كرامات الأولياء أن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوتهم، حتى يدركوها بأعينهم فهذا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، خاصمته امرأة ادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته عند مروان، فقال: أنا آخذ من أرضها شيئاً بعد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: وماذا سمعت؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من اقتطع شبراً من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين - أو - طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يعني فكيف آخذ منها بعد أن سمعت هذا من النبي صلى الله عليه وسلم؟ كل مؤمن يؤمن بالله ورسوله إذا سمع مثل هذا الخبر الصادر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فإنه لا يمكن أن يظلم أحداً من أرضه ولا شبراً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أنك لو أخذت شبراً من الأرض وقيده بالشبر من باب المبالغة وإلا فإن أخذ أقل من ذلك ولو سنتيمتر واحدًا فإنه يطوق به يوم القيامة من سبع أرضين، إذا كان يوم القيامة جاءت هذه القطعة التي أخذها مطوقة في عنقه من سبع أرضين؛ لأن الأرضين سبع طباق، كما قال الله تعالى الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن.

والإنسان إذا ملك أرضاً، ملك قعرها إلى أسفل السافلين، إلى الأرض السابعة، وإذا ملكها أيضاً ملك هواءها إلى الثريا، لا أحد يستطيع

أن يبني فوقه جسراً أو أن يحفر تحته خندقًا، لأن الأرض له إلى أسفل السافلين، وإلى أعلى السماء، كلها له، إذا كان يوم القيامة وهذا قد اقتطع شبراً من الأرض بغير حق، فإنه يأتي يوم القيامة مطوق به عنقه نسأل الله العافية.

وعند جميع العالم كل شيء محشور يوم القيامة حتى الوحوش تحشر حتى الإبل حتى البقر حتى الغنم كلها تحشر يوم القيامة، وهذا يشاهد حاملاً هذه الأرض والعياذ بالله من سبع أرضين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله من غير منار الأرض) غير منارها: أي غير مراسيمها فأدخل شيئاً ليس له، وفي هذا دليل على أن قصف الأرض أو أخذ شيء بغير الحق من كبائر الذنوب لأن عليه هذا الويل العظيم، اللعن وأنه يحمل به يوم القيامة، فما بالك بقوم اليوم يأخذون أميالاً بل أميال الأميال والعياذ بالله بغير الحق، يأخذونها يضيقون بها مراعي المسلمين، ويحرمون المسلمين من مراعيهم أو من طرقهم أو ما أشبه ذلك، هؤلاء سوف يطوقون ما أخذوا يوم القيامة والعياذ بالله، لأنهم أخذوها بغير الحق، المراعي للمسلمين عموماً، الخطوط الطرقات للمسلمين عمومًا، الأودية أودية الأمطار للمسلمين عموماً، ولهذا قال العلماء: إن الإنسان لا يملك بالأحياء ما قرب من عامر وهو يتعلق بمصلحة هذا العامر، حتى لو أحياها وغرسها يقلع غرسه ويهدم بناؤه إذا كان هذا يتعلق بمصالح البلد، والبلد ليست ملكاً لفلان أو علان بل هي لعموم المسلمين، حتى لو فرضنا أن ولي الأمر أقطع

هذا الرجل من الأرض التي يحتاجها أهل البلد فإنه لا يملكها بذلك لأن ولي الأمر إنما يفعل لمصالح المسلمين، لا يخص أحدًا بمصالح المسلمين دون أحد، وهذه المسألة خطيرة للغاية، ولهذا لما ارتفعت قيم الأراضي صار الناس والعياذ بالله يعتدي بعضهم على بعض، يدعي أن الأرض له وهي ليست له يكون جاراً لشخص ثم يدخل شيئاً من أرضه إلى أرضه، وهذا على خطر عظيم إن العلماء - أقول لكم كلامًا تعجبون منه قالوا: لو أن الإنسان بني جدارًا ثم زاد في لياصته (المحارة) إذا زاد في لياصته دخل على السور سنتيمترًا في اللياصة فإنه يكون ظالمًا ويكون بذلك معاقبًا عند الله يوم القيامة، إلى هذا الحد الناس الآن والعياذ بالله يبلعون أميالاً أو أمتارا مع هذا الوعيد الشديد، سعيد بن زيد رضي الله عنه، لما حدث مروان بهذا الحديث قال الآن لا أطلب عليك بينة، لأنه عارف أن سعيدًا لا يمكن أبدًا أن يأخذ من أرض هذه المرأة بدون حق أما المرأة؟ فقال سعيد رضي الله عنه: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها وأهلكها في أرضها، فماذا كان، كانت هذه المرأة أعماها الله عز وجل قبل أن تموت وبينما هي تمشي في أرضها ذات يوم إذ سقطت في بئر فماتت فكانت البئر قبرها في نفس الأرض التي كانت تخاصم سعيد بن زيد رضي الله عنه فيها، وهذا من كرامة الله عز وجل لسعيد بن زيد أن الله أجاب دعوته وشاهدها حيا قبل أن يموت، وقد سبق لنا أن المظلوم تجاب دعوته ولو كان كافراً إذا كان مظلوماً، لأن الله تعالى ينتصر للمظلوم من الظالم؛ لأن الله تعالى حكم عدل لا يظلم ولا يمكن أحدًا من الظلم وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم إنه لا يفلح الظالمون

فالظالم لا يفلح أبدًا، ولذلك انظر إلى هذه القصة وإلى قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه التي ذكرناها سابقاً وكيف أجاب الله الدعوة؟ وهذه هي عادة الله سبحانه وتعالى في عباده نسأل الله أن يحمينا وإياكم من الظلم (والله الموفق)

١٥٠٧ - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما حضرت أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا: فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه، فجعلته في قبر على حدة رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

سبق لنا بيان شيء من كرامات الأولياء التي ذكرها المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء وفضلهم، وذكر في هذا الحديث ما جرى لعبد الله بن حرام رضي الله عنه والد جابر بن عبد الله، فإنه أيقظ ابنه جابراً ليلة من الليالي

وقال: ما أراني إلا أول قتيل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك قبيل غزوة أحد، ثم أوصاه وقال: إني لن أترك من بعدي أحدًا أعز منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصاه بأن يقضي ديناً كان عليه وأوصاه بأخواته ثم كانت الغزوة فقاتل رضي الله عنه (عبد الله بن حرام) وقتل، وكان القتلى في ذلك اليوم سبعين رجلاً فكان يشق على المسلمين أن يحفروا لكل رجل قبرًا، فجعلوا يدفنون الاثنين والثلاثة في قبر واحد، فدفن مع أبي جابر (عبد الله بن حرام) رجل آخر، ولكن جابر رضي الله عنه لم تطب نفسه حتى فرق بين أبيه وبين من دفن معه، فحفره بعد ستة أشهر من دفنه فوجده كأنه دفن اليوم، لم يتغير إلا شيء في أذنه، شيئاً يسيرا، ثم أفرده في قبر، أما جابر رضي الله عنه فقد وفى دين أبيه واستوصى بأخواته خيراً حتى إنه تزوج بعد ذلك - أعني جابرًا - فقد تزوج بعد ذلك وتزوج امرأة ثيبًا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم هل تزوجت؟ قال: نعم قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا، قال: فهلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها، وتضاحكك وتضاحكها فقال: يا رسول الله إن أبي ترك أخوات لي وذكر أنه أخذ الثيب لتقوم عليهن (لتقوم على خدمتهن) .

في هذا الحديث كرامة لأبي جابر وهو عبد الله بن حرام أنه رضي الله عنه صدق الله رؤياه فصار أول قتيل في أحد، دفن ولم تأكل الأرض منه شيئاً إلا يسيراً وقد مضى عليه ستة أشهر وهذا من كراماته.

واعلم أن الإنسان إذا دفن فإن الأرض تأكله لا يبقى إلا عجب الذنب، وعجب الذنب هذا يكون كالنواة لخلق الناس يوم القيامة، تنبت منه الأجساد، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن الأرض لا تأكلهم، كما

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أما غير الأنبياء فإن الأرض تأكل أجسادهم، ولكن قد يمنع الله الأرض أن تأكل أحدًا كرامة له والله الموفق

١٥٠٨ - وعن أنس رضي الله عنه: أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا، صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله رواه البخاري من طرق، وفي بعضها أن الرجلين أسيد بن حُضير، وعباد بن بشر رضي الله عنهما.

[الشَّرْحُ]

هذان حديثان ذكره النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب كرمات الأولياء وفضلهم وهو حديث الرجلين: أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة وكان في ذات الوقت ليس في الأسواق أنوار بل ولا في البيوت مصابيح، فخرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، الليلة المظلمة، فجعل الله تعالى بين أيديهما مثل المصباحين يعني مثل

لمبة الكهرباء تضيء لهما الطريق، وليس هذا من فعلهما ولا بسبب منهما ولكن الله تعالى خلق نوراً يسعى بين أيديهما حتى تفرقا، وتفرق النور مع كل واحد منهما، حتى بلغا بيوتهما، وهذه كرامة من الله عز وجل، من كرامة الله تعالى أنه يضيء للعبد الطريق، الطريق الحسي وفائدته الحسية، فإن هذين الرجلين رضي الله عنهما وأرضاهما مشيا في إضاءة ونور بينما الأسواق ليس فيها إضاءة ولا أنوار والليلة مظلمة، فقيض الله لهما هذا النور.

هناك أيضًا نور معنوي يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن كرامة له، تجد بعض العلماء يفتح الله عليه من العلوم العظيمة الواسعة في كل فن ويرزقه الفهم والحفظ والمجادلة، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فإن هذا الرجل من الله به على الأمة الإسلامية، ومازالت الأمة الإسلامية تنتفع بكتبه إلى يومنا هذا وقد توفي رحمه الله سنة ٧٢٨هـ يعني منذ مئات السنين والأمة تنتفع بكتبه، وقد أعطاه الله تعالى علمًا عظيمًا، وفهمًا ثاقبًا، وقوة في المجادلة ولا أحد يستطيع أن يجادله في شيء أبداً، ما قام له أحد حتى إنه رحمه الله قال: أي إنسان يجادلني بالباطل ويستدل بآية أو حديث فإنني أنا سأجعل الآية والحديث دليلاً عليه وليست دليلاً له.

وهذا من نعمة الله عز وجل أن الله تعالى يعطي الإنسان قدرة إلى هذا الحد، وحتى إنه يتكلم مع المجادلين ويناظرهم ثم يقول لهم: انظروا إلى قول فلان من زعمائهم في كتابه الفلاني مع أن أتباع هذا الرجل الذي يجادلون فيه شيخ الإسلام لا يعلمون عن كتبه شيئاً وهو يعلم ما في كتبه، ومناظرته في العقيدة الواسطية مع القاضي المالكي عجيبة،

كان القاضي المالكي يحاول أن يجعل السلطان يبطش به؛ لكنه هو يقول: هذا لا يمكن ولا يجري على مذهبكم وأنتم أيها المالكية قلتم كذا وكذا.

ولا يمكن أن يدين للوالي في هذا الذي ذكرت بناء على مذهبكم، فيبهت الرجل، كيف يعرف من مذهبنا ما لا نعلم.

وله أيضًا رحمه الله في كل فن يد واسعة، كان عالماً في النحو والعربية والصرف والبلاغة.

حتى إن تلميذه ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد بحث بحثًا دقيقًا جدًا جدًا في الفرق بين مدح وحمد وكيف تفرق اللغة العربية بين المعاني في الكلمات بتقديم حرف أو تأخيره، وأتى ببحث عجيب، ثم قال: وكان شيخنا رحمه الله إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، يعني في مسألة اللغة والصرف، ولكنه كما قال الشاعر:

تألق البرق نجديا فقلت له ...

إليك عني فإني عنك مشغول

يعني شيخ الإسلام مشتغل بما هو أكبر من مسألة نحوية أو بلاغية أو صرفية، فهو مشغول بأكبر من هذا، وفي يوم من الأيام قدم مصر وكان فيها أبو حيان اللغوي المشهور والمفسر من الكبير في هذا الباب، وكان أبو حيان يمدح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله في مدحه قصيدة عصماء، منها قوله: قام ابن تيمية في

نشر الدين نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذا عصت مضر

وسيد تيم هو أبو بكر رضي الله عنه، يعني أنه قام في

الإسلام في محنة الإسلام والبدع مقام أبي بكر في يوم المحن ومدحه في قصيدة عصماء، فلما قدم مصر، جاء الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفيدون من علمه ويناقشونه وكان من بينهم أبو حيان، فناقشه في مسألة نحوية، لأن أبا حيان بحر محيط في النحو ناقشه في مسألة نحوية فقال له شيخ الإسلام: هذا غلط من كلام العرب، فقال له: كيف وسيبويه إمام النحويين ذكر هذا في كتابه، فقال له شيخ الإسلام: وهل سيبويه نبي نحو يجب علينا أن نتبعه؟ لقد أخطأ سيبويه في كتابه في أكثر من ثمانين موضعًا لا تعلمه أنت ولا سيبويه، سيبويه عند النحويين مثل البخاري عند أهل الحديث، فتعجب أبو حيان، كيف يقول هذا الكلام، ثم إنه ذهب عنه فأنشأ فيه قصيدة يذمه والعياذ بالله، بالأمس يمدحه والآن يذمه.

المهم أني أقول: إذا كان الله تعالى يعطي بالكرامات نورًا حسيًا يستضيء به الإنسان كما حدث لهذين الصحابيين، فكذلك يعطي الله نورًا معنويًا يقذفه في قلب العبد المؤمن، نسأل الله يقذف في قلوبنا وإياكم نورًا، يستطيع الإنسان به أن يتكلم في شريعة الله وكأن النصوص بين عينيه، وهذا من نعمة الله على العبد، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوليائه المتقين وعباده الصالحين

١٥٠٩ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط عينا سرية، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله

عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة، بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه، لجأوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم، فقالوا: انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا.

فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر.

اللهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب، وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة، يريد القتلى فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب، وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبًا، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، فوالله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي

ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً.

وقال:

فلست أبالي حين أقتل مسلماً ...

على أي جنب كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ...

يبارك على أوصال شلو ممزع

وكان خبيب هو سن لكل مسلم صبراً الصلاة وأخبر - يعني النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف وكان قتل رجلاً من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً رواه البخاري.

قوله: الهداة: موضع، والظلة: السحاب، والدبر: النحل.

وقوله: اقتلهم بددا بكسر الباء وفتحها، فمن كسر، قال: هو جمع بدة بكسر الباء وهو النصيب، ومعناه اقتلهم حصصاً منقسمة لكل واحد منهم نصيب، ومن فتح، فقال: معناه: متفرقين في القتل واحدًا بعد واحد من التبديد.

وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب، منها حديث الغلام الذي كان يأتي الراهب والساحر، ومنها حديث جريج، وحديث أصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة، وحديث الرجل الذي سمع صوتًا في السحاب يقول: اسق حديقة فلان،

وغير ذلك والدلائل في الباب كثيرة مشورة، وبالله التوفيق.

:

[الشَّرْحُ]

ساق المؤلف رحمه الله في باب كرامات الأولياء وفضلهم عدة أحاديث، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة عاصم بن ثابت الأنصاري وصحبه، أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو عشرة عينا سرية، عيناً يعني مثل الجواسيس للعدو، سرية يعني أخفاهم عليه الصلاة والسلام، فلما وصلوا قرب مكة شعر بهم جماعة من هذيل، فخرجوا إليهم في نحو مائة رجل رامٍ، يعني يجيدون الرمي، فاتبعوا آثارهم حتى أحاطوا بهم، ثم طلبوا منهم أي هؤلاء الهذليون طلبوا منهم أن ينزلوا بأمان وأعطوهم عهدًا أن لا يقتلوهم، فأما عاصم فقال: والله لا أنزل على ذمة كافر أي على عهده؛ لأن الكافر قد خان الله عز وجل، ومن خان الله خان عباد الله، ولهذا لما كتب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كتب إليه أن عنده رجلاً نصرانياً جيدًا في المحاسبة، وطلب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأذن له أن يوظف هذا النصراني على بيت المال؛ لأنه رجل جيد في الحساب، فكتب إليه عمر (إنني لا آمن من خان الله ورسوله) ؛ لأن كل كافر فهو خائن ولا توله على بيت المال، فكتب إليه مرة ثانية (أبو موسى) قال: هذا الرجل قلما يوجد مثله في الحساب والجودة، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين عبد الله عمر بن الخطاب: مات النصراني، والسلام كلمة واحدة

جملة واحدة، مات النصراني، يعني قدره أنه مات، هل إذا مات تتعطل المحاسبة عندنا في بيت المال، فقطع طمع أبي موسى رضي الله عنه.

المهم أن عاصم بن ثابت رضي الله عنه أبى أن ينزل على عهد الكفار؛ لأنهم لا يؤمنون، كل كافر فهو غير أمين، ثم إنهم رموهم بالنبل، أي هؤلاء الهذليون رموا هؤلاء الصحابة العشرة، فقتلوا عاصماً وقتلوا ستة آخرين، وبقي ثلاثة، بقي هؤلاء الثلاثة وقالوا: ننزل وننظر هل يوفون أم لا؟ فأخذهم الهذليون ثم حلوا قسيهم وربطوهم بها أي ربطوا أيديهم، فقال الثالث: هذا أول الغدر، لا يمكن أن أصحبكم، فحاولوا معه قال: أبدًا فقتلوه، ثم ذهبوا بخبيب وصاحبه إلى مكة فباعوهما، فاشترى خبيباً رضي الله عنه أناس من أهل مكة وقد كان قتل زعيمًا لهم في بدر، ورأوا أن هذه فرصة أن يقتلوه ثم أبقوه عندهم أسيراً مغلولة يداه، وفي يوم من الأيام كان في البيت وكان أسيراً مغلولة يده، فدرج صبي من أهل البيت إلى خبيب رضي الله عنه، فكأنه رق له ورحمه كعادة الإنسان يرحم الصغار ويرق لهم، ولهذا إذا رأيت من نفسك أنك ترق للصغار وترحمهم فهذه من علامة رحمة الله لك، لأن الراحمين يرحمهم الله عز وجل، ولهذا قال الأقرع بن الحابس لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل - أظنه الحسن والحسين - قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم، قال: أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، إنما يرحم الله من عباده الرحماء.

خبيب أخذ الصبي ووضعه على فخذه وكان قد استعار من أهل البيت موسى (يعني موس) يستحد به أي يحلق به عانته، لما ذهب الصبي يلعب وأمه غافلة عنه، لما تفطنت له إذا هو على فخد خبيب، وخبيب معه الموس فظنت أن هذه فرصة لخبيب، ماذا يصنع، يذبح الولد، الموس معه والولد صبي وهو منفرد به، لكنه رضي الله عنه أمين، صحابي جليل، لما أحس أنها ارتاعت (فزعت) الأم، قال: والله ما كنت لأذبحه، قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، رأيته ذات يوم وفي يده قطف عنب يأكله، ومكة ما فيها ثمر، فعلمت أن ذلك من عند الله عز وجل، الله سبحانه وتعالى هيأ له هذا العنب وهو أسير لا يملك لنفسه شيئاً لا يستطيع أن يخرج إلى السوق يشتري أو يطعم، تحت رحمة هؤلاء، ولكن الله جل وعلا يسر له هذا القطف من العنب، يأكل عنباً وهو في مكة فعلمت أنه من عند الله.

وهذا كقصة مريم رضي الله عنها كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فهذه من كرامة الله تعالى لخبيب رضي الله عنه، أكرمه الله سبحانه وتعالى، تنزل عليه مائدة من العنب يأكلها وهو أسير في مكة، وبقي أسيراً ثم أجمع هؤلاء القوم - الذين قتل والدهم على يد خبيب - أجمعوا على أن يقتلوه، لكنهم لاحترامهم للحرم قالوا: نقتله خارج الحرم، لأن الإنسان إذا قتل أحدًا خارج الحرم ودخل إلى الحرم فإنه لا يجوز أن يقتل

في الحرم قال الله تعالى {ومن دخله كان أمناً} فهذه سنة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، على أن الإنسان إذا فعل ما يوجب القتل (يستحق عليه القتل) خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإن الحرم يعيذه ولا يجوز أن يقتل فيه، وماذا يصنع به؟ يعني لو قال قائل: لو سلمنا بهذه القاعدة، كان كل إنسان مجرم يذهب إلى الحرم ويلوذ به، قلنا: نحن لا نقتله في الحرم لكن نضيق عليه حتى يخرج، كيف نضيق عليه؟ قال العلماء: لا يؤكل معه ولا يشارب ولا يبايع ولا يشترى منه ولا يكلم، نضيق عليه حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، حينئذ ماذا يفعل؟ يخرج، وإذا خرج أقمنا عليه ما يجب عليه.

المهم أنهم خرجوا بخبيب خارج الحرم إلى الحل ليقتلوه، فطلب منهم، أن يصلي ركعتين؛ لأن أشرف الأعمال البدنية الصلاة، ولأنها صلة بين العبد وبين ربه عز وجل، فأذنوا له أن يصلي ركعتين، انتهى منها وقال: لولا أني أخاف أن تقولوا: إنه فر من القتل أو كلمة نحوها، لزدت، ولكنه رضي الله عنه صلى ركعتين فقط ثم قال: لولا أني أخاف أن تظنوا أن بي جزعاً لزدت؛ لأنه رضي الله عنه، كان حريصًا على الصلاة ويحب أن يكثر منها عند موته ثم دعا عليهم رضي الله عنه بهذه الدعوات الثلاث، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدًا.

فأجاب الله دعوته، وما دار الحول على واحد منهم، كلهم قتلوا وهذا من كرامته.

ثم انشد هذا الشعر:

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله فإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع

فصار من الكرامة لهذا الرجل أن الله سبحانه وتعالى كان يرزقه

الفاكهة التي لا توجد في مكة، وأنه كان يأكلها بيده، ويده موثقة بالحديد، وأنه أول من سن الصلاة عند القتل، فإنه فعل ذلك وأقره الله ورسوله، وأنه دعا على هؤلاء القوم، فأجاب الله دعوته أما عاصم بن ثابت الذي قتل رضي الله عنه، فإنه شعر به قوم من قريش، وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم فأرسلوا إليه جماعة يأتون بشيء من أعضائه يعرف به حتى يطمئنوا أنه قتل، فلما جاء هؤلاء القوم ليأخذوا شيئاً من أعضائه، أرسل الله سبحانه وتعالى عليه شيئاً مثل الظلة من الدبر (أي من النحل) نحل عظيم، يحميه به الله تعالى من هؤلاء القوم، فعجزوا أن يقربوه ورجعوا خائبين.

وهذا أيضاً من كرامة الله سبحانه وتعالى لعاصم رضي الله عنه، أن الله سبحانه وتعالى حمى جسده بعد موته من هؤلاء الأعداء الذين يريدون أن يمثلوا به.

والكرامات كثيرة ذكر المؤلف منها ما ذكر في هذا الباب وذكر أيضاً أشياء متفرقة في هذا الكتاب.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله سبحانه وتعالى على أيديهم من أنواع العلوم والمكاشفات، والقدرة والتقديرات، وقال: الكرامات موجودة قبل هذه الأمة، وفي صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة.

وذكر شيئاً كثيراً منها في كتابه الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن

باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والحياة والروح ونعمة السلطان وتربة فلان وهي من أشدها نهيا

١٧٠٧ - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ينهاكم أن تخلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه وفي رواية في الصحيح فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت

١٧٠٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم رواه مسلم الطواغي جمع طاغية وهي الأصنام ومنه الحديث هذه طاغية دوس أي: صنمهم ومعبودهم وروي في غير مسلم بالطواغيت جمع طاغوت وهو الشيطان والصنم

١٧٠٩ - وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف

بالأمانة فليس منا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح

١٧١٠ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود

١٧١١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال ابن عمر لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك رواه الترمذي وقال حديث حسن وفسر بعض العلماء قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرياء شرك

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن الحلف الحلف معناه تأكيد الشيء بذكر معظم والإنسان لا يحلف بشيء إلا لأنه عظيم في نفسه فكأنه يقول بقدر عظمة هذا المحلوف به أني صادق ولهذا كان الحلف بالله عز وجل احلف بالله أو بصفة من صفاته أو بأي اسم من

أسمائه قال الله تعالى وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال الله تعالى {أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى} فإذا حلفت بالرحمن أو بالرحيم أو بالسميع ...

أو أي اسم من أسماء الله فهذا جائز وحروف القسم ثلاثة الواو والباء والتاء الواو مثل والله لأفعلن كذا والباء مثل بالله لأفعلن كذا والتاء تالله لأفعلن كذا قال الله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} وقال تعالى {تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} وقال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهذه حروف القسم والقسم بغير الله كفر أو شرك ثم قد يكون كفرا أكبر وقد يكون كفرا أصغر وكذلك قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر فإذا اعتقد الحالف في شيء أن هذا الشيء له من العظمة مثل ما لله فإن هذا شرك أكبر وإن اعتقد أن له عظمة دون عظمة الله فهو شرك أصغر لأنه وسيلة للأكبر وكانوا في الجاهلية قد اعتادوا أن يحلفوا بآبائهم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال لا تحلفوا بآبائكم يعني ولا بإخوانكم ولا بأجدادكم ولا برؤسائكم لكن خص الآباء بالذكر لأن هذا هو المعتاد عندهم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت يعني إما ليحلف بالله أو لا يحلف أما أن يحلف بغير الله فلا ومن ذلك الحلف بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أشرف البشر وسيد البشر لو قلت والنبي محمد كنت مشركا أو كافرا الحلف بجبريل لو قلت وجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك خازن النار أو غير هؤلاء فهذا شرك لو قلت والشمس والقمر والليل والنهار تحلف بها فهذا شرك إما أكبر وإما أصغر على حسب ما قسمنا وتحلف أيضا بصفة من صفات الله مثل وعزة الله لأفعلن وحكمة الله لأفعلن كذا وكذا لا بأس به أما الحلف بغير الله فهو كما قلت كفر أو شرك إما أكبر وإما أصغر ثم ذكر المؤلف الحديث أن من قال هو بريء من دين الإسلام إن كان كذا وأن الإنسان لا يحل له أن يقول هذا وأنه إن قال هذا فإن كان كاذبا فهو كما قال يعني أنه بريء من الإسلام والعياذ بالله وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما يعني لابد أن يأثم أو يكفر ومثله قول القائل هو يهودي إن حصل كذا وكذا هو نصراني إن حصل كذا وكذا هذا يقال له إن ذلك محرم عليك لأنك إن كنت كاذبا فأنت كما قلت يهودي أو نصراني وإن كنت صادقا فلن ترجع إلى الإسلام سالما مثال ذلك قال رجل إن فلانا قدم اليوم وصل اليوم وكان مسافرا فقال له صاحبه لا ما وصل قال الأول هو يهودي إن كان لم يقدم فإن كان كاذبا وأنه لم يقدم يعني كاذبا فإنه يكن يهوديا لأنه قال هو يهودي إن كان لم يقدم وهو كاذب فيكون بذلك يهوديا وإن كان صادقا أنه قدم فإنه لن يرجع إلى الإسلام سالما كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم المهم إنك إذا أردت أن تحلف فاحلف بالله بأي اسم من أسماء الله أو بأي صفة من صفات الله قد يقول قائل أليس الله تعالى أقسم بالمخلوقات قال {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} وقال {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} نقول إن الله تعالى له أن يحلف بما شاء من خلقه فهو إذا حلف بشيء كان ذلك دليلا على عظمة الله لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق والله تعالى لا يحلف بشيء إلا بشيء عظيم وعظم المخلوق من عظم الخالق ولله أن يحلف بما شاء من خلقه ولا أحد يحجر على الله يفعل ما يريد عز وجل فإن قال القائل نسمع بعض الناس تقول أقسم بآيات الله هل هذا حلف بغير الله وهل هذا كفر أو شرك نقول ماذا يريد بآيات الله إن أراد بآيات الله الشمس والقمر والليل والنهار فهذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا لأن الله يقول {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} فإذا قال أنا أريد بآيات الله التي حلفت بها هذه الأشياء قلنا هذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا وإن قال أريد بآيات الله القرآن لأن القرآن آيات الله عز وجل فهذا ليس بمشرك لماذا لأن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله تعالى من صفاته فإذا قال أقسم بآيات الله أقصد بذلك القرآن قلنا هذا قسم صحيح وليس فيه شيء وفي ظني أن العوام إذا قال أقسم بآيات الله في ظني أنهم يريدون القرآن فإذا كانوا يريدون القرآن فليس حراما ولكن إن كانوا يردون الآيات التي هي الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وما أشبه ذلك هذا شرك أو كفر والله الموفق

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

أكتب الحديث عنه، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا فَسُعِيَ به عند السلطان فحبسه، فرأيت النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المنام وجبريل عليه السلام عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قل: لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في (صحيح البخاري) حتى يفرج الله عنه. قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يكن إلا قليلاً حتى أخرج من السجن.

وقال الحسن البصري: أرسل إليَّ الحجاج فقلتهن، فقال: والله ما أرسلت إليك إلا وأنا أريد أنْ أقتلك، فلأنت اليوم أحب من كذا وكذا، فسل حاجتك.

قال العيني: اشتملت الجملة الأولى على التوحيد الذي هو أصل التنزيهات، وعلى العظمة التي تدل على القدرة العظيمة.

وحكمة تخصيص الحليم بالذكر، أنّ كرب المؤمن غالبًا إنما هو نوع من التقصير في الطاعات، أو غفلة في الحالات، وهذا يشعر برجاء العفو المقلل للحزن.

واشتملت الجملة الثانية على التوحيد، والربوبية، وعظم العرش.

ووجه تكرير الرب بالذكر من بين سائر الأسماء الحسنى، هو كونه مناسبًا لكشف الكرب الذي هو مقتضى التربية.

ووجه تخصيص العرش بالذكر، كونه أعظم أجسام العالم، فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى.

وخص السموات والأرض بالذكر؛ لأنهما من أعظم المشاهدات. انتهى. ملخصًا.

[٢٥٣- باب كرامات الأولياء وفضلهم]

قَالَ الله تَعَالَى: {ألا إنَّ أوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى في الحَيَاةِ

الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [يونس (٦٢: ٦٤) ] .

الكرامة: إحدى الخوارق للعادات، والولي هو المطيع لله، فكل من كان تقيًّا كان لله وليًّا.

قال ابن عباس وغيره: أولياء الله الذين إذا رُؤُا ذُكِرَ الله.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء» . قيل: من هم يَا رسول الله، لعلَّنا نحبهم؟ قال: «هم قوم تحابّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» . ثم قرأ: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس (٦٢) ] ، رواه ابن جرير وغيره.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوله: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [يونس (٦٤) ] ، قال: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» . رواه أحمد.

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت (٣٠: ٣٢) ] .

وقوله تعالى: {لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ} [يونس (٦٤) ] ، أي: لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده، {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس (٦٤) ] .

وقال تَعَالَى: {وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} [مريم (٢٥، ٢٦) ] .

هذا من خوارق العادة، وهي كرامة لمريم عليها السلام، وأشار بقوله {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} [مريم (٢٩، ٣٠) ] إلى تكلم عيسى ومخاطبته لقومها، ومحاورته عنها، من ولادته إرهاصًا لنبوته، وكرامةً لها.

وقال تَعَالَى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكرِيّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالت هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران (٣٧) ] .

قيل: كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء. في قصة مريم عدة كرامات، منها: حبلها من غير ذَكَر، وحصول الرطب الطري من الجذع اليابس، ودخول الرزق عندها في غير أوان حضور أسبابه، وهي لم تكن نبية.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّيءْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقاً * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف (١٦، ١٧) ] .

قال بعض المفسرين: صرف الله عنهم الشمس بقدرته، وحال بينهم وبينها؛ لأنَّ باب الكهف على جانب لا تقع الشمس إلا على جنبه، فيكون كرامة لهم كما قال: ذلك من آيات الله إذا أرشدهم إلى ذلك الغار، وصرف عنهم الأضرار.

وفي لبثهم ثلاث مئة وأزيد، نيامًا أحياء من غير آفة، مع بقاء القوة العادية بلا غذاء ولا شراب من جملة الخوارق.

[١٥٠٣] وعن أَبي محمد عبد الرحمن بن أَبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهما: أنَّ أَصْحَابَ الصُّفّةِ كَانُوا أُنَاساً فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَرَّةً: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ، فَلْيَذْهَبْ بثَالِثٍ، وَمنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ» أَوْ كما قَالَ، وأنَّ أَبَا بكرٍ - رضي الله عنه - جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وانْطَلَقَ النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعَشَرَةٍ، وأنَّ أَبَا بَكرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ، فجاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ. قالت له امْرَأتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أضْيَافِكَ؟ قَالَ: أوَ ما عَشَّيْتِهمْ؟ قالت: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَذَهَبتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وقالَ: كُلُوا لا هَنِيئاً وَاللهِ لا أَطْعَمُهُ أَبَداً، قَالَ: وايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلا ربا من أسفلِها أكثرَ منها حتى شبعوا، وصارتْ أكثرَ مما كانتْ قبلَ ذلكَ، فنظرَ إليها أبو بكر فقالَ لامرأتِهِ: يا أختَ بني فراسٍ ما هذا؟ قالت: لا وقُرَّةِ عيني لهي الآنَ أكثرُ منها قبلَ ذلكَ بثلاثِ مراتٍ! فأكل منها أبو بكرٍ وقال: إنَّما كانَ ذلكَ من الشيطانِ، يعني: يمينَهُ. ثم أكلَ منها لقمةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَمَضَى الأجَلُ، فَتَفَرَّقْنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ.

وَفِي رِوَايةٍ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لا يَطْعَمُهُ، فَحَلَفَت المَرْأَةُ لا تَطْعَمُهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ. - أَو الأَضْيَافُ - أنْ لا يَطْعَمُهُ أَوْ يَطْعَمُوهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ! فَدَعَا بالطَّعَامِ فَأكَلَ وأكَلُوا، فَجَعَلُوا

لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلا رَبَتْ مِنْ أسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَني فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرْةِ عَيْنِي إنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ أنْ نَأكُلَ، فَأكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ أنَّهُ أكَلَ مِنْهَا.

وَفِي رِوايَةٍ: إنَّ أَبَا بكْرٍ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ: دُونَكَ أضْيَافَكَ، فَإنِّي مُنْطلقٌ إِلَى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَافْرُغْ مِنْ قِراهُم قَبْلَ أنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمنِ، فَأَتَاهُمْ بما عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا؛ فقالوا: أين رَبُّ مَنْزِلِنا؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قالوا: مَا نحنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ: اقْبَلُوا عَنْا قِرَاكُمْ، فَإنَّهُ إنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا، لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ فأبَوْا، فَعَرَفْتُ أنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحمنِ، فَسَكَتُّ: ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، فَسَكَتُّ، فَقال: يَا غُنْثَرُ أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوتِي لَمَا جِئْتَ! فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أضْيَافَكَ، فقالُوا: صَدَقَ، أتَانَا بِهِ، فَقَالَ: إنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي والله لا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ الآخَرُونَ: واللهِ لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ لا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَ بِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، الأولَى مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. متفق عَلَيْهِ.

قَوْله: «غُنْثَرُ» بغينٍ معجمةٍ مَضمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ ساكِنَةٍ ثُمَّ ثاءٍ مثلثةٍ وَهُوَ: الغَبِيُّ الجَاهِلُ. وقولُهُ: «فَجَدَّعَ» أَيْ شَتَمَهُ، والجَدْعُ القَطْعُ. قولُه «يَجِدُ عَليّ» هُوَ بكسرِ الجِيمِ: أيْ يَغْضَبُ.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لأبي بكر رضي الله عنه.

[١٥٠٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ كَانَ فيما قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإنْ يَكُ في أُمَّتِي أحدٌ فإنَّهُ عُمَرُ» . رواه البخاري.

ورواه مسلم من رواية عائشة.

وفي روايتهما قَالَ ابن وهب: «محَدَّثُونَ» أيْ مُلْهَمُونَ.

المُحْدَّث: الرجل الصادق الظن، وهو مَنْ أُلْقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى. وعند الترمذي: «إن الله جعل الحق على لسان عمر ... وقلبه» .

وفي حديث آخر: «لو كان نبي بعدي لكان عمر» .

وفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لعمر رضي الله عنه.

وعن ابن عمر قال: بينا عثمان يخطب إذ قام إليه جهجاه الغفاري، فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته، فدخلت شظية في ركبته، فوقعت فيها الأكلة.

وعن الحسن بن علي قال: قال علي: إنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح ظهري الليلة في منامي، فقلت يا رسول الله: ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ قال: «ادع عليهم» . قلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. فخرج فضربه الرجل. رواهما ابن سيد الناس.

ففي هذين كرامة للخليفتين رضي الله عنهما.

[١٥٠٥] وعن جابر بنِ سُمْرَةَ رضي الله عنهما، قَالَ: شَكَا أهْلُ الكُوفَةِ سَعْداً يعني: ابنَ أَبي وقاص - رضي الله عنه -، إِلَى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فَعَزَلَهُ، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّاراً، فَشَكَوا حَتَّى

ذَكَرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إسْحَاقَ، إنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعَمُونَ أنَّكَ لا تُحْسِنُ تُصَلِّي، فَقَالَ: أَمَّا أنا واللهِ فَإنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا أُخْرِمُ عَنْها، أُصَلِّي صَلَاةَ العِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ.

قَالَ: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إسْحَاقَ، وأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً - أَوْ رِجَالاً - إِلَى الكُوفَةِ يَسْأَلُ عَنْهُ أهْلَ الكُوفَةِ، فَلَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إِلا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفاً، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِداً لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ، فَقال: أمَا إذْ نَشَدْتَنَا فَإنَّ سَعْداً كَانَ لا يَسِيرُ بالسَّرِيَّةِ وَلا يَقْسِمُ بالسَّوِيَّةِ، وَلا يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أمَا وَاللهِ لأَدْعُونَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِباً قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ.

قَالَ عَبدُ الملكِ بن عُمَيْرٍ الراوي عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ: فَأنا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وإنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوارِي فِي الطُّرُقِ فَيَغْمِزُهُنَّ. متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

[١٥٠٦] وعن عروة بن الزبير: أنَّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيلٍ - رضي الله عنه - خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، وادَّعَتْ أنَّهُ أخَذَ شَيْئاً مِنْ أرْضِهَا، فَقَالَ سعيدٌ: أنا كُنْتُ آخُذُ شَيئاً مِنْ أرْضِهَا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟! قَالَ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟

قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَنْ أخَذَ شِبْراً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أرْضِينَ» فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لا أسْألُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سعيد: اللَّهُمَّ إنْ كَانَتْ كاذِبَةً، فَأعْمِ بَصَرَها، وَاقْتُلْهَا في أرْضِها، قَالَ: فَما ماتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَما هِيَ تَمْشِي في أرْضِهَا إذ وَقَعَتْ في حُفْرَةٍ فَماتَتْ. متفق عَلَيْهِ.

وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عُمَرَ بِمَعْنَاهُ، وأنه رآها عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الجُدُرَ تقولُ: أصابَتْنِي دَعْوَةُ سَعيدٍ، وأنَّها مَرَّتْ عَلَى بِئرٍ في الدَّارِ الَّتي خَاصَمَتْهُ فِيهَا، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانتْ قَبْرَها.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لسعيد بن زيد رضي الله عنه.

[١٥٠٧] وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أُحُدٌ دعَانِي أَبي من اللَّيلِ فَقَالَ: مَا أُرَاني إِلا مَقْتُولاً في أوْلِ مَنْ يُقْتَلُ من أصْحَابِ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنَّ عَلَيَّ دَيْناً فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْراً، فَأصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ في قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أنْ أتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فإذا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذنِهِ، فَجَعَلْتُهُ في قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لعبد الله أبي جابر رضي الله عنهما.

[١٥٠٨] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رجلين مِنْ أصحاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ

بَيْنَ أَيْديهِمَا. فَلَمَّا افْتَرَقَا، صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أتَى أهْلَهُ.

رواهُ البُخاري مِنْ طُرُقٍ؛ وفي بَعْضِهَا أنَّ الرَّجُلَيْنِ أُسَيْدُ بنُ حُضير، وَعَبّادُ بنُ بِشْرٍ رضي الله عنهما.

في هذا الحديث: كرامة ظاهرة لأسيد بن حضير، وعبّاد بن بشر رضي الله عنهما.

[١٥٠٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: بعث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَة رَهْطٍ عَيْناً سَرِيَّة، وأمَّرَ عَلَيْهَم عاصِمَ بنَ ثَابِتٍ الأنْصَارِيَّ - رضي الله عنه -، فانْطلقوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بالهَدْأةِ؛ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ؛ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْل يُقالُ لَهُمْ: بَنُو لحيانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَريبٍ مِنْ مِئَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وأصْحَابُهُ، لَجَؤا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأَحاطَ بِهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأيْدِيكُمْ وَلَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ أنْ لا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أحَداً. فَقَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ: أَيُّهَا القَوْمُ، أَمَّا أنا، فَلا أنْزِلُ عَلَى ذِمَّةِ كَافِرٍ: اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَمُوهُمْ بِالنّبْلِ فَقَتلُوا عَاصِماً، وَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى العَهْدِ والمِيثاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ، وَزَيدُ بنُ الدَّثِنَةِ وَرَجُلٌ آخَرُ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أطْلَقُوا أوْتَارَ قِسِيِّهِمْ، فَرَبطُوهُمْ بِهَا. قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أوَّلُ الغَدْرِ واللهِ لا أصْحَبُكُمْ إنَّ لِي بِهؤُلاءِ أُسْوَةً، يُريدُ القَتْلَى، فَجَرُّوهُ وعَالَجُوهُ، فأبى أنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، وانْطَلَقُوا بِخُبَيبٍ، وزَيْدِ ابنِ الدَّثِنَةِ، حَتَّى بَاعُوهُما بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ؛ فابْتَاعَ بَنُو الحارِثِ بن عامِرِ بنِ نَوْفَلِ بنِ عبدِ مَنَافٍ خُبيباً، وكان خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ.

فَلِبثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أسيراً حَتَّى أجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ، فاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الحَارثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ

بِهَا فَأعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَجَدتهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخْذِهِ وَالموسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ. فَقَالَ: أَتَخَشَيْنَ أن أقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ! قالت: واللهِ مَا رَأيْتُ أسيراً خَيراً مِنْ خُبَيْبٍ، فواللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوماً يَأكُلُ قِطْفاً مِنْ عِنَبٍ في يَدِهِ وإنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْباً. فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ في الحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ: واللهِ لَوْلا أنْ تَحْسَبُوا أنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ: اللَّهُمَّ أحْصِهِمْ عَدَداً، وَاقْتُلهُمْ بِدَدَاً، وَلا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَداً. وقال:

?? ... فَلَسْتُ أُبَالِي حِيْنَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ... عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ للهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ في ذَاتِ الإلَهِ وإنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

وكان خُبَيبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْراً الصَّلَاةَ. وأخْبَرَ - يعني: النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بنِ ثَابتٍ حِيْنَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أن يُؤْتَوا بِشَيءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وكَانَ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمائِهِمْ، فَبَعَثَ الله لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِروا أنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئاً. رواه البخاري.

قولُهُ: «الهَدْأَةُ» : مَوْضِعٌ، «والظُّلَّةُ» : السَّحَابُ. «والدَّبْرُ» : النَّحْلُ. وَقَوْلُهُ: «اقْتُلْهُمْ بِدَداً» بِكَسْرِ الباءِ وفتحِهَا، فَمَنْ كَسَرَ قَالَ هُوَ جمع بِدَّةٍ بكسر الباء وهي النصيب ومعناه: اقْتُلْهُمْ حِصَصاً مُنْقَسِمَةً لِكُلِّ واحدٍ مِنْهُمْ نَصيبٌ، وَمَنْ فَتَحَ قَالَ معناهُ: مُتَفَرِّقِينَ في القَتْلِ واحداً بَعْدَ واحِدٍ مِنَ التَّبْدِيد.

قال في «القاموس» : الدَّبَر، بالفتح: جماعة النحل والزنابير، ويكسر فيهما.

وفي هذا الحديث: كرامة ظاهرة لخبيب وعاصم بن ثابت رضي الله عنهما.

وفي الباب أحاديث كثيرةٌ صَحيحةٌ سَبَقَتْ في مَوَاضِعِها مِنْ هَذَا الكِتَابِ، مِنْهَا حديثُ الغُلامِ الَّذِي كَانَ يأتِي الرَّاهِبَ والسَّاحِرَ، ومنْها حَدِيثُ جُرَيْج، وحديثُ أصْحابِ الغَارِ الذين أطْبِقَتْ عَلَيْهِم الصَّخْرَةُ، وَحديثُ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَ صَوْتاً في السَّحَابِ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالدلائِل في البابِ كثيرةٌ مشهُورةٌ، وباللهِ التَّوفيقِ.

قال النووي: اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات كرامات الأولياء، وأنها واقعة موجودة مستمرة في الأعصار، ويدل عليه دلائل العقول وصرائح النقول.

[١٥١٠] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: مَا سَمِعْتُ عمر - رضي الله عنه - يقولُ لِشَيءٍ قَطُّ: إنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا، إِلا كَانَ كَمَا يَظُنُّ. رواه البخاري.

قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما بال الكرامات في زمن الصحابة قليلة بالنسبة لما يروى عمن بعدهم من الأولياء؟ ! فقال: أولئك كان إيمانهم قويًا فما احتاجوا إلى زيادة يقوي بها إيمانهم، وغيرهم ضعيف الإيمان في عصره فاحتاج إلى تقويته بإظهار الكرامة، والله أعلم.

كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا

[٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات (١٢) ] .

في هذه الآية: النهي عن الغيبة، وهي ذكرك المسلم بما يكره، وإن كان ذلك فيه.

قال ابن كثير: والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» . وكقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقد خطبها معاوية، وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» ، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال عزَّ وجلّ: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} ... [الحجرات (١٢) ] ، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا.

وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها. كما قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» . وقد قال: «ليس منا مثل السوء» .

وقال تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء (٣٦) ] .

قال ابن عباس: يقول: لا تقل.

وقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولمْ تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. فإنَّ الله تعالى سائلك عن ذلك كله.

وقال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ} [ق: ١٨] .

أي: ما يتكلم من كلام إلا وله حافظ يكتبه.

قال ابن عباس: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال: يكتب كلما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليُكْتَبُ قوله: أكلت. شربت. ذهبت. جئت. رأيت. حتى إذ كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد (٣٩) ] .

وقال الحسن البصري: وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}(١٧) ] ، يَا ابن آدم، بسطتْ لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك. أما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيِّآتك. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُوِيَتْ صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول تعالى {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء (١٣، ١٤) ] ، ثم يقول: عدل - والله - من جعلك حسيب نفسك.

اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلا كَلَاماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ،

وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.

قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .

[١٥١١] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.

وهذا الحديث صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلا إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ، فَلا يَتَكَلَّم.

يعني: من كان يؤمن الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوان الله، فليقل خيرًا أو ليصمت؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، واجتهد في فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.

[١٥١٢] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . متفق عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أن من سَلِم المسلمون من أذاه، أنه من أفضلهم، وخص اللسان واليد بالذكر، لغلبة صدور الأمر عنهما، فالقول باللسان، والفعل باليد.

[١٥١٣] وعن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: أنَّ من حفظ لسانه وفرجه عن الحرام دخل الجنة.

[١٥١٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّه سمع النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . متفق عَلَيْهِ.

ومعنى: «يَتَبَيَّنُ» يَتَفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا.

في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه.

وفي حديث أبي ذر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يروي عن صحف إبراهيم عليه السلام: «وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .

[١٥١٥] وعنه عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» . رواه البخاري.

قوله: «ما يلقى لها بالاً» ، أي، لا يصغى إليها، ولا يجعل قلبه نحوها.

[١٥١٦] وعن أَبي عبد الرحمن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى

يَومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» . رواه مالك في المُوَطَّأ، والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . إنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم يرضيه بها فيسخط الله عز وجل، ويزيّن له باطلاً يريده من إراقة دم، أو ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله وينال سخطه، وكذا الكلمة التي يرضى بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصيته التي يريدها يبلغ بها أيضًا رضوانًا من الله لا يحتبسه.

[١٥١٧] وعن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: «قلْ: رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

الاستقامة: هي امتثال الأومر واجتناب المناهي. والحديث مقتبس من مشكاة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت (٣٠) ] .

وفيه: أن أعظم ما يهلك الإنسان لسانه.

قال العاقولي: أسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان.

[١٥١٨] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ

اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ تعالى القَلْبُ القَاسِي» . رواه الترمذي.

الذكر: هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، و (أشرف الذكر) : القرآن.

وقسوة القلب: غلظة وعدم تأثره بالمواعظ، فلا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر.

[١٥١٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

أي: من حبس لسانه عن الشر، وأجراه في الخير، وحفظ فرجه عن الحرام دخل الجنة.

[١٥٢٠] وعن عقبة بن عامرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

قيل: هذا الجواب من أسلوب الحكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها لأنه أهم.

[١٥٢١] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإنَّما نَحنُ بِكَ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» . رواه الترمذي.

معنى: «تُكَفِّرُ اللِّسَانَ» : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.

قوله: «فإنما نحن بك» ، أي: مجازون بما يصدر عنك.

قال الطيبي: الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إن في الجسد مضغة» . أن اللسان خليفة القلب وترجمانه، وأن الإنسان عبارة عن القلب واللسان، والمرء بأصغريه.

[١٥٢٢] وعن مُعَاذٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة (١٦، ١٧) ] ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «رَأسُ الأمْر الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ!» قُلْتُ: بلَى يَا رَسولَ اللهِ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.

وفيه: إشارة إلى أنَّ التوفيق كله بيد الله عز وجل، ولما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل.

وفيه: دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض، وأن كف اللسان إلا عن الخير هو أصل الخير.

[١٥٢٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ» قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: أن حقيقة الغيبة ذكر الإنسان بما فيه من المكروه.

[١٥٢٤] وعن أَبي بَكْرة - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ» . متفق عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: تحريم التعرض لدم مسلم، أو ماله، أو عرضه، بما لم يأذن به الشارع.

[١٥٢٥] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قُلْتُ للنبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ! قالت: وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

ومعنى: «مَزَجَتْهُ» خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا. وهذا مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} . [النجم (٣، ٤) ] .

قولها: وحكيت له إنسانًا، أي: حكت له بالفعل حركة إنسان يكرهها.

قال العاقولي: قوله: «ما أحب أني حكيت إنسانًا» ، أي: فعلت مثل فعله. يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما استعمل المحاكاة في القبيح، وهو في الغيبة المحرمة، كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها.

[١٥٢٦] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!» . رواه أَبُو داود.

فائدة: روى الإمام أحمد أنه قيل: يا رسول الله، إنَّ فلانة وفلانة صائمتان، وققد بلغتا الجهد. فقال: «ادعهما» . فقال لإحداهما: ... «قيئي» . فقاءت لحمًا، ودمًا عبيطًا، وقيحًا. والأخرى مثل ذلك. ثم قال: «صامتا عما أحل لله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما الأخرى فلم يزالا يأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا» .

[١٥٢٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: تغليظ تحريم دم المسلم، وتحريم عرضه، وتحريمم ماله.

حتى ينحر الهدي. ومحل الكراهة عند عدم الحاجة. انتهى ملخصًا.

وقال البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء. وذكر حديث مسروق أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إنَّ رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أنْ تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس؟ قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس.

قال الحافظ: واستدل الداودي به على أنَّ الحديث المرفوع: «إذا دخل عشر ذي الحجة فمن أراد أنْ يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره» . يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا.

قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك لأن عائشة أنكرت أنْ يصير محرمًا بمجرد بعثه الهدي، ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة، من اجتناب إزالة الشعر والظفر.

ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة.

قال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اجتناب ما يشترطه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر لغير المحرم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.

[٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي]

والكعبة والملائكة والسماء والآباء

والحياة والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهياً

[١٧٠٧] عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً،

فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.

وفي رواية في الصحيح: «فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلا بِاللهِ، أَوْ لِيَسْكُتْ» .

قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.

وعن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حدثيًا، فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» . فالتفتُّ فإذا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم» . رواه ابن أبي شيبة.

قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.

[١٧٠٨] وعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ» . رواه مسلم.

«الطَّواغِي» : جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وهِيَ الأصنَامُ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ» أيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ. وَرُوِيَ في غير مسلم: ... «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمعُ طَاغُوت، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.

قال الحافظ: من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المخلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة، والعلماء والصلحاء، والملوك، والآباء والكعبة.

أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد. أو يستحق التحقير والإَذلال كالشياطين، والأصنام، وسائر من عُبِد من دون الله.

[١٧٠٩] وعن بُريدَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

قال الخطابي: سَبَبُهُ أنَّ اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى، أو بصفاته، وليست منها الأمانة، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء الله وصفاته.

وقال ابن رسلان: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالحج والصوم ونحوهما.

[١٧١٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ، فَإنْ كَانَ كَاذِباً، فَهُوَ كمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقاً، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلَامِ سَالِماً» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: وعيد شديد وتهديد أكيد لمن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا أو صادقًَا.

[١٧١١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يقُولُ: لا وَالكَعْبَةِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَحْلِفْ بَغَيْرِ اللهِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فقد كَفَرَ أَوْ أشْرَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

وفَسَّرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قولَهُ: «كفَرَ أَوْ أشْرَكَ» عَلَى التَّغْلِيظِ، كما روي أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرِّياءُ شِرْكٌ» .

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.5 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر