«يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1145

الحديث رقم 1145 من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين…

«يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».

سند حديث: ١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ…

١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين…

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جل ثناؤه ينزل نزولًا يليق بجلاله، فهو نزول حقيقي على الكيفية التي يعلمها سبحانه وتعالى، ولا نعلمها نحن، ولكننا نعلم أنه حقٌّ، وأنه ليس كنزول المخلوقين، فلا نكيف، ولا نعطل، ولا نحرف، ولا نؤَوِّل، بل نؤمن بذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم به في هذا الحديث الصحيح، ولم يرد ما ينافيه في النصوص، بان الله تعالى لا ينزل، وإنما نفاه بعض الناس لأنهم لا يتصورون إلا نزول المخلوق، ولوازم نزول المخلوق، فيقال لهم: وأنتم لا تعقلون موجودًا إلا المخلوق، ولا يعني ذلك عدم الخالق، بل هو موجودًا وجودًا لا يشبه وجود المخلوقين، فكذلك أفعاله وصفاته.
والنزول الإلهي يكون في كل ليلة إلى السماء القريبة من الأرض، وهذا الوقت هو عندما يتبقى ثلث الليل الآخر، فيقول عز وجل: من يدعوني فأستجيب له دعاءه؟ من يسألني مسألة فأعطيها له؟ من يستغفرني فأغفر له ذنوبه؟ ولا يمكن أن يقول ذلك مَلَكٌ أو رحمةٌ أو شيءٌ غير الله تعالى.
فإن قيل: لا توجد لحظة إلا وهي من ثلث الليل الآخر في بقعة من بقاع الأرض، فيلزم من هذا استمرار النزول الإلهي في كل وقت. فالجواب أن هذا الإيراد سببه عدم استقرار مذهب أهل السنة والجماعة في القلب، وذلك أننا نقول: (ينزل نزولًا يليق بجلاله، لا يشبه نزول المخلوقين)، فهذا اللازم الذي أورده صحيحٌ لو كان النازل مخلوقًا مثلي ومثلك، أما نزول الله تعالى فإن كنت لا تعرف كيفيته كيف لزم منه هذا المذكور، مع استشعار عظمة الله تعالى، وأن هذا الكون ليس بشيء بالنسبة إلى العرش، وهو مخلوق عظيم من خلقه سبحانه، فكيف به عز وجل.
ومذهب السلف الصالح في كل أبواب الدين هو المذهب المنسجم مع العقل؛ لأنه مبني على النص، ولا يقدم عليه عقل أحد من البشر؛ لأن العقول قاصرة ومتفاوتة، وخالقها أعلم بما يصلحها ويصلح لها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان فضيلة ثلث الليل الآخر.
  • إثبات صفة النزول لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله، من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تحريف.
  • بيان سعة فضل الله عز وجل، وعظيم كرمه، حيث ينادي عباده: هل من سائل؟ هل من داع؟ هل من مستغفر؟ سبحانه ما أوسع فضله، وأكثر جوده.
  • فيه التحريض على عمل الطاعة، والإشارة إلى جزيل الثواب عليها.
  • الحكمة في تخصيصه بالليل، وبالثلث الأخير منه؛ لكونه وقت التهجد، وغفلة الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله سبحانه وتعالى، فعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى الله تعالى وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة.
  • آخر الليل أفضل للدعاء، والاستغفار، ويشهد له قوله تعالى: {والمستغفرين بالأسحار}، وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب، ولا يعترض على ذلك بأن بعض الداعين في هذا الوقت لم يستجب له؛ لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو تحصل الإجابة، ويتأخر وجود المطلوب؛ لمصلحة العبد، أو لأمر يريده الله تعالى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْفَسَادِ بِالْبَوْلِ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:

بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدَ

وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ طُلُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ إِفْسَادِ الْفَضِيخِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْبَوْلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَحْمَدَ: قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ بَوْلَهُ وَاللَّهِ لَثَقِيلٌ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: حَسْبُ الرَّجُلِ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالشَّرِّ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ وَقَدْ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ. وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خَصَّ الْأُذُنَ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ أَنْسَبَ بِالنَّوْمِ إِشَارَةً إِلَى ثِقَلِ النَّوْمِ، فَإِنَّ الْمَسَامِعَ هِيَ مَوَارِدُ الِانْتِبَاهِ، وَخَصَّ الْبَوْلَ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مَدْخَلًا فِي التَّجَاوِيفِ، وَأَسْرَعُ نُفُوذًا فِي الْعُرُوقِ، فَيُورِثُ الْكَسَلَ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ.

١٤ - بَاب الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ

وَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ أَيْ: مَا يَنَامُونَ ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟.

[الحديث ١١٤٥ - طرفاه في: ٧٤٩٤، ٦٣٢١]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: الدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ ﷿ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: وَقَوْلُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (مَا يَهْجَعُونَ). زَادَ الْأَصِيلِيُّ: أَيْ: يَنَامُونَ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْخِلَافَ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي ذَلِكَ، فَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَالْأَحْنَفِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَنُقِلَ عَنْ قَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مَعْنَاهُ: كَانُوا لَا يَنَامُونَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ لَا يَتَهَجَّدُونَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَعْنَاهُ؛ لَمْ تَكُنْ تَمْضِي عَلَيْهِمْ لَيْلَةٌ إِلَّا يَأْخُذُونَ مِنْهَا وَلَوْ شَيْئًا، ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالًا أُخَرَ، وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ مَادِحًا لَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَا زَائِدَةً، أَوْ مَصْدَرِيَّةً، وَهُوَ أَبْيَنُ الْأَقْوَالِ، وَأَقْعَدُهَا بِكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعَلَى الْآخَرِ تَكُونُ مَا نَافِيَةً، وَقَالَ الْخَلِيلُ: هَجَعَ يَهْجَعُ هُجُوعًا، وَهُوَ النَّوْمُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النُّزُولِ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَلَمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ، فَرَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ، وَحُفَّاظُ أَصْحَابِهِ كَمَا هُنَا، وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ عَلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بَدَلَهُمَا. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: الْأَعْرَجُ بَدَلَ الْأَغَرِّ، فَصَحَّفَهُ.

وَقِيلَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ بَدَلَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَهُوَ وَهَمٌ، وَالْأَغَرُّ الْمَذْكُورُ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ سَلْمَانُ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ، وَلَهُمْ رَاوٍ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: الْأَغَرُّ أَيْضًا، لَكِنَّهُ اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُسْلِمٍ، وَهُوَ كُوفِيٌّ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ جَمِيعًا مَرْفُوعًا، وَغَلِطَ مَنْ جَعَلَهُمَا وَاحِدًا. وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ، وَأَبُو صَالِحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، وَعَطَاءٌ مَوْلَى أُمِّ صُبْيَةَ بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ كُلُّهُمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ،

وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَرِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ غَيْرِ مَنْسُوبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَجَابِرٍ وَجَدِّ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرُّ صَاحِبُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا.

قَوْلُهُ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَةَ، وَقَالَ: هِيَ جِهَةُ الْعُلُوِّ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ (١)؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً، وَهُمُ الْخَوَارِجُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَهُوَ مُكَابَرَةٌ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرُوا مَا فِي الْحَدِيثِ، إِمَّا جَهْلًا، وَإِمَّا عِنَادًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤْمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مُنَزِّهًا اللَّهَ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ، وَهُمْ جُمْهُورُ السَّلَفِ، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالْحَمَّادَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ، مُسْتَعْمَلٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَطَ فِي التَّأْوِيلِ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّحْرِيفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ مَا يَكُونُ تَأْوِيلُهُ قَرِيبًا مُسْتَعْمَلًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ بَعِيدًا مَهْجُورًا، فَأَوَّلَ فِي بَعْضٍ، وَفَوَّضَ فِي بَعْضٍ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَسْلَمُهَا الْإِيمَانُ بِلَا كَيْفٍ، وَالسُّكُوتُ عَنِ الْمُرَادِ إِلَّا أَنْ يَرِدَ ذَلِكَ عَنِ الصَّادِقِ، فَيُصَارُ إِلَيْهِ. مِنَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ الْمُعَيَّنَ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيضُ أَسْلَمُ.

وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: حُكِيَ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ رَدُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَعَنِ السَّلَفِ إِمْرَارُهَا، وَعَنْ قَوْمٍ تَأْوِيلُهَا، وَبِهِ أَقُولُ (٢)، فَأَمَّا قَوْلُهُ: يَنْزِلُ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ، بَلْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَالنُّزُولُ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَامِ يَكُونُ فِي الْمَعَانِي، فَإِنْ حَمَلْتَهُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْحِسِّيِّ فَتِلْكَ صِفَةُ الْمَلَكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الْمَعْنَوِيِّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ فَعَلَ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ نُزُولًا عَنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ، فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ. انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ: إِمَّا بِأَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِلُ أَمْرُهُ أَوِ الْمَلَكُ بِأَمْرِهِ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ وَالْإِجَابَةِ لَهُمْ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: يُنْزِلُ مَلَكًا، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ، حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ. الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: يُنَادِي مُنَادٍ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ. الْحَدِيثَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةِ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ: يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ:

لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْفَعُ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُولُ عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفَضَ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ نُورُ رَحْمَتِهِ، أَيْ: يَنْتَقِلُ مِنْ مُقْتَضَى صِفَةِ الْجَلَالِ الَّتِي تَقْتَضِي الْغَضَبَ وَالِانْتِقَامَ إِلَى مُقْتَضَى صِفَةِ الْإِكْرَامِ الَّتِي تَقْتَضِي الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ: (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) بِرَفْعِ الْآخِرِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ الثُّلُثِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةَ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى رُوَاتِهَا، وَسَلَكَ بَعْضُهُمْ طَرِيقَ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ انْحَصَرَتْ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا هَذِهِ، ثَانِيهَا: إِذَا مَضَى الثُّلُثُ الْأَوَّلُ، ثَالِثُهَا: الثُّلُثُ الْأَوَّلُ أَوِ النِّصْفُ، رَابِعُهَا: النِّصْفُ، خَامِسُهَا: النِّصْفُ أَوِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ، سَادِسُهَا: الْإِطْلَاقُ. فَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الْمُطْلَقَةُ، فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ، وَأَمَّا الَّتِي بِأَوْ، فَإِنْ كَانَتْ أَوْ لِلشَّكِّ فَالْمَجْزُومُ بِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ حَالَيْنِ فَيُجْمَعُ بِذَلِكَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، لِكَوْنِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ تَخْتَلِفُ فِي الزَّمَانِ وَفِي الْآفَاقِ بِاخْتِلَافِ تَقَدُّمِ دُخُولِ اللَّيْلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَتَأَخُّرِهِ عِنْدَ قَوْمٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ يَقَعُ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ، وَالْقَوْلُ يَقَعُ فِي النِّصْفِ وَفِي الثُّلُثِ الثَّانِي.

وَقِيلَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُعْلِمَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ فِي وَقْتٍ فَأَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَأَخْبَرَ بِهِ، فَنَقَلَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَدْعُونِي. . إِلَخْ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ الدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِمَّا لِدَفْعِ الْمَضَارِّ أَوْ جَلْبِ الْمَسَارِّ، وَذَلِكَ إِمَّا دِينِيٌّ وَإِمَّا دُنْيَوِيٌّ، فَفِي الِاسْتِغْفَارِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِي السُّؤَالِ إِشَارَةٌ إِلَى الثَّانِي، وَفِي الدُّعَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى الثَّالِثِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الدُّعَاءُ مَا لَا طَلَبَ فِيهِ؛ نَحْوَ: يَا اللَّهُ. وَالسُّؤَالُ الطَّلَبُ، وَأَنْ يُقَالَ: الْمَقْصُودُ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ. انْتَهَى. وَزَادَ سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ. وَزَادَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَ عَنْهُ. وَزَادَ عَطَاءٌ مَوْلَى أُمِّ صُبْيَةَ عَنْهُ: أَلَا سَقِيمٌ يَسْتَشْفِي فَيُشْفَى وَمَعَانِيهَا دَاخِلَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَزَادَ سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ عَنْهُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ. وَفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى عَمَلِ الطَّاعَةِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى جَزِيلِ الثَّوَابِ عَلَيْهَا. وَزَادَ حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: حَتَّى الْفَجْرِ. وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وَكَذَا اتَّفَقَ مُعْظَمُ الرُّوَاةِ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: حَتَّى تَرْجَلَ الشَّمْسُ. وَهِيَ شَاذَّةٌ.

وَزَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِهِ أَيْضًا: وَلِذَلِكَ كَانُوا يُفَضِّلُونَ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلِهِ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَمْعَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ. وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الصَّلَاةِ فِي التَّرْجَمَةِ وَمُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ لِهَذِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَسْتَجِيبَ) بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (فَأُعْطِيَهُ، وَأَغْفِرَ لَهُ) وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ الْآيَةَ. وَلَيْسَتِ السِّينُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَأَسْتَجِيبَ) لِلطَّلَبِ، بَلْ أَسْتَجِيبُ بِمَعْنَى أُجِيبُ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ: تَفْضِيلُ صَلَاةِ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَتَفْضِيلُ تَأْخِيرِ الْوِتْرِ؛ لَكِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ طَمِعَ أَنْ يَنْتَبِهَ، وَأَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِلدُّعَاءِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٤) (باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ) بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «في الصَّلاة» (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) وهو الثُّلث الأخير منه (وَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وقال الله» ﷿ وللأَصيليِّ: «وقول الله ﷿»: (﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾) رُفِعَ بـ «قليلًا» على الفاعليَّة (أَيْ: مَا يَنَامُونَ) وللحَمُّويي: «﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾: ينامون» و ﴿مَا﴾ زائدةٌ، و ﴿يَهْجَعُونَ﴾: خبر «كان»، و ﴿قَلِيلًا﴾ إمَّا ظرفٌ، أي: زمانًا قليلًا، و ﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾ إمَّا صفةٌ أو متعلِّقٌ بـ ﴿يَهْجَعُونَ﴾، وإمَّا مفعولٌ مطلقٌ، أي: هجوعًا قليلًا، ولو جُعلت «ما» مصدريَّة، فـ ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ فاعل ﴿قَلِيلًا﴾، و ﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾ بيانٌ أو حالٌ من المصدر، و «من»: للابتداء، ولا يجوز أن تكون نافيةً؛ لأنَّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، ولابن عساكر: «ما ينامون»، وعند الأَصيليِّ: «﴿يَهْجَعُونَ﴾ … الآية». (﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]) أي: أنَّهم مع قلَّة هجوعهم وكثرة تهجُّدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنَّهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، وسقط في رواية الأَصيليِّ ما (١) بعد ﴿يَهْجَعُونَ﴾ إلى ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وسقط عند أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢).

١١٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنبيُّ (عَنْ) إمام الأئمَّة (مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (وَأَبِي عَبْدِ اللهِ) سلمان (الأَغَرِّ) بغينٍ معجمةٍ وراءٍ مشدَّدةٍ، الثَّقفيِّ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ نزول رحمةٍ، ومزيد لطفٍ، وإجابة دعوةٍ، وقبول معذرةٍ، كما هو ديدن (٣) الملوك الكرماء، والسَّادة

الرُّحماء، إذا نزلوا بقرب قومٍ محتاجين ملهوفين، فقراء مستضعفين، لا نزول حركة وانتقالٍ لاستحالة ذلك على الله تعالى، فهو نزولٌ معنويٌّ. نعم يجوز حملُه على الحسِّيِّ، ويكون راجعًا إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل (١) عبارة عن مَلَكِه الَّذي ينزل بأمره ونهيه، وقد حكى ابن فورك: أنَّ بعض المشايخ ضبطه بضمِّ الياء من «يَنْزل»، قال القرطبيُّ: وكذا قيَّده بعضهم فيكون معدًّى إلى مفعولٍ محذوفٍ، أي: يُنْزِلُ الله مَلَكًا، قال: ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ: «إنَّ الله ﷿ يُمهِل حتَّى يمضيَ شطر اللَّيل الأوَّل (٢)، ثمَّ يأمر مناديًا يقول: هل من داعٍ فيُستجاب له؟ … » الحديث، وبهذا يرتفع الإشكال، قال الزَّركشيُّ: لكن روى ابن حبَّان في «صحيحه»: «ينزل الله إلى السَّماء فيقول: لا أسأل (٣) عن عبادي غيري»، وأجاب عنه في «المصابيح» بأنَّه لا يلزم من إنزاله الملَك أن يسأله عمَّا صنع العباد، ويجوز أن يكون الملَك مأمورًا بالمناداة، ولا يُسأل ألبتَّة عمَّا كان بعدها فهو ﷾ أعلم بما كان وبما يكون، لا تخفى عليه خافيةٌ، وقوله: «﵎» جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله: (كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) لأنَّه لمَّا أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة؛ أتى بما يدلُّ على التَّنزيه (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) منه (٤)، بالرَّفع صفةٌ لـ «ثُلُثُ»، وتخصيصه بـ «اللَّيل» وبـ «الثُّلث الأخير» منه (٥) لأنَّه وقت التَّهجُّد وغفلة النَّاس عمَّن يتعرَّض لنفحات رحمة الله تعالى، وعند ذلك تكون النِّيَّة خالصةً، والرَّغبة إلى الله تعالى وافرةً، وذلك مظنَّة القَبول والإجابة، ولكن اختلفت الرِّوايات في تعيين الوقت على ستَّة أقوالٍ يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في «كتاب الدُّعاء» في «باب الدُّعاء نصف اللَّيل» [خ¦٦٣٢١] بعون الله. (يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي

فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) بالنَّصب على جواب الاستفهام، وبالرَّفع على تقدير مبتدأ، أي: فأنا أستجيب له، وكذلك حكم (١) «فأعطيه» «فأغفر له»، وليست السِّين للطلب، بل «أستجيب» بمعنى: أُجيب (مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟) وزاد حجَّاج بن أبي منيعٍ عن جدِّه عن الزُّهريِّ عند الدَّارقُطنيِّ في آخر الحديث: «حتَّى الفجر»، والثَّلاثة -الدُّعاء، والسُّؤال، والاستغفار- إمَّا بمعنًى واحدٍ، فذكرها للتَّوكيد، وإمَّا لأنَّ المطلوب لدفع المضارِّ أو جلب المسارِّ، وهذا إمَّا دنيويٌّ أو دينيٌّ، ففي الاستغفار إشارةٌ إلى الأوَّل، وفي السُّؤال إشارةٌ إلى الثَّاني، وفي الدُّعاء إشارةٌ إلى الثَّالث، وإنَّما خصَّ الله تعالى هذا الوقت بالتَّنزُّل (٢) الإلهيِّ والتَّفضُّل على عباده باستجابة دعائهم وإعطائهم سؤلهم؛ لأنَّه وقت غفلةٍ واستغراقٍ في النَّوم واستلذاذٍ به، ومفارقةُ اللَّذَّة والدَّعة صعبٌ (٣) لا سيَّما أهل الرَّفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التَّعب، ولا سيَّما في قِصَر اللَّيل، فمن آثر القيام لمناجاة ربِّه والتَّضرع إليه مع ذلك، دلَّ على خلوص نيَّته وصحَّة رغبته فيما عند ربِّه تعالى (٤).

ورواة الحديث مدنيُّون إلَّا أنَّ (٥) ابن مسلمة سكن البصرة، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٩٤] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(١٥) (باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ) بالصَّلاة أو القراءة أو الذِّكر ونحوها.

(وَقَالَ سَلْمَانُ) الفارسيُّ (لأَبِي الدَّرْدَاءِ ﵄) وفي نسخةٍ: «وقاله سلمان»، وضُبِّب في «اليونينيَّة»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ: بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه) . قَوْله: (فِي أُذُنه) بِضَم الذَّال وسكونها، وَفِي رِوَايَة جرير: (فِي أُذُنَيْهِ) ، بالتثنية. وَاخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: (بَال الشَّيْطَان) ، فَقيل: هُوَ على حَقِيقَته. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا مَانع من حَقِيقَته لعدم الإحالة فِيهِ لِأَنَّهُ ثَبت أَنه يَأْكُل وَيشْرب وينكح، فَلَا مَانع من أَن يَبُول. وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ تَمْثِيل، شبه تثاقل نَومه وإغفاله عَن الصَّلَاة بِحَال من يبال فِي أُذُنه فيثقل سَمعه وَيفْسد حسه. قَالَ: وَإِن كَانَ المُرَاد حَقِيقَة عين الْبَوْل من الشَّيْطَان نَفسه فَلَا يُنكر ذَلِك إِن كَانَت لَهُ هَذِه الصّفة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هُوَ اسْتِعَارَة عَن تحكمه فِيهِ وانقياده لَهُ. وَقَالَ التوريشتي: يحْتَمل أَن يُقَال: إِن الشَّيْطَان مَلأ سَمعه بالأباطيل فأحدث فِي أُذُنه وقرا عَن اسْتِمَاع دَعْوَة الْحق، وَقيل: هُوَ كِنَايَة عَن استهانة الشَّيْطَان وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ، فَإِن من عَادَة المستخف بالشَّيْء أَن يَبُول عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من شدَّة استخفافه بِهِ يَتَّخِذهُ كالكنيف الْمعد للبول. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أفسد، يُقَال: بَال فِي كَذَا أَي: أفسد، وَالْعرب تكنى عَن الْفساد بالبول. قَالَ الراجز:

(بَال سُهَيْل فِي الفضيخ ففسد)

وَوَقع فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث عِنْد أَحْمد، قَالَ الْحسن: إِن بَوْله وَالله لثقيل، وروى مُحَمَّد بن نصر من طَرِيق قيس ابْن أبي حَازِم (عَن ابْن مَسْعُود: حسب رجل من الخيبة وَالشَّر أَن ينَام حى يصبح وَقد بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه) ، وَهُوَ مَوْقُوف صَحِيح الْإِسْنَاد. فَإِن قلت: لم خص الْأذن بِالذكر وَالْعين أنسب بِالنَّوْمِ؟ قلت: قَالَ الطَّيِّبِيّ: إِشَارَة إِلَى ثقل النّوم، فَإِن المسامع هِيَ موارد الانتباه، وَخص الْبَوْل من الأخبثين لِأَنَّهُ أسهل مدخلًا فِي التجاويف وأوسع نفوذا فِي الْعُرُوق فيورث الكسل فِي جَمِيع الْأَعْضَاء.

٤١ - (بابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء فِي الصَّلَاة من آخر اللَّيْل، وَهُوَ الثُّلُث الْأَخير مِنْهُ. قَوْله: (فِي الصَّلَاة) ، بِكَلِمَة: فِي، رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، بَاب الدُّعَاء وَالصَّلَاة، بِحرف: وَاو، الْعَطف.

وقَالَ الله عزَّ وجَلَّ {كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أَي مَا يَنَامُونَ {وبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات: ٧١، ٨١) .

وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: وَقَول الله، عز وَجل، فعلى هَذِه تكون هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة من جملَة التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى، وَزَاد الْأصيلِيّ بعد قَوْله: {مَا يهجعون} (الذاريات: ٧١، ٨١) . أَي: مَا ينامون، يُقَال: هجع يهجع هجوعا، وَهُوَ: النّوم بِاللَّيْلِ دون النَّهَار، وَرجل هاجع من قوم هجع وهجوع، وَامْرَأَة هاجعة من نسْوَة هجع وهواجع وهاجعات. وَفِي (الْمُحكم) : قد يكون الهجوع بَين نوم، وَقوم هجع وهجوع وَنسَاء هجع وهجوع وهواجع وهاجعات جمع الْجمع. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الهاجع كل نَائِم. وَفِي (الْكَامِل) : التهجاع النومة الْخَفِيفَة.

٥٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ أبِي شِهَابٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ وأبِي عَبْدِ الله الأغَرِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ الله عنْهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن التَّرْجَمَة فِي الدُّعَاء فِي آخر اللَّيْل، والْحَدِيث يخبر أَن من دَعَا فِي ذَلِك الْوَقْت يستجيب الله تَعَالَى دعاءه.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد ابْن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو عبد الله الْأَغَر، بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء: واسْمه سلمَان الثَّقَفِيّ والأغر لقبه. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون، غير أَن ابْن سَلمَة سكن الْبَصْرَة. وَفِيه: ابْن شهَاب مَذْكُور بنسبته إِلَى جده. وَفِيه: ثَلَاثَة مذكورون بالكنية وَوَاحِد

مِنْهُم باللقب أَيْضا. وَفِيه: اخْتلف عَليّ ابْن شهَاب، فَرَوَاهُ عَنهُ مَالك وحفاظ أَصْحَابه كَمَا هُوَ الْمَذْكُور هَهُنَا، وَاقْتصر بَعضهم فِي الرِّوَايَة عَنهُ على أحد الرجلَيْن، وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك: عَن سعيد بن الْمسيب بدل أبي سَلمَة، وَأبي عبد الله الْأَغَر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: الْأَعْرَج بدل الْأَغَر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: الْأَعْرَج بدل الْأَغَر. قيل: هَذَا تَصْحِيف. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة صَحِيح، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من أوجه كَثِيرَة عَن أبي هُرَيْرَة (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: ينزل الله تَعَالَى حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَهَذَا أصح الرِّوَايَات.

وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: وَقد روى فِي ذَلِك خمس رِوَايَات. أَصَحهَا: مَا صَححهُ التِّرْمِذِيّ، وَقد اتّفق عَلَيْهَا مَالك بن أنس وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَمعمر بن رَاشد وَيُونُس بن يزِيد ومعاذ بن يحيى الصَّدَفِي وَعبيد الله بن أبي زِيَاد وَعبد الله بن زِيَاد بن سمْعَان وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر، كلهم عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَأبي سَلمَة وَأبي عبد الله، إلَاّ أَن ابْن سمْعَان وَابْن أبي الْأَخْضَر لم يذكرَا أَبَا سَلمَة فِي الْإِسْنَاد، وَزَاد ابْن أبي الْأَخْضَر بدله: عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، كلهم عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَعْمَش: عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَمُحَمّد ابْن عَمْرو: عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَيحيى بن أبي كثير: عَن أبي جَعْفَر عَن أبي هُرَيْرَة. وَقد قيل: إِن أَبَا جَعْفَر هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن.

الرِّوَايَة الثَّانِيَة: هِيَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ينزل الله إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كل لَيْلَة حِين يمْضِي ثلث اللَّيْل الأول. .) الحَدِيث، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مَنْصُور وَشعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي مُسلم الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد عِنْد مُسلم.

الرِّوَايَة الثَّالِثَة: حِين يبْقى نصف اللَّيْل الآخر، وَهِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَكَذَا رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَنهُ بِلَفْظ: (إِذا كَانَ شطر اللَّيْل. .) الحَدِيث، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَن سعيد المَقْبُري عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا مضى شطر اللَّيْل) .

الرِّوَايَة الرَّابِعَة: التَّقْيِيد بالشطر أَو الثُّلُث الْأَخير إِمَّا على الشَّك أَو وُقُوع هَذَا مرّة وَهَذَا مرّة، وَهِي رِوَايَة سعيد، بن مرْجَانَة (عَن أبي هُرَيْرَة: ينزل الله تَعَالَى شطر اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَو ثلث اللَّيْل الآخر.

الرِّوَايَة الْخَامِسَة: لتقييد بِمُضِيِّ نصف اللَّيْل أَو ثلثه، وَهِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا مضى نصف اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير عَن سُهَيْل ابْن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا ذهب ثلث اللَّيْل أَو نصفه) .

فَإِن قلت: كَيفَ طَرِيق الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي ظَاهرهَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: أما رِوَايَة من لم يعين الْوَقْت فَلَا تعَارض بَينهَا وَبَين من عين، وَأما من عين الْوَقْت وَاخْتلفت ظواهر رواياتهم فقد صَار بعض الْعلمَاء إِلَى التَّرْجِيح، كالترمذي على مَا ذكرنَا، إلاّ أَنه عبر بالأصح، فَلَا يَقْتَضِي تَضْعِيف غير تِلْكَ الرِّوَايَة لما تَقْتَضِيه صِيغَة: أفعل، من الِاشْتِرَاك. وَأما القَاضِي عِيَاض فَعبر فِي التَّرْجِيح بِالصَّحِيحِ، فَاقْتضى ضعف الرِّوَايَة الْأُخْرَى، ورده النَّوَوِيّ بِأَن مُسلما رَوَاهَا فِي (صَحِيحه) بِإِسْنَاد لَا يطعن فِيهِ عَن صحابيين، فَكيف يضعفها؟ وَإِذا أمكن الْجمع وَلَو على وَجه فَلَا يُصَار إِلَى التَّضْعِيف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أعلم بِأحد الْأَمريْنِ فِي وَقت فَأخْبر بِهِ، ثمَّ أعلم بِالْآخرِ فِي وَقت آخر فَأعْلم بِهِ، وَسمع أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْخَبَرَيْنِ فنقلهما جَمِيعًا، وَسمع أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خبر الثُّلُث الأول فَقَط، فأخبريه مَعَ أبي هُرَيْرَة كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة، وَهَذَا ظَاهر.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله، وَفِي الدَّعْوَات عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ وَفِي السّنة عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني.

ذكر من أخرجه من غير أبي هُرَيْرَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ، بعد أَن أخرج هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ بن أبي طَالب، وَأبي سعيد وَرِفَاعَة الْجُهَنِيّ وَجبير بن مطعم وَابْن مَسْعُود وَأبي الدَّرْدَاء وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ. قلت: وَفِي الْبَاب، عَن جَابر بن عبد الله وَعبادَة بن

الصَّامِت وَعقبَة بن عَامر وَعَمْرو بن عَنْبَسَة وَأبي الْخطاب وَأبي بكر الصّديق وَأنس بن مَالك وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ومعاذ ابْن جبل وَأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس ونواس بن سمْعَان وَأمه سَلمَة وجد عبد الحميد بن سَلمَة.

أما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (السّنة) من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة، ولأخرت الْعشَاء الْآخِرَة إِلَى ثلث اللَّيْل، فَإِنَّهُ إِذا مضى ثلث اللَّيْل الأول هَبَط الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى يطلع الْفجْر، فَيَقُول الْقَائِل: ألَا سَائل يعْطى سُؤَاله؟ ألَا دَاع يُجَاب؟) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من طَرِيق أهل الْبَيْت من رِوَايَة الْحُسَيْن بن مُوسَى بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن جده جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله ينزل فِي كل لَيْلَة جُمُعَة من أول اللَّيْل إِلَى آخِره إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، وَفِي سَائِر اللَّيَالِي من الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل فيأمر ملكا يُنَادي: هَل من سَائل فَأعْطِيه؟ هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ؟ يَا طَالب الْخَيْر أقبل، وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر) . وَفِي إِسْنَاده من يجهل.

وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من رِوَايَة الْأَغَر أبي مُسلم (عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة: إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب ثلث اللَّيْل الأول ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا) الحَدِيث.

وَأما حَدِيث رِفَاعَة الْجُهَنِيّ، فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عَطاء بن يسَار عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب من اللَّيْل نصفه أَو ثُلُثَاهُ، قَالَ: لَا يسْأَل عَن عبَادي غَيْرِي) الحَدِيث، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ.

وَأما حَدِيث جُبَير بن مطعم فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: هَل من سَائل فَأعْطِيه؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ؟) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من هَذَا الْوَجْه وَزَاد: (حَتَّى يطلع الْفجْر) .

وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِذا كَانَ ثلث اللَّيْل الْبَاقِي يهْبط الله، عز وَجل، إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ تفتح أَبْوَاب السَّمَاء، ثمَّ يبسط يَده فَيَقُول: هَل من سَائل يعْطى سُؤَاله؟ وَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يسطع الْفجْر) .

وَأما حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) و (الْوسط) من رِوَايَة زِيَاد بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن فضَالة بن عبيد عَن أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ينزل الله تَعَالَى فِي آخر ثَلَاث سَاعَات يبْقين من اللَّيْل، فَينْظر فِي السَّاعَة الأولى مِنْهُنَّ فِي الْكتاب الَّذِي لَا ينظر فِيهِ غَيره، فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيثبت، وَينظر فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فِي جنَّة عدن وَهِي مَسْكَنه الَّذِي يسكن لَا يكون مَعَه فِيهَا إلاّ الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وَالصِّدِّيقُونَ، وفيهَا مَا لم يره أحد وَلَا خطر على قلب بشر، ثمَّ يهْبط آخر سَاعَة من اللَّيْل فَيَقُول: ألَا مُسْتَغْفِر يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ ألَا سَائل يسألني فَأعْطِيه؟ ألَا دَاع يدعوني فأستجيب لَهُ حَتَّى يطلع الْفجْر؟ قَالَ الله تَعَالَى: {وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا} (الْإِسْرَاء: ٨٧) . فيشهده الله وَمَلَائِكَته) ، قَالَ الطَّبَرَانِيّ: وَهُوَ حَدِيث مُنكر.

وَأما حَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن الْحسن عَن عُثْمَان ابْن أبي الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يُنَادي منادٍ كل لَيْلَة: هَل من دَاع فيستجاب لَهُ؟ هَل من سَائل فَيعْطى؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) بِلَفْظ: (تفتح أَبْوَاب السَّمَاء نصف اللَّيْل فينادي منادٍ) فَذكره.

وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب السّنة) وَأَبُو الشيح ابْن حبَان أَيْضا فِي (كتاب السّنة) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك (عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا لثلث اللَّيْل فَيَقُول: ألَا عبد من عبَادي يدعوني فأستجيب لَهُ؟ أَلا ظَالِم لنَفسِهِ يدعوني فَأغْفِر لَهُ؟ ألَا مقتر عَلَيْهِ فأرزقه؟ ألَا مظلوم يستعز بِي فأنصره؟ ألَا عان يدعوني فأفك عَنهُ؟ فَيكون ذَاك مَكَانَهُ حَتَّى يضيء الْفجْر، ثمَّ يَعْلُو ب (رَبنَا عز وَجل إِلَى السَّمَاء الْعليا على كرسيه) ، وَهُوَ حَدِيث مُنكر، فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْجَعْفَرِي، يرويهِ عَن عبد الله بن سَلمَة بن أسلم، بِضَم اللَّام، والجعفري مُنكر الحَدِيث، قَالَه أَبُو حَاتِم، وَعبد الله بن سَلمَة ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ أَبُو نعيم: مَتْرُوك.

وَأما حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة يحيى بن إِسْحَاق (عَن عبَادَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ينزل رَبنَا، تبَارك وَتَعَالَى، إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل، فَيَقُول: ألَا عبد من عبَادي؟) الحَدِيث نَحْو حَدِيث جَابر، وَفِي آخِره، حَتَّى يصبح

الصُّبْح ثمَّ يَعْلُو، عز وَجل، على كرسيه) ، وَفِي إِسْنَاده فُضَيْل بن سُلَيْمَان النميري، وَهُوَ وَإِن أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فقد قَالَ فِيهِ ابْن معِين لَيْسَ بِثِقَة.

وَأما حَدِيث عقبَة بن عَامر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَنهُ، قَالَ: (أَقبلنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِذا مضى ثلث اللَّيْل، أَو قَالَ نصف اللَّيْل، ينزل الله عز وَجل، إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: لَا أسأَل عَن عبَادي أحدا غَيْرِي) ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَفِيه نظر.

وَأما حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي (كتاب السّنة) من رِوَايَة جرير بن عُثْمَان، قَالَ: حَدثنَا سليم بن عَامر بن عَمْرو بن عَنْبَسَة، قَالَ: (أتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت: يَا رَسُول الله. .) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الرب، عز وَجل، يتدلى من جَوف اللَّيْل) ، زَاد فِي رِوَايَة الآخر: (فَيغْفر إلاّ مَا كَانَ من الشّرك) ، زَاد فِي رِوَايَة: (وَالْبَغي وَالصَّلَاة مَشْهُودَة حَتَّى تطلع الشَّمْس) .

وَأما حَدِيث أبي الْخطاب فَرَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (كتاب السّنة) بِإِسْنَادِهِ (عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُقَال لَهُ أَبُو الْخطاب، أَنه سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْوتر، فَقَالَ: أحب إِلَيّ أَن أوتر نصف اللَّيْل، إِن الله يهْبط من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: هَل من مذنب؟ هَل من مُسْتَغْفِر؟ هَل من دَاع؟ حَتَّى إِذا طلع الْفجْر ارْتَفع) . قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَابْن عبد الْبر أَبُو الْخطاب، لَهُ صُحْبَة وَلَا يعرف اسْمه.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ينزل) ، بِفَتْح الْيَاء، فعل مضارع: وَالله، مَرْفُوع بِهِ. وَقَالَ ابْن فورك: ضبط لنا بعض أهل النَّقْل هَذَا الْخَبَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَم الْيَاء من: ينزل، يَعْنِي: من الْإِنْزَال. وَذكر أَنه ضبط عَمَّن سمع مِنْهُ من الثِّقَات الضابطين. وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قد قَيده بعض النَّاس بذلك فَيكون معدى إِلَى مفعول مَحْذُوف، أَي: ينزل الله ملكا. قَالَ: وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله، عز وَجل، يُمْهل حَتَّى يمْضِي شطر اللَّيْل الأول ثمَّ يَأْمر مناديا يَقُول: هَل من دَاع فيستجاب لَهُ. .؟) الحَدِيث، وَصَححهُ عبد الْحق وَحمل صَاحب (الْمُفْهم) الحَدِيث على النُّزُول الْمَعْنَوِيّ على رِوَايَة مَالك عَنهُ عِنْد مُسلم، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: (يتنزل رَبنَا) ، بِزِيَادَة: تَاء، بعد: يَاء المضارعة، فَقَالَ: كَذَا صحت الرِّوَايَة هُنَا، وَهِي ظَاهِرَة فِي النُّزُول الْمَعْنَوِيّ وإليها يرد (ينزل) ، على أحد التأويلات، وَمعنى ذَلِك أَن مُقْتَضى عَظمَة الله وجلاله واستغنائه أَن لَا يعبأ بحقير ذليل فَقير، لَكِن ينزل بِمُقْتَضى كرمه ولطفه لِأَن يَقُول: من يقْرض غير عدوم وَلَا ظلوم، وَيكون قَوْله: (إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا) ، عبارَة عَن الْحَالة الْقَرِيبَة إِلَيْنَا، وَالدُّنْيَا بِمَعْنى: الْقُرْبَى، وَالله أعلم.

ثمَّ الْكَلَام هُنَا على أَنْوَاع. الأول: احْتج بِهِ قوم على إِثْبَات الْجِهَة لله تَعَالَى، وَقَالُوا: هِيَ جِهَة الْعُلُوّ، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: ابْن قُتَيْبَة وَابْن عبد الْبر، وَحكي أَيْضا عَن أبي مُحَمَّد بن أبي زيد القيرواني، وَأنكر ذَلِك جُمْهُور الْعلمَاء لِأَن القَوْل بالجهة يُؤَدِّي إِلَى تحيز وإحاطة، وَقد تَعَالَى الله عَن ذَلِك.

الثَّانِي: أَن الْمُعْتَزلَة أَو أَكْثَرهم: كجهم بن صَفْوَان وَإِبْرَاهِيم بن صَالح وَمَنْصُور بن طَلْحَة والخوارج، أَنْكَرُوا صِحَة تِلْكَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ مُكَابَرَة، وَالْعجب أَنهم أولُوا مَا ورد من ذَلِك فِي الْقُرْآن وأنكروا مَا ورد فِي الحَدِيث إِمَّا جعلا وَإِمَّا عنادا. وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) : عَن مُوسَى بن دَاوُد، قَالَ: قَالَ لي عباد ابْن عوام، قدم علينا شريك بن عبد الله مُنْذُ نَحْو من خمسين سنة، قَالَ: فَقل: يَا أَبَا عبد الله إِن عندنَا قوما من الْمُعْتَزلَة يُنكرُونَ هَذِه الْأَحَادِيث؟ قَالَ: فَحَدثني نَحْو عشرَة أَحَادِيث فِي هَذَا، وَقَالَ: أما نَحن فقد أَخذنَا ديننَا هَذَا عَن التَّابِعين عَن أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فهم عَمَّن أخذُوا؟ وَقد وَقع بَين إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَبَين إِبْرَاهِيم بن صَالح المعتزلي، وَبَينه وَبَين مَنْصُور بن طَلْحَة أَيْضا مِنْهُم كَلَام، بعضه عِنْد عبد الله بن طَاهِر بن عبد الله المعتزلي، وَبَعضه عِنْد أَبِيه طَاهِر بن عبد الله. قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: جمعني وَهَذَا المبتدع، يَعْنِي إِبْرَاهِيم بن صَالح، مجْلِس الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر، فَسَأَلَنِي الْأَمِير عَن أَخْبَار النُّزُول فسردتها، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: كفرت بِرَبّ ينزل من سَمَاء إِلَى سَمَاء. فَقلت: آمَنت بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء. قَالَ: فَرضِي عبد الله كَلَامي وَأنكر عَليّ آبراهيم، وَقد أَخذ إِسْحَاق كَلَامه هَذَا من الفضيل بن عِيَاض، رَحمَه الله، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ الجهمي: أَنا أكفر بِرَبّ ينزل ويصعد، فَقلت: آمَنت بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء، ذكره أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب السّنة) ذكر فِيهِ: عَن أبي زرْعَة، قَالَ: هَذِه الْأَحَادِيث المتواترة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، قد رَوَاهُ عدَّة من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهِي عندنَا صِحَاح قَوِيَّة. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ينزل) وَلم يقل: كَيفَ ينزل، فَلَا نقُول: كَيفَ ينزل؟ نقُول، كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ: سَمِعت أَبَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله الْمُزنِيّ يَقُول:

حَدِيث النُّزُول قد ثَبت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من وُجُوه صَحِيحَة، وَورد فِي التَّنْزِيل مَا يصدقهُ، وَهُوَ قَوْله: {وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا} (الْفجْر: ٢٢) . الثَّالِث: أَن قوما أفرطوا فِي تَأْوِيل هَذِه الْأَحَادِيث حَتَّى كَاد أَن تخرج إِلَى نوع من التحريف، وَمِنْهُم من فصل بَين مَا يكون تَأْوِيله قَرِيبا مُسْتَعْملا فِي كَلَام الْعَرَب، وَبَين مَا يكون بَعيدا مَهْجُورًا، وَأولُوا فِي بعض وفوضوا فِي بعض، وَنقل ذَلِك عَن مَالك.

الرَّابِع: أَن الْجُمْهُور سلكوا فِي هَذَا الْبَاب الطَّرِيق الْوَاضِحَة السالمة، وأجروا على مَا ورد مُؤمنين بِهِ منزهين لله تَعَالَى عَن التَّشْبِيه والكيفية، وهم: الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَمَكْحُول وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَاللَّيْث بن سعد وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَغَيرهم من أَئِمَّة الدّين. وَمِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة: مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) : قَرَأت بِخَط الإِمَام أبي عُثْمَان الصَّابُونِي، عقيب حَدِيث النُّزُول: قَالَ الاستاذ أَبُو مَنْصُور يَعْنِي الجمشاذي: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي قَوْله: (ينزل الله) ، فَسئلَ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: بِلَا كَيفَ، وَقَالَ حَمَّاد بن زيد: نُزُوله إقباله. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الِاعْتِقَاد) بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: قَالَ لي مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي: لَا يُقَال للْأَصْل: لِمَ وَلَا كَيفَ، وروى بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرّبيع بن سُلَيْمَان، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: الأَصْل كتاب أَو سنة أَو قَول بعض أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو إِجْمَاع النَّاس قلت: لَا شكّ أَن النُّزُول انْتِقَال الْجِسْم من فَوق إِلَى تَحت، واا منزه عَن ذَلِك، فَمَا ورد من ذَلِك فَهُوَ من المتشابهات، فَالْعُلَمَاء فِيهِ على قسمَيْنِ: الأول: المفوضة: يُؤمنُونَ بهَا ويفوضون تَأْوِيلهَا إِلَى الله، عز وَجل، مَعَ الْجَزْم بتنزيهه عَن صِفَات النُّقْصَان. وَالثَّانِي: المؤولة: يؤولون بهَا على مَا يَلِيق بِهِ بِحَسب المواطن، فأولوا بِأَن معنى: ينزل الله: ينزل ى مره أَو مَلَائكَته، وَبِأَنَّهُ اسْتِعَارَة، وَمَعْنَاهُ: التلطف بالداعين والإجابة لَهُم وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث من أَحَادِيث الصِّفَات، مَذْهَب السّلف فِيهِ الْإِيمَان بهَا وإجراؤها على ظَاهرهَا وَنفي الْكَيْفِيَّة عَنهُ: لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ، لما ثَبت بالقواطع الْعَقْلِيَّة أَنه منزه عَن الجسمية والتحيز امْتنع عَلَيْهِ النُّزُول على معنى الِانْتِقَال من مَوضِع أَعلَى إِلَى مَا هُوَ أَخفض مِنْهُ، فَالْمُرَاد دنو رَحمته، وَقد رُوِيَ: يهْبط الله من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، أَي: ينْتَقل من مُقْتَضى صِفَات الْجلَال الَّتِي تَقْتَضِي الأنفة من الأراذل وقهر الْأَعْدَاء والانتقام من العصاة إِلَى مُقْتَضى صِفَات الْإِكْرَام للرأفة وَالرَّحْمَة وَالْعَفو، وَيُقَال: لَا فرق بَين الْمَجِيء والإتيان وَالنُّزُول إِذا أضيف إِلَى جسم يجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة والسكون والنقلة الَّتِي هِيَ تَفْرِيغ مَكَان وشغل غَيره، فَإِذا أضيف ذَلِك إِلَى من لَا ليق بِهِ الِانْتِقَال وَالْحَرَكَة، كَانَ تَأْوِيل ذَلِك على حسب مَا يَلِيق بنعته وَصفته تَعَالَى. فالنزول: لُغَة، يسْتَعْمل لمعان خَمْسَة مُخْتَلفَة: بِمَعْنى الِانْتِقَال: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا} (الْفرْقَان: ٨٤) . و: الْإِعْلَام {نزل بِهِ الرّوح الْأمين} (الشُّعَرَاء: ٣٩١) . أَي: أعلم بِهِ الرّوح الْأمين مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِمَعْنى: القَوْل {سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي سأقول مثل مَا قَالَ، والإقبال على الشَّيْء، وَذَلِكَ مُسْتَعْمل فِي كَلَامهم جَار فِي عرفهم، يَقُولُونَ: نزل فلَان من مَكَارِم الأخلاف إِلَى دنيها، وَنزل قدر فلَان عِنْد فلَان إِذا انخفض، وَبِمَعْنى: نزُول الحكم، من ذَلِك قَوْلهم: كُنَّا فِي خير وَعدل حَتَّى نزل بِنَا بَنو فلَان، أَي: حكم، وَذَلِكَ كُله مُتَعَارَف عِنْد أهل اللُّغَة: وَإِذا كَانَت مُشْتَركَة فِي الْمَعْنى وَجب حمل مَا وصف بِهِ الرب، جلّ جَلَاله، من النُّزُول على مَا يَلِيق بِهِ من بعض هَذِه الْمعَانِي، وَهُوَ: إقباله على أهل الأَرْض بِالرَّحْمَةِ والاستيقاظ بالتذكير والتنبيه الَّذِي يلقى فِي الْقُلُوب، والزواجر الَّتِي تزعجهم إِلَى الإقبال على الطَّاعَة. ووجدناه، تَعَالَى، خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، فَقَالَ تَعَالَى: {وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات: ٨١) [/ ح.

قَوْله: (عز وَجل) ، وَفِي بعض النّسخ: (تبَارك وَتَعَالَى) ، وهما جملتان معترضتان بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل وظرفه: لما أسْند مَا لَا يَلِيق إِسْنَاده بِالْحَقِيقَةِ إِلَى الله تَعَالَى، وأتى بِمَا يدل على التَّنْزِيه على سَبِيل الِاعْتِرَاض. قَوْله: (حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَعند مُسلم: (ثلث اللَّيْل الأول) ، وَفِي لفظ: (شطر اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل الْأَخير) ، وَهَهُنَا سِتّ رِوَايَات: الأولى: هِيَ الَّتِي هَهُنَا وَهِي: ثلث اللَّيْل الأول. الثَّانِيَة: إِذا مضى الثُّلُث الأول. الثَّالِثَة: الثُّلُث الأول أَو النّصْف. الرَّابِعَة: النّصْف. الْخَامِسَة: النّصْف أَو الثُّلُث الْأَخير. السَّادِسَة: الْإِطْلَاق، والمطلقة مِنْهَا تحمل على الْمقيدَة، وَالَّتِي بِحرف الشَّك، فالمجزوم بِهِ مقدم على الْمَشْكُوك فِيهِ. فَإِن قلت: إِذا كَانَت كلمة: أَو، للترديد بَين حَالين، كَيفَ يجمع بذلك بَين الرِّوَايَات؟ قلت: يجمع بِأَن ذَلِك يَقع بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحول، لكَون أَوْقَات اللَّيْل تخْتَلف فِي الزَّمَان وَفِي الْآفَاق باخْتلَاف تقدم دُخُول اللَّيْل عِنْد قوم وتأخره عَنهُ آخَرين، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ من وَجه آخر عَن قريب. فَإِن قلت: مَا وَجه التحصيص بِالثُّلثِ الْأَخير الَّذِي

رَجحه جمَاعَة على غَيره من الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة؟ قلت: لِأَنَّهُ وَقت التَّعَرُّض لنفحات رَحْمَة الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ زمَان عبَادَة أهل الْإِخْلَاص، وروى أَن آخر اللَّيْل أفضل للدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار، وروى محَارب بن دثار عَن عَمه أَنه كَانَ يَأْتِي الْمَسْجِد فِي السحر ويمر بدار ابْن مَسْعُود، فَسَمعهُ يَقُول: أللهم إِنَّك أَمرتنِي فأطعت، وَدَعَوْتنِي فأجبت، وَهَذَا سحر فَاغْفِر لي، فَسئلَ ابْن مَسْعُود عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: إِن يَعْقُوب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخر الدُّعَاء لِبَنِيهِ إِلَى السحر. فَقَالَ: {سَوف اسْتغْفر لكم} (يُوسُف: ٨٩) . وروى أَن دَاوُد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام: أَي اللَّيْل أسمع؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، غير أَن الْعَرْش يَهْتَز فِي السحر. قَوْله: (الآخر) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وارتفاعه على أَنه صفة للثلث. قَوْله: (من يدعوني) الْمَذْكُور هَهُنَا الدُّعَاء وَالسُّؤَال وَالِاسْتِغْفَار، وَالْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة أَن الْمَطْلُوب: إِمَّا لدفع الْمضرَّة، وَإِمَّا لجلب الْخَيْر، وَالثَّانِي إِمَّا ديني أَو دنياوي، فَفِي لفظ الاسْتِغْفَار إِشَارَة إِلَى الأول، وَفِي السُّؤَال إِشَارَة إِلَى الثَّانِي وَفِي الدُّعَاء إِشَارَة إِلَى الثَّالِث. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الدُّعَاء وَالسُّؤَال؟ قلت: الْمَطْلُوب إِمَّا لدفع غير الملائم، وَإِمَّا لجلب الملائم، وَذَلِكَ إِمَّا دُنْيَوِيّ وَإِمَّا ديني، فالاستغفار وَهُوَ طلب ستر الذُّنُوب، إِشَارَة إِلَى الأول، وَالسُّؤَال إِلَى الثَّانِي، وَالدُّعَاء إِلَى الثَّالِث، لَا وَالدُّعَاء مَا لَا طلب فِيهِ نَحْو قَوْلنَا: يَا الله يَا رَحْمَن، وَالسُّؤَال هُوَ الطّلب، وَالْمَقْصُود وَاحِد، وَاخْتِلَاف الْعبارَات لتحقيق الْقَضِيَّة وتأكيدها. قَوْله: (فأستجيب لَهُ) ، يجوز فِيهِ النصب وَالرَّفْع: أما النصب فعلى جَوَاب الِاسْتِفْهَام، وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَأَنا أستجيب لَهُ، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: فَأعْطِيه فَأغْفِر لَهُ) . وَأعلم أَن السِّين فِي: (فأستجيب) لَيْسَ للطلب، بل هُوَ بِمَعْنى: أُجِيب وَذَلِكَ، لتحول الْفَاعِل إِلَى أصل الْفِعْل نَحْو: استحجر الطين فَإِن قلت: لَيْسَ فِي وعد الله خلف وَكثير من الداعين لَا يُسْتَجَاب لَهُم؟ قلت: إِنَّمَا ذَاك لوُقُوع الْخلَل فِي شَرط من شُرُوط الدُّعَاء مثل: الِاحْتِرَاز فِي الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس، أَو لاستعجال الدَّاعِي، أَو يكون الدُّعَاء بإثم أَو قطيعة رحم، أَو تحصل الْإِجَابَة ويتأخر الْمَطْلُوب إِلَى وَقت آخر يُرِيد الله وُقُوع الْإِجَابَة فِيهِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة.

٥١ - (بابُ منْ نامَ أوَّلَ اللَّيْلِ وَأحْيَا آخِرَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من نَام أول اللَّيْل وأحي آخِره بِالصَّلَاةِ أَو بِقِرَاءَة الْقُرْآن أَو بِالذكر.

وقالَ سَلْمَانُ لأِبِي الدَّرّدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَمْ فَلَمَّا كانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ قُمْ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَ سَلْمَانُ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن سلمَان الْفَارِسِي أَمر لأبي الدَّرْدَاء بِالنَّوْمِ فِي أول اللَّيْل، ويالقيام فِي آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل أوردهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب من حَدِيث أبي جُحَيْفَة، قَالَ: (آخى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، أقرى سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء فَرَأى أم الدَّرْدَاء مبتذلة، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنك، قَالَت: أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاء لَيْسَ لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا، فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء فَصنعَ لَهُ طَعَاما، فَقَالَ: كل فَإِنِّي صَائِم، قَالَ: مَا أَنا بآكل حَتَّى تَأْكُل، فَأكل، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل ذهب أَبُو الدَّرْدَاء يقوم، فَقَالَ: نم، فَنَامَ فَذهب يقوم، فَقَالَ: نم، فَلَمَّا كَانَ آخر اللَّيْل قَالَ سلمَان: قُم الْآن. قَالَ: فصلينا، فَقَالَ سلمَان: إِن لِرَبِّك عَلَيْك حَقًا. وَلِنَفْسِك حَقًا، ولأهلك عَلَيْك حَقًا، فأعط كل ذِي حق حَقه، فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صدق سلمَان) .

٦٤١١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ وحدَّثني سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ سألْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَيْفَ كانَ صَلاةُ النبيِّ بِاللَّيْلِ قالَتْ كانَ يَنامُ أوَّلَهُ ويَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يرْجِعُ إلَى فِراشِهِ فإذَا أذَّنَ المُؤَذَّنُ وَثَبَ فَإِن كانَ بِهِ حاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإلَاّ تَوَضِّأَ وخَرَجَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ ينَام أَوله وَيقوم آخِره) .

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْفَسَادِ بِالْبَوْلِ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:

بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدَ

وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ طُلُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ إِفْسَادِ الْفَضِيخِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْبَوْلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَحْمَدَ: قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ بَوْلَهُ وَاللَّهِ لَثَقِيلٌ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: حَسْبُ الرَّجُلِ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالشَّرِّ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ وَقَدْ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ. وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خَصَّ الْأُذُنَ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ أَنْسَبَ بِالنَّوْمِ إِشَارَةً إِلَى ثِقَلِ النَّوْمِ، فَإِنَّ الْمَسَامِعَ هِيَ مَوَارِدُ الِانْتِبَاهِ، وَخَصَّ الْبَوْلَ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مَدْخَلًا فِي التَّجَاوِيفِ، وَأَسْرَعُ نُفُوذًا فِي الْعُرُوقِ، فَيُورِثُ الْكَسَلَ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ.

١٤ - بَاب الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ

وَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ أَيْ: مَا يَنَامُونَ ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟.

[الحديث ١١٤٥ - طرفاه في: ٧٤٩٤، ٦٣٢١]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: الدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ ﷿ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: وَقَوْلُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (مَا يَهْجَعُونَ). زَادَ الْأَصِيلِيُّ: أَيْ: يَنَامُونَ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْخِلَافَ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي ذَلِكَ، فَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَالْأَحْنَفِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَنُقِلَ عَنْ قَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مَعْنَاهُ: كَانُوا لَا يَنَامُونَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ لَا يَتَهَجَّدُونَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَعْنَاهُ؛ لَمْ تَكُنْ تَمْضِي عَلَيْهِمْ لَيْلَةٌ إِلَّا يَأْخُذُونَ مِنْهَا وَلَوْ شَيْئًا، ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالًا أُخَرَ، وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ مَادِحًا لَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَا زَائِدَةً، أَوْ مَصْدَرِيَّةً، وَهُوَ أَبْيَنُ الْأَقْوَالِ، وَأَقْعَدُهَا بِكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعَلَى الْآخَرِ تَكُونُ مَا نَافِيَةً، وَقَالَ الْخَلِيلُ: هَجَعَ يَهْجَعُ هُجُوعًا، وَهُوَ النَّوْمُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النُّزُولِ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَلَمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ، فَرَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ، وَحُفَّاظُ أَصْحَابِهِ كَمَا هُنَا، وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ عَلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بَدَلَهُمَا. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: الْأَعْرَجُ بَدَلَ الْأَغَرِّ، فَصَحَّفَهُ.

وَقِيلَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ بَدَلَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَهُوَ وَهَمٌ، وَالْأَغَرُّ الْمَذْكُورُ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ سَلْمَانُ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ، وَلَهُمْ رَاوٍ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: الْأَغَرُّ أَيْضًا، لَكِنَّهُ اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُسْلِمٍ، وَهُوَ كُوفِيٌّ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ جَمِيعًا مَرْفُوعًا، وَغَلِطَ مَنْ جَعَلَهُمَا وَاحِدًا. وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ، وَأَبُو صَالِحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، وَعَطَاءٌ مَوْلَى أُمِّ صُبْيَةَ بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ كُلُّهُمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ،

وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَرِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ غَيْرِ مَنْسُوبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَجَابِرٍ وَجَدِّ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرُّ صَاحِبُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا.

قَوْلُهُ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَةَ، وَقَالَ: هِيَ جِهَةُ الْعُلُوِّ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ (١)؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً، وَهُمُ الْخَوَارِجُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَهُوَ مُكَابَرَةٌ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرُوا مَا فِي الْحَدِيثِ، إِمَّا جَهْلًا، وَإِمَّا عِنَادًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤْمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مُنَزِّهًا اللَّهَ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ، وَهُمْ جُمْهُورُ السَّلَفِ، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالْحَمَّادَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ، مُسْتَعْمَلٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَطَ فِي التَّأْوِيلِ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّحْرِيفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ مَا يَكُونُ تَأْوِيلُهُ قَرِيبًا مُسْتَعْمَلًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ بَعِيدًا مَهْجُورًا، فَأَوَّلَ فِي بَعْضٍ، وَفَوَّضَ فِي بَعْضٍ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَسْلَمُهَا الْإِيمَانُ بِلَا كَيْفٍ، وَالسُّكُوتُ عَنِ الْمُرَادِ إِلَّا أَنْ يَرِدَ ذَلِكَ عَنِ الصَّادِقِ، فَيُصَارُ إِلَيْهِ. مِنَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ الْمُعَيَّنَ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيضُ أَسْلَمُ.

وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: حُكِيَ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ رَدُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَعَنِ السَّلَفِ إِمْرَارُهَا، وَعَنْ قَوْمٍ تَأْوِيلُهَا، وَبِهِ أَقُولُ (٢)، فَأَمَّا قَوْلُهُ: يَنْزِلُ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ، بَلْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُلْكِهِ الَّذِي يَنْزِلُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَالنُّزُولُ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَامِ يَكُونُ فِي الْمَعَانِي، فَإِنْ حَمَلْتَهُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْحِسِّيِّ فَتِلْكَ صِفَةُ الْمَلَكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ، وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الْمَعْنَوِيِّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ فَعَلَ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ نُزُولًا عَنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ، فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ. انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ: إِمَّا بِأَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِلُ أَمْرُهُ أَوِ الْمَلَكُ بِأَمْرِهِ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ وَالْإِجَابَةِ لَهُمْ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: يُنْزِلُ مَلَكًا، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ، حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ. الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: يُنَادِي مُنَادٍ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ. الْحَدِيثَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةِ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ: يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ:

لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْفَعُ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَلَمَّا ثَبَتَ بِالْقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُولُ عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفَضَ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ نُورُ رَحْمَتِهِ، أَيْ: يَنْتَقِلُ مِنْ مُقْتَضَى صِفَةِ الْجَلَالِ الَّتِي تَقْتَضِي الْغَضَبَ وَالِانْتِقَامَ إِلَى مُقْتَضَى صِفَةِ الْإِكْرَامِ الَّتِي تَقْتَضِي الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ: (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) بِرَفْعِ الْآخِرِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ الثُّلُثِ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةَ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى رُوَاتِهَا، وَسَلَكَ بَعْضُهُمْ طَرِيقَ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ انْحَصَرَتْ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا هَذِهِ، ثَانِيهَا: إِذَا مَضَى الثُّلُثُ الْأَوَّلُ، ثَالِثُهَا: الثُّلُثُ الْأَوَّلُ أَوِ النِّصْفُ، رَابِعُهَا: النِّصْفُ، خَامِسُهَا: النِّصْفُ أَوِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ، سَادِسُهَا: الْإِطْلَاقُ. فَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الْمُطْلَقَةُ، فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ، وَأَمَّا الَّتِي بِأَوْ، فَإِنْ كَانَتْ أَوْ لِلشَّكِّ فَالْمَجْزُومُ بِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ حَالَيْنِ فَيُجْمَعُ بِذَلِكَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، لِكَوْنِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ تَخْتَلِفُ فِي الزَّمَانِ وَفِي الْآفَاقِ بِاخْتِلَافِ تَقَدُّمِ دُخُولِ اللَّيْلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَتَأَخُّرِهِ عِنْدَ قَوْمٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ يَقَعُ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ، وَالْقَوْلُ يَقَعُ فِي النِّصْفِ وَفِي الثُّلُثِ الثَّانِي.

وَقِيلَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُعْلِمَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ فِي وَقْتٍ فَأَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَأَخْبَرَ بِهِ، فَنَقَلَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَدْعُونِي. . إِلَخْ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ الدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِمَّا لِدَفْعِ الْمَضَارِّ أَوْ جَلْبِ الْمَسَارِّ، وَذَلِكَ إِمَّا دِينِيٌّ وَإِمَّا دُنْيَوِيٌّ، فَفِي الِاسْتِغْفَارِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِي السُّؤَالِ إِشَارَةٌ إِلَى الثَّانِي، وَفِي الدُّعَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى الثَّالِثِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الدُّعَاءُ مَا لَا طَلَبَ فِيهِ؛ نَحْوَ: يَا اللَّهُ. وَالسُّؤَالُ الطَّلَبُ، وَأَنْ يُقَالَ: الْمَقْصُودُ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ. انْتَهَى. وَزَادَ سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ. وَزَادَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَ عَنْهُ. وَزَادَ عَطَاءٌ مَوْلَى أُمِّ صُبْيَةَ عَنْهُ: أَلَا سَقِيمٌ يَسْتَشْفِي فَيُشْفَى وَمَعَانِيهَا دَاخِلَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَزَادَ سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ عَنْهُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ. وَفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى عَمَلِ الطَّاعَةِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى جَزِيلِ الثَّوَابِ عَلَيْهَا. وَزَادَ حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: حَتَّى الْفَجْرِ. وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وَكَذَا اتَّفَقَ مُعْظَمُ الرُّوَاةِ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: حَتَّى تَرْجَلَ الشَّمْسُ. وَهِيَ شَاذَّةٌ.

وَزَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِهِ أَيْضًا: وَلِذَلِكَ كَانُوا يُفَضِّلُونَ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلِهِ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَمْعَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ. وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الصَّلَاةِ فِي التَّرْجَمَةِ وَمُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ لِهَذِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَسْتَجِيبَ) بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (فَأُعْطِيَهُ، وَأَغْفِرَ لَهُ) وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ الْآيَةَ. وَلَيْسَتِ السِّينُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَأَسْتَجِيبَ) لِلطَّلَبِ، بَلْ أَسْتَجِيبُ بِمَعْنَى أُجِيبُ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ: تَفْضِيلُ صَلَاةِ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَتَفْضِيلُ تَأْخِيرِ الْوِتْرِ؛ لَكِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ طَمِعَ أَنْ يَنْتَبِهَ، وَأَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِلدُّعَاءِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٤) (باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ) بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «في الصَّلاة» (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) وهو الثُّلث الأخير منه (وَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وقال الله» ﷿ وللأَصيليِّ: «وقول الله ﷿»: (﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾) رُفِعَ بـ «قليلًا» على الفاعليَّة (أَيْ: مَا يَنَامُونَ) وللحَمُّويي: «﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾: ينامون» و ﴿مَا﴾ زائدةٌ، و ﴿يَهْجَعُونَ﴾: خبر «كان»، و ﴿قَلِيلًا﴾ إمَّا ظرفٌ، أي: زمانًا قليلًا، و ﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾ إمَّا صفةٌ أو متعلِّقٌ بـ ﴿يَهْجَعُونَ﴾، وإمَّا مفعولٌ مطلقٌ، أي: هجوعًا قليلًا، ولو جُعلت «ما» مصدريَّة، فـ ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ فاعل ﴿قَلِيلًا﴾، و ﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾ بيانٌ أو حالٌ من المصدر، و «من»: للابتداء، ولا يجوز أن تكون نافيةً؛ لأنَّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، ولابن عساكر: «ما ينامون»، وعند الأَصيليِّ: «﴿يَهْجَعُونَ﴾ … الآية». (﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]) أي: أنَّهم مع قلَّة هجوعهم وكثرة تهجُّدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنَّهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، وسقط في رواية الأَصيليِّ ما (١) بعد ﴿يَهْجَعُونَ﴾ إلى ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وسقط عند أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢).

١١٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنبيُّ (عَنْ) إمام الأئمَّة (مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (وَأَبِي عَبْدِ اللهِ) سلمان (الأَغَرِّ) بغينٍ معجمةٍ وراءٍ مشدَّدةٍ، الثَّقفيِّ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ نزول رحمةٍ، ومزيد لطفٍ، وإجابة دعوةٍ، وقبول معذرةٍ، كما هو ديدن (٣) الملوك الكرماء، والسَّادة

الرُّحماء، إذا نزلوا بقرب قومٍ محتاجين ملهوفين، فقراء مستضعفين، لا نزول حركة وانتقالٍ لاستحالة ذلك على الله تعالى، فهو نزولٌ معنويٌّ. نعم يجوز حملُه على الحسِّيِّ، ويكون راجعًا إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل (١) عبارة عن مَلَكِه الَّذي ينزل بأمره ونهيه، وقد حكى ابن فورك: أنَّ بعض المشايخ ضبطه بضمِّ الياء من «يَنْزل»، قال القرطبيُّ: وكذا قيَّده بعضهم فيكون معدًّى إلى مفعولٍ محذوفٍ، أي: يُنْزِلُ الله مَلَكًا، قال: ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ: «إنَّ الله ﷿ يُمهِل حتَّى يمضيَ شطر اللَّيل الأوَّل (٢)، ثمَّ يأمر مناديًا يقول: هل من داعٍ فيُستجاب له؟ … » الحديث، وبهذا يرتفع الإشكال، قال الزَّركشيُّ: لكن روى ابن حبَّان في «صحيحه»: «ينزل الله إلى السَّماء فيقول: لا أسأل (٣) عن عبادي غيري»، وأجاب عنه في «المصابيح» بأنَّه لا يلزم من إنزاله الملَك أن يسأله عمَّا صنع العباد، ويجوز أن يكون الملَك مأمورًا بالمناداة، ولا يُسأل ألبتَّة عمَّا كان بعدها فهو ﷾ أعلم بما كان وبما يكون، لا تخفى عليه خافيةٌ، وقوله: «﵎» جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله: (كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) لأنَّه لمَّا أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة؛ أتى بما يدلُّ على التَّنزيه (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) منه (٤)، بالرَّفع صفةٌ لـ «ثُلُثُ»، وتخصيصه بـ «اللَّيل» وبـ «الثُّلث الأخير» منه (٥) لأنَّه وقت التَّهجُّد وغفلة النَّاس عمَّن يتعرَّض لنفحات رحمة الله تعالى، وعند ذلك تكون النِّيَّة خالصةً، والرَّغبة إلى الله تعالى وافرةً، وذلك مظنَّة القَبول والإجابة، ولكن اختلفت الرِّوايات في تعيين الوقت على ستَّة أقوالٍ يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في «كتاب الدُّعاء» في «باب الدُّعاء نصف اللَّيل» [خ¦٦٣٢١] بعون الله. (يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي

فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) بالنَّصب على جواب الاستفهام، وبالرَّفع على تقدير مبتدأ، أي: فأنا أستجيب له، وكذلك حكم (١) «فأعطيه» «فأغفر له»، وليست السِّين للطلب، بل «أستجيب» بمعنى: أُجيب (مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟) وزاد حجَّاج بن أبي منيعٍ عن جدِّه عن الزُّهريِّ عند الدَّارقُطنيِّ في آخر الحديث: «حتَّى الفجر»، والثَّلاثة -الدُّعاء، والسُّؤال، والاستغفار- إمَّا بمعنًى واحدٍ، فذكرها للتَّوكيد، وإمَّا لأنَّ المطلوب لدفع المضارِّ أو جلب المسارِّ، وهذا إمَّا دنيويٌّ أو دينيٌّ، ففي الاستغفار إشارةٌ إلى الأوَّل، وفي السُّؤال إشارةٌ إلى الثَّاني، وفي الدُّعاء إشارةٌ إلى الثَّالث، وإنَّما خصَّ الله تعالى هذا الوقت بالتَّنزُّل (٢) الإلهيِّ والتَّفضُّل على عباده باستجابة دعائهم وإعطائهم سؤلهم؛ لأنَّه وقت غفلةٍ واستغراقٍ في النَّوم واستلذاذٍ به، ومفارقةُ اللَّذَّة والدَّعة صعبٌ (٣) لا سيَّما أهل الرَّفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التَّعب، ولا سيَّما في قِصَر اللَّيل، فمن آثر القيام لمناجاة ربِّه والتَّضرع إليه مع ذلك، دلَّ على خلوص نيَّته وصحَّة رغبته فيما عند ربِّه تعالى (٤).

ورواة الحديث مدنيُّون إلَّا أنَّ (٥) ابن مسلمة سكن البصرة، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٩٤] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(١٥) (باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ) بالصَّلاة أو القراءة أو الذِّكر ونحوها.

(وَقَالَ سَلْمَانُ) الفارسيُّ (لأَبِي الدَّرْدَاءِ ﵄) وفي نسخةٍ: «وقاله سلمان»، وضُبِّب في «اليونينيَّة»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ: بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه) . قَوْله: (فِي أُذُنه) بِضَم الذَّال وسكونها، وَفِي رِوَايَة جرير: (فِي أُذُنَيْهِ) ، بالتثنية. وَاخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: (بَال الشَّيْطَان) ، فَقيل: هُوَ على حَقِيقَته. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا مَانع من حَقِيقَته لعدم الإحالة فِيهِ لِأَنَّهُ ثَبت أَنه يَأْكُل وَيشْرب وينكح، فَلَا مَانع من أَن يَبُول. وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ تَمْثِيل، شبه تثاقل نَومه وإغفاله عَن الصَّلَاة بِحَال من يبال فِي أُذُنه فيثقل سَمعه وَيفْسد حسه. قَالَ: وَإِن كَانَ المُرَاد حَقِيقَة عين الْبَوْل من الشَّيْطَان نَفسه فَلَا يُنكر ذَلِك إِن كَانَت لَهُ هَذِه الصّفة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هُوَ اسْتِعَارَة عَن تحكمه فِيهِ وانقياده لَهُ. وَقَالَ التوريشتي: يحْتَمل أَن يُقَال: إِن الشَّيْطَان مَلأ سَمعه بالأباطيل فأحدث فِي أُذُنه وقرا عَن اسْتِمَاع دَعْوَة الْحق، وَقيل: هُوَ كِنَايَة عَن استهانة الشَّيْطَان وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ، فَإِن من عَادَة المستخف بالشَّيْء أَن يَبُول عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من شدَّة استخفافه بِهِ يَتَّخِذهُ كالكنيف الْمعد للبول. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أفسد، يُقَال: بَال فِي كَذَا أَي: أفسد، وَالْعرب تكنى عَن الْفساد بالبول. قَالَ الراجز:

(بَال سُهَيْل فِي الفضيخ ففسد)

وَوَقع فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث عِنْد أَحْمد، قَالَ الْحسن: إِن بَوْله وَالله لثقيل، وروى مُحَمَّد بن نصر من طَرِيق قيس ابْن أبي حَازِم (عَن ابْن مَسْعُود: حسب رجل من الخيبة وَالشَّر أَن ينَام حى يصبح وَقد بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه) ، وَهُوَ مَوْقُوف صَحِيح الْإِسْنَاد. فَإِن قلت: لم خص الْأذن بِالذكر وَالْعين أنسب بِالنَّوْمِ؟ قلت: قَالَ الطَّيِّبِيّ: إِشَارَة إِلَى ثقل النّوم، فَإِن المسامع هِيَ موارد الانتباه، وَخص الْبَوْل من الأخبثين لِأَنَّهُ أسهل مدخلًا فِي التجاويف وأوسع نفوذا فِي الْعُرُوق فيورث الكسل فِي جَمِيع الْأَعْضَاء.

٤١ - (بابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء فِي الصَّلَاة من آخر اللَّيْل، وَهُوَ الثُّلُث الْأَخير مِنْهُ. قَوْله: (فِي الصَّلَاة) ، بِكَلِمَة: فِي، رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، بَاب الدُّعَاء وَالصَّلَاة، بِحرف: وَاو، الْعَطف.

وقَالَ الله عزَّ وجَلَّ {كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أَي مَا يَنَامُونَ {وبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات: ٧١، ٨١) .

وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: وَقَول الله، عز وَجل، فعلى هَذِه تكون هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة من جملَة التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى، وَزَاد الْأصيلِيّ بعد قَوْله: {مَا يهجعون} (الذاريات: ٧١، ٨١) . أَي: مَا ينامون، يُقَال: هجع يهجع هجوعا، وَهُوَ: النّوم بِاللَّيْلِ دون النَّهَار، وَرجل هاجع من قوم هجع وهجوع، وَامْرَأَة هاجعة من نسْوَة هجع وهواجع وهاجعات. وَفِي (الْمُحكم) : قد يكون الهجوع بَين نوم، وَقوم هجع وهجوع وَنسَاء هجع وهجوع وهواجع وهاجعات جمع الْجمع. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الهاجع كل نَائِم. وَفِي (الْكَامِل) : التهجاع النومة الْخَفِيفَة.

٥٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ أبِي شِهَابٍ عنْ أبِي سَلَمَةَ وأبِي عَبْدِ الله الأغَرِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ الله عنْهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن التَّرْجَمَة فِي الدُّعَاء فِي آخر اللَّيْل، والْحَدِيث يخبر أَن من دَعَا فِي ذَلِك الْوَقْت يستجيب الله تَعَالَى دعاءه.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد ابْن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الْخَامِس: أَبُو عبد الله الْأَغَر، بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء: واسْمه سلمَان الثَّقَفِيّ والأغر لقبه. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون، غير أَن ابْن سَلمَة سكن الْبَصْرَة. وَفِيه: ابْن شهَاب مَذْكُور بنسبته إِلَى جده. وَفِيه: ثَلَاثَة مذكورون بالكنية وَوَاحِد

مِنْهُم باللقب أَيْضا. وَفِيه: اخْتلف عَليّ ابْن شهَاب، فَرَوَاهُ عَنهُ مَالك وحفاظ أَصْحَابه كَمَا هُوَ الْمَذْكُور هَهُنَا، وَاقْتصر بَعضهم فِي الرِّوَايَة عَنهُ على أحد الرجلَيْن، وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك: عَن سعيد بن الْمسيب بدل أبي سَلمَة، وَأبي عبد الله الْأَغَر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: الْأَعْرَج بدل الْأَغَر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: الْأَعْرَج بدل الْأَغَر. قيل: هَذَا تَصْحِيف. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة صَحِيح، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من أوجه كَثِيرَة عَن أبي هُرَيْرَة (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: ينزل الله تَعَالَى حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَهَذَا أصح الرِّوَايَات.

وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: وَقد روى فِي ذَلِك خمس رِوَايَات. أَصَحهَا: مَا صَححهُ التِّرْمِذِيّ، وَقد اتّفق عَلَيْهَا مَالك بن أنس وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَمعمر بن رَاشد وَيُونُس بن يزِيد ومعاذ بن يحيى الصَّدَفِي وَعبيد الله بن أبي زِيَاد وَعبد الله بن زِيَاد بن سمْعَان وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر، كلهم عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَأبي سَلمَة وَأبي عبد الله، إلَاّ أَن ابْن سمْعَان وَابْن أبي الْأَخْضَر لم يذكرَا أَبَا سَلمَة فِي الْإِسْنَاد، وَزَاد ابْن أبي الْأَخْضَر بدله: عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ، كلهم عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَعْمَش: عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَمُحَمّد ابْن عَمْرو: عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَيحيى بن أبي كثير: عَن أبي جَعْفَر عَن أبي هُرَيْرَة. وَقد قيل: إِن أَبَا جَعْفَر هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن.

الرِّوَايَة الثَّانِيَة: هِيَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ينزل الله إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كل لَيْلَة حِين يمْضِي ثلث اللَّيْل الأول. .) الحَدِيث، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مَنْصُور وَشعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي مُسلم الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد عِنْد مُسلم.

الرِّوَايَة الثَّالِثَة: حِين يبْقى نصف اللَّيْل الآخر، وَهِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَهَكَذَا رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَنهُ بِلَفْظ: (إِذا كَانَ شطر اللَّيْل. .) الحَدِيث، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَن سعيد المَقْبُري عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا مضى شطر اللَّيْل) .

الرِّوَايَة الرَّابِعَة: التَّقْيِيد بالشطر أَو الثُّلُث الْأَخير إِمَّا على الشَّك أَو وُقُوع هَذَا مرّة وَهَذَا مرّة، وَهِي رِوَايَة سعيد، بن مرْجَانَة (عَن أبي هُرَيْرَة: ينزل الله تَعَالَى شطر اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَو ثلث اللَّيْل الآخر.

الرِّوَايَة الْخَامِسَة: لتقييد بِمُضِيِّ نصف اللَّيْل أَو ثلثه، وَهِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا مضى نصف اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير عَن سُهَيْل ابْن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (إِذا ذهب ثلث اللَّيْل أَو نصفه) .

فَإِن قلت: كَيفَ طَرِيق الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي ظَاهرهَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: أما رِوَايَة من لم يعين الْوَقْت فَلَا تعَارض بَينهَا وَبَين من عين، وَأما من عين الْوَقْت وَاخْتلفت ظواهر رواياتهم فقد صَار بعض الْعلمَاء إِلَى التَّرْجِيح، كالترمذي على مَا ذكرنَا، إلاّ أَنه عبر بالأصح، فَلَا يَقْتَضِي تَضْعِيف غير تِلْكَ الرِّوَايَة لما تَقْتَضِيه صِيغَة: أفعل، من الِاشْتِرَاك. وَأما القَاضِي عِيَاض فَعبر فِي التَّرْجِيح بِالصَّحِيحِ، فَاقْتضى ضعف الرِّوَايَة الْأُخْرَى، ورده النَّوَوِيّ بِأَن مُسلما رَوَاهَا فِي (صَحِيحه) بِإِسْنَاد لَا يطعن فِيهِ عَن صحابيين، فَكيف يضعفها؟ وَإِذا أمكن الْجمع وَلَو على وَجه فَلَا يُصَار إِلَى التَّضْعِيف. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أعلم بِأحد الْأَمريْنِ فِي وَقت فَأخْبر بِهِ، ثمَّ أعلم بِالْآخرِ فِي وَقت آخر فَأعْلم بِهِ، وَسمع أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْخَبَرَيْنِ فنقلهما جَمِيعًا، وَسمع أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خبر الثُّلُث الأول فَقَط، فأخبريه مَعَ أبي هُرَيْرَة كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة، وَهَذَا ظَاهر.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله، وَفِي الدَّعْوَات عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ وَفِي السّنة عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني.

ذكر من أخرجه من غير أبي هُرَيْرَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ، بعد أَن أخرج هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ بن أبي طَالب، وَأبي سعيد وَرِفَاعَة الْجُهَنِيّ وَجبير بن مطعم وَابْن مَسْعُود وَأبي الدَّرْدَاء وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ. قلت: وَفِي الْبَاب، عَن جَابر بن عبد الله وَعبادَة بن

الصَّامِت وَعقبَة بن عَامر وَعَمْرو بن عَنْبَسَة وَأبي الْخطاب وَأبي بكر الصّديق وَأنس بن مَالك وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ومعاذ ابْن جبل وَأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس ونواس بن سمْعَان وَأمه سَلمَة وجد عبد الحميد بن سَلمَة.

أما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (السّنة) من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة، ولأخرت الْعشَاء الْآخِرَة إِلَى ثلث اللَّيْل، فَإِنَّهُ إِذا مضى ثلث اللَّيْل الأول هَبَط الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى يطلع الْفجْر، فَيَقُول الْقَائِل: ألَا سَائل يعْطى سُؤَاله؟ ألَا دَاع يُجَاب؟) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من طَرِيق أهل الْبَيْت من رِوَايَة الْحُسَيْن بن مُوسَى بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن جده جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَن على، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله ينزل فِي كل لَيْلَة جُمُعَة من أول اللَّيْل إِلَى آخِره إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، وَفِي سَائِر اللَّيَالِي من الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل فيأمر ملكا يُنَادي: هَل من سَائل فَأعْطِيه؟ هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ؟ يَا طَالب الْخَيْر أقبل، وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر) . وَفِي إِسْنَاده من يجهل.

وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من رِوَايَة الْأَغَر أبي مُسلم (عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة: إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب ثلث اللَّيْل الأول ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا) الحَدِيث.

وَأما حَدِيث رِفَاعَة الْجُهَنِيّ، فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عَطاء بن يسَار عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله يُمْهل حَتَّى إِذا ذهب من اللَّيْل نصفه أَو ثُلُثَاهُ، قَالَ: لَا يسْأَل عَن عبَادي غَيْرِي) الحَدِيث، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ.

وَأما حَدِيث جُبَير بن مطعم فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: هَل من سَائل فَأعْطِيه؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ؟) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من هَذَا الْوَجْه وَزَاد: (حَتَّى يطلع الْفجْر) .

وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِذا كَانَ ثلث اللَّيْل الْبَاقِي يهْبط الله، عز وَجل، إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ تفتح أَبْوَاب السَّمَاء، ثمَّ يبسط يَده فَيَقُول: هَل من سَائل يعْطى سُؤَاله؟ وَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يسطع الْفجْر) .

وَأما حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) و (الْوسط) من رِوَايَة زِيَاد بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن فضَالة بن عبيد عَن أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ينزل الله تَعَالَى فِي آخر ثَلَاث سَاعَات يبْقين من اللَّيْل، فَينْظر فِي السَّاعَة الأولى مِنْهُنَّ فِي الْكتاب الَّذِي لَا ينظر فِيهِ غَيره، فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيثبت، وَينظر فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فِي جنَّة عدن وَهِي مَسْكَنه الَّذِي يسكن لَا يكون مَعَه فِيهَا إلاّ الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وَالصِّدِّيقُونَ، وفيهَا مَا لم يره أحد وَلَا خطر على قلب بشر، ثمَّ يهْبط آخر سَاعَة من اللَّيْل فَيَقُول: ألَا مُسْتَغْفِر يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ ألَا سَائل يسألني فَأعْطِيه؟ ألَا دَاع يدعوني فأستجيب لَهُ حَتَّى يطلع الْفجْر؟ قَالَ الله تَعَالَى: {وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا} (الْإِسْرَاء: ٨٧) . فيشهده الله وَمَلَائِكَته) ، قَالَ الطَّبَرَانِيّ: وَهُوَ حَدِيث مُنكر.

وَأما حَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن الْحسن عَن عُثْمَان ابْن أبي الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يُنَادي منادٍ كل لَيْلَة: هَل من دَاع فيستجاب لَهُ؟ هَل من سَائل فَيعْطى؟ هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) بِلَفْظ: (تفتح أَبْوَاب السَّمَاء نصف اللَّيْل فينادي منادٍ) فَذكره.

وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب السّنة) وَأَبُو الشيح ابْن حبَان أَيْضا فِي (كتاب السّنة) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك (عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا لثلث اللَّيْل فَيَقُول: ألَا عبد من عبَادي يدعوني فأستجيب لَهُ؟ أَلا ظَالِم لنَفسِهِ يدعوني فَأغْفِر لَهُ؟ ألَا مقتر عَلَيْهِ فأرزقه؟ ألَا مظلوم يستعز بِي فأنصره؟ ألَا عان يدعوني فأفك عَنهُ؟ فَيكون ذَاك مَكَانَهُ حَتَّى يضيء الْفجْر، ثمَّ يَعْلُو ب (رَبنَا عز وَجل إِلَى السَّمَاء الْعليا على كرسيه) ، وَهُوَ حَدِيث مُنكر، فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْجَعْفَرِي، يرويهِ عَن عبد الله بن سَلمَة بن أسلم، بِضَم اللَّام، والجعفري مُنكر الحَدِيث، قَالَه أَبُو حَاتِم، وَعبد الله بن سَلمَة ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ أَبُو نعيم: مَتْرُوك.

وَأما حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) و (الْأَوْسَط) من رِوَايَة يحيى بن إِسْحَاق (عَن عبَادَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ينزل رَبنَا، تبَارك وَتَعَالَى، إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل، فَيَقُول: ألَا عبد من عبَادي؟) الحَدِيث نَحْو حَدِيث جَابر، وَفِي آخِره، حَتَّى يصبح

الصُّبْح ثمَّ يَعْلُو، عز وَجل، على كرسيه) ، وَفِي إِسْنَاده فُضَيْل بن سُلَيْمَان النميري، وَهُوَ وَإِن أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فقد قَالَ فِيهِ ابْن معِين لَيْسَ بِثِقَة.

وَأما حَدِيث عقبَة بن عَامر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَنهُ، قَالَ: (أَقبلنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِذا مضى ثلث اللَّيْل، أَو قَالَ نصف اللَّيْل، ينزل الله عز وَجل، إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: لَا أسأَل عَن عبَادي أحدا غَيْرِي) ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَفِيه نظر.

وَأما حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي (كتاب السّنة) من رِوَايَة جرير بن عُثْمَان، قَالَ: حَدثنَا سليم بن عَامر بن عَمْرو بن عَنْبَسَة، قَالَ: (أتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت: يَا رَسُول الله. .) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الرب، عز وَجل، يتدلى من جَوف اللَّيْل) ، زَاد فِي رِوَايَة الآخر: (فَيغْفر إلاّ مَا كَانَ من الشّرك) ، زَاد فِي رِوَايَة: (وَالْبَغي وَالصَّلَاة مَشْهُودَة حَتَّى تطلع الشَّمْس) .

وَأما حَدِيث أبي الْخطاب فَرَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (كتاب السّنة) بِإِسْنَادِهِ (عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُقَال لَهُ أَبُو الْخطاب، أَنه سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْوتر، فَقَالَ: أحب إِلَيّ أَن أوتر نصف اللَّيْل، إِن الله يهْبط من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: هَل من مذنب؟ هَل من مُسْتَغْفِر؟ هَل من دَاع؟ حَتَّى إِذا طلع الْفجْر ارْتَفع) . قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَابْن عبد الْبر أَبُو الْخطاب، لَهُ صُحْبَة وَلَا يعرف اسْمه.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ينزل) ، بِفَتْح الْيَاء، فعل مضارع: وَالله، مَرْفُوع بِهِ. وَقَالَ ابْن فورك: ضبط لنا بعض أهل النَّقْل هَذَا الْخَبَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَم الْيَاء من: ينزل، يَعْنِي: من الْإِنْزَال. وَذكر أَنه ضبط عَمَّن سمع مِنْهُ من الثِّقَات الضابطين. وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قد قَيده بعض النَّاس بذلك فَيكون معدى إِلَى مفعول مَحْذُوف، أَي: ينزل الله ملكا. قَالَ: وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث الْأَغَر عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله، عز وَجل، يُمْهل حَتَّى يمْضِي شطر اللَّيْل الأول ثمَّ يَأْمر مناديا يَقُول: هَل من دَاع فيستجاب لَهُ. .؟) الحَدِيث، وَصَححهُ عبد الْحق وَحمل صَاحب (الْمُفْهم) الحَدِيث على النُّزُول الْمَعْنَوِيّ على رِوَايَة مَالك عَنهُ عِنْد مُسلم، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: (يتنزل رَبنَا) ، بِزِيَادَة: تَاء، بعد: يَاء المضارعة، فَقَالَ: كَذَا صحت الرِّوَايَة هُنَا، وَهِي ظَاهِرَة فِي النُّزُول الْمَعْنَوِيّ وإليها يرد (ينزل) ، على أحد التأويلات، وَمعنى ذَلِك أَن مُقْتَضى عَظمَة الله وجلاله واستغنائه أَن لَا يعبأ بحقير ذليل فَقير، لَكِن ينزل بِمُقْتَضى كرمه ولطفه لِأَن يَقُول: من يقْرض غير عدوم وَلَا ظلوم، وَيكون قَوْله: (إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا) ، عبارَة عَن الْحَالة الْقَرِيبَة إِلَيْنَا، وَالدُّنْيَا بِمَعْنى: الْقُرْبَى، وَالله أعلم.

ثمَّ الْكَلَام هُنَا على أَنْوَاع. الأول: احْتج بِهِ قوم على إِثْبَات الْجِهَة لله تَعَالَى، وَقَالُوا: هِيَ جِهَة الْعُلُوّ، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: ابْن قُتَيْبَة وَابْن عبد الْبر، وَحكي أَيْضا عَن أبي مُحَمَّد بن أبي زيد القيرواني، وَأنكر ذَلِك جُمْهُور الْعلمَاء لِأَن القَوْل بالجهة يُؤَدِّي إِلَى تحيز وإحاطة، وَقد تَعَالَى الله عَن ذَلِك.

الثَّانِي: أَن الْمُعْتَزلَة أَو أَكْثَرهم: كجهم بن صَفْوَان وَإِبْرَاهِيم بن صَالح وَمَنْصُور بن طَلْحَة والخوارج، أَنْكَرُوا صِحَة تِلْكَ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ مُكَابَرَة، وَالْعجب أَنهم أولُوا مَا ورد من ذَلِك فِي الْقُرْآن وأنكروا مَا ورد فِي الحَدِيث إِمَّا جعلا وَإِمَّا عنادا. وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) : عَن مُوسَى بن دَاوُد، قَالَ: قَالَ لي عباد ابْن عوام، قدم علينا شريك بن عبد الله مُنْذُ نَحْو من خمسين سنة، قَالَ: فَقل: يَا أَبَا عبد الله إِن عندنَا قوما من الْمُعْتَزلَة يُنكرُونَ هَذِه الْأَحَادِيث؟ قَالَ: فَحَدثني نَحْو عشرَة أَحَادِيث فِي هَذَا، وَقَالَ: أما نَحن فقد أَخذنَا ديننَا هَذَا عَن التَّابِعين عَن أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فهم عَمَّن أخذُوا؟ وَقد وَقع بَين إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَبَين إِبْرَاهِيم بن صَالح المعتزلي، وَبَينه وَبَين مَنْصُور بن طَلْحَة أَيْضا مِنْهُم كَلَام، بعضه عِنْد عبد الله بن طَاهِر بن عبد الله المعتزلي، وَبَعضه عِنْد أَبِيه طَاهِر بن عبد الله. قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: جمعني وَهَذَا المبتدع، يَعْنِي إِبْرَاهِيم بن صَالح، مجْلِس الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر، فَسَأَلَنِي الْأَمِير عَن أَخْبَار النُّزُول فسردتها، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: كفرت بِرَبّ ينزل من سَمَاء إِلَى سَمَاء. فَقلت: آمَنت بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء. قَالَ: فَرضِي عبد الله كَلَامي وَأنكر عَليّ آبراهيم، وَقد أَخذ إِسْحَاق كَلَامه هَذَا من الفضيل بن عِيَاض، رَحمَه الله، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا قَالَ الجهمي: أَنا أكفر بِرَبّ ينزل ويصعد، فَقلت: آمَنت بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء، ذكره أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب السّنة) ذكر فِيهِ: عَن أبي زرْعَة، قَالَ: هَذِه الْأَحَادِيث المتواترة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الله ينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، قد رَوَاهُ عدَّة من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهِي عندنَا صِحَاح قَوِيَّة. قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ينزل) وَلم يقل: كَيفَ ينزل، فَلَا نقُول: كَيفَ ينزل؟ نقُول، كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ: سَمِعت أَبَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله الْمُزنِيّ يَقُول:

حَدِيث النُّزُول قد ثَبت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من وُجُوه صَحِيحَة، وَورد فِي التَّنْزِيل مَا يصدقهُ، وَهُوَ قَوْله: {وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا} (الْفجْر: ٢٢) . الثَّالِث: أَن قوما أفرطوا فِي تَأْوِيل هَذِه الْأَحَادِيث حَتَّى كَاد أَن تخرج إِلَى نوع من التحريف، وَمِنْهُم من فصل بَين مَا يكون تَأْوِيله قَرِيبا مُسْتَعْملا فِي كَلَام الْعَرَب، وَبَين مَا يكون بَعيدا مَهْجُورًا، وَأولُوا فِي بعض وفوضوا فِي بعض، وَنقل ذَلِك عَن مَالك.

الرَّابِع: أَن الْجُمْهُور سلكوا فِي هَذَا الْبَاب الطَّرِيق الْوَاضِحَة السالمة، وأجروا على مَا ورد مُؤمنين بِهِ منزهين لله تَعَالَى عَن التَّشْبِيه والكيفية، وهم: الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَمَكْحُول وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَاللَّيْث بن سعد وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَغَيرهم من أَئِمَّة الدّين. وَمِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة: مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات) : قَرَأت بِخَط الإِمَام أبي عُثْمَان الصَّابُونِي، عقيب حَدِيث النُّزُول: قَالَ الاستاذ أَبُو مَنْصُور يَعْنِي الجمشاذي: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي قَوْله: (ينزل الله) ، فَسئلَ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: بِلَا كَيفَ، وَقَالَ حَمَّاد بن زيد: نُزُوله إقباله. وروى الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الِاعْتِقَاد) بِإِسْنَادِهِ إِلَى يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: قَالَ لي مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي: لَا يُقَال للْأَصْل: لِمَ وَلَا كَيفَ، وروى بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرّبيع بن سُلَيْمَان، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: الأَصْل كتاب أَو سنة أَو قَول بعض أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو إِجْمَاع النَّاس قلت: لَا شكّ أَن النُّزُول انْتِقَال الْجِسْم من فَوق إِلَى تَحت، واا منزه عَن ذَلِك، فَمَا ورد من ذَلِك فَهُوَ من المتشابهات، فَالْعُلَمَاء فِيهِ على قسمَيْنِ: الأول: المفوضة: يُؤمنُونَ بهَا ويفوضون تَأْوِيلهَا إِلَى الله، عز وَجل، مَعَ الْجَزْم بتنزيهه عَن صِفَات النُّقْصَان. وَالثَّانِي: المؤولة: يؤولون بهَا على مَا يَلِيق بِهِ بِحَسب المواطن، فأولوا بِأَن معنى: ينزل الله: ينزل ى مره أَو مَلَائكَته، وَبِأَنَّهُ اسْتِعَارَة، وَمَعْنَاهُ: التلطف بالداعين والإجابة لَهُم وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا الحَدِيث من أَحَادِيث الصِّفَات، مَذْهَب السّلف فِيهِ الْإِيمَان بهَا وإجراؤها على ظَاهرهَا وَنفي الْكَيْفِيَّة عَنهُ: لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ، لما ثَبت بالقواطع الْعَقْلِيَّة أَنه منزه عَن الجسمية والتحيز امْتنع عَلَيْهِ النُّزُول على معنى الِانْتِقَال من مَوضِع أَعلَى إِلَى مَا هُوَ أَخفض مِنْهُ، فَالْمُرَاد دنو رَحمته، وَقد رُوِيَ: يهْبط الله من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، أَي: ينْتَقل من مُقْتَضى صِفَات الْجلَال الَّتِي تَقْتَضِي الأنفة من الأراذل وقهر الْأَعْدَاء والانتقام من العصاة إِلَى مُقْتَضى صِفَات الْإِكْرَام للرأفة وَالرَّحْمَة وَالْعَفو، وَيُقَال: لَا فرق بَين الْمَجِيء والإتيان وَالنُّزُول إِذا أضيف إِلَى جسم يجوز عَلَيْهِ الْحَرَكَة والسكون والنقلة الَّتِي هِيَ تَفْرِيغ مَكَان وشغل غَيره، فَإِذا أضيف ذَلِك إِلَى من لَا ليق بِهِ الِانْتِقَال وَالْحَرَكَة، كَانَ تَأْوِيل ذَلِك على حسب مَا يَلِيق بنعته وَصفته تَعَالَى. فالنزول: لُغَة، يسْتَعْمل لمعان خَمْسَة مُخْتَلفَة: بِمَعْنى الِانْتِقَال: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا} (الْفرْقَان: ٨٤) . و: الْإِعْلَام {نزل بِهِ الرّوح الْأمين} (الشُّعَرَاء: ٣٩١) . أَي: أعلم بِهِ الرّوح الْأمين مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِمَعْنى: القَوْل {سَأُنْزِلُ مثل مَا أنزل الله} (الْأَنْعَام: ٣٩) . أَي سأقول مثل مَا قَالَ، والإقبال على الشَّيْء، وَذَلِكَ مُسْتَعْمل فِي كَلَامهم جَار فِي عرفهم، يَقُولُونَ: نزل فلَان من مَكَارِم الأخلاف إِلَى دنيها، وَنزل قدر فلَان عِنْد فلَان إِذا انخفض، وَبِمَعْنى: نزُول الحكم، من ذَلِك قَوْلهم: كُنَّا فِي خير وَعدل حَتَّى نزل بِنَا بَنو فلَان، أَي: حكم، وَذَلِكَ كُله مُتَعَارَف عِنْد أهل اللُّغَة: وَإِذا كَانَت مُشْتَركَة فِي الْمَعْنى وَجب حمل مَا وصف بِهِ الرب، جلّ جَلَاله، من النُّزُول على مَا يَلِيق بِهِ من بعض هَذِه الْمعَانِي، وَهُوَ: إقباله على أهل الأَرْض بِالرَّحْمَةِ والاستيقاظ بالتذكير والتنبيه الَّذِي يلقى فِي الْقُلُوب، والزواجر الَّتِي تزعجهم إِلَى الإقبال على الطَّاعَة. ووجدناه، تَعَالَى، خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، فَقَالَ تَعَالَى: {وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات: ٨١) [/ ح.

قَوْله: (عز وَجل) ، وَفِي بعض النّسخ: (تبَارك وَتَعَالَى) ، وهما جملتان معترضتان بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل وظرفه: لما أسْند مَا لَا يَلِيق إِسْنَاده بِالْحَقِيقَةِ إِلَى الله تَعَالَى، وأتى بِمَا يدل على التَّنْزِيه على سَبِيل الِاعْتِرَاض. قَوْله: (حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر) ، وَعند مُسلم: (ثلث اللَّيْل الأول) ، وَفِي لفظ: (شطر اللَّيْل أَو ثلث اللَّيْل الْأَخير) ، وَهَهُنَا سِتّ رِوَايَات: الأولى: هِيَ الَّتِي هَهُنَا وَهِي: ثلث اللَّيْل الأول. الثَّانِيَة: إِذا مضى الثُّلُث الأول. الثَّالِثَة: الثُّلُث الأول أَو النّصْف. الرَّابِعَة: النّصْف. الْخَامِسَة: النّصْف أَو الثُّلُث الْأَخير. السَّادِسَة: الْإِطْلَاق، والمطلقة مِنْهَا تحمل على الْمقيدَة، وَالَّتِي بِحرف الشَّك، فالمجزوم بِهِ مقدم على الْمَشْكُوك فِيهِ. فَإِن قلت: إِذا كَانَت كلمة: أَو، للترديد بَين حَالين، كَيفَ يجمع بذلك بَين الرِّوَايَات؟ قلت: يجمع بِأَن ذَلِك يَقع بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحول، لكَون أَوْقَات اللَّيْل تخْتَلف فِي الزَّمَان وَفِي الْآفَاق باخْتلَاف تقدم دُخُول اللَّيْل عِنْد قوم وتأخره عَنهُ آخَرين، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ من وَجه آخر عَن قريب. فَإِن قلت: مَا وَجه التحصيص بِالثُّلثِ الْأَخير الَّذِي

رَجحه جمَاعَة على غَيره من الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة؟ قلت: لِأَنَّهُ وَقت التَّعَرُّض لنفحات رَحْمَة الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ زمَان عبَادَة أهل الْإِخْلَاص، وروى أَن آخر اللَّيْل أفضل للدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار، وروى محَارب بن دثار عَن عَمه أَنه كَانَ يَأْتِي الْمَسْجِد فِي السحر ويمر بدار ابْن مَسْعُود، فَسَمعهُ يَقُول: أللهم إِنَّك أَمرتنِي فأطعت، وَدَعَوْتنِي فأجبت، وَهَذَا سحر فَاغْفِر لي، فَسئلَ ابْن مَسْعُود عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: إِن يَعْقُوب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخر الدُّعَاء لِبَنِيهِ إِلَى السحر. فَقَالَ: {سَوف اسْتغْفر لكم} (يُوسُف: ٨٩) . وروى أَن دَاوُد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام: أَي اللَّيْل أسمع؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، غير أَن الْعَرْش يَهْتَز فِي السحر. قَوْله: (الآخر) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وارتفاعه على أَنه صفة للثلث. قَوْله: (من يدعوني) الْمَذْكُور هَهُنَا الدُّعَاء وَالسُّؤَال وَالِاسْتِغْفَار، وَالْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة أَن الْمَطْلُوب: إِمَّا لدفع الْمضرَّة، وَإِمَّا لجلب الْخَيْر، وَالثَّانِي إِمَّا ديني أَو دنياوي، فَفِي لفظ الاسْتِغْفَار إِشَارَة إِلَى الأول، وَفِي السُّؤَال إِشَارَة إِلَى الثَّانِي وَفِي الدُّعَاء إِشَارَة إِلَى الثَّالِث. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الدُّعَاء وَالسُّؤَال؟ قلت: الْمَطْلُوب إِمَّا لدفع غير الملائم، وَإِمَّا لجلب الملائم، وَذَلِكَ إِمَّا دُنْيَوِيّ وَإِمَّا ديني، فالاستغفار وَهُوَ طلب ستر الذُّنُوب، إِشَارَة إِلَى الأول، وَالسُّؤَال إِلَى الثَّانِي، وَالدُّعَاء إِلَى الثَّالِث، لَا وَالدُّعَاء مَا لَا طلب فِيهِ نَحْو قَوْلنَا: يَا الله يَا رَحْمَن، وَالسُّؤَال هُوَ الطّلب، وَالْمَقْصُود وَاحِد، وَاخْتِلَاف الْعبارَات لتحقيق الْقَضِيَّة وتأكيدها. قَوْله: (فأستجيب لَهُ) ، يجوز فِيهِ النصب وَالرَّفْع: أما النصب فعلى جَوَاب الِاسْتِفْهَام، وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: فَأَنا أستجيب لَهُ، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: فَأعْطِيه فَأغْفِر لَهُ) . وَأعلم أَن السِّين فِي: (فأستجيب) لَيْسَ للطلب، بل هُوَ بِمَعْنى: أُجِيب وَذَلِكَ، لتحول الْفَاعِل إِلَى أصل الْفِعْل نَحْو: استحجر الطين فَإِن قلت: لَيْسَ فِي وعد الله خلف وَكثير من الداعين لَا يُسْتَجَاب لَهُم؟ قلت: إِنَّمَا ذَاك لوُقُوع الْخلَل فِي شَرط من شُرُوط الدُّعَاء مثل: الِاحْتِرَاز فِي الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس، أَو لاستعجال الدَّاعِي، أَو يكون الدُّعَاء بإثم أَو قطيعة رحم، أَو تحصل الْإِجَابَة ويتأخر الْمَطْلُوب إِلَى وَقت آخر يُرِيد الله وُقُوع الْإِجَابَة فِيهِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة.

٥١ - (بابُ منْ نامَ أوَّلَ اللَّيْلِ وَأحْيَا آخِرَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من نَام أول اللَّيْل وأحي آخِره بِالصَّلَاةِ أَو بِقِرَاءَة الْقُرْآن أَو بِالذكر.

وقالَ سَلْمَانُ لأِبِي الدَّرّدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَمْ فَلَمَّا كانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ قُمْ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَ سَلْمَانُ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن سلمَان الْفَارِسِي أَمر لأبي الدَّرْدَاء بِالنَّوْمِ فِي أول اللَّيْل، ويالقيام فِي آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل أوردهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب من حَدِيث أبي جُحَيْفَة، قَالَ: (آخى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، أقرى سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء فَرَأى أم الدَّرْدَاء مبتذلة، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنك، قَالَت: أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاء لَيْسَ لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا، فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء فَصنعَ لَهُ طَعَاما، فَقَالَ: كل فَإِنِّي صَائِم، قَالَ: مَا أَنا بآكل حَتَّى تَأْكُل، فَأكل، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل ذهب أَبُو الدَّرْدَاء يقوم، فَقَالَ: نم، فَنَامَ فَذهب يقوم، فَقَالَ: نم، فَلَمَّا كَانَ آخر اللَّيْل قَالَ سلمَان: قُم الْآن. قَالَ: فصلينا، فَقَالَ سلمَان: إِن لِرَبِّك عَلَيْك حَقًا. وَلِنَفْسِك حَقًا، ولأهلك عَلَيْك حَقًا، فأعط كل ذِي حق حَقه، فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صدق سلمَان) .

٦٤١١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ وحدَّثني سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ سألْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَيْفَ كانَ صَلاةُ النبيِّ بِاللَّيْلِ قالَتْ كانَ يَنامُ أوَّلَهُ ويَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يرْجِعُ إلَى فِراشِهِ فإذَا أذَّنَ المُؤَذَّنُ وَثَبَ فَإِن كانَ بِهِ حاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإلَاّ تَوَضِّأَ وخَرَجَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ ينَام أَوله وَيقوم آخِره) .

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.8 / 29.5
الإضاءة 65%
البدر بعد 6 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56