«أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٧٧

الحديث رقم ١٢٧٧ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من استعد الكفن في زمن النبي ﷺ.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها…

«أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا، قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ! قَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ.»

سند حديث: ١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ…

١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها…

في الحديث إيثار النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه؛ لأنه آثر هذا الرجل بهذه البردة التي كان محتاجاً إليها؛ لأنه لبسها بالفعل مما يدل على شدة احتياجه إليها، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بردة، فتقدم رجل إليه فقال: ما أحسن هذه؟، وطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم ، ففعل الرسول عليه الصلاة والسلام خلعها وطواها وأعطاه إياها.
ذكر بعض الشرّاح أن من فوائد هذا الحديث التبرك بآثار الصالحين، وليس كذلك إنما هو التبرك بذاته –صلى الله عليه وسلم- ولا يقاس غيره به في الفضل والصلاح، وأيضاً الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حسن خلق النبي –صلى الله عليه وسلم - وكرمه وسعة جوده، وأنه لا يرد سائلاً.
  • استحباب المبادرة لأخذ الهدية؛ لجبر خاطر مهديها، وأنها وقعت منه موقعاً.
  • مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهراً، وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم.
  • جواز استحسان الإنسان ما يراه على غيره من الملابس وغيرها؛ إما ليعرفه قدرها، وإما ليعرض له بطلبه منه حيث يسوغ له ذلك.
  • جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٨ - باب مَنْ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ

١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ. قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ.

[الحديث ١٢٧٧ - أطرافه في: ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ) ضُبِطَ فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَحُكِيَ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ الْإِنْكَارِ النَّبِيُّ ، وَحَكَى الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَلَمْ يُنْكِرْهُ؛ بِهَاءٍ، بَدَلَ: عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْكَسْرِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّرْجَمَةَ بِذَلِكَ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي وَقَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى الصَّحَابِيِّ فِي طَلَبِ الْبُرْدَةِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِعُذْرِهِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ تَحْصِيلِ مَا لَا بُدَّ لِلْمَيِّتِ مِنْهُ مِنْ كَفَنٍ وَنَحْوِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ حَفْرُ الْقَبْرِ؟ فِيهِ بَحْثٌ سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (إِنَّ امْرَأَةً) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (فِيهَا حَاشِيَتُهَا) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَعْنِي أَنَّهَا لَمْ تُقْطَعْ مِنْ ثَوْبٍ، فَتَكُونُ بِلَا حَاشِيَةٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: حَاشِيَةُ الثَّوْبِ هُدْبَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا جَدِيدَةٌ لَمْ يُقْطَعْ هُدْبُهَا، وَلَمْ تُلْبَسْ بَعْدُ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: حَاشِيَتَا الثَّوْبِ نَاحِيَتَاهُ اللَّتَانِ فِي طَرَفِهِمَا الْهُدْبُ.

قَوْلُهُ: (أَتَدْرُونَ) هُوَ مَقُولُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بَيَّنَهُ أَبُو غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ. انْتَهَى. وَفِي تَفْسِيرِ الْبُرْدَةِ بِالشَّمْلَةِ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّ الْبُرْدَةَ كِسَاءٌ، وَالشَّمْلَةُ مَا يُشْتَمَلُ بِهِ، فَهِيَ أَعَمُّ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ اشْتِمَالِهِمْ بِهَا أَطْلَقُوا عَلَيْهَا اسْمَهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) كَأَنَّهُمْ عَرَفُوا ذَلِكَ بِقَرِينَةِ حَالٍ أَوْ تَقَدُّمِ قَوْلٍ صَرِيحٍ.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَإِنَّهَا إِزَارُهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ (١)، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَخَرَجَ إِلَيْنَا فِيهَا، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: فَاتَّزَرَ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ.

قَوْلُهُ: (فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ هُنَا بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنَ التَّحْسِينِ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَجَسَّهَا بِالْجِيمِ بِغَيْرِ نُونٍ. وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، وَقَوْلُهُ: فُلَانٌ أَفَادَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَزَاهُ لِلطَّبَرَانِيِّ وَلَمْ أَرَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لَا فِي مُسْنَدِ سَهْلٍ، وَلَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَنَقَلَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ، عَنِ الْمُحِبِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَكَذَا قَالَ لَنَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الْهَيْتَمِيُّ: إِنَّهُ وَقَفَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَكَانَهُ. وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا ابْنِ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَى شَيْخِنَا اسْمُ الْقَائِلِ بِاسْمِ الرَّاوِي، نَعَمْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نمرةً، وبالجملة، فالأصحُّ: أنَّ أقلَّ الكفن ساتر العورة، لكن استشكلَ الإسنويُّ الاقتصار على ساتر العورة بما في النَّفقات من أنَّه لا يحلُّ الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة وإن (١) لم يتأذَّ بحرٍّ أو بردٍ؛ لأنَّه تحقيرٌ وإذلالٌ، فامتناعه في الميِّت الحرِّ أَولى، وأجيب عنه بأنه لا أولوية، بل ولا تساوي، إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد، والحيُّ (٢) المفلس يبقى له ما يحمله لاحتياجه إلى التَّجمُّل للصَّلاة وبين النَّاس، ولأنَّ الميِّت يُستَر بالتُّراب عاجلًا بخلاف العبد، والأَولى أن يُجاب بأنَّه لا فرق بين المسألتين؛ إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًّا لله تعالى في السَّتر، بل لكونه حقًّا للعبد، حتَّى إذا أسقطه جاز، وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير، وأنَّه ممَّن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيءٌ.

(٢٨) (باب مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ) أي: أعدَّه، وليست السِّين للطَّلب (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، كذا في الفرع وأصله، وفي نسخةٍ: «فلم ينكِر» بكسرها، على أنَّ فاعل الإنكار النَّبيُّ .

١٢٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال (٣) (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ)

عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ، سلمة بن دينارٍ الأعرج القاصِّ (١)، من عُبَّاد أهل المدينة وزهَّادهم (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعديِّ (: أَنَّ امْرَأَةً) قال الحافظ (٢) ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (جَاءَتِ النَّبِيَّ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا) رفعٌ بقوله: «منسوجةٍ»، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل، أي: أنَّها لم تقطع من ثوبٍ فتكون بلا حاشيةٍ، أو أنَّها جديدةٌ لم يُقطَع هدبها ولم تُلبَس بعدُ، قال سهلٌ: (أَتَدْرُونَ) بهمزة الاستفهام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «تدرون» بإسقاطها (مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ) سهلٌ: (نَعَمْ) هي، وفي تفسيرها بها (٣) تجوُّز؛ لأنَّ البردة: كساءٌ، والشَّملة: ما يُشتَمَل به، فهي أعمُّ، لكن لمَّا كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها (قَالَتْ) أي: المرأة للنَّبيِّ : (نَسَجْتُهَا) أي: البردة (بِيَدِي) حقيقةً أو مجازًا (فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) وعُرِفَ ذلك بقرينة حالٍ، أو تقدَّم قولٌ صريحٌ (فَخَرَجَ) (إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ) وفي رواية هشام بن عمَّارٍ، عن عبد العزيز، عند (٤) ابن ماجه: فخرج إلينا فيها، وعند الطَّبرانيِّ من رواية هشام بن سعدٍ، عن أبي حازمٍ: فاتَّزر بها، ثمَّ خرج (فَحَسَّنَهَا) أي: نسبها إلى الحُسن، وللمصنِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨١٠] من طريق يعقوب بن عبد الرَّحمن، عن أبي حازمٍ: فجسَّها، بالجيم من غير نونٍ (فُلَانٌ) هو عبد الرَّحمن بن عوفٍ كما في «الطَّبرانيِّ»، فيما ذكره المحبُّ الطَّبريُّ في «الأحكام» له، لكن قال صاحب «الفتح» إنَّه لم يره في «المعجم الكبير»، لا في مسند سهلٍ، ولا عبد الرَّحمن، أو هو سعد بن أبي وقَّاصٍ، أو هو (٥) أعرابيٌّ كما في «الطَّبرانيِّ» من طريق زمعة بن صالحٍ عن أبي حازمٍ، لكنَّ زمعة ضعيفٌ (فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا!) بالنَّصب على التَّعجُّب (قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) نفيٌ للإحسان (لَبِسَهَا النَّبِيُّ ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) وفي نسخةٍ عند أبي ذَرٍّ: «محتاجٌ» بالرَّفع بتقدير: هو (ثُمَّ سَأَلْتَهُ) إيَّاها (وَعَلِمْتَ أَنَّهُ

لَا يَرُدُّ) سائلًا بل يعطيه ما يطلبه (قَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ) (لأَلْبَسَهَا) أي: لأجل أن ألبسها، وفي نسخةٍ: «لألبَسه» وهو الَّذي في الفرع وأصله (إِنَّمَا سَأَلْتُهُ) إياها (لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ) وعند «الطَّبرانيِّ» من طريق هشام بن سعدٍ: قال سهلٌ (١): فقلت للرَّجل: لِمَ سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكنِّي أردت أن أخبأها حتَّى أُكفَّن فيها، فأفاد أنَّ المعاتب له من الصَّحابة سهلُ بن سعدٍ، وفي رواية أبي غسَّان [خ¦٦٠٣٦]: فقال: رجوت بركتها حين لبسها النَّبيُّ ، وفيه التَّبرُّك بآثار الصَّالحين، وجواز إعداد الشَّيء قبل وقت الحاجة إليه، لكن قال أصحابنا: لا يُندب أن يعدَّ لنفسه كفنًا؛ لئلَّا يحاسب على اتِّخاذه، أي: لا (٢) على اكتسابه؛ لأنَّ ذلك ليس (٣) مختصًّا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأنَّ تكفينه من ماله واجبٌ، وهو يحاسب (٤) عليه بكلِّ حالٍ، إلَّا أن يكون من جهة حِلٍّ وأثرِ ذي صلاحٍ، فَحَسُن إعداده كما هنا، لكن لا يجب تكفينه فيه، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطَّيِّب وغيره، بل للوارث إبداله لأنَّه ينتقل للوارث، فلا يجب عليه ذلك، ولو أعدَّ له قبرًا يُدفن فيه فينبغي أنَّه (٥) لا يُكرَه؛ لأنَّه للاعتبار، بخلاف الكفن، قاله الزَّركشيُّ.

ورواة الحديث الأربعة مدنيُّون إلَّا عبد الله بن مسلمة، سكن البصرة، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه ابن ماجه في «اللِّباس».

(٢٩) (باب) حكم (اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزَ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «الجنازة».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْجُمْلَة استئنافية. قَوْله: (مَا نكفنه) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (مَا نكفنه بِهِ) . قَوْله: (من الاذخر) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره رَاء، قيل: هُوَ نبت بِمَكَّة. قلت: لَيْسَ بمخصوص بِمَكَّة وَيكون بِأَرْض الْحجاز طيب الرَّائِحَة ينْبت فِي السهول والحزون، وَإِذا جف ابيض، وَذكر أَبُو حنيفَة فِي (كتاب النَّبَات) : أَن لَهُ أصلا مندفنا وَله قضبان دقاق ذفر الرّيح وَهُوَ مثل الأسل، أسل الكولان، يَعْنِي الَّذِي يعْمل مِنْهُ الْحصْر إلَاّ أَنه أعرض وأصغر كعوبا، وَله ثَمَرَة كَأَنَّهَا مكاسع الْقصب إِلَّا أَنه أرق وأصغر وَله كعوب كَثِيرَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه: أَن الثَّوْب إِذا ضَاقَ فتغطية رَأس الْمَيِّت أولى من رجلَيْهِ لِأَنَّهُ أفضل. وَفِيه: بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ صدر هَذِه الْأمة. وَفِيه: أَن الصَّبْر على مكابدة الْفقر وصعوبته من منَازِل الْأَبْرَار ودرجات الأخيار. وَفِيه: أَن الثَّوْب إِذا ضَاقَ عَن تَغْطِيَة رَأسه وعورته غطيت بذلك عَوْرَته وَجعل على سائره من الْإِذْخر، لِأَن ستر الْعَوْرَة وَاجِب فِي حَال الْحَيَاة وَالْمَوْت، وَالنَّظَر إِلَيْهَا ومباشرتها بِالْيَدِ محرم إلَاّ من حل لَهُ من الزَّوْجَيْنِ، كَذَا قَالَه الْمُهلب قلت: هَذَا عِنْد من يَقُول: إِن الْكَفَن يكون ساترا لجَمِيع الْبدن، وَإِن الْمَيِّت يصير كُله عَورَة، ومذهبنا أَن الآدم كُله مُحْتَرم حَيا وَمَيتًا، فَلَا يحل للرِّجَال غسل النِّسَاء وَلَا للنِّسَاء غسل الرِّجَال الْأَجَانِب بعد الْوَفَاة، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة: أَن الْمَيِّت يؤزر بإزار سابغ، كَمَا يَفْعَله فِي حَال حَيَاته إِذا أَرَادَ الِاغْتِسَال، وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة: يشق عَلَيْهِم غسل مَا تَحت الْإِزَار فيكتفي بستر الْعَوْرَة الغليظة بِخرقَة. وَفِي (الْبَدَائِع) تغسل عَوْرَته تَحت الْخِرْقَة بعد أَن يلف على يَدَيْهِ خرقَة وينجي عِنْد أبي حنيفَة، كَمَا كَانَ يَفْعَله فِي حَيَاته، وَعِنْدَهُمَا: لَا يُنجى. وَفِي (الْمُحِيط) و (الرَّوْضَة) : لَا يُنجى عِنْد أبي يُوسُف، وَفهم من هَذَا كُله أَن الْمَيِّت لَا يصير كُله عَورَة، وَإِنَّمَا يعْتَبر حَاله بِحَال حَيَاته، وَفِي حَال حَيَاته عَوْرَته من السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة، وَالركبَة عَورَة عندنَا، وَهَذَا هُوَ الأَصْل فِي الْمَيِّت أَيْضا، وَلَكِن يَكْتَفِي بستر الْعَوْرَة الغليظة وَهِي الْقبل والدبر تَخْفِيفًا، وَهُوَ الصَّحِيح من الْمَذْهَب، وَبِه قَالَ مَالك ذكره فِي (الْمُدَوَّنَة) .

٨٢ - (بابُ مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ فِي زَمَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من استعد الْكَفَن أَي: أعده وَلَيْسَت السِّين للطلب. قَوْله: (فَلم يُنكر عَلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول ويروى على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَيكون الْفَاعِل هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقيل: يرْوى: (فَلم يُنكره بهَا) ، أَي: فَلم يُنكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرجل الَّذِي طلب الْبردَة الَّتِي أهديت إِلَيْهِ، وَكَانَ طلبه إِيَّاهَا مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل أَن يُكفن فِيهَا. وَكَانَت الصَّحَابَة أَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَالَ: إِنَّمَا طلبتها لأكفن فِيهَا أعذروه فَلم ينكروا ذَلِك عَلَيْهِ. وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تِلْكَ الْقَضِيَّة. واستفيد من ذَلِك جَوَاز تَحْصِيل مَا لَا بُد للْمَيت مِنْهُ من كفن وَنَحْوه فِي حَال حَيَاته، لِأَن أفضل مَا ينظر فِيهِ الرجل فِي الْوَقْت المهمل وفسحة الْأَجَل الِاعْتِدَاد للمعاد. وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفضل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أَكْثَرهم للْمَوْت ذكرا وَأَحْسَنهمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا) . وَقَالَ الضميري لَا يسْتَحبّ الْإِنْسَان أَن يعد لنَفسِهِ كفنا لِئَلَّا يُحَاسب عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيح إلَاّ إِذا كَانَ من جِهَة يقطع بحلها أَو من أثر أهل الْخَيْر والصلحاء، فَإِنَّهُ حسن، وَهل يلْحق بذلك حفر الْقَبْر فِي حَيَاته؟ فَقَالَ ابْن بطال: قد حفر جمَاعَة من الصَّالِحين قُبُورهم قبل الْمَوْت بِأَيْدِيهِم ليتمثلوا حُلُول الْمَوْت فِيهِ، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن ذَلِك لم يَقع من أحد من الصَّحَابَة، وَلَو كَانَ مُسْتَحبا لكثر فيهم. قلت: لَا يلْزم من عدم وُقُوعه من أحد من الصَّحَابَة عدم جَوَازه، لِأَن مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن، وَلَا سِيمَا إِذا فعله قوم من الصلحاء الأخيار.

٧٧٢١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ عنْ أبِيِهِ عنْ سَهْلِهٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ النبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حاشِيَتُهَا أتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ قالُوا الشَّمْلَةُ قَالَ نَعَمْ قالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لأِكْسُوكَهَا فأخَذَها النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاجا إلَيْهَا فَخَرَجَ إلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلانٌ فقالَ اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا قَالَ القَوْمُ مَا أحْسَنْتَ لَبِسَهَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاجا إلَيْهَا ثُمَّ

سَألْتُهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لَا يَرُدُّ. قَالَ إنِّي وَالله مَا سألْتُهُ لأِلْبِسَهَا إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ فكانَتْ كفَنَهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الرجل الَّذِي سَأَلَ تِلْكَ الْبردَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أنْكرت الصَّحَابَة عَلَيْهِ سُؤَاله قَالَ: سَأَلته لتَكون تِلْكَ الْبردَة كفني، فَأعْطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاهَا، واستعدها ليكفن فِيهَا، فَكفن فِيهَا. وَأخْبر بذلك سهل حَيْثُ قَالَ: فَكَانَت كَفنه.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم. الثَّالِث: أَبوهُ أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج القَاضِي من عباد أهل الْمَدِينَة وزهادهم. الرَّابِع: سهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون، غير أَن عبد الله بن مسلمة سكن الْبَصْرَة وَهُوَ من رباعيات البُخَارِيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي اللبَاس عَن هِشَام بن عمار بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن امْرَأَة) ، لم يعرف اسْمهَا. قَوْله: (بِبُرْدَةٍ) ، هِيَ: كسَاء كَانَت الْعَرَب تلتحف بِهِ فِيهِ خطوط، وَيجمع على: برد، كغرفة وغرف. وَقَالَ ابْن قرقول: هِيَ النمرة. قَوْله: (حاشيتها) ، مَرْفُوع بقوله: (منسوجة) وَاسم الْمَفْعُول يعْمل عمل فعله كاسم الْفَاعِل، قَالَه الدَّاودِيّ: يَعْنِي أَنَّهَا لم تقطع من ثوب فَتكون بِلَا حَاشِيَة، وَقيل: حَاشِيَة الثَّوْب هدبه، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا جَدِيدَة لم تقطع هدبها، وَلم تلبس بعد. وَقَالَ الْقَزاز: حاشيتا الثَّوْب ناحيتاه اللَّتَان فِي طرفيهما الهدب قَالَ. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَاشِيَة وَاحِدَة حَوَاشِي الثَّوْب، وَهِي جوانبه. قَوْله: (تَدْرُونَ) ، ويروى: (أَتَدْرُونَ؟) ، بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. ويروى: (هَل تَدْرُونَ؟) ، وعَلى كل حَال هَذِه الْجُمْلَة قَول سُهَيْل بن سعد، بَينه أَبُو غَسَّان عَن أبي حَازِم، كَمَا أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب. وَلَفظه: (فَقَالَ سهل للْقَوْم: أَتَدْرُونَ مَا الْبردَة؟ قَالُوا: الشملة) . انْتهى. والشملة، كسَاء يشْتَمل بِهِ، وَهِي أَعم لَكِن لما كَانَ أَكثر اشتمالهم بهَا اطلقوا عَلَيْهَا اسْمهَا. قَوْله: (تَدْرُونَ) إِلَى قَوْله: (قَالَت: نسجتها) جمل مُعْتَرضَة فِي كَلَام الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة. قَوْله: (فَأَخذهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاجا إِلَيْهَا) أَي: حَال كَونه مُحْتَاجا إِلَى تِلْكَ الْبردَة. ويروى: (مُحْتَاج إِلَيْهَا) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ، مَحْذُوف أَي: أَخذهَا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا وَإِن شِئْت تَقول: وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا، وَقد علم أَن الْجُمْلَة الإسمية إِذا وَقعت حَالا يجوز فِيهَا الْأَمْرَانِ: الْوَاو وَتركهَا. فَإِن قلت: من أَيْن عرفُوا احْتِيَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ذَلِك؟ قلت: يُمكن أَن يكون ذَلِك بِصَرِيح القَوْل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو بِقَرِينَة حَالية دلّت على ذَلِك قَوْله: (فَخرج إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إزَاره) أَي: فَخرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْنَا وَإِن الْبردَة الْمَذْكُورَة إزَاره: يَعْنِي متزرا بهَا، يدل على ذَلِك رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن هِشَام بن سعد عَن أبي حَازِم: (فاتزر بهَا ثمَّ خرج) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: عَن هِشَام بن عمار عَن عبد الْعَزِيز: (فَخرج إِلَيْنَا فِيهَا) . قَوْله: (فحسنها فلَان) أَي: نَسَبهَا إِلَى الْحسن، وَهُوَ ماضٍ من التحسين فِي الرِّوَايَات كلهَا. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي اللبَاس من طَرِيق يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي حَازِم: (فجسها) بِالْجِيم وَتَشْديد السِّين بِغَيْر نون، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن ابْن أبي حَازِم، وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: فلَان، هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَفِي الطَّبَرَانِيّ: عَن قُتَيْبَة هُوَ سعد بن أبي وَقاص. وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي اللبَاس وَالنَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن قُتَيْبَة، وَلم يذكرَا ذَلِك عَنهُ. وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (فجَاء فلَان ابْن فلَان، رجل سَمَّاهُ يَوْمئِذٍ) وَهَذَا يدل على أَن الرَّاوِي سَمَّاهُ وَنسبه، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للطبراني أَن السَّائِل الْمَذْكُور أَعْرَابِي، وَلَكِن فِي سَنَده: زَمعَة بن صَالح، وَهُوَ ضَعِيف. قَوْله: (مَا أحْسنهَا!) كلمة مَا هُنَا للتعجب، وَهُوَ بِنصب النُّون، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (فَقَالَ: يَا رَسُول الله، مَا أحسن هَذِه الْبردَة أكسنيها. قَالَ: نعم، فَلَمَّا دخل طواها وَأرْسل بهَا إِلَيْهِ) . قَوْله: (مَا أَحْسَنت) كلمة: مَا، هُنَا نَافِيَة. قَوْله: (لبسهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاجا إِلَيْهَا) أَي: لبس الْبردَة الْمَذْكُورَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَال كَونه مُحْتَاجا إِلَيْهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (وَالله مَا أَحْسَنت كساها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاج إِلَيْهَا) . أَي: وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا. قَوْله: (أَنه لَا يرد) أَي: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يرد سَائِلًا، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه بتصريح الْمَفْعُول، وَنَحْوه وَقع فِي رِوَايَة يَعْقُوب فِي الْبيُوع، وَفِي رِوَايَة أبي غَسَّان فِي الْأَدَب: (لَا يسْأَل شَيْء

فيمنعه) ، أَي: يُعْطي، كل من طلب مَا يَطْلُبهُ. قَوْله: (مَا سَأَلته لألبسها) أَي: مَا سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل أَن ألبسها، وَأَن الْمقدرَة مَصْدَرِيَّة. وَفِي رِوَايَة أبي غَسَّان: (فَقَالَ: رَجَوْت بركتها حِين لبسهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَفِي رِوَايَة للطبراني عَن زَمعَة بن صَالح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يصنع لَهُ غَيرهَا، فَمَاتَ قبل أَن تفرغ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: حسن خلق النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وسعة جوده وقبوله الْهَدِيَّة. قَالَ الْمُهلب: وَفِيه: جَوَاز ترك مُكَافَأَة الْفَقِير على هديته. وَفِيه نظر، لِأَن الْمُكَافَأَة كَانَت عَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستمرة، فَلَا يلْزم من السُّكُوت عَنْهَا هُنَا أَن لَا يكون فعلهَا، على أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث الْجَزْم يكون ذَلِك هَدِيَّة لاحْتِمَال عرضهَا إِيَّاهَا عَلَيْهِ لأجل الشِّرَاء، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا كَانَت هَدِيَّة فَلَا يلْزم أَن تكون الْمُكَافَأَة على الْفَوْر. قَالَ: وَفِيه: جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْقَرَائِن، وَلَو تجردت لقَولهم: (فَأَخذهَا مُحْتَاجا إِلَيْهَا) وَفِيه نظر أَيْضا لاحْتِمَال سبق القَوْل مِنْهُ بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ قَالَ وَفِيه التَّرْغِيب فِي الْمَصْنُوع بِالنِّسْبَةِ إِلَى صانعة إِذا كَانَ ماهراً وَفِيه نظر أَيْضا لاحْتِمَال إرادتها بنسبتها إِلَيْهِ إِزَالَة مَا يخْشَى من التَّدْلِيس. وَفِيه: جَوَاز اسْتِحْسَان الْإِنْسَان مَا يرَاهُ على غَيره من الملابس، إِمَّا ليعرفه قدرهَا، وَإِمَّا ليعرض لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يسوغ لَهُ ذَلِك. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الْإِنْكَار عِنْد مُخَالفَة الْأَدَب ظَاهرا، وَإِن لم يبلغ الْمُنكر دَرَجَة التَّحْرِيم. وَفِيه: التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين. وَفِيه: جَوَاز إعداد الشَّيْء قبل وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ كَمَا قد ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: جَوَاز الْمَسْأَلَة بِالْمَعْرُوفِ. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يرد سَائِلًا. وَفِيه: بركَة مَا لبسه مِمَّا يَلِي جسده. وَفِيه: قبُول السُّلْطَان الْهَدِيَّة من الْفَقِير. وَفِيه: جَوَاز السُّؤَال من السُّلْطَان. وَفِيه: مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يُعْطي حَتَّى لَا يجد شَيْئا فَيدْخل بذلك فِي جملَة المؤثرين على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة.

٩٢ - (بابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز، وَلم يبين كَيْفيَّة الحكم: هَل هُوَ جَائِز أَو غير جَائِز أَو مَكْرُوه؟ لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، لِأَن قَول أم عَطِيَّة يحْتَمل أَن يكون نهي تَحْرِيم، وَيحْتَمل أَن يكون نهي تَنْزِيه، على أَن ظَاهر قَول أم عَطِيَّة: وَلم يعزم علينا، يَقْتَضِي أَن يكون النَّهْي نهي تَنْزِيه، وَقد ورد فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث تدل على الْجَوَاز، فلأجل هَذَا الِاخْتِلَاف أطلق البُخَارِيّ التَّرْجَمَة وَلم يقيدها بِحكم. وَفِي بعض النّسخ: بَاب اتِّبَاع النِّسَاء الْجِنَازَة.

٨٧٢١ - حدَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ خالِدٍ عنْ أُمِّ الهُذَيْلِ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ نُهِينَا عنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه بَين مَا أبهمه البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة فِي إِطْلَاق الحكم بِأَنَّهُ مَنْهِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأم الْهُذيْل هِيَ: حَفْصَة بنت سِيرِين، وَأم عَطِيَّة هِيَ نسيبة. وَقد تقدم كل الروَاة. وَتقدم الحَدِيث أَيْضا فِي: بَاب الطّيب للْمَرْأَة عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض، فِي كتاب الْحيض، من طَرِيق أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة مطولا، وَفِيه: (وَكُنَّا ننهى عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز) . وَرَوَاهُ هِشَام بن حسان أَيْضا عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة يزِيد ابْن أبي حَكِيم عَن الثَّوْريّ بِإِسْنَاد هَذَا الْبَاب، وَلَفظه: (نَهَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لم يسم الناهي فِيهِ؟ قلت: الَّذِي أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ يرد مَا قيل فِيهِ من ذَلِك، وَهَذَا الْبَاب مُخْتَلف فِيهِ، فالجمهور على أَن كل مَا ورد بِهَذِهِ الصِّيغَة حكمه حكم الْمَرْفُوع، وروى الطَّبَرَانِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة عَن جدته أم عَطِيَّة، قَالَت: (لما دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة جمع النِّسَاء فِي بَيت ثمَّ بعث إِلَيْنَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُول رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إلَيْكُنَّ، بَعَثَنِي لأبايعكن على أَن لَا تسرقن. .) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (وأمرنا أَن نخرج فِي الْعِيد الْعَوَاتِق، ونهانا أَن نخرج فِي جَنَازَة) . وَهَذَا يدل على أَن حَدِيث الْبَاب مُرْسل. قَوْله: (وَلم يعزم علينا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لم يُوجب وَلم يفْرض أَو لم يشدد وَلم يُؤَكد علينا فِي الْمَنْع، كَمَا أكد علينا فِي غَيره من المنهيات، فَكَانَ الْمَعْنى: أَنَّهَا قَالَت: كره لنا اتِّبَاع الْجَنَائِز من غير تَحْرِيم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن النَّهْي للتنزيه، وَبِه قَالَ جُمْهُور أهل الْعلم، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٨ - باب مَنْ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ

١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ. قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ.

[الحديث ١٢٧٧ - أطرافه في: ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ) ضُبِطَ فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَحُكِيَ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ الْإِنْكَارِ النَّبِيُّ ، وَحَكَى الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَلَمْ يُنْكِرْهُ؛ بِهَاءٍ، بَدَلَ: عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْكَسْرِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّرْجَمَةَ بِذَلِكَ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي وَقَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى الصَّحَابِيِّ فِي طَلَبِ الْبُرْدَةِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِعُذْرِهِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ تَحْصِيلِ مَا لَا بُدَّ لِلْمَيِّتِ مِنْهُ مِنْ كَفَنٍ وَنَحْوِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ حَفْرُ الْقَبْرِ؟ فِيهِ بَحْثٌ سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (إِنَّ امْرَأَةً) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (فِيهَا حَاشِيَتُهَا) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَعْنِي أَنَّهَا لَمْ تُقْطَعْ مِنْ ثَوْبٍ، فَتَكُونُ بِلَا حَاشِيَةٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: حَاشِيَةُ الثَّوْبِ هُدْبَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا جَدِيدَةٌ لَمْ يُقْطَعْ هُدْبُهَا، وَلَمْ تُلْبَسْ بَعْدُ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: حَاشِيَتَا الثَّوْبِ نَاحِيَتَاهُ اللَّتَانِ فِي طَرَفِهِمَا الْهُدْبُ.

قَوْلُهُ: (أَتَدْرُونَ) هُوَ مَقُولُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بَيَّنَهُ أَبُو غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ. انْتَهَى. وَفِي تَفْسِيرِ الْبُرْدَةِ بِالشَّمْلَةِ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّ الْبُرْدَةَ كِسَاءٌ، وَالشَّمْلَةُ مَا يُشْتَمَلُ بِهِ، فَهِيَ أَعَمُّ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ اشْتِمَالِهِمْ بِهَا أَطْلَقُوا عَلَيْهَا اسْمَهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) كَأَنَّهُمْ عَرَفُوا ذَلِكَ بِقَرِينَةِ حَالٍ أَوْ تَقَدُّمِ قَوْلٍ صَرِيحٍ.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَإِنَّهَا إِزَارُهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ (١)، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَخَرَجَ إِلَيْنَا فِيهَا، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: فَاتَّزَرَ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ.

قَوْلُهُ: (فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ هُنَا بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنَ التَّحْسِينِ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَجَسَّهَا بِالْجِيمِ بِغَيْرِ نُونٍ. وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، وَقَوْلُهُ: فُلَانٌ أَفَادَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَزَاهُ لِلطَّبَرَانِيِّ وَلَمْ أَرَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لَا فِي مُسْنَدِ سَهْلٍ، وَلَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَنَقَلَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ، عَنِ الْمُحِبِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَكَذَا قَالَ لَنَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الْهَيْتَمِيُّ: إِنَّهُ وَقَفَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَكَانَهُ. وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا ابْنِ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَى شَيْخِنَا اسْمُ الْقَائِلِ بِاسْمِ الرَّاوِي، نَعَمْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

نمرةً، وبالجملة، فالأصحُّ: أنَّ أقلَّ الكفن ساتر العورة، لكن استشكلَ الإسنويُّ الاقتصار على ساتر العورة بما في النَّفقات من أنَّه لا يحلُّ الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة وإن (١) لم يتأذَّ بحرٍّ أو بردٍ؛ لأنَّه تحقيرٌ وإذلالٌ، فامتناعه في الميِّت الحرِّ أَولى، وأجيب عنه بأنه لا أولوية، بل ولا تساوي، إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد، والحيُّ (٢) المفلس يبقى له ما يحمله لاحتياجه إلى التَّجمُّل للصَّلاة وبين النَّاس، ولأنَّ الميِّت يُستَر بالتُّراب عاجلًا بخلاف العبد، والأَولى أن يُجاب بأنَّه لا فرق بين المسألتين؛ إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًّا لله تعالى في السَّتر، بل لكونه حقًّا للعبد، حتَّى إذا أسقطه جاز، وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير، وأنَّه ممَّن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيءٌ.

(٢٨) (باب مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ) أي: أعدَّه، وليست السِّين للطَّلب (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، كذا في الفرع وأصله، وفي نسخةٍ: «فلم ينكِر» بكسرها، على أنَّ فاعل الإنكار النَّبيُّ .

١٢٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال (٣) (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ)

عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ، سلمة بن دينارٍ الأعرج القاصِّ (١)، من عُبَّاد أهل المدينة وزهَّادهم (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعديِّ (: أَنَّ امْرَأَةً) قال الحافظ (٢) ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (جَاءَتِ النَّبِيَّ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا) رفعٌ بقوله: «منسوجةٍ»، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل، أي: أنَّها لم تقطع من ثوبٍ فتكون بلا حاشيةٍ، أو أنَّها جديدةٌ لم يُقطَع هدبها ولم تُلبَس بعدُ، قال سهلٌ: (أَتَدْرُونَ) بهمزة الاستفهام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «تدرون» بإسقاطها (مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ) سهلٌ: (نَعَمْ) هي، وفي تفسيرها بها (٣) تجوُّز؛ لأنَّ البردة: كساءٌ، والشَّملة: ما يُشتَمَل به، فهي أعمُّ، لكن لمَّا كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها (قَالَتْ) أي: المرأة للنَّبيِّ : (نَسَجْتُهَا) أي: البردة (بِيَدِي) حقيقةً أو مجازًا (فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) وعُرِفَ ذلك بقرينة حالٍ، أو تقدَّم قولٌ صريحٌ (فَخَرَجَ) (إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ) وفي رواية هشام بن عمَّارٍ، عن عبد العزيز، عند (٤) ابن ماجه: فخرج إلينا فيها، وعند الطَّبرانيِّ من رواية هشام بن سعدٍ، عن أبي حازمٍ: فاتَّزر بها، ثمَّ خرج (فَحَسَّنَهَا) أي: نسبها إلى الحُسن، وللمصنِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨١٠] من طريق يعقوب بن عبد الرَّحمن، عن أبي حازمٍ: فجسَّها، بالجيم من غير نونٍ (فُلَانٌ) هو عبد الرَّحمن بن عوفٍ كما في «الطَّبرانيِّ»، فيما ذكره المحبُّ الطَّبريُّ في «الأحكام» له، لكن قال صاحب «الفتح» إنَّه لم يره في «المعجم الكبير»، لا في مسند سهلٍ، ولا عبد الرَّحمن، أو هو سعد بن أبي وقَّاصٍ، أو هو (٥) أعرابيٌّ كما في «الطَّبرانيِّ» من طريق زمعة بن صالحٍ عن أبي حازمٍ، لكنَّ زمعة ضعيفٌ (فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا!) بالنَّصب على التَّعجُّب (قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) نفيٌ للإحسان (لَبِسَهَا النَّبِيُّ ) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) وفي نسخةٍ عند أبي ذَرٍّ: «محتاجٌ» بالرَّفع بتقدير: هو (ثُمَّ سَأَلْتَهُ) إيَّاها (وَعَلِمْتَ أَنَّهُ

لَا يَرُدُّ) سائلًا بل يعطيه ما يطلبه (قَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ) (لأَلْبَسَهَا) أي: لأجل أن ألبسها، وفي نسخةٍ: «لألبَسه» وهو الَّذي في الفرع وأصله (إِنَّمَا سَأَلْتُهُ) إياها (لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ) وعند «الطَّبرانيِّ» من طريق هشام بن سعدٍ: قال سهلٌ (١): فقلت للرَّجل: لِمَ سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكنِّي أردت أن أخبأها حتَّى أُكفَّن فيها، فأفاد أنَّ المعاتب له من الصَّحابة سهلُ بن سعدٍ، وفي رواية أبي غسَّان [خ¦٦٠٣٦]: فقال: رجوت بركتها حين لبسها النَّبيُّ ، وفيه التَّبرُّك بآثار الصَّالحين، وجواز إعداد الشَّيء قبل وقت الحاجة إليه، لكن قال أصحابنا: لا يُندب أن يعدَّ لنفسه كفنًا؛ لئلَّا يحاسب على اتِّخاذه، أي: لا (٢) على اكتسابه؛ لأنَّ ذلك ليس (٣) مختصًّا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأنَّ تكفينه من ماله واجبٌ، وهو يحاسب (٤) عليه بكلِّ حالٍ، إلَّا أن يكون من جهة حِلٍّ وأثرِ ذي صلاحٍ، فَحَسُن إعداده كما هنا، لكن لا يجب تكفينه فيه، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطَّيِّب وغيره، بل للوارث إبداله لأنَّه ينتقل للوارث، فلا يجب عليه ذلك، ولو أعدَّ له قبرًا يُدفن فيه فينبغي أنَّه (٥) لا يُكرَه؛ لأنَّه للاعتبار، بخلاف الكفن، قاله الزَّركشيُّ.

ورواة الحديث الأربعة مدنيُّون إلَّا عبد الله بن مسلمة، سكن البصرة، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه ابن ماجه في «اللِّباس».

(٢٩) (باب) حكم (اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزَ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «الجنازة».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْجُمْلَة استئنافية. قَوْله: (مَا نكفنه) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (مَا نكفنه بِهِ) . قَوْله: (من الاذخر) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره رَاء، قيل: هُوَ نبت بِمَكَّة. قلت: لَيْسَ بمخصوص بِمَكَّة وَيكون بِأَرْض الْحجاز طيب الرَّائِحَة ينْبت فِي السهول والحزون، وَإِذا جف ابيض، وَذكر أَبُو حنيفَة فِي (كتاب النَّبَات) : أَن لَهُ أصلا مندفنا وَله قضبان دقاق ذفر الرّيح وَهُوَ مثل الأسل، أسل الكولان، يَعْنِي الَّذِي يعْمل مِنْهُ الْحصْر إلَاّ أَنه أعرض وأصغر كعوبا، وَله ثَمَرَة كَأَنَّهَا مكاسع الْقصب إِلَّا أَنه أرق وأصغر وَله كعوب كَثِيرَة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه: أَن الثَّوْب إِذا ضَاقَ فتغطية رَأس الْمَيِّت أولى من رجلَيْهِ لِأَنَّهُ أفضل. وَفِيه: بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ صدر هَذِه الْأمة. وَفِيه: أَن الصَّبْر على مكابدة الْفقر وصعوبته من منَازِل الْأَبْرَار ودرجات الأخيار. وَفِيه: أَن الثَّوْب إِذا ضَاقَ عَن تَغْطِيَة رَأسه وعورته غطيت بذلك عَوْرَته وَجعل على سائره من الْإِذْخر، لِأَن ستر الْعَوْرَة وَاجِب فِي حَال الْحَيَاة وَالْمَوْت، وَالنَّظَر إِلَيْهَا ومباشرتها بِالْيَدِ محرم إلَاّ من حل لَهُ من الزَّوْجَيْنِ، كَذَا قَالَه الْمُهلب قلت: هَذَا عِنْد من يَقُول: إِن الْكَفَن يكون ساترا لجَمِيع الْبدن، وَإِن الْمَيِّت يصير كُله عَورَة، ومذهبنا أَن الآدم كُله مُحْتَرم حَيا وَمَيتًا، فَلَا يحل للرِّجَال غسل النِّسَاء وَلَا للنِّسَاء غسل الرِّجَال الْأَجَانِب بعد الْوَفَاة، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة: أَن الْمَيِّت يؤزر بإزار سابغ، كَمَا يَفْعَله فِي حَال حَيَاته إِذا أَرَادَ الِاغْتِسَال، وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة: يشق عَلَيْهِم غسل مَا تَحت الْإِزَار فيكتفي بستر الْعَوْرَة الغليظة بِخرقَة. وَفِي (الْبَدَائِع) تغسل عَوْرَته تَحت الْخِرْقَة بعد أَن يلف على يَدَيْهِ خرقَة وينجي عِنْد أبي حنيفَة، كَمَا كَانَ يَفْعَله فِي حَيَاته، وَعِنْدَهُمَا: لَا يُنجى. وَفِي (الْمُحِيط) و (الرَّوْضَة) : لَا يُنجى عِنْد أبي يُوسُف، وَفهم من هَذَا كُله أَن الْمَيِّت لَا يصير كُله عَورَة، وَإِنَّمَا يعْتَبر حَاله بِحَال حَيَاته، وَفِي حَال حَيَاته عَوْرَته من السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة، وَالركبَة عَورَة عندنَا، وَهَذَا هُوَ الأَصْل فِي الْمَيِّت أَيْضا، وَلَكِن يَكْتَفِي بستر الْعَوْرَة الغليظة وَهِي الْقبل والدبر تَخْفِيفًا، وَهُوَ الصَّحِيح من الْمَذْهَب، وَبِه قَالَ مَالك ذكره فِي (الْمُدَوَّنَة) .

٨٢ - (بابُ مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ فِي زَمَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من استعد الْكَفَن أَي: أعده وَلَيْسَت السِّين للطلب. قَوْله: (فَلم يُنكر عَلَيْهِ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول ويروى على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَيكون الْفَاعِل هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقيل: يرْوى: (فَلم يُنكره بهَا) ، أَي: فَلم يُنكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرجل الَّذِي طلب الْبردَة الَّتِي أهديت إِلَيْهِ، وَكَانَ طلبه إِيَّاهَا مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل أَن يُكفن فِيهَا. وَكَانَت الصَّحَابَة أَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَالَ: إِنَّمَا طلبتها لأكفن فِيهَا أعذروه فَلم ينكروا ذَلِك عَلَيْهِ. وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى تِلْكَ الْقَضِيَّة. واستفيد من ذَلِك جَوَاز تَحْصِيل مَا لَا بُد للْمَيت مِنْهُ من كفن وَنَحْوه فِي حَال حَيَاته، لِأَن أفضل مَا ينظر فِيهِ الرجل فِي الْوَقْت المهمل وفسحة الْأَجَل الِاعْتِدَاد للمعاد. وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفضل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أَكْثَرهم للْمَوْت ذكرا وَأَحْسَنهمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا) . وَقَالَ الضميري لَا يسْتَحبّ الْإِنْسَان أَن يعد لنَفسِهِ كفنا لِئَلَّا يُحَاسب عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيح إلَاّ إِذا كَانَ من جِهَة يقطع بحلها أَو من أثر أهل الْخَيْر والصلحاء، فَإِنَّهُ حسن، وَهل يلْحق بذلك حفر الْقَبْر فِي حَيَاته؟ فَقَالَ ابْن بطال: قد حفر جمَاعَة من الصَّالِحين قُبُورهم قبل الْمَوْت بِأَيْدِيهِم ليتمثلوا حُلُول الْمَوْت فِيهِ، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن ذَلِك لم يَقع من أحد من الصَّحَابَة، وَلَو كَانَ مُسْتَحبا لكثر فيهم. قلت: لَا يلْزم من عدم وُقُوعه من أحد من الصَّحَابَة عدم جَوَازه، لِأَن مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن، وَلَا سِيمَا إِذا فعله قوم من الصلحاء الأخيار.

٧٧٢١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ عنْ أبِيِهِ عنْ سَهْلِهٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ النبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حاشِيَتُهَا أتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ قالُوا الشَّمْلَةُ قَالَ نَعَمْ قالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لأِكْسُوكَهَا فأخَذَها النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاجا إلَيْهَا فَخَرَجَ إلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلانٌ فقالَ اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا قَالَ القَوْمُ مَا أحْسَنْتَ لَبِسَهَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاجا إلَيْهَا ثُمَّ

سَألْتُهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لَا يَرُدُّ. قَالَ إنِّي وَالله مَا سألْتُهُ لأِلْبِسَهَا إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ فكانَتْ كفَنَهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الرجل الَّذِي سَأَلَ تِلْكَ الْبردَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أنْكرت الصَّحَابَة عَلَيْهِ سُؤَاله قَالَ: سَأَلته لتَكون تِلْكَ الْبردَة كفني، فَأعْطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاهَا، واستعدها ليكفن فِيهَا، فَكفن فِيهَا. وَأخْبر بذلك سهل حَيْثُ قَالَ: فَكَانَت كَفنه.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم. الثَّالِث: أَبوهُ أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج القَاضِي من عباد أهل الْمَدِينَة وزهادهم. الرَّابِع: سهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون، غير أَن عبد الله بن مسلمة سكن الْبَصْرَة وَهُوَ من رباعيات البُخَارِيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي اللبَاس عَن هِشَام بن عمار بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن امْرَأَة) ، لم يعرف اسْمهَا. قَوْله: (بِبُرْدَةٍ) ، هِيَ: كسَاء كَانَت الْعَرَب تلتحف بِهِ فِيهِ خطوط، وَيجمع على: برد، كغرفة وغرف. وَقَالَ ابْن قرقول: هِيَ النمرة. قَوْله: (حاشيتها) ، مَرْفُوع بقوله: (منسوجة) وَاسم الْمَفْعُول يعْمل عمل فعله كاسم الْفَاعِل، قَالَه الدَّاودِيّ: يَعْنِي أَنَّهَا لم تقطع من ثوب فَتكون بِلَا حَاشِيَة، وَقيل: حَاشِيَة الثَّوْب هدبه، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا جَدِيدَة لم تقطع هدبها، وَلم تلبس بعد. وَقَالَ الْقَزاز: حاشيتا الثَّوْب ناحيتاه اللَّتَان فِي طرفيهما الهدب قَالَ. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْحَاشِيَة وَاحِدَة حَوَاشِي الثَّوْب، وَهِي جوانبه. قَوْله: (تَدْرُونَ) ، ويروى: (أَتَدْرُونَ؟) ، بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام. ويروى: (هَل تَدْرُونَ؟) ، وعَلى كل حَال هَذِه الْجُمْلَة قَول سُهَيْل بن سعد، بَينه أَبُو غَسَّان عَن أبي حَازِم، كَمَا أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب. وَلَفظه: (فَقَالَ سهل للْقَوْم: أَتَدْرُونَ مَا الْبردَة؟ قَالُوا: الشملة) . انْتهى. والشملة، كسَاء يشْتَمل بِهِ، وَهِي أَعم لَكِن لما كَانَ أَكثر اشتمالهم بهَا اطلقوا عَلَيْهَا اسْمهَا. قَوْله: (تَدْرُونَ) إِلَى قَوْله: (قَالَت: نسجتها) جمل مُعْتَرضَة فِي كَلَام الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة. قَوْله: (فَأَخذهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاجا إِلَيْهَا) أَي: حَال كَونه مُحْتَاجا إِلَى تِلْكَ الْبردَة. ويروى: (مُحْتَاج إِلَيْهَا) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ، مَحْذُوف أَي: أَخذهَا وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا وَإِن شِئْت تَقول: وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا، وَقد علم أَن الْجُمْلَة الإسمية إِذا وَقعت حَالا يجوز فِيهَا الْأَمْرَانِ: الْوَاو وَتركهَا. فَإِن قلت: من أَيْن عرفُوا احْتِيَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ذَلِك؟ قلت: يُمكن أَن يكون ذَلِك بِصَرِيح القَوْل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو بِقَرِينَة حَالية دلّت على ذَلِك قَوْله: (فَخرج إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إزَاره) أَي: فَخرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْنَا وَإِن الْبردَة الْمَذْكُورَة إزَاره: يَعْنِي متزرا بهَا، يدل على ذَلِك رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن هِشَام بن سعد عَن أبي حَازِم: (فاتزر بهَا ثمَّ خرج) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: عَن هِشَام بن عمار عَن عبد الْعَزِيز: (فَخرج إِلَيْنَا فِيهَا) . قَوْله: (فحسنها فلَان) أَي: نَسَبهَا إِلَى الْحسن، وَهُوَ ماضٍ من التحسين فِي الرِّوَايَات كلهَا. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي اللبَاس من طَرِيق يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي حَازِم: (فجسها) بِالْجِيم وَتَشْديد السِّين بِغَيْر نون، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن ابْن أبي حَازِم، وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: فلَان، هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَفِي الطَّبَرَانِيّ: عَن قُتَيْبَة هُوَ سعد بن أبي وَقاص. وَقد أخرج البُخَارِيّ فِي اللبَاس وَالنَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن قُتَيْبَة، وَلم يذكرَا ذَلِك عَنهُ. وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (فجَاء فلَان ابْن فلَان، رجل سَمَّاهُ يَوْمئِذٍ) وَهَذَا يدل على أَن الرَّاوِي سَمَّاهُ وَنسبه، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للطبراني أَن السَّائِل الْمَذْكُور أَعْرَابِي، وَلَكِن فِي سَنَده: زَمعَة بن صَالح، وَهُوَ ضَعِيف. قَوْله: (مَا أحْسنهَا!) كلمة مَا هُنَا للتعجب، وَهُوَ بِنصب النُّون، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (فَقَالَ: يَا رَسُول الله، مَا أحسن هَذِه الْبردَة أكسنيها. قَالَ: نعم، فَلَمَّا دخل طواها وَأرْسل بهَا إِلَيْهِ) . قَوْله: (مَا أَحْسَنت) كلمة: مَا، هُنَا نَافِيَة. قَوْله: (لبسهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاجا إِلَيْهَا) أَي: لبس الْبردَة الْمَذْكُورَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَال كَونه مُحْتَاجا إِلَيْهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (وَالله مَا أَحْسَنت كساها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحْتَاج إِلَيْهَا) . أَي: وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا. قَوْله: (أَنه لَا يرد) أَي: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يرد سَائِلًا، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه بتصريح الْمَفْعُول، وَنَحْوه وَقع فِي رِوَايَة يَعْقُوب فِي الْبيُوع، وَفِي رِوَايَة أبي غَسَّان فِي الْأَدَب: (لَا يسْأَل شَيْء

فيمنعه) ، أَي: يُعْطي، كل من طلب مَا يَطْلُبهُ. قَوْله: (مَا سَأَلته لألبسها) أَي: مَا سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل أَن ألبسها، وَأَن الْمقدرَة مَصْدَرِيَّة. وَفِي رِوَايَة أبي غَسَّان: (فَقَالَ: رَجَوْت بركتها حِين لبسهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَفِي رِوَايَة للطبراني عَن زَمعَة بن صَالح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يصنع لَهُ غَيرهَا، فَمَاتَ قبل أَن تفرغ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: حسن خلق النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وسعة جوده وقبوله الْهَدِيَّة. قَالَ الْمُهلب: وَفِيه: جَوَاز ترك مُكَافَأَة الْفَقِير على هديته. وَفِيه نظر، لِأَن الْمُكَافَأَة كَانَت عَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستمرة، فَلَا يلْزم من السُّكُوت عَنْهَا هُنَا أَن لَا يكون فعلهَا، على أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث الْجَزْم يكون ذَلِك هَدِيَّة لاحْتِمَال عرضهَا إِيَّاهَا عَلَيْهِ لأجل الشِّرَاء، وَلَئِن سلمنَا أَنَّهَا كَانَت هَدِيَّة فَلَا يلْزم أَن تكون الْمُكَافَأَة على الْفَوْر. قَالَ: وَفِيه: جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْقَرَائِن، وَلَو تجردت لقَولهم: (فَأَخذهَا مُحْتَاجا إِلَيْهَا) وَفِيه نظر أَيْضا لاحْتِمَال سبق القَوْل مِنْهُ بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ قَالَ وَفِيه التَّرْغِيب فِي الْمَصْنُوع بِالنِّسْبَةِ إِلَى صانعة إِذا كَانَ ماهراً وَفِيه نظر أَيْضا لاحْتِمَال إرادتها بنسبتها إِلَيْهِ إِزَالَة مَا يخْشَى من التَّدْلِيس. وَفِيه: جَوَاز اسْتِحْسَان الْإِنْسَان مَا يرَاهُ على غَيره من الملابس، إِمَّا ليعرفه قدرهَا، وَإِمَّا ليعرض لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يسوغ لَهُ ذَلِك. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الْإِنْكَار عِنْد مُخَالفَة الْأَدَب ظَاهرا، وَإِن لم يبلغ الْمُنكر دَرَجَة التَّحْرِيم. وَفِيه: التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين. وَفِيه: جَوَاز إعداد الشَّيْء قبل وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ كَمَا قد ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: جَوَاز الْمَسْأَلَة بِالْمَعْرُوفِ. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يرد سَائِلًا. وَفِيه: بركَة مَا لبسه مِمَّا يَلِي جسده. وَفِيه: قبُول السُّلْطَان الْهَدِيَّة من الْفَقِير. وَفِيه: جَوَاز السُّؤَال من السُّلْطَان. وَفِيه: مَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يُعْطي حَتَّى لَا يجد شَيْئا فَيدْخل بذلك فِي جملَة المؤثرين على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة.

٩٢ - (بابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز، وَلم يبين كَيْفيَّة الحكم: هَل هُوَ جَائِز أَو غير جَائِز أَو مَكْرُوه؟ لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، لِأَن قَول أم عَطِيَّة يحْتَمل أَن يكون نهي تَحْرِيم، وَيحْتَمل أَن يكون نهي تَنْزِيه، على أَن ظَاهر قَول أم عَطِيَّة: وَلم يعزم علينا، يَقْتَضِي أَن يكون النَّهْي نهي تَنْزِيه، وَقد ورد فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث تدل على الْجَوَاز، فلأجل هَذَا الِاخْتِلَاف أطلق البُخَارِيّ التَّرْجَمَة وَلم يقيدها بِحكم. وَفِي بعض النّسخ: بَاب اتِّبَاع النِّسَاء الْجِنَازَة.

٨٧٢١ - حدَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ خالِدٍ عنْ أُمِّ الهُذَيْلِ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ نُهِينَا عنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه بَين مَا أبهمه البُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة فِي إِطْلَاق الحكم بِأَنَّهُ مَنْهِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأم الْهُذيْل هِيَ: حَفْصَة بنت سِيرِين، وَأم عَطِيَّة هِيَ نسيبة. وَقد تقدم كل الروَاة. وَتقدم الحَدِيث أَيْضا فِي: بَاب الطّيب للْمَرْأَة عِنْد غسلهَا من الْمَحِيض، فِي كتاب الْحيض، من طَرِيق أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة مطولا، وَفِيه: (وَكُنَّا ننهى عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز) . وَرَوَاهُ هِشَام بن حسان أَيْضا عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة يزِيد ابْن أبي حَكِيم عَن الثَّوْريّ بِإِسْنَاد هَذَا الْبَاب، وَلَفظه: (نَهَانَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لم يسم الناهي فِيهِ؟ قلت: الَّذِي أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ يرد مَا قيل فِيهِ من ذَلِك، وَهَذَا الْبَاب مُخْتَلف فِيهِ، فالجمهور على أَن كل مَا ورد بِهَذِهِ الصِّيغَة حكمه حكم الْمَرْفُوع، وروى الطَّبَرَانِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة عَن جدته أم عَطِيَّة، قَالَت: (لما دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة جمع النِّسَاء فِي بَيت ثمَّ بعث إِلَيْنَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُول رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إلَيْكُنَّ، بَعَثَنِي لأبايعكن على أَن لَا تسرقن. .) الحَدِيث، وَفِي آخِره: (وأمرنا أَن نخرج فِي الْعِيد الْعَوَاتِق، ونهانا أَن نخرج فِي جَنَازَة) . وَهَذَا يدل على أَن حَدِيث الْبَاب مُرْسل. قَوْله: (وَلم يعزم علينا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لم يُوجب وَلم يفْرض أَو لم يشدد وَلم يُؤَكد علينا فِي الْمَنْع، كَمَا أكد علينا فِي غَيره من المنهيات، فَكَانَ الْمَعْنى: أَنَّهَا قَالَت: كره لنا اتِّبَاع الْجَنَائِز من غير تَحْرِيم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن النَّهْي للتنزيه، وَبِه قَالَ جُمْهُور أهل الْعلم، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 77%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله