«لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ، ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٤١

الحديث رقم ١٣٤١ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بناء المسجد على القبر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما اشتكى النبي ﷺ، ذكرت بعض نسائه كنيسة…

«لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ، ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا

⦗٩١⦘

أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: أولَئِكَِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ، أولَئِكَِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ.»

سند حديث: ١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ…

١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لما اشتكى النبي ﷺ، ذكرت بعض نسائه كنيسة…

ذَكَرَتْ أُمُّ المؤمنين أُمُّ سَلَمَة رضي الله عنها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أنها لمَّا كانت بأرض الحَبَشة رأتْ كَنِيسة -يُقال لها مَارِيَة- فيها صورٌ وزَخارِفُ وتصاويرُ؛ تَعَجُّبًّا من ذلك!
فبَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أسباب وضع هذه الصور؛
فقال: إن هؤلاء الذين تذكرين كانوا إذا مات فيهم الرجلُ الصالحُ بَنَوا على قبره مَسجدًا يُصَلُّون فيه، وصَوَّرُوا تلك الصور،
وبَيَّنَ أنَّ فاعلَ ذلك شَرُّ الخلقِ عند الله تعالى؛ لأنَّ فِعلَه يؤدِّي إلى الشرك بالله تعالى.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تحريم بناء المساجد على القُبور، أو الصلاة عندها، أو دَفن الموتى في المساجد؛ سَدَّا لذَريعة الشِّرك.
  • بناء المساجد على القُبور، ونَصب الصُّور فيها، هو عمل اليَّهود والنَّصارى، وأنَّ من فعل هذا، فقد شَابَهَهم.
  • تحريم اتخاذ الصُّور لذَوَات الأرواح.
  • مَن بَنى مسجدًا على قَبر وصَوَّر فيه التصاوير، فهو مِن شَرِّ خَلْقِ الله تعالى.
  • حِماية الشَّريعة لجَنَاب التوحيد حماية كاملة، بسد جميع الوسائل التي قد تُؤدي إلى الشِّرك.
  • النهي عن الغلو في الصالحين؛ لأنه سببٌ للوقوع في الشرك.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لما اشتكى النبي ﷺ، ذكرت بعض نسائه كنيسة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ النَّبِيَّ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ وَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ. وَقَالَ: إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ بِسَبَبِ تَحْسِينِ الْكَفَنِ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَضْبُوطٌ بِكَسْرِ اللَّامِ؛ أَيِ النَّبِيُّ ، فَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنْ رُجِيَ بِتَأْخِيرِ الْمَيِّتِ إِلَى الصَّبَاحِ صَلَاةُ مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ عَلَيْهِ اسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَبِهِ جَزَمَ الطَّحَاوِيُّ.

وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ لِلْجَوَازِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ دَفْنَهُمْ إِيَّاهُ بِاللَّيْلِ، بَلْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ إِعْلَامِهِمْ بِأَمْرِهِ. وَأُيِّدَ ذَلِكَ بِمَا صَنَعَ الصَّحَابَةُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ عَلَى الْجَوَازِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي بَكْرٍ، فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ فِي بَابِ مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دُفِنَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا. وَمِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ: أَنَّ عُمَرَ دَفَنَ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. وَصَحَّ أَنَّ عَلِيًّا دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ.

٧٠ - بَاب بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ

١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ. أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي لَعْنِ مَنْ بَنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّهُ قَصَدَ بِالتَّرْجَمَةِ الْأُولَى اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ فِي الْمَقْبَرَةِ لِأَجْلِ الْقُبُورِ بِحَيْثُ لَوْلَا تَجَدُّدُ الْقَبْرِ مَا اتُّخِذَ الْمَسْجِدُ. وَيُؤَيِّدُهُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي الْمَقْبَرَةِ عَلَى حِدَتِهِ؛ لِئَلَّا يُحْتَاجُ إِلَى الصَّلَاةِ فَيُوجَدُ مَكَانٌ يُصَلَّى فِيهِ سِوَى الْمَقْبَرَةِ، فَلِذَلِكَ نَحَا بِهِ مَنْحَى الْجَوَازِ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ حَالَ خَشْيَةِ أَنْ يُصْنَعَ بِالْقَبْرِ كَمَا صَنَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لُعِنُوا، وَأَمَّا إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ فَلَا امْتِنَاعَ، قَدْ يَقُولُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مَنْ يَرَى سَدَّ الذَّرِيعَةِ، وَهُوَ هُنَا مُتَّجَهٌ قَوِيٌّ (١).

٧١ - بَاب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ

١٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ - فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ؛ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا، فَقَبَرَهَا. قَالَ ابْنُ مُبَارَكٍ: قَالَ فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لِيَقْتَرِفُوا، أَيْ: لِيَكْتَسِبُوا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الشَّيخين. نعم يُستحَبُّ الدَّفن نهارًا؛ لسهولة الاجتماع والوضع في القبر، لكن إن خُشِيَ تغيُّره فلا يُستَحبُّ تأخيره ليدفن نهارًا، قال الأذرعيُّ وغيره: بل ينبغي وجوب المبادرة به (١)، وأمَّا حديث مسلمٍ: «زجر النَّبيُّ أن يُقبَر الرَّجل باللَّيل حتَّى يُصلَّى عليه إلَّا أن يُضطرَّ إنسانٌ إلى ذلك»، فالنَّهي فيه إنَّما هو عن دفنه قبل الصَّلاة عليه.

(٧٠) (باب بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القَبْرِ) وفي نسخةٍ: «المسجد» بالإفراد، وهو الَّذي في أحد فروع «اليونينيَّة» (٢).

١٣٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) (٣) الإمام الأعظم (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ) أي: مرض مرضه الَّذي مات فيه (ذَكَرَتْ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ذكر» (بَعْضُ نِسَائِهِ) هما: أمُّ سلمة وأمُّ حبيبة، كما سيأتي (كَنِيسَةً) بفتح الكاف، معبد النَّصارى (رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ) بنون الجمع في (٤) «رأينها» على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو معهما غيرهما من النِّسوة (يُقَالُ لَهَا) أي: للكنيسة: (مَارِيَةُ) بكسر الرَّاء وتخفيف المثنَّاة التَّحتيَّة، علَمٌ للكنيسة (وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، أمُّ المؤمنين هند بنت أبي أميَّة المخزوميَّة (وَأُمُّ حَبِيبَةَ) بفتح الحاء، أمُّ المؤمنين أيضًا رملة بنت أبي سفيان (، أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا) بلفظ التَّثنية للمؤنَّث من الماضي

(مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ) رسول الله (رَأْسَهُ فَقَالَ: أُولَئِكَِ) بكسر الكاف، ويجوز فتحها (إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ) وفي نسخةٍ: «فيهم» (الرَّجُلُ الصَّالِحُ) وجواب «إذا» قوله: (بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ) أي: في المسجد (تِلْكَ الصُّورَةَ) الَّتي مات صاحبها، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (١) «تلك الصُّور» بالجمع، قال القرطبيُّ: وإنَّما صوَّر أوائلُهم الصُّور ليتأنسوا بها، ويتذكَّروا أفعالهم الصَّالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثمَّ خلفهم قومٌ جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشَّيطان أنَّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصُّور ويُعظِّمونها، فحذَّر النَّبيُّ عن مثل ذلك، سدًّا للذَّريعة المؤدِّية إلى ذلك بقوله: (أُولَئِكَِ) بكسر الكاف وفتحها، ولأبي ذَرٍّ: «وأولئك» (شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ) وموضع التَّرجمة قوله: «بنوا على قبره مسجدًا» وهو مؤوَّلٌ على مذمَّة (٢) من اتَّخذ القبر مسجدًا، ومقتضاه التَّحريم، لا سيَّما وقد ثبت اللَّعن عليه، لكن صرَّح الشَّافعيُّ وأصحابه بالكراهة، وقال البندنيجيُّ: المراد أن يُسوَّى القبر مسجدًا، فيصلَّى فيه، وقال: إنَّه يُكرَه أن يُبنى عنده مسجدٌ (٣) فيصلَّى فيه إلى القبر، وأمَّا المقبرة الدَّائرة إذا بُنِيَ فيها مسجدٌ ليُصلَّى فيه، فلم أَرَ فيه (٤) بأسًا؛ لأنَّ المقابر وقفٌ وكذا المساجد (٥)، فمعناهما واحدٌ، قال البيضاويُّ: لمَّا كانت اليهود والنَّصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجَّهون في الصَّلاة نحوها، واتَّخذوها أوثانًا؛ لعنهم النَّبيُّ ومنع المسلمين عن فعل (٦) ذلك، فأمَّا من اتَّخذ مسجدًا في جوار صالحٍ، وقصد التَّبرُّك بالقرب منه لا لقصد التعظيم (٧) ولا للتَّوجُّه إليه؛ فلا يدخل في الوعيد المذكور، وقد ترجم المؤلِّف قبل ثمانية أبوابٍ «باب (٨) ما يُكرَه من اتِّخاذ المساجد على القبور» [خ¦١٣٣٠] ويحتاج إلى الفرق بين التَّرجمتين، فقال ابن رُشَيدٍ:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ثَابت: فَإِن صَلَاتي عَلَيْهِم رَحْمَة، وَلِأَن صلَاته عَلَيْهِم نور فِي قُبُورهم. وَذكر فِيهِ وَجها آخر، وَهُوَ مَا ذكره عَن الْحسن: أَن قوما كَانُوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم لَيْلًا، فَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك، وَقَالَ أَيْضا: وَقد فعل ذَلِك برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدفن بِاللَّيْلِ، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: دفن عَليّ بن أبي طَالب فَاطِمَة لَيْلًا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: دفن أَبُو بكر لَيْلًا.

وَدُفِنَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَيْلاً

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز فِي: بَاب موت يَوْم الْإِثْنَيْنِ، من حَدِيث عَائِشَة، وَفِيه: (دفن أَبُو بكر قبل أَن يصبح) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن الْوَلِيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (دفن أَبُو بكر لَيْلًا، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد عَن ابْن السباق أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دفن أَبَا بكر لَيْلًا، ثمَّ دخل الْمَسْجِد فأوتر.

٠٤٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى رَجُلٍ بَعْدَما دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قامَ هُوَ وَأصْحَابُهُ وكانَ سَألَ عَنْهُ فقالَ مَنْ هاذا فَقَالُوا فُلانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ فَصَلُّوا عَلَيهِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهُم لما قَالُوا: دفن البارحة، لم يُنكر عَلَيْهِم، فَدلَّ ذَلِك على عدم كَرَاهَة دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب الصَّلَاة على الْقَبْر بَعْدَمَا يدْفن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. والشيباني: هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل.

قَوْله: (قَامَ) ، ويروى: (فَقَامَ) ، قَوْله: (فصلوا) ، على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي: أَي صلى الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه عَلَيْهِ، وَلَا يُقَال: هَذَا تكْرَار لقَوْله صلى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن ذَلِك مُجمل وَهَذَا تَفْصِيل لأحواله، فَافْهَم وتيقظ.

٠٧ - (بابُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان منع بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على هَذَا.

١٤٣١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأيْنَهَا بِأرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حَبِيبَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أتَتَا أرْضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرفع رَأسه فَقَالَ أُولَئِكَ إِذا مان مِنْهُم الرجل الصَّالح بنوا على قَبره مَسْجِدا ثمَّ صوروا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بنوا على قَبره مَسْجِدا. .) إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الصَّلَاة فِي الْبيعَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا عَبدة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض، ومارية، بِكَسْر الرَّاء: علم للكنيسة. قَوْله: (تِلْكَ) .

١٧ - (بابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من يدْخل قبر الْمَرْأَة لأجل إلحادها.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّ النَّبِيَّ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ وَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ. وَقَالَ: إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ بِسَبَبِ تَحْسِينِ الْكَفَنِ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَضْبُوطٌ بِكَسْرِ اللَّامِ؛ أَيِ النَّبِيُّ ، فَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنْ رُجِيَ بِتَأْخِيرِ الْمَيِّتِ إِلَى الصَّبَاحِ صَلَاةُ مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ عَلَيْهِ اسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَبِهِ جَزَمَ الطَّحَاوِيُّ.

وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ لِلْجَوَازِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ دَفْنَهُمْ إِيَّاهُ بِاللَّيْلِ، بَلْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ إِعْلَامِهِمْ بِأَمْرِهِ. وَأُيِّدَ ذَلِكَ بِمَا صَنَعَ الصَّحَابَةُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ عَلَى الْجَوَازِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي بَكْرٍ، فَوَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ فِي بَابِ مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دُفِنَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا. وَمِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ: أَنَّ عُمَرَ دَفَنَ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. وَصَحَّ أَنَّ عَلِيًّا دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ.

٧٠ - بَاب بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ

١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ. أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي لَعْنِ مَنْ بَنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّهُ قَصَدَ بِالتَّرْجَمَةِ الْأُولَى اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ فِي الْمَقْبَرَةِ لِأَجْلِ الْقُبُورِ بِحَيْثُ لَوْلَا تَجَدُّدُ الْقَبْرِ مَا اتُّخِذَ الْمَسْجِدُ. وَيُؤَيِّدُهُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي الْمَقْبَرَةِ عَلَى حِدَتِهِ؛ لِئَلَّا يُحْتَاجُ إِلَى الصَّلَاةِ فَيُوجَدُ مَكَانٌ يُصَلَّى فِيهِ سِوَى الْمَقْبَرَةِ، فَلِذَلِكَ نَحَا بِهِ مَنْحَى الْجَوَازِ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ حَالَ خَشْيَةِ أَنْ يُصْنَعَ بِالْقَبْرِ كَمَا صَنَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لُعِنُوا، وَأَمَّا إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ فَلَا امْتِنَاعَ، قَدْ يَقُولُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مَنْ يَرَى سَدَّ الذَّرِيعَةِ، وَهُوَ هُنَا مُتَّجَهٌ قَوِيٌّ (١).

٧١ - بَاب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ

١٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ - فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ؛ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا، فَقَبَرَهَا. قَالَ ابْنُ مُبَارَكٍ: قَالَ فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لِيَقْتَرِفُوا، أَيْ: لِيَكْتَسِبُوا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الشَّيخين. نعم يُستحَبُّ الدَّفن نهارًا؛ لسهولة الاجتماع والوضع في القبر، لكن إن خُشِيَ تغيُّره فلا يُستَحبُّ تأخيره ليدفن نهارًا، قال الأذرعيُّ وغيره: بل ينبغي وجوب المبادرة به (١)، وأمَّا حديث مسلمٍ: «زجر النَّبيُّ أن يُقبَر الرَّجل باللَّيل حتَّى يُصلَّى عليه إلَّا أن يُضطرَّ إنسانٌ إلى ذلك»، فالنَّهي فيه إنَّما هو عن دفنه قبل الصَّلاة عليه.

(٧٠) (باب بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القَبْرِ) وفي نسخةٍ: «المسجد» بالإفراد، وهو الَّذي في أحد فروع «اليونينيَّة» (٢).

١٣٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) (٣) الإمام الأعظم (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ) أي: مرض مرضه الَّذي مات فيه (ذَكَرَتْ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ذكر» (بَعْضُ نِسَائِهِ) هما: أمُّ سلمة وأمُّ حبيبة، كما سيأتي (كَنِيسَةً) بفتح الكاف، معبد النَّصارى (رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ) بنون الجمع في (٤) «رأينها» على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو معهما غيرهما من النِّسوة (يُقَالُ لَهَا) أي: للكنيسة: (مَارِيَةُ) بكسر الرَّاء وتخفيف المثنَّاة التَّحتيَّة، علَمٌ للكنيسة (وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، أمُّ المؤمنين هند بنت أبي أميَّة المخزوميَّة (وَأُمُّ حَبِيبَةَ) بفتح الحاء، أمُّ المؤمنين أيضًا رملة بنت أبي سفيان (، أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا) بلفظ التَّثنية للمؤنَّث من الماضي

(مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ) رسول الله (رَأْسَهُ فَقَالَ: أُولَئِكَِ) بكسر الكاف، ويجوز فتحها (إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ) وفي نسخةٍ: «فيهم» (الرَّجُلُ الصَّالِحُ) وجواب «إذا» قوله: (بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ) أي: في المسجد (تِلْكَ الصُّورَةَ) الَّتي مات صاحبها، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (١) «تلك الصُّور» بالجمع، قال القرطبيُّ: وإنَّما صوَّر أوائلُهم الصُّور ليتأنسوا بها، ويتذكَّروا أفعالهم الصَّالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثمَّ خلفهم قومٌ جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشَّيطان أنَّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصُّور ويُعظِّمونها، فحذَّر النَّبيُّ عن مثل ذلك، سدًّا للذَّريعة المؤدِّية إلى ذلك بقوله: (أُولَئِكَِ) بكسر الكاف وفتحها، ولأبي ذَرٍّ: «وأولئك» (شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ) وموضع التَّرجمة قوله: «بنوا على قبره مسجدًا» وهو مؤوَّلٌ على مذمَّة (٢) من اتَّخذ القبر مسجدًا، ومقتضاه التَّحريم، لا سيَّما وقد ثبت اللَّعن عليه، لكن صرَّح الشَّافعيُّ وأصحابه بالكراهة، وقال البندنيجيُّ: المراد أن يُسوَّى القبر مسجدًا، فيصلَّى فيه، وقال: إنَّه يُكرَه أن يُبنى عنده مسجدٌ (٣) فيصلَّى فيه إلى القبر، وأمَّا المقبرة الدَّائرة إذا بُنِيَ فيها مسجدٌ ليُصلَّى فيه، فلم أَرَ فيه (٤) بأسًا؛ لأنَّ المقابر وقفٌ وكذا المساجد (٥)، فمعناهما واحدٌ، قال البيضاويُّ: لمَّا كانت اليهود والنَّصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجَّهون في الصَّلاة نحوها، واتَّخذوها أوثانًا؛ لعنهم النَّبيُّ ومنع المسلمين عن فعل (٦) ذلك، فأمَّا من اتَّخذ مسجدًا في جوار صالحٍ، وقصد التَّبرُّك بالقرب منه لا لقصد التعظيم (٧) ولا للتَّوجُّه إليه؛ فلا يدخل في الوعيد المذكور، وقد ترجم المؤلِّف قبل ثمانية أبوابٍ «باب (٨) ما يُكرَه من اتِّخاذ المساجد على القبور» [خ¦١٣٣٠] ويحتاج إلى الفرق بين التَّرجمتين، فقال ابن رُشَيدٍ:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ثَابت: فَإِن صَلَاتي عَلَيْهِم رَحْمَة، وَلِأَن صلَاته عَلَيْهِم نور فِي قُبُورهم. وَذكر فِيهِ وَجها آخر، وَهُوَ مَا ذكره عَن الْحسن: أَن قوما كَانُوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم لَيْلًا، فَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك، وَقَالَ أَيْضا: وَقد فعل ذَلِك برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدفن بِاللَّيْلِ، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: دفن عَليّ بن أبي طَالب فَاطِمَة لَيْلًا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: دفن أَبُو بكر لَيْلًا.

وَدُفِنَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَيْلاً

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر الْجَنَائِز فِي: بَاب موت يَوْم الْإِثْنَيْنِ، من حَدِيث عَائِشَة، وَفِيه: (دفن أَبُو بكر قبل أَن يصبح) ، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن إِسْمَاعِيل بن علية عَن الْوَلِيد عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (دفن أَبُو بكر لَيْلًا، قَالَ: وَحدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد عَن ابْن السباق أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دفن أَبَا بكر لَيْلًا، ثمَّ دخل الْمَسْجِد فأوتر.

٠٤٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى رَجُلٍ بَعْدَما دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قامَ هُوَ وَأصْحَابُهُ وكانَ سَألَ عَنْهُ فقالَ مَنْ هاذا فَقَالُوا فُلانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ فَصَلُّوا عَلَيهِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهُم لما قَالُوا: دفن البارحة، لم يُنكر عَلَيْهِم، فَدلَّ ذَلِك على عدم كَرَاهَة دفن الْمَيِّت بِاللَّيْلِ، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب سنة الصَّلَاة على الْجِنَازَة، وَفِي: بَاب الصَّلَاة على الْقَبْر بَعْدَمَا يدْفن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. والشيباني: هُوَ سُلَيْمَان، وَالشعْبِيّ: هُوَ عَامر بن شرَاحِيل.

قَوْله: (قَامَ) ، ويروى: (فَقَامَ) ، قَوْله: (فصلوا) ، على صِيغَة الْجمع من الْمَاضِي: أَي صلى الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه عَلَيْهِ، وَلَا يُقَال: هَذَا تكْرَار لقَوْله صلى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن ذَلِك مُجمل وَهَذَا تَفْصِيل لأحواله، فَافْهَم وتيقظ.

٠٧ - (بابُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان منع بِنَاء الْمَسْجِد على الْقَبْر، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَن حَدِيث الْبَاب يدل على هَذَا.

١٤٣١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأيْنَهَا بِأرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حَبِيبَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أتَتَا أرْضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرفع رَأسه فَقَالَ أُولَئِكَ إِذا مان مِنْهُم الرجل الصَّالح بنوا على قَبره مَسْجِدا ثمَّ صوروا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بنوا على قَبره مَسْجِدا. .) إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الصَّلَاة فِي الْبيعَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا عَبدة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض، ومارية، بِكَسْر الرَّاء: علم للكنيسة. قَوْله: (تِلْكَ) .

١٧ - (بابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من يدْخل قبر الْمَرْأَة لأجل إلحادها.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله