«قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٥٠

الحديث رقم ١٦٥٠ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين…

«قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، قَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي.»

سند حديث: ١٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

١٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين…

معنى حديث عائشة رضي الله عنها : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نَذْكُرُ إلا الحج".
أي: من المدينة وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم السَبت لخمس ليالٍ بَقَيْنَ من ذي القِعدة بعد أن صلى بها الظهر أربع ركعات، ثم سَار إلى ذي الحليفة فَصَلى بها العصر ركعتين.
"لا نَذْكُرُ إلا الحج".
وفي رواية :"لا نَرَى إلا الحج". لكن جاء عنها في حديث آخر صحيح: "فمنَّا من أهَلَّ بِعمرة، ومنَّا من أهَلَّ بحج، وكنت ممن أَهَلَّ بِعمرة"، وعلى هذا يكون قولها رضي الله عنها : "لا نَذْكر إلا الحج"، وقولها: "لا نَرى إلا الحج" لا يخلو من الأحوال التالية:
الحال الأولى: تريد بذلك فريضة الحج من حيث الأصل، لا بيان نوع النُّسك الذي أحرموا به.
الحال الثانية: تريد بذلك عند خروجهم وقبل وصولهم إلى الميقات، والدخول في الإحرام.
الحال الثالثة : تريد بذلك حال غيرها من الصحابة، ولم تقصد نفسها.
"حتى جِئْنَا سَرِف".
يعني: حتى وصلوا موضِعا يُقال له: "سَرِفُ"، وهو مَوضع قريب من مكة.
"فَطَمِثْتُ" يعني: حاضت رضي الله عنها .
"فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبْكِي، فقال: «ما يُبْكِيك؟» فقلت: والله، لوَدِدْتُ أنَّي لم أكُن خرجت العَام".
لما حصل معها ما حصل بَكَت رضي الله عنها وتَمَنَّت أنها لم تحج معهم هذه السَّنة؛ ظنا منها أنها لما حاضت قد تنقطع عن أعمال الحج، ويفوتها بذلك الخير.
" قال: «ما لك؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟»".
أي: حِضْت .
" قلت: نعم، قال: «هذا شيء كَتَبه الله على بَنَات آدم»".
أي: أن الحيض أمْر مُقَدَّر ومكتوب على بنات آدم، فليس خاصًا بك وليس بيدك؛ فلا داعي للبكاء.
"افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري".
فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحيض لا يمنعها من المضي في نسكها، ولا يُخِلُّ بإحرامها، وأنها تفعل ما يفعله الحاج: من الوقوف بعرفة ومنى ومزدلفة ورمي الجماروسائر أفعال الحج غير الطواف، فإنها تمتنع منه حتى تَطْهر من حيضها وتغتسل.
"قالت: فلمَّا قَدمت مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «اجْعَلُوها عُمرة»".
تعني لما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أمَر من لم يسوقوا الهدي أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فمن أحرم بالحج ولم يكن ساق الهدي فإنه يَقْلب إحرامه بالحج عمرة، فيطوف ويسعى ويقصر، ثم هو قد حَلَّ من إحرامه، وفي رواية أخرى لمسلم: "فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَحِلَّ منَّا من لم يكن معه هدى، قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: "الحِلُّ كُلُّه".
"قالت: فأحَلَّ الناس إلا من كان معه الهَدْي، قالت: فكان الهَدْي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذَوِي اليَسَارَة".
تعني أن من لم يكن معه الهدي حلُّوا من إحرامهم بعد أن طافوا وسعوا وقصروا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن ساق الهدي ممن وسَّعَ الله عليهم بقوا على إحرامهم؛ لأنهم ساقوا الهدي ومن ساق الهدي لم يَجز له فسخ إحرامه إلى عمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "لولا أني سُقْتُ الهَدْي، لفعلت مثل الذي أمَرْتُكم به".
"قالت: ثم أهَلُّوا حين راحُوا".
تعني أن الذين طافوا وسعوا وقصروا، أهلوا بالحج حين راحُوا إلى منى وذلك يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحِجة.
"قالت: فلمَّا كان يوم النَّحر طَهَرْت".
أي: أنها طَهَرت من حيضها يوم النحر، وهو يوم العاشر من ذِي الحِجَّة، سُمي بذلك؛ لنَحر الأضاحي فيه.
"فأمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَفَضْتُ".
أي: بعد أن طَهَرت من حيضها رضي الله عنها يوم النَّحر أمَرَها النبي صلى الله عليه وسلم بأداء طواف الإفاضة فَفَعَلت.
"قالت: فَأُتِيَنَا بِلَحم بَقَر، فقلت: ما هذا؟".
يعني: أُرسل لها ولمن معها من النساء لحم بقر، ثم إنها سَألت عنه.
"فقالوا: أَهْدَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نِسَائه البَقر".
أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَحَر عن كل واحدة من نسائه بقرة.
"فلمَّا كانت ليلة الحَصْبَةِ".
يعني لمَّا كانت ليلة النزول من منى، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك؛ لأنهم نَفَروا من منى فنزلوا في المُحَصَّب وباتوا به، وفي البخاري : "أن النبي صلى الله عليه وسلم رقَد رقْدَةً في المُحصَّب، ثم ركِبَ إلى البيت فطاف به".
"قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بِحَجَّة وعُمرة وأرجع بِحَجَّة؟".
أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة؛ لأنهم كانوا متمتعين، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة؛ لأنها كانت قارنة، والعمرة في القران داخلة في الحج بالنية، وفي رواية لمسلم "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟"، فهي أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي: وقد تما وحسبا لك جميعا، فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس.
"قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، فَأَرْدَفَنِي على جَمَلِه".
أي : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما بأن يخرج بها إلى التَّنْعِيم؛ لتأتي منه بعمرة، حتى تكون مثل بقية الناس، فأردفَها رضي الله عنه خَلفه كما في رواية مسلم الأخرى.
"قالت: فإني لأذْكُر، وأنا جَارية حَدِيثَةُ السِّن، أَنْعَسُ فيُصِيب وجْهِي مُؤْخِرَة الرَّحْل".
أي: عندما أردفها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه خلفه، وسار بها إلى التنعيم كانت تَنْعَس حتى أنها رأسها يسقط من شِدَّة النُّعاس، فيضرب في مؤخرة الرَّحْل.
"حتى جِئْنَا إلى التَّنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ منها بِعُمْرة؛ جزاء بِعُمْرَة الناس التي اعْتَمَرُوا".
أي لما وصلا إلى التنعيم، أهلت رضي الله عنها بعمرة مستقلة بأعمالها مقام عمرة الناس التي اعتمروها أولا.
وفي رواية في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها بعد أن أدَّت العمرة : "هذه مكان عمرتك" أي: هذه العمرة مكان العمرة التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة مع الحج، فمنعك الحيض من القيام بها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية خروج النساء للحج متى ما توفرت شروطه، ومنها المحرم.
  • جواز السفر يوم السبت، وكانت أكثر أسفاره -صلى الله عليه وسلم- يوم الخميس.
  • جواز استعمال: "لو" إذا لم يترتب عليها محذور شرعي، ويؤكده قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث.
  • حرص عائشة -رضي الله عنها- على إكمال الطاعة على أفضل وجه، ولهذا تمنت أنها لم تحج معهم تلك السَّنة، ظنًّا منها أنها لن تكمل نسكها؛ بسبب حيضها.
  • تسمية الحيض نفاساً.
  • أنه ينبغي تَسْلِية المُصَاب بذكر ما كان مثل مُصيبته أو أشد.
  • أن دم الحيض دم طبيعة بخلاف من قال أنه دَم عقوبة عُوقبت به نساء بني إسرائيل، والحديث يرده؛ لأنه قال: "كتبه الله على بنات آدم".
  • أن ما قُدِّر على بَني آدم رجالهم ونِسَائهم لا يمكن تخلُّفه بحال من الأحوال.
  • صحة جميع أعمال الحج من الحائض والنفساء: من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة.
  • إدخال الحج على العمرة؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- أحرمت بعمرة وعندما حاضَت مُنعت من الطواف لأداء العمرة؛ فأدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة.
  • أن جميع أعمال الحج لا تُشترط لها الطهارة من الحَدَث الأكبر عدا الطواف بالبيت.
  • اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر للطواف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) فدل ذلك على أن الطهارة شرط لصحة الطواف.
  • لا تشترط الطهارة للإحرام، فيصح أن يحرم الإنسان وهو على غير طهارة، والأفضل أن يكون على طهارة إن أمكن ذلك.
  • أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد.
  • قَلْب الإحرام بالحج إلى عمرة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اجْعَلُوها عُمرة) وكان ذلك واجبًا على الصحابة -رضي الله عنهم- في ذلك العام.
  • أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنا في حَجَّته.
  • أن أبا بَكر وعمر وجمع من الصحابة -رضي الله عنهم- المَيْسُوِرين منهم قَرَنوا بين الحج والعُمرة.
  • أن الأفضل في حق من كان بمكة أن يُحرم بالحج يوم التروية ولا يُقَدِّمه عليه؛ لقولها -رضي الله عنها-: "أحرموا حين راحُوا"، ورواحهم كان يوم الثامن، وهو يوم التروية.
  • استحباب المُبادرة بطواف الإفاضة يوم النَّحَر.
  • لا حرج في السؤال عمَّا خَفِي أمره؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- سألت عن اللحم الذي أرسل لها؛ لجهلها بحاله.
  • جواز إهداء البقر.
  • وجوب الهَدي على القَارن؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- حَجَّت قارنة وأهدى عنها -عليه الصلاة والسلام-.
  • لا يلزم الزوج أن يهدي زوجته، وما فعله -صلى الله عليه وسلم- مع نسائه، فهذا من كريم خلقه، وحسن عشرته.
  • نزوله -صلى الله عليه وسلم- المُحَصَّب؛ لكونه أسمح لخروجه، ولا علاقة له بالمناسك إلا من جهة التخفيف على الحجيج.
  • دليل على جواز الإرْدَاف إذا كانت الدَّابة مُطيقة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك .
  • جواز إردَاف الرجل المرأة إذا كانت من محارمه والخلوة بها.
  • وجوب خروج المكي ومن أخذ حكمه من مكة، إذا أراد أن يحرم بعمرة، فيخرج إلى أدنى الحِل، سواء كان التنعيم أو غيره.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فقَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي.

١٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ ح وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "أَهَلَّ النَّبِيُّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ وَطَلْحَةَ وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالُوا نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَقَالَ: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَاحْلَلْتُ" وَحَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ"

١٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ "كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَتْ هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ" فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْنَهَا أَوْ قَالَتْ سَأَلْنَاهَا فَقَالَتْ وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ أَبَدًا إِلاَّ قَالَتْ بِأَبِي فَقُلْنَا أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "كَذَا وَكَذَا قَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي فَقَالَ لِتَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ أَوْ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى فَقُلْتُ أَلْحَائِضُ فَقَالَتْ أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا"

قَوْلُهُ: (بَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) جَزَمَ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ لِتَصْرِيحِ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ مَوْرِدَ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاحْتِمَالِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِزِيَادَةٍ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا يَحْيَى التَّمِيمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ يَحْيَى حَفِظَهُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ لِلسَّعْيِ لِأَنَّ

السَّعْيَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ طَوَافٍ قَبْلَهُ فَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ مُمْتَنِعًا امْتَنَعَ لِذَلِكَ لَا لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ تَقْرَأُ الْحَائِضُ؟ قَالَ: لَا، وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ لِلسَّعْيِ إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَدْ حَكَى الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عِنْدَهُمْ مِثْلَهُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِذَا طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلْتَسْعَ وَعَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ، هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ فَلَعَلَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ لِعَائِشَةَ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ. أَنَّ لَهَا أَنْ تَسْعَى وَلِهَذَا قَالَ: وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ اهـ. وَهُوَ تَوْجِيهٌ جَيِّدٌ لَا يُخَالِفُ التَّوْجِيهَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطَاءٍ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ بَدَأَ بِالسَّعْيِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَبِالْإِجْزَاءِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ . فَقَالَ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ قَالَ: طُفْ وَلَا حَرَجَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُجْزِئُهُ وَأَوَّلُوا حَدِيثَ أُسَامَةَ عَلَى مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ وَفِيهِ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطَّهَّرِي وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ أَيْضًا أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَأَصْلُهُ تَتَطَهَّرِي وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَتَّى تَغْتَسِلِي وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي نَهْيِ الْحَائِضِ عَنِ الطَّوَافِ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا وَتَغْتَسِلَ لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الطَّوَافِ لَوْ فَعَلَتْهُ وَفِي مَعْنَى الْحَائِضِ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ إِلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَأَلْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا، وَمَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ: إِذَا طَافَتِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ فَصَاعِدًا ثُمَّ حَاضَتْ أَجْزَأَ عَنْهَا. وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى النَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي: شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: انْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الطَّوَافِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي وُجُوبِهَا وَجُبْرَانِهِ بِالدَّمِ إِنْ فَعَلَهُ اهـ. وَلَمْ يَنْفَرِدُوا بِذَلِكَ كَمَا تَرَى فَلَعَلَّهُ أَرَادَ انْفِرَادَهُمْ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لِلطَّوَافِ وَاجِبَةٌ تُجْبَرُ بِالدَّمِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ يُوَافِقُ هَذَا.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَفِيهِ قِصَّةُ قُدُومِ عَلِيٍّ وَمَعَهُ الْهَدْيُ وَقِصَّةُ عَائِشَةَ حَاضَتْ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي: بَابِ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ مِنْ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَالِاحْتِيَاجِ مِنْهُ لِقوله غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ.

(تَنْبِيهٌ): سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا بِلَفْظِ خَلِيفَةَ وَسَيَأْتِي لَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي: بَابِ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ حَفْصَةَ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ - وَفِيهِ - وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ وَفِي الْعِيدَيْنِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَيْضِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا قَوْلُهَا فِي آخِرِهِ أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا فَهُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِ جَابِرٍ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَكَذَا قَوْلُهَا: وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى. فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ قَوْلَهُ أنَّ الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ لِأَنَّهَا إِذَا أُمِرَتْ بِاعْتِزَالِ الْمُصَلَّى كَانَ اعْتِزَالُهَا لِلْمَسْجِدِ بَلْ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَلْ لِلْكَعْبَةِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى.

٨٢ - بَاب الْإِهْلَالِ مِنْ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَلِلْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى

وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْمُجَاوِرِ يُلَبِّي بِالْحَجِّ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ : قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ فَأَحْلَلْنَا حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَهْلَلْنَا مِنْ الْبَطْحَاءِ وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لِابْنِ عُمَرَ : رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقَالَ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِهْلَالِ مِنَ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَالْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ مِنْ مِنًى) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ وَفِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَقْتِ إِلَى مِنًى وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى الْخِلَافِ فِي مِيقَاتِ الْمَكِّيِّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مِيقَاتُ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَيْرِهِمْ نَفْسُ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ مَكَّةُ وَسَائِرُ الْحَرَمِ اهـ.

وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَنْزِلِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَحُجَّةُ الصَّحِيحِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: يُهِلُّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ وَلَا يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ إِلَّا مُحْرِمًا وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُهِلُّ فِيهِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَرَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَا لَكُمْ يَقْدَمُ النَّاسُ عَلَيْكُمْ شُعْثًا وَأَنْتُمْ تَنْضِحُونَ طِيبًا مُدْهِنِينَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِمْ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ بِقَوْلِهِ لِابْنِ عُمَرَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُهِلَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَّا الْمُتَمَتِّعَ الَّذِي لَا يَجِدُ الْهَدْيَ وَيُرِيدُ الصَّوْمَ فَيُعَجِّلُ الْإِهْلَالَ لِيَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ الَّذِي عَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ لِلْمَكِّيِّ أَيْ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ وَقَوْلُهُ: الْحَاجِّ أَيِ الْآفَاقِيِّ إِذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا.

قَوْلُهُ: (وَسُئِلَ عَطَاءٌ إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ رُئِيَ الْهِلَالُ - فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا - فَأَمْسَكَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَتَى الْبَطْحَاءَ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ وَرَوَى مَالِكٌ فِي: الْمُوَطَّأِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَلَّ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّوْسِعَةَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا فَأَحْلَلْنَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكُ بْنُ جُرَيْجٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ بِظَهْرٍ أَيْ وَرَاءَ ظُهُورِنَا وَقَوْلُهُ: أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ أَيْ جَعَلْنَا مَكَّةَ مِنْ وَرَائِنَا فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ حَالَ كَوْنِنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ حِينَ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ كَانُوا مُحْرِمِينَ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَهْلَلْنَا مِنَ الْبَطْحَاءِ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى، قَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ابْنِ عَبَّاسٍ) (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، وفائدة ذلك: أنَّ الحُمَيديَّ صرَّح بالتَّحديث في روايته عن عمرٍو، وهو صرَّح بالسَّماع عن (١) عطاءٍ.

(٨١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ) للمنع الوارد فيه (وَ) الحكم فيما (إِذَا سَعَى عَلَى غَيرِ وُضُوءٍ بَينَ الصَّفَا وَالَمرْوَةِ).

١٦٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لتوقُّفه على سبق الطَّواف، وإن كان يصحُّ بغير طهارةٍ، وقولها: «ولا بين الصَّفا والمروة» عُطِف على المنفيِّ قبله، على تقدير: «ولم أسعَ» وهو من باب:

علفتها تبنًا وماءً باردًا

ويجوز أن يقدَّر: ولم أطف بين الصَّفا والمروة، على طريق المجاز، وإنَّما ذهبوا إلى هذا التَّقدير دون الانسحاب (٢) لئلَّا يلزم استعمال اللَّفظ الواحد حقيقةً ومجازًا في حالةٍ واحدةٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

زَادَ الْحمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حَدثنَا عَمْرٌ وَقَالَ سَمِعْتُ عَطاءً عنِ ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلهُ

وَقَول ابْن عَبَّاس: (ليري الْمُشْركين قوته) ، فِيهِ حصر السَّبَب فِيمَا ذكره على مَا هُوَ الْمَشْهُور فِي: إِنَّمَا، من إِفَادَة الْحصْر، وَقد جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس سَبَب آخر وَهُوَ سعي أَبينَا إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَيجوز أَن يكون هُوَ الْمُقْتَضِي لمشروعية الْإِسْرَاع على مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَوْله: (قَالَ: إِن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما أَمر بالمناسك عرض لَهُ الشَّيْطَان عِنْد السَّعْي، فسبقه فسابقه إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) . وَقد ورد أَيْضا سَبَب آخر، وَهُوَ: سعي هَاجر عَلَيْهَا السَّلَام، على مَا صرح بِهِ البُخَارِيّ (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) الحَدِيث، وَفِيه: (فَهَبَطت من الصَّفَا حَتَّى إِذا بلغت الْوَادي رفعت طرف درعها وسعت سعي إِنْسَان مجهود حَتَّى جَاوَزت الْوَادي) الحَدِيث، وَفِيه: (فَفعلت ذَلِك سبع مَرَّات. قَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَلذَلِك سعى النَّاس بَينهمَا) . فَإِن كَانَ المُرَاد بقوله: فَلذَلِك سعى النَّاس بَينهمَا: الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي فَهَذِهِ الْعلَّة من نَص الشَّارِع، فهى أولى مَا يُعلل بِهِ السَّعْي، وَإِن أَرَادَ بالسعي مُطلق الذّهاب فَلَا، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة الْأَزْرَقِيّ، فَلذَلِك طَاف النَّاس بَين الصَّفَا والمروة، وَالله أعلم.

قَوْله: (الْحميدِي) ، بِضَم الْحَاء نِسْبَة إِلَى: حميد أحد أجداد عبد الله بن الزبير بن عبد الله الْقرشِي الْمَكِّيّ شيخ البُخَارِيّ، وَمن أَفْرَاده، وَمعنى هَذِه الزِّيَادَة أَن الْحميدِي صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَته عَن عَمْرو بن دِينَار، وَصرح عَمْرو بِالسَّمَاعِ من عَطاء بن أبي رَبَاح، وَمن طَرِيقه أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: زَاد لفظ: حَدثنَا وَسمعت، بدل المعنعن، وَفَائِدَته الْخُرُوج عَن الْخلاف فِي الْقبُول، سِيمَا وسُفْيَان من المدلسين. قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي الحَدِيث السَّابِق.

١٨ - (بابٌ تَقْضي الحَائِضُ المَناسِكَ كُلَّها إلَاّ الطَّوافَ بالبَيْتِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: تقضي الْحَائِض ... إِلَى رخره، وَأَرَادَ بالمناسك أَفعَال الْحَج ووصرح بالحكم فِي هَذَا وَهُوَ أَن الْحَائِض تقضي الْمَنَاسِك كلهَا إِلَّا الطّواف بِالْبَيْتِ للْمَنْع الْوَارِد فِيهِ على مَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب، وَإِنَّمَا صرح بِهِ لعدم الْخلاف فِيهِ.

وإذَا سعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ

هَذَا أَيْضا من التَّرْجَمَة أَي: وَإِذا سعى الْحَاج أَو الْمُعْتَمِر بَين الصَّفَا والمروة وَهُوَ على غير وضوء، وَإِنَّمَا لم يذكر الحكم فِيهِ لأجل الْخلاف فِيهِ، فَإِن الْحسن الْبَصْرِيّ اشْترط الطَّهَارَة للسعي، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لم يذكر عَن أحد من السّلف اشْتِرَاط الطَّهَارَة للسعي إلَاّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن الْحَنَابِلَة فِي رِوَايَة.

٠٥٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الْقَاسِمِ عنْ أبيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها قالَتْ قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنا حَائِضٌ ولَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ قالَتْ فشَكَوْتُ ذالِكَ إِلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إفْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غيرَ أنْ لَا تَطُوفي بالبيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إفعلي كَمَا يفعل الْحَاج) إِلَى آخِره، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب تقضي الْحَائِض الْمَنَاسِك كلهَا إلَاّ الطّواف بِالْبَيْتِ، فِي كتاب الْحيض عَن أبي نعيم عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْحيض فِي أول كتاب الْحيض، بأتم مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان، قَالَ: سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم سَمِعت الْقَاسِم، يَقُول: سَمِعت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَقول: خرجنَا لَا نرى إِلَّا الْحَج ... الحَدِيث. قَوْله: (حَتَّى تطهري) ، بِفَتْح التَّاء والطاء الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة وَتَشْديد الْهَاء أَيْضا. وَأَصله: تتطهري، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى تغتسلي وتطهري بِالْغسْلِ، وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى تغتسلي) ، وَقَالَ ابْن بطال: الْعلمَاء مجمعون أَن الْحَائِض تشهد الْمَنَاسِك كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا منعت الْحَائِض

من الطوا على غير طَهَارَة تَنْزِيها لِلْمَسْجِدِ عَن النَّجَاسَات، ولأمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحيض فِي الْعِيدَيْنِ بالإعتزال. وَقَالَ ابْن التِّين: وَقَول عَائِشَة: وَلم أطف بِالْبَيْتِ، تُرِيدُ أَن طواف الْعمرَة منعهَا مِنْهُ حَيْضهَا. قَوْله: (كَمَا يفعل الْحَاج) لَا يكون إِلَّا بِأَن يردف الْحَج على الْعمرَة، قَالَ: وَقيل: كَانَت حاجَّة، ذكره ابْن عبد الْملك، وَلَا يَصح لَهَا السَّعْي، وَإِن كَانَ يَصح فعله بِغَيْر طَهَارَة كَانَ الطّواف قبله، وَذَلِكَ لَا يَصح حَتَّى تطهر، وَلَا يكون السَّعْي مُفردا، وَيصِح إِفْرَاد الطّواف. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَكَانَ البُخَارِيّ فهم أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهَا: (إفعلي كَمَا يفعل الْحَاج، غير أَن لَا تطوفي) أَنَّهَا تسْعَى، فبوب: (وَإِذا سعى على غير وضوء) . انْتهى. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكره، وَإِنَّمَا قَوْله: (وَإِذا سعى. .) إِلَى آخِره من التَّرْجَمَة كَمَا ذكرنَا، وَأَشَارَ بهَا إِلَى الْخلاف فِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة فِي السَّعْي، فَلذَلِك لم يجْزم بالحكم، غير أَنه لم يذكر فِي الْبَاب شَيْئا يدل عَلَيْهِ، وَاكْتفى بِمُجَرَّد ذكر هَذِه التَّرْجَمَة، فَافْهَم.

١٥٦١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ وَقَالَ لي خَلِيفَةُ حَدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا حبيبٌ المُعَلِّمُ عنْ عَطَاءٍ عَن جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أهلَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ وأصْحَابُهُ بالحَجِّ ولَيْسَ مَعَ أحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيرَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وطَلْحَةَ وقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ومَعَهُ هَدْيٌ فَقَالَ أهْلَلْتُ بِمَا أهَلَّ بِهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصْحَابَهُ أنْ يَجْعَلوهَا عُمْرَةً ويَطُوفوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا ويَحِلُّوا إلَاّ مَنْ كانَ مَعَهُ الهَدُيُ فقالُوا ننْطَلِقُ إلَى مِنىً وذَكَرُ أحَدِنَا يَقْطُرُ مَنيُّا فبَلَغَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ ولَوْلا أنَّ مَعِي الْهَدْي لأَحْلَلْتُ وحاضَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أنَّهَا لَمْ تَطُف بِالبَيْتِ فلَمَّا طَهُرَتْ طافَتْ بِالْبَيْتِ قالتْ يَا رسولَ الله تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ وأنْطَلِقُ بِحَجٍّ فأمرَ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي بَكْرٍ أنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمَ فاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد الْمَعْرُوف بالزمن، وَقد مر غير مرّة، الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ. الثَّالِث: خَليفَة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالفاءين خياط، من خياطَة الثِّيَاب، وَقد مر فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال. الرَّابِع: حبيب بن ابْن قريبَة الْمعلم بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التَّعْلِيم. الْخَامِس: عَطاء بن أبي رَبَاح. السَّادِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَنه ذكر هَذَا الْإِسْنَاد من طَرِيقين: الأول: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن حبيب، وَالثَّانِي: أَنه ذكره على سَبِيل المذاكرة حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ لي خَليفَة لَا على سَبِيل التَّحَمُّل، فَلذَلِك لم يقل: حَدثنَا خَليفَة مَعَ أَنه شَيْخه، وَهُوَ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَنهم كلهم بصريون إلَاّ عَطاء فَإِنَّهُ مكي، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن الثَّقَفِيّ بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ وَقَالَ) فَاعل قَالَ الأول البُخَارِيّ، وفاعل الثَّانِي ظَاهر، وَهُوَ خَليفَة. قَوْله: (أهل) أَي: أحرم. قَوْله: (وَلَيْسَ مَعَ أحد) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (وَطَلْحَة) بِالرَّفْع عطف على غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (عَليّ) ، هُوَ ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْسلهُ إِلَى الْيمن. قَوْله: (وَمَعَهُ هدي) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أَن يجعلوها) ، أَي: الْحجَّة الَّتِي أهلوا بهَا. قَوْله: (ويطوفوا) أَي: بِالْبَيْتِ، وَبَين الصَّفَا والمروة. قَوْله: (ويحلوا) أَي: ويصيرون حَلَالا. قَوْله: (يقطر) أَي: منيا بِسَبَب قرب عهدنا بِالْجِمَاعِ أَي: كُنَّا متمتعين بِالنسَاء. قَوْله: (فَبلغ) أَي: الشَّأْن يَعْنِي: بلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْلهم، هَذَا وَهُوَ أَنهم تمَتَّعُوا بِهِ، وَقُلُوبهمْ لَا تطيب بِهِ، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير متمتع، وَكَانُوا يحبونَ مُوَافَقَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي) أَي: لَو عرفت فِي أول الْحَال مَا عرفت آخرا، من جَوَاز الْعمرَة فِي أشهر الْحَج (لما أهديت) أَي: لَكُنْت مُتَمَتِّعا إِرَادَة لمُخَالفَة أهل الْجَاهِلِيَّة (ولأحللت) من الْإِحْرَام لَكِن امْتنع الْإِحْلَال لصَاحب الْهَدْي هُوَ

الْمُفْرد أَو الْقَارِن حَتَّى يبلغ الْهَدْي إِلَى مَحَله، وَذَلِكَ فِي أَيَّام النَّحْر لَا قبلهَا، وَيُقَال: مَعْنَاهُ لَو اسْتقْبلت هَذَا الرَّأْي، وَهُوَ الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج من أول أَمْرِي لم أسق الْهَدْي. قَوْله: (فنسكت الْمَنَاسِك كلهَا) أَي: أَتَت بِأَفْعَال الْحَج كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ. قَوْله: (فَلَمَّا طهرت) ، بِفَتْح الْهَاء وَضمّهَا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ النَّوَوِيّ: احْتج بِهِ من قَالَ: إِن التَّمَتُّع أفضل لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتَمَنَّى إلَاّ الْأَفْضَل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَأجَاب الْقَائِلُونَ بتفضيل الْإِفْرَاد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا قَالَ من أجل فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة الَّذِي هُوَ خَاص بهم فِي تِلْكَ السّنة فَقَط، مُخَالفَة للجاهلية. وَقَالَ هَذَا الْكَلَام تطييبا لقلوب أَصْحَابه، لِأَن نُفُوسهم كَانَت لَا تسمح بِفَسْخ الْحَج قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: وَجُمْلَة الْحَال لَهُ أَنه لم يكن مُتَمَتِّعا، لِأَنَّهُ قَالَ: (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا أهديت) يَعْنِي مَا سقت الْهَدْي ولجعلتها عمْرَة، وَلَا كَانَ مُفردا لِأَن الْهَدْي كَانَ وَاجِبا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا للقارن. وَفِيه: فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، لَكِن نقُول: إِنَّه كَانَ مَخْصُوصًا بهم فِي تِلْكَ السّنة، وَأَنه لَا يجوز الْيَوْم إلَاّ عِنْد ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ أَحْمد وَدَاوُد والظاهري. وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز الْأَمريْنِ، وَأَنه لَوْلَا مَا سبق من سوقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْي لحل مَعَهم، إلَاّ أَن السنَّة فِيمَن سَاق الْهَدْي أَنه لَا يحل إلَاّ بعد بُلُوغ الْهَدْي مَحَله، وَهُوَ نَحره يَوْم النَّحْر. قَالَ القَاضِي: وَفِيه: دَلِيل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مهلا بِالْحَجِّ. قلت: يَعْنِي لم يكن مُعْتَمِرًا، بل كَانَ قَارنا، كَمَا قَالَه الطَّبَرِيّ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله: احْتج بِهَذَا الحَدِيث قوم على جَوَاز فسخ الْحَج فِي الْعمرَة، وَقَالُوا: من طَاف من الْحجَّاج بِالْبَيْتِ قبل وُقُوفه بِعَرَفَة وَلم يكن مِمَّن سَاق الْهَدْي فَإِنَّهُ يحل قلت: أَرَادَ بهؤلاء الْقَوْم جمَاعَة الظَّاهِرِيَّة، وَأحمد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَيْسَ لأحد دخل فِي حجَّة أَن يخرج مِنْهَا إلَاّ بِتَمَامِهَا، وَلَا يحله شَيْء مِنْهَا قبل يَوْم النَّحْر من طواف وَلَا غَيره. قلت: أَرَادَ بالآخرين جَمَاهِير التَّابِعين وَالْفُقَهَاء مِنْهُم أَحْمد وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم، ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِمثل مَا ذكرنَا الْآن أَنه كَانَ خَاصّا لَهُم فِي حجتهم تِلْكَ دون سَائِر النَّاس بعدهمْ، ثمَّ قَالَ: وَالدَّلِيل على أَن ذَلِك كَانَ خَاصّا للصحابة الَّذين حجُّوا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دون غَيرهم حَدِيث بِلَال بن الْحَارِث، قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت فسخ حجنا هَذَا لنا خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة؟ قَالَ: بل لكم خَاصَّة) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه.

٢٥٦١ - حدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عَن حَفْصَةَ قالَتْ كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أنْ يخْرُجْنَ فقَدِمَتِ امْرَأةٌ فنزَلَتْ قَصْرَ بَني خَلَفَ فَحَدَّثَتْ أنَّ أختَهَا كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَدْ غَزَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثِنْتَي عَشْرَةَ غَزْوَةً وكانَتْ أُختِي مَعَهُ فِي سَتِّ غَزَواتٍ قالَتْ كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى ونَقُومُ علَى المَرْضى فسَألْت أُخْتِي رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَتْ هَلْ عَلى إحْدانَا بأسٌ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها جِلْبابٌ أنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ لِتُلْبِسهَا صاحِبتُهَا مِنْ جلْبابِهَا ولْتَشْهَدِ الخَيْرَ ودَعْوةَ المُؤْمِنِينَ فلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا سَألْنَهَا أوْ قالَتْ سألْناها فقالَتْ وكانَتْ لَا تَذْكُر رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ قالَتْ بِأبِي فقُلْنا أسَمِعْتِ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ كذَا وكَذا قالَتْ نَعَمْ بِأبِي فقالَ لِتَخْرُجِ العَوَاتِقُ ذَواتُ الخُدُورِ أوِ العَواتِقِ وذَوَاتِ الخُدُورِ والحُيَّضُ فيَشْهَدْنَ الخَبَرَ ودَعْوةَ المُسْلِمِينَ ويَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى فَقُلْتُ آلْحَائِضُ فقالتْ أوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرفَةَ وتَشْهَدُ كَذا وتَشْهَدُ كذَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَو لَيْسَ تشهد عَرَفَة وَتشهد كَذَا وَتشهد كَذَا وَتشهد كَذَا؟) لِأَن مَعْنَاهُ: تشهد الْوُقُوف بِعَرَفَة، وَتشهد الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة وَرمي الْجمار وَغير ذَلِك من أَفعَال الْحَج غير الطّواف بِالْبَيْتِ، وَهَذَا مُوَافق لقَوْل جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فنسكت الْمَنَاسِك كلهَا غير أَنَّهَا لم تطف بِالْبَيْتِ، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي: بَاب شُهُود الْحَائِض

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فقَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي.

١٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ ح وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "أَهَلَّ النَّبِيُّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ وَطَلْحَةَ وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالُوا نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَقَالَ: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَاحْلَلْتُ" وَحَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ"

١٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ "كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَتْ هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ" فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْنَهَا أَوْ قَالَتْ سَأَلْنَاهَا فَقَالَتْ وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ أَبَدًا إِلاَّ قَالَتْ بِأَبِي فَقُلْنَا أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "كَذَا وَكَذَا قَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي فَقَالَ لِتَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ أَوْ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى فَقُلْتُ أَلْحَائِضُ فَقَالَتْ أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا"

قَوْلُهُ: (بَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) جَزَمَ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ لِتَصْرِيحِ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ مَوْرِدَ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاحْتِمَالِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِزِيَادَةٍ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا يَحْيَى التَّمِيمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ يَحْيَى حَفِظَهُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ لِلسَّعْيِ لِأَنَّ

السَّعْيَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ طَوَافٍ قَبْلَهُ فَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ مُمْتَنِعًا امْتَنَعَ لِذَلِكَ لَا لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ تَقْرَأُ الْحَائِضُ؟ قَالَ: لَا، وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ لِلسَّعْيِ إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَدْ حَكَى الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عِنْدَهُمْ مِثْلَهُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِذَا طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلْتَسْعَ وَعَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ، هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ فَلَعَلَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ لِعَائِشَةَ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ. أَنَّ لَهَا أَنْ تَسْعَى وَلِهَذَا قَالَ: وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ اهـ. وَهُوَ تَوْجِيهٌ جَيِّدٌ لَا يُخَالِفُ التَّوْجِيهَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطَاءٍ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ بَدَأَ بِالسَّعْيِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَبِالْإِجْزَاءِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ . فَقَالَ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ قَالَ: طُفْ وَلَا حَرَجَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُجْزِئُهُ وَأَوَّلُوا حَدِيثَ أُسَامَةَ عَلَى مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ وَفِيهِ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطَّهَّرِي وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ أَيْضًا أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَأَصْلُهُ تَتَطَهَّرِي وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَتَّى تَغْتَسِلِي وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي نَهْيِ الْحَائِضِ عَنِ الطَّوَافِ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا وَتَغْتَسِلَ لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الطَّوَافِ لَوْ فَعَلَتْهُ وَفِي مَعْنَى الْحَائِضِ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ إِلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَأَلْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا، وَمَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ: إِذَا طَافَتِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ فَصَاعِدًا ثُمَّ حَاضَتْ أَجْزَأَ عَنْهَا. وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى النَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي: شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: انْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الطَّوَافِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي وُجُوبِهَا وَجُبْرَانِهِ بِالدَّمِ إِنْ فَعَلَهُ اهـ. وَلَمْ يَنْفَرِدُوا بِذَلِكَ كَمَا تَرَى فَلَعَلَّهُ أَرَادَ انْفِرَادَهُمْ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لِلطَّوَافِ وَاجِبَةٌ تُجْبَرُ بِالدَّمِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ يُوَافِقُ هَذَا.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَفِيهِ قِصَّةُ قُدُومِ عَلِيٍّ وَمَعَهُ الْهَدْيُ وَقِصَّةُ عَائِشَةَ حَاضَتْ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي: بَابِ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ مِنْ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَالِاحْتِيَاجِ مِنْهُ لِقوله غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ.

(تَنْبِيهٌ): سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا بِلَفْظِ خَلِيفَةَ وَسَيَأْتِي لَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي: بَابِ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ حَفْصَةَ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ - وَفِيهِ - وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ وَفِي الْعِيدَيْنِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَيْضِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا قَوْلُهَا فِي آخِرِهِ أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا فَهُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِ جَابِرٍ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَكَذَا قَوْلُهَا: وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى. فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ قَوْلَهُ أنَّ الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ لِأَنَّهَا إِذَا أُمِرَتْ بِاعْتِزَالِ الْمُصَلَّى كَانَ اعْتِزَالُهَا لِلْمَسْجِدِ بَلْ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَلْ لِلْكَعْبَةِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى.

٨٢ - بَاب الْإِهْلَالِ مِنْ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَلِلْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى

وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْمُجَاوِرِ يُلَبِّي بِالْحَجِّ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ : قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ فَأَحْلَلْنَا حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَهْلَلْنَا مِنْ الْبَطْحَاءِ وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لِابْنِ عُمَرَ : رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقَالَ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِهْلَالِ مِنَ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَالْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ مِنْ مِنًى) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ وَفِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَقْتِ إِلَى مِنًى وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى الْخِلَافِ فِي مِيقَاتِ الْمَكِّيِّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مِيقَاتُ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَيْرِهِمْ نَفْسُ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ مَكَّةُ وَسَائِرُ الْحَرَمِ اهـ.

وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَنْزِلِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَحُجَّةُ الصَّحِيحِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: يُهِلُّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ وَلَا يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ إِلَّا مُحْرِمًا وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُهِلُّ فِيهِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَرَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَا لَكُمْ يَقْدَمُ النَّاسُ عَلَيْكُمْ شُعْثًا وَأَنْتُمْ تَنْضِحُونَ طِيبًا مُدْهِنِينَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِمْ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ بِقَوْلِهِ لِابْنِ عُمَرَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُهِلَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَّا الْمُتَمَتِّعَ الَّذِي لَا يَجِدُ الْهَدْيَ وَيُرِيدُ الصَّوْمَ فَيُعَجِّلُ الْإِهْلَالَ لِيَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ الَّذِي عَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ لِلْمَكِّيِّ أَيْ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ وَقَوْلُهُ: الْحَاجِّ أَيِ الْآفَاقِيِّ إِذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا.

قَوْلُهُ: (وَسُئِلَ عَطَاءٌ إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ رُئِيَ الْهِلَالُ - فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا - فَأَمْسَكَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَتَى الْبَطْحَاءَ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ وَرَوَى مَالِكٌ فِي: الْمُوَطَّأِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَلَّ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّوْسِعَةَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا فَأَحْلَلْنَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكُ بْنُ جُرَيْجٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ بِظَهْرٍ أَيْ وَرَاءَ ظُهُورِنَا وَقَوْلُهُ: أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ أَيْ جَعَلْنَا مَكَّةَ مِنْ وَرَائِنَا فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ حَالَ كَوْنِنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ حِينَ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ كَانُوا مُحْرِمِينَ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَهْلَلْنَا مِنَ الْبَطْحَاءِ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى، قَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ابْنِ عَبَّاسٍ) (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، وفائدة ذلك: أنَّ الحُمَيديَّ صرَّح بالتَّحديث في روايته عن عمرٍو، وهو صرَّح بالسَّماع عن (١) عطاءٍ.

(٨١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ) للمنع الوارد فيه (وَ) الحكم فيما (إِذَا سَعَى عَلَى غَيرِ وُضُوءٍ بَينَ الصَّفَا وَالَمرْوَةِ).

١٦٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لتوقُّفه على سبق الطَّواف، وإن كان يصحُّ بغير طهارةٍ، وقولها: «ولا بين الصَّفا والمروة» عُطِف على المنفيِّ قبله، على تقدير: «ولم أسعَ» وهو من باب:

علفتها تبنًا وماءً باردًا

ويجوز أن يقدَّر: ولم أطف بين الصَّفا والمروة، على طريق المجاز، وإنَّما ذهبوا إلى هذا التَّقدير دون الانسحاب (٢) لئلَّا يلزم استعمال اللَّفظ الواحد حقيقةً ومجازًا في حالةٍ واحدةٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

زَادَ الْحمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حَدثنَا عَمْرٌ وَقَالَ سَمِعْتُ عَطاءً عنِ ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلهُ

وَقَول ابْن عَبَّاس: (ليري الْمُشْركين قوته) ، فِيهِ حصر السَّبَب فِيمَا ذكره على مَا هُوَ الْمَشْهُور فِي: إِنَّمَا، من إِفَادَة الْحصْر، وَقد جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس سَبَب آخر وَهُوَ سعي أَبينَا إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَيجوز أَن يكون هُوَ الْمُقْتَضِي لمشروعية الْإِسْرَاع على مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَوْله: (قَالَ: إِن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما أَمر بالمناسك عرض لَهُ الشَّيْطَان عِنْد السَّعْي، فسبقه فسابقه إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) . وَقد ورد أَيْضا سَبَب آخر، وَهُوَ: سعي هَاجر عَلَيْهَا السَّلَام، على مَا صرح بِهِ البُخَارِيّ (عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: جَاءَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) الحَدِيث، وَفِيه: (فَهَبَطت من الصَّفَا حَتَّى إِذا بلغت الْوَادي رفعت طرف درعها وسعت سعي إِنْسَان مجهود حَتَّى جَاوَزت الْوَادي) الحَدِيث، وَفِيه: (فَفعلت ذَلِك سبع مَرَّات. قَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَلذَلِك سعى النَّاس بَينهمَا) . فَإِن كَانَ المُرَاد بقوله: فَلذَلِك سعى النَّاس بَينهمَا: الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي فَهَذِهِ الْعلَّة من نَص الشَّارِع، فهى أولى مَا يُعلل بِهِ السَّعْي، وَإِن أَرَادَ بالسعي مُطلق الذّهاب فَلَا، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة الْأَزْرَقِيّ، فَلذَلِك طَاف النَّاس بَين الصَّفَا والمروة، وَالله أعلم.

قَوْله: (الْحميدِي) ، بِضَم الْحَاء نِسْبَة إِلَى: حميد أحد أجداد عبد الله بن الزبير بن عبد الله الْقرشِي الْمَكِّيّ شيخ البُخَارِيّ، وَمن أَفْرَاده، وَمعنى هَذِه الزِّيَادَة أَن الْحميدِي صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَته عَن عَمْرو بن دِينَار، وَصرح عَمْرو بِالسَّمَاعِ من عَطاء بن أبي رَبَاح، وَمن طَرِيقه أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: زَاد لفظ: حَدثنَا وَسمعت، بدل المعنعن، وَفَائِدَته الْخُرُوج عَن الْخلاف فِي الْقبُول، سِيمَا وسُفْيَان من المدلسين. قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي الحَدِيث السَّابِق.

١٨ - (بابٌ تَقْضي الحَائِضُ المَناسِكَ كُلَّها إلَاّ الطَّوافَ بالبَيْتِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: تقضي الْحَائِض ... إِلَى رخره، وَأَرَادَ بالمناسك أَفعَال الْحَج ووصرح بالحكم فِي هَذَا وَهُوَ أَن الْحَائِض تقضي الْمَنَاسِك كلهَا إِلَّا الطّواف بِالْبَيْتِ للْمَنْع الْوَارِد فِيهِ على مَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب، وَإِنَّمَا صرح بِهِ لعدم الْخلاف فِيهِ.

وإذَا سعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ

هَذَا أَيْضا من التَّرْجَمَة أَي: وَإِذا سعى الْحَاج أَو الْمُعْتَمِر بَين الصَّفَا والمروة وَهُوَ على غير وضوء، وَإِنَّمَا لم يذكر الحكم فِيهِ لأجل الْخلاف فِيهِ، فَإِن الْحسن الْبَصْرِيّ اشْترط الطَّهَارَة للسعي، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لم يذكر عَن أحد من السّلف اشْتِرَاط الطَّهَارَة للسعي إلَاّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن الْحَنَابِلَة فِي رِوَايَة.

٠٥٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الْقَاسِمِ عنْ أبيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها قالَتْ قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنا حَائِضٌ ولَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ قالَتْ فشَكَوْتُ ذالِكَ إِلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إفْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غيرَ أنْ لَا تَطُوفي بالبيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إفعلي كَمَا يفعل الْحَاج) إِلَى آخِره، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب تقضي الْحَائِض الْمَنَاسِك كلهَا إلَاّ الطّواف بِالْبَيْتِ، فِي كتاب الْحيض عَن أبي نعيم عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْحيض فِي أول كتاب الْحيض، بأتم مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان، قَالَ: سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم سَمِعت الْقَاسِم، يَقُول: سَمِعت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَقول: خرجنَا لَا نرى إِلَّا الْحَج ... الحَدِيث. قَوْله: (حَتَّى تطهري) ، بِفَتْح التَّاء والطاء الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة وَتَشْديد الْهَاء أَيْضا. وَأَصله: تتطهري، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى تغتسلي وتطهري بِالْغسْلِ، وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي رِوَايَة مُسلم: (حَتَّى تغتسلي) ، وَقَالَ ابْن بطال: الْعلمَاء مجمعون أَن الْحَائِض تشهد الْمَنَاسِك كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا منعت الْحَائِض

من الطوا على غير طَهَارَة تَنْزِيها لِلْمَسْجِدِ عَن النَّجَاسَات، ولأمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحيض فِي الْعِيدَيْنِ بالإعتزال. وَقَالَ ابْن التِّين: وَقَول عَائِشَة: وَلم أطف بِالْبَيْتِ، تُرِيدُ أَن طواف الْعمرَة منعهَا مِنْهُ حَيْضهَا. قَوْله: (كَمَا يفعل الْحَاج) لَا يكون إِلَّا بِأَن يردف الْحَج على الْعمرَة، قَالَ: وَقيل: كَانَت حاجَّة، ذكره ابْن عبد الْملك، وَلَا يَصح لَهَا السَّعْي، وَإِن كَانَ يَصح فعله بِغَيْر طَهَارَة كَانَ الطّواف قبله، وَذَلِكَ لَا يَصح حَتَّى تطهر، وَلَا يكون السَّعْي مُفردا، وَيصِح إِفْرَاد الطّواف. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَكَانَ البُخَارِيّ فهم أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهَا: (إفعلي كَمَا يفعل الْحَاج، غير أَن لَا تطوفي) أَنَّهَا تسْعَى، فبوب: (وَإِذا سعى على غير وضوء) . انْتهى. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكره، وَإِنَّمَا قَوْله: (وَإِذا سعى. .) إِلَى آخِره من التَّرْجَمَة كَمَا ذكرنَا، وَأَشَارَ بهَا إِلَى الْخلاف فِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة فِي السَّعْي، فَلذَلِك لم يجْزم بالحكم، غير أَنه لم يذكر فِي الْبَاب شَيْئا يدل عَلَيْهِ، وَاكْتفى بِمُجَرَّد ذكر هَذِه التَّرْجَمَة، فَافْهَم.

١٥٦١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ وَقَالَ لي خَلِيفَةُ حَدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا حبيبٌ المُعَلِّمُ عنْ عَطَاءٍ عَن جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أهلَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ وأصْحَابُهُ بالحَجِّ ولَيْسَ مَعَ أحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيرَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وطَلْحَةَ وقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ومَعَهُ هَدْيٌ فَقَالَ أهْلَلْتُ بِمَا أهَلَّ بِهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصْحَابَهُ أنْ يَجْعَلوهَا عُمْرَةً ويَطُوفوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا ويَحِلُّوا إلَاّ مَنْ كانَ مَعَهُ الهَدُيُ فقالُوا ننْطَلِقُ إلَى مِنىً وذَكَرُ أحَدِنَا يَقْطُرُ مَنيُّا فبَلَغَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ ولَوْلا أنَّ مَعِي الْهَدْي لأَحْلَلْتُ وحاضَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أنَّهَا لَمْ تَطُف بِالبَيْتِ فلَمَّا طَهُرَتْ طافَتْ بِالْبَيْتِ قالتْ يَا رسولَ الله تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ وأنْطَلِقُ بِحَجٍّ فأمرَ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبِي بَكْرٍ أنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمَ فاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد الْمَعْرُوف بالزمن، وَقد مر غير مرّة، الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ. الثَّالِث: خَليفَة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالفاءين خياط، من خياطَة الثِّيَاب، وَقد مر فِي: بَاب الْمَيِّت يسمع خَفق النِّعَال. الرَّابِع: حبيب بن ابْن قريبَة الْمعلم بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التَّعْلِيم. الْخَامِس: عَطاء بن أبي رَبَاح. السَّادِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَنه ذكر هَذَا الْإِسْنَاد من طَرِيقين: الأول: عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن حبيب، وَالثَّانِي: أَنه ذكره على سَبِيل المذاكرة حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ لي خَليفَة لَا على سَبِيل التَّحَمُّل، فَلذَلِك لم يقل: حَدثنَا خَليفَة مَعَ أَنه شَيْخه، وَهُوَ من أَفْرَاده. وَفِيه: أَنهم كلهم بصريون إلَاّ عَطاء فَإِنَّهُ مكي، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن الثَّقَفِيّ بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ وَقَالَ) فَاعل قَالَ الأول البُخَارِيّ، وفاعل الثَّانِي ظَاهر، وَهُوَ خَليفَة. قَوْله: (أهل) أَي: أحرم. قَوْله: (وَلَيْسَ مَعَ أحد) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (وَطَلْحَة) بِالرَّفْع عطف على غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (عَليّ) ، هُوَ ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْسلهُ إِلَى الْيمن. قَوْله: (وَمَعَهُ هدي) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أَن يجعلوها) ، أَي: الْحجَّة الَّتِي أهلوا بهَا. قَوْله: (ويطوفوا) أَي: بِالْبَيْتِ، وَبَين الصَّفَا والمروة. قَوْله: (ويحلوا) أَي: ويصيرون حَلَالا. قَوْله: (يقطر) أَي: منيا بِسَبَب قرب عهدنا بِالْجِمَاعِ أَي: كُنَّا متمتعين بِالنسَاء. قَوْله: (فَبلغ) أَي: الشَّأْن يَعْنِي: بلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْلهم، هَذَا وَهُوَ أَنهم تمَتَّعُوا بِهِ، وَقُلُوبهمْ لَا تطيب بِهِ، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير متمتع، وَكَانُوا يحبونَ مُوَافَقَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي) أَي: لَو عرفت فِي أول الْحَال مَا عرفت آخرا، من جَوَاز الْعمرَة فِي أشهر الْحَج (لما أهديت) أَي: لَكُنْت مُتَمَتِّعا إِرَادَة لمُخَالفَة أهل الْجَاهِلِيَّة (ولأحللت) من الْإِحْرَام لَكِن امْتنع الْإِحْلَال لصَاحب الْهَدْي هُوَ

الْمُفْرد أَو الْقَارِن حَتَّى يبلغ الْهَدْي إِلَى مَحَله، وَذَلِكَ فِي أَيَّام النَّحْر لَا قبلهَا، وَيُقَال: مَعْنَاهُ لَو اسْتقْبلت هَذَا الرَّأْي، وَهُوَ الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج من أول أَمْرِي لم أسق الْهَدْي. قَوْله: (فنسكت الْمَنَاسِك كلهَا) أَي: أَتَت بِأَفْعَال الْحَج كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ. قَوْله: (فَلَمَّا طهرت) ، بِفَتْح الْهَاء وَضمّهَا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ النَّوَوِيّ: احْتج بِهِ من قَالَ: إِن التَّمَتُّع أفضل لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتَمَنَّى إلَاّ الْأَفْضَل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَأجَاب الْقَائِلُونَ بتفضيل الْإِفْرَاد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا قَالَ من أجل فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة الَّذِي هُوَ خَاص بهم فِي تِلْكَ السّنة فَقَط، مُخَالفَة للجاهلية. وَقَالَ هَذَا الْكَلَام تطييبا لقلوب أَصْحَابه، لِأَن نُفُوسهم كَانَت لَا تسمح بِفَسْخ الْحَج قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: وَجُمْلَة الْحَال لَهُ أَنه لم يكن مُتَمَتِّعا، لِأَنَّهُ قَالَ: (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا أهديت) يَعْنِي مَا سقت الْهَدْي ولجعلتها عمْرَة، وَلَا كَانَ مُفردا لِأَن الْهَدْي كَانَ وَاجِبا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا للقارن. وَفِيه: فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، لَكِن نقُول: إِنَّه كَانَ مَخْصُوصًا بهم فِي تِلْكَ السّنة، وَأَنه لَا يجوز الْيَوْم إلَاّ عِنْد ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ أَحْمد وَدَاوُد والظاهري. وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز الْأَمريْنِ، وَأَنه لَوْلَا مَا سبق من سوقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْهَدْي لحل مَعَهم، إلَاّ أَن السنَّة فِيمَن سَاق الْهَدْي أَنه لَا يحل إلَاّ بعد بُلُوغ الْهَدْي مَحَله، وَهُوَ نَحره يَوْم النَّحْر. قَالَ القَاضِي: وَفِيه: دَلِيل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مهلا بِالْحَجِّ. قلت: يَعْنِي لم يكن مُعْتَمِرًا، بل كَانَ قَارنا، كَمَا قَالَه الطَّبَرِيّ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله: احْتج بِهَذَا الحَدِيث قوم على جَوَاز فسخ الْحَج فِي الْعمرَة، وَقَالُوا: من طَاف من الْحجَّاج بِالْبَيْتِ قبل وُقُوفه بِعَرَفَة وَلم يكن مِمَّن سَاق الْهَدْي فَإِنَّهُ يحل قلت: أَرَادَ بهؤلاء الْقَوْم جمَاعَة الظَّاهِرِيَّة، وَأحمد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَيْسَ لأحد دخل فِي حجَّة أَن يخرج مِنْهَا إلَاّ بِتَمَامِهَا، وَلَا يحله شَيْء مِنْهَا قبل يَوْم النَّحْر من طواف وَلَا غَيره. قلت: أَرَادَ بالآخرين جَمَاهِير التَّابِعين وَالْفُقَهَاء مِنْهُم أَحْمد وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم، ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بِمثل مَا ذكرنَا الْآن أَنه كَانَ خَاصّا لَهُم فِي حجتهم تِلْكَ دون سَائِر النَّاس بعدهمْ، ثمَّ قَالَ: وَالدَّلِيل على أَن ذَلِك كَانَ خَاصّا للصحابة الَّذين حجُّوا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دون غَيرهم حَدِيث بِلَال بن الْحَارِث، قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت فسخ حجنا هَذَا لنا خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة؟ قَالَ: بل لكم خَاصَّة) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه.

٢٥٦١ - حدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عَن حَفْصَةَ قالَتْ كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أنْ يخْرُجْنَ فقَدِمَتِ امْرَأةٌ فنزَلَتْ قَصْرَ بَني خَلَفَ فَحَدَّثَتْ أنَّ أختَهَا كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَدْ غَزَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثِنْتَي عَشْرَةَ غَزْوَةً وكانَتْ أُختِي مَعَهُ فِي سَتِّ غَزَواتٍ قالَتْ كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى ونَقُومُ علَى المَرْضى فسَألْت أُخْتِي رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَتْ هَلْ عَلى إحْدانَا بأسٌ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها جِلْبابٌ أنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ لِتُلْبِسهَا صاحِبتُهَا مِنْ جلْبابِهَا ولْتَشْهَدِ الخَيْرَ ودَعْوةَ المُؤْمِنِينَ فلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عطِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا سَألْنَهَا أوْ قالَتْ سألْناها فقالَتْ وكانَتْ لَا تَذْكُر رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ قالَتْ بِأبِي فقُلْنا أسَمِعْتِ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ كذَا وكَذا قالَتْ نَعَمْ بِأبِي فقالَ لِتَخْرُجِ العَوَاتِقُ ذَواتُ الخُدُورِ أوِ العَواتِقِ وذَوَاتِ الخُدُورِ والحُيَّضُ فيَشْهَدْنَ الخَبَرَ ودَعْوةَ المُسْلِمِينَ ويَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى فَقُلْتُ آلْحَائِضُ فقالتْ أوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرفَةَ وتَشْهَدُ كَذا وتَشْهَدُ كذَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَو لَيْسَ تشهد عَرَفَة وَتشهد كَذَا وَتشهد كَذَا وَتشهد كَذَا؟) لِأَن مَعْنَاهُ: تشهد الْوُقُوف بِعَرَفَة، وَتشهد الْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة وَرمي الْجمار وَغير ذَلِك من أَفعَال الْحَج غير الطّواف بِالْبَيْتِ، وَهَذَا مُوَافق لقَوْل جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فنسكت الْمَنَاسِك كلهَا غير أَنَّهَا لم تطف بِالْبَيْتِ، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي: بَاب شُهُود الْحَائِض

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده