الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٠٣
الحديث رقم ١٩٠٣ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ
١٩٠٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
من كان صائمًا ولم يترك قول الكذب والميل عن الحق والعمل بالباطل وما نهى الله عنه فلا حاجة لله في أن يترك طعامه وشرابه، والكذب والغيبة والنميمة لا تفسد الصوم ولكنها تنقصه، والله تعالى غني عن عباده لا يوصف بالحاجة إطلاقًا، والحديث فيه نفي الحاجة، وهذا لا يستلزم إثباتها في حالات أخرى.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٨) (بابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ) أي: من لم يترك الكذب والميل عن الحقِّ (وَالعَمَلَ بِهِ) أي: بمقتضاه ممَّا نهى الله عنه (فِي الصَّوْمِ) كذا في الفرع زيادة: «في الصَّوم» ونسبها الحافظ ابن حجرٍ لنسخة الصَّغانيِّ.
١٩٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلانيُّ، الخراسانيُّ الأصل، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان اللَّيثيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال النَّبيُّ» (ﷺ: مَنْ لَمْ يَدَعْ) من لم يترك (قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ) زاد المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٥٧] عن أحمد بن يونس عن ابن (١) أبي ذئبٍ: «والجهلَ»، وفي رواية ابن وهبٍ: «والجهل في الصَّوم»، ولابن ماجه من طريق ابن المبارك: «من لم يدع (٢) قول الزُّور والجهل والعمل به» فالضَّمير في: «به» يعود على الجهل لكونه أقرب مذكورٍ، أو على الزُّور فقط وإن بَعُدَ لاتِّفاق الرِّوايات عليه أو عليهما، وأفرد الضَّمير لاشتراكهما في تنقيص الصَّوم، قاله العراقيُّ، وفي الأولى: يعود على الزُّور فقط، والمعنى متقاربٌ، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ بسندٍ رجالهٌ ثقاتٌ: «من لم يدع الخنا والكذب»، والجمهور على أنَّ الكذب والغيبة والنَّميمة لا تفسد الصَّوم، وعن الثَّوريِّ ممَّا في «الإحياء»: أنَّ الغيبة تفسده، قال: وروى ليثٌ عن مجاهدٍ: خصلتان تفسدان الصَّوم: الغيبة والكذب، هذا
لفظه، والمعروف عن مجاهدٍ: خصلتان مَنْ حفظهما سَلِم له صومه: الغيبة والكذب، رواه ابن أبي شيبة، والصَّواب الأوَّل، نعم هذه الأفعال تنقص الصَّوم، وقول بعضهم -إنَّها صغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر- أجاب عنه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ بأنَّ في حديث الباب والذي مضى (١) في أوَّل «الصَّوم» [خ¦١٨٩٤] دلالةً قويَّةً لذلك لأنَّ الرَّفث والصَّخب وقول الزُّور والعمل به ممَّا عُلِم النَّهي عنه مطلقًا، والصَّوم مأمورٌ به مطلقًا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثَّر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطةً به معنًى نفهمه، فلمَّا ذُكِرت في هذين الحديثين نبَّهتنا على أمرين؛ أحدهما: زيادة قبحها في الصَّوم على غيره، والثَّاني: الحثُّ على سلامة الصَّوم عنها، وأنَّ سلامته منها صفةُ كمالٍ فيه، وقوَّة الكلام تقتضي أن يُقبَّح ذلك لأجل الصَّوم، فمقتضى ذلك أنَّ الصَّوم يَكمُل بالسَّلامة عنها، فإذا لم يَسْلَم عنها نقص، ثمَّ قال: ولا شكَّ أنَّ التَّكاليف قد تُرَدُّ بأشياء ويُنبَّه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس المقصود من الصَّوم العدم المحض كما في المنهيَّات لأنَّه يُشتَرط له النِّيَّة بالإجماع، ولعلَّ القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لمَّا كان ذلك يشقُّ خفَّف الله وأَمَرَ (٢) بالإمساك عن المفطرات، ونبَّه العاقل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمَّنته أحاديث المبيِّن عن الله مرادَه، فيكون اجتناب المفْطِرات واجبًا واجتناب ما عداها من المخالفات من المكمِّلات (٣)، نقله في «فتح الباري». (فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ) يترك (طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) هو مجازٌ عن عدم الالتفات والقبول، فنفى السَّبب وأراد المُسبَّب، وإلَّا فالله لا يحتاج إلى شيءٍ، قاله البيضاويُّ ممَّا (٤) نقله الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»، وقول ابن بطَّالٍ وغيره: -معناه: ليس لله إرادةٌ في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة- فيه إشكالٌ لأنَّه لو لم يرد الله تركه لطعامه وشرابه لم يقع التَّرك
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان لِأَنَّهُ شهر يتضاعف فِيهِ ثَوَاب الصَّدَقَة. وَفِيه: الصَّوْم وَهُوَ من أشرف الْعِبَادَات، فَلذَلِك قَالَ: (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) . وَفِيه: لَيْلَة الْقدر. وَفِيه: كَانَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يلقاه كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن.
٢٠٩١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ أخبرَنا ابنُ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجْوَدَ النَّاسِ بالخَيْرِ وكانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبرِيلُ وكانَ جِبْرِيلُ عَليْهِ السَّلَامُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُرْآنَ فإذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أجْوَدَ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا من الحَدِيث بِبَعْض تَغْيِير، والْحَدِيث قد مضى فِي أول الْكتاب فِي: بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد أخرجه فِي خَمْسَة مَوَاضِع، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلم نبق شَيْئا، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٨ - (بابُ مَنْ لَمُ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من لم يدع، أَي: لم يتْرك قَول الزُّور وَهُوَ الْكَذِب والميل عَن الْحق، وَالْعَمَل بِالْبَاطِلِ والتهمة. قَوْله: (وَالْعَمَل بِهِ) ، أَي: بِمُقْتَضَاهُ مِمَّا نهى الله عَنهُ، وَإِنَّمَا حذف الْجَواب اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَهَكَذَا دأبه فِي غَالب الْمَوَاضِع، وَقيل: لَو نَص مَا فِي الْخَبَر لطالت التَّرْجَمَة أَو لَو عبر عَنهُ بِحكم معِين لوقع فِي عهدته.
٣٠٩١ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إيَاسٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أبِيهِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ.
(الحَدِيث ٣٠٩١ طرفه فِي: ٧٥٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن التَّرْجَمَة نصف حَدِيث الْبَاب، وَابْن أبي ذِئْب هم مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَهُوَ يروي عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه كيسَان اللَّيْثِيّ عَن أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن يُونُس عَن ابْن أبي ذِئْب بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَمْرو بن رَافع عَن ابْن الْمُبَارك، الْكل عَن ابْن أبي ذِئْب، وَفِي أَكثر الرِّوَايَات: عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه، وَقد رَوَاهُ ابْن وهب عَن ابْن أبي ذِئْب فَاخْتلف عَلَيْهِ، رَوَاهُ الرّبيع عَنهُ مثل الْجَمَاعَة، وَرَوَاهُ ابْن السَّرْح عَنهُ فَلم يقل: عَن أَبِيه. وأخرجهما النَّسَائِيّ وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن خَالِد عَن ابْن أبي ذِئْب بإسقاطه أَيْضا، وَاخْتلف فِيهِ عَليّ ابْن الْمُبَارك فَأخْرجهُ ابْن حبَان من طَرِيقه بالإسقاط، وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة بإثباته، وَكَذَلِكَ اخْتلف على أَحْمد بن يُونُس، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عَنهُ عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أَبِيه كَرِوَايَة الأَصْل وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، عَن أَحْمد بن يُونُس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، هَكَذَا هُوَ فِي أَكثر رِوَايَات البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر زِيَادَة ذكر أَبِيه، وَقد اخْتلف فِيهِ على ابْن أبي ذِئْب، اخْتِلَاف آخر، فَرَوَاهُ يُونُس بن يحيى بن سابه عَن ابْن أبي ذِئْب عَن ابْن شهَاب عَن عبد الله بن ثَعْلَبَة بن صَغِير عَن أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) كَذَلِك، وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أعلم من رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ، غير ابْن أبي ذِئْب إِن كَانَ يُونُس بن يحيى حفظه عَنهُ، وَلم أر كَلَام النَّسَائِيّ فِي نُسْخَتي، وَلأبي هُرَيْرَة
حَدِيث آخر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن عَمه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَيْسَ الصّيام من الْأكل وَالشرب فَقَط، إِنَّمَا الصّيام من اللَّغْو والرفث، فَإِن سابك أحد أَو جهل عَلَيْك، فَقل: إِنِّي صَائِم) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من لم يدع قَول الزُّور) ، أَي: من لم يتْرك، وَقد ذكرنَا تَفْسِير الزُّور عَن قريب، وَقَالَ شَيخنَا، قَوْله: هَذَا يحْتَمل أَن يُرَاد: من لم يدع ذَلِك مُطلقًا غَيره مُقَيّد بِصَوْم، وَيكون مَعْنَاهُ: أَن من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ الَّذِي هُوَ من أكبر الْكَبَائِر وَهُوَ متلبس بِهِ، فَمَاذَا يصنع بصومه؟ وَذَلِكَ كَمَا يُقَال: أَفعَال الْبر يَفْعَلهَا الْبر والفاجر وَلَا يجْتَنب النواهي إلَاّ صدِّيق، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: من لم يدع ذَلِك فِي حَال تلبسه بِالصَّوْمِ، وَهُوَ الظَّاهِر، وَقد صرح بِهِ فِي بعض طرق النَّسَائِيّ: (من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ وَالْجهل فِي الصَّوْم) . وَقد بوب التِّرْمِذِيّ على هَذَا الحَدِيث بقوله: بَاب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيد فِي الْغَيْبَة للصَّائِم. وَقَالَ شَيخنَا: فِيهِ إِشْكَال من حَيْثُ أَن الحَدِيث فِيهِ قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ، والغيبة لَيست قَول الزُّور وَلَا الْعَمَل بِهِ، إِذْ حد الْغَيْبَة على مَا هُوَ الْمَشْهُور ذكرك أَخَاك بِمَا فِيهِ مِمَّا يكرههُ، وَقَول الزُّور هُوَ الْكَذِب والبهتان، وَقد فسر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَول الزُّور فِي قَوْله فِي سُورَة الْحَج، بِشَهَادَة الزُّور، فَقَالَ: (عدلت شَهَادَة الزُّور الْإِشْرَاك بِاللَّه) ، وَهَكَذَا بوب أَبُو دَاوُد على الحَدِيث: الْغَيْبَة للصَّائِم، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ فِي (الْكُبْرَى) : مَا ينْهَى عَنهُ الصَّائِم من قَول الزُّور والغيبة، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن مَاجَه: بَاب مَا جَاءَ فِي الْغَيْبَة والرفث للصَّائِم، وَكَأَنَّهُم وَالله أعلم فَهموا من الحَدِيث حفظ الْمنطق عَن الْمُحرمَات، وَمن جُمْلَتهَا الْغَيْبَة، وَلِهَذَا بوب عَلَيْهِ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : ذكر الْخَبَر الدَّال على أَن الصّيام إِنَّمَا يتم باجتناب الْمَحْظُورَات لَا بمجانبة الطَّعَام وَالشرَاب، وَالْجمع فَقَط، وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: (من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ وَالْجهل) ، فَيحْتَمل أَن يُرَاد بِالْجَهْلِ جَمِيع الْمعاصِي، وَهَذِه اللَّفْظَة عِنْد البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، وَعند النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَفظه: (من لم يدع قَول الزُّور وَالْجهل وَالْعَمَل بِهِ) ، قَالَ شَيخنَا: الضَّمِير فِي: بِهِ، يحْتَمل أَن يعود إِلَى الزُّور فَقَط، وَإِن كَانَ أبعد فِي الذّكر لِاتِّفَاق الرِّوَايَات عَلَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يعود على الْجَهْل فَقَط لكَونه أقرب مَذْكُور، وعَلى هَذَا فالغيبة عمل بِالْجَهْلِ، وَيحْتَمل عود الضَّمِير عَلَيْهِمَا: أَعنِي الزُّور وَالْجهل، وَإِنَّمَا أفرد الضَّمِير لاشْتِرَاكهمَا فِي تنقيص الصَّوْم. انْتهى. قلت: يجوز أَن يعود إِلَيْهِمَا بِاعْتِبَار كل وَاحِد.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أَن الْغَيْبَة والنميمة وَالْكذب: هَل يفْطر الصَّائِم؟ فَذهب الْجُمْهُور من الْأَئِمَّة إِلَى أَنه لَا يفْسد الصَّوْم بذلك، وَإِنَّمَا التَّنَزُّه عَن ذَلِك من تَمام الصَّوْم. وَعَن الثَّوْريّ: إِن الْغَيْبَة تفْسد الصَّوْم، ذكره الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) ، وَقَالَ: رَوَاهُ بشر بن الْحَارِث عَنهُ، قَالَ: وروى لَيْث عَن مُجَاهِد: (خصلتان تفسدان الصَّوْم: الْغَيْبَة وَالْكذب) ، هَكَذَا ذكره الْغَزالِيّ بِهَذَا اللَّفْظ، وَالْمَعْرُوف عَن مُجَاهِد: (خصلتان من حفظهما سلم لَهُ صَوْمه: الْغَيْبَة وَالْكذب) ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن لَيْث عَن مُجَاهِد، وروى ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم عَن يعلى بن عبيد عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: إِن الْكَذِب يفْطر الصَّائِم. وروى أَيْضا عَن يحيى بن يُوسُف عَن يحيى بن سليم عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي، قَالُوا: اتَّقوا المفطِرَين: الْكَذِب والغيبة.
قَوْله: (فَلَيْسَ لله حَاجَة) هَذَا مجَاز عَن عدم الِالْتِفَات وَالْقَبُول، فنفى السَّبَب وَأَرَادَ الْمُسَبّب، قَالَ ابْن بطال: وضع الْحَاجة مَوضِع الْإِرَادَة، إِذْ الله لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء، يَعْنِي: لَيْسَ لله إِرَادَة فِي صِيَامه، وَقَالَ أَبُو عمر: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يُؤمر بِأَن يدع صِيَامه، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التحذير من قَول الزُّور، وَمَا ذكر مَعَه، وَهُوَ مثل قَوْله: (من بَاعَ الْخمر فليشقص الْخَنَازِير) ، أَي: يذبحها، وَلم يَأْمُرهُ بذبحها، وَلكنه على التحذير والتعظيم لإثم بَائِع الْخمر، قَالَ: فَكَذَلِك من اغتاب أَو شهد زورا أَو مُنْكرا لم يُؤمر بِأَن يدع صِيَامه، وَلكنه يُؤمر باجتناب ذَلِك ليتم لَهُ أجر صَوْمه. ثمَّ قَوْله: (فَلَيْسَ لله حَاجَة) هَكَذَا لفظ (الصَّحِيح) وَكتب السّنَن وَغَيرهَا من الْكتب الْمَشْهُورَة، وَفِي بعض طرقه: (فَلَيْسَ بِهِ حَاجَة) ، يَعْنِي بِالَّذِي يَصُوم بِهَذَا الْوَصْف، رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من رِوَايَة يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري من غير ذكر أَبِيه، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَيزِيد بن هَارُون من أَئِمَّة الْمُسلمين.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٨) (بابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ) أي: من لم يترك الكذب والميل عن الحقِّ (وَالعَمَلَ بِهِ) أي: بمقتضاه ممَّا نهى الله عنه (فِي الصَّوْمِ) كذا في الفرع زيادة: «في الصَّوم» ونسبها الحافظ ابن حجرٍ لنسخة الصَّغانيِّ.
١٩٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلانيُّ، الخراسانيُّ الأصل، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان اللَّيثيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال النَّبيُّ» (ﷺ: مَنْ لَمْ يَدَعْ) من لم يترك (قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ) زاد المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٥٧] عن أحمد بن يونس عن ابن (١) أبي ذئبٍ: «والجهلَ»، وفي رواية ابن وهبٍ: «والجهل في الصَّوم»، ولابن ماجه من طريق ابن المبارك: «من لم يدع (٢) قول الزُّور والجهل والعمل به» فالضَّمير في: «به» يعود على الجهل لكونه أقرب مذكورٍ، أو على الزُّور فقط وإن بَعُدَ لاتِّفاق الرِّوايات عليه أو عليهما، وأفرد الضَّمير لاشتراكهما في تنقيص الصَّوم، قاله العراقيُّ، وفي الأولى: يعود على الزُّور فقط، والمعنى متقاربٌ، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ بسندٍ رجالهٌ ثقاتٌ: «من لم يدع الخنا والكذب»، والجمهور على أنَّ الكذب والغيبة والنَّميمة لا تفسد الصَّوم، وعن الثَّوريِّ ممَّا في «الإحياء»: أنَّ الغيبة تفسده، قال: وروى ليثٌ عن مجاهدٍ: خصلتان تفسدان الصَّوم: الغيبة والكذب، هذا
لفظه، والمعروف عن مجاهدٍ: خصلتان مَنْ حفظهما سَلِم له صومه: الغيبة والكذب، رواه ابن أبي شيبة، والصَّواب الأوَّل، نعم هذه الأفعال تنقص الصَّوم، وقول بعضهم -إنَّها صغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر- أجاب عنه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ بأنَّ في حديث الباب والذي مضى (١) في أوَّل «الصَّوم» [خ¦١٨٩٤] دلالةً قويَّةً لذلك لأنَّ الرَّفث والصَّخب وقول الزُّور والعمل به ممَّا عُلِم النَّهي عنه مطلقًا، والصَّوم مأمورٌ به مطلقًا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثَّر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطةً به معنًى نفهمه، فلمَّا ذُكِرت في هذين الحديثين نبَّهتنا على أمرين؛ أحدهما: زيادة قبحها في الصَّوم على غيره، والثَّاني: الحثُّ على سلامة الصَّوم عنها، وأنَّ سلامته منها صفةُ كمالٍ فيه، وقوَّة الكلام تقتضي أن يُقبَّح ذلك لأجل الصَّوم، فمقتضى ذلك أنَّ الصَّوم يَكمُل بالسَّلامة عنها، فإذا لم يَسْلَم عنها نقص، ثمَّ قال: ولا شكَّ أنَّ التَّكاليف قد تُرَدُّ بأشياء ويُنبَّه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس المقصود من الصَّوم العدم المحض كما في المنهيَّات لأنَّه يُشتَرط له النِّيَّة بالإجماع، ولعلَّ القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لمَّا كان ذلك يشقُّ خفَّف الله وأَمَرَ (٢) بالإمساك عن المفطرات، ونبَّه العاقل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمَّنته أحاديث المبيِّن عن الله مرادَه، فيكون اجتناب المفْطِرات واجبًا واجتناب ما عداها من المخالفات من المكمِّلات (٣)، نقله في «فتح الباري». (فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ) يترك (طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) هو مجازٌ عن عدم الالتفات والقبول، فنفى السَّبب وأراد المُسبَّب، وإلَّا فالله لا يحتاج إلى شيءٍ، قاله البيضاويُّ ممَّا (٤) نقله الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»، وقول ابن بطَّالٍ وغيره: -معناه: ليس لله إرادةٌ في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة- فيه إشكالٌ لأنَّه لو لم يرد الله تركه لطعامه وشرابه لم يقع التَّرك
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان لِأَنَّهُ شهر يتضاعف فِيهِ ثَوَاب الصَّدَقَة. وَفِيه: الصَّوْم وَهُوَ من أشرف الْعِبَادَات، فَلذَلِك قَالَ: (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) . وَفِيه: لَيْلَة الْقدر. وَفِيه: كَانَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يلقاه كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن.
٢٠٩١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ أخبرَنا ابنُ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجْوَدَ النَّاسِ بالخَيْرِ وكانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبرِيلُ وكانَ جِبْرِيلُ عَليْهِ السَّلَامُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُرْآنَ فإذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أجْوَدَ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا من الحَدِيث بِبَعْض تَغْيِير، والْحَدِيث قد مضى فِي أول الْكتاب فِي: بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد أخرجه فِي خَمْسَة مَوَاضِع، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلم نبق شَيْئا، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٨ - (بابُ مَنْ لَمُ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من لم يدع، أَي: لم يتْرك قَول الزُّور وَهُوَ الْكَذِب والميل عَن الْحق، وَالْعَمَل بِالْبَاطِلِ والتهمة. قَوْله: (وَالْعَمَل بِهِ) ، أَي: بِمُقْتَضَاهُ مِمَّا نهى الله عَنهُ، وَإِنَّمَا حذف الْجَواب اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَهَكَذَا دأبه فِي غَالب الْمَوَاضِع، وَقيل: لَو نَص مَا فِي الْخَبَر لطالت التَّرْجَمَة أَو لَو عبر عَنهُ بِحكم معِين لوقع فِي عهدته.
٣٠٩١ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إيَاسٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أبِيهِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ.
(الحَدِيث ٣٠٩١ طرفه فِي: ٧٥٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن التَّرْجَمَة نصف حَدِيث الْبَاب، وَابْن أبي ذِئْب هم مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَهُوَ يروي عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه كيسَان اللَّيْثِيّ عَن أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن يُونُس عَن ابْن أبي ذِئْب بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَمْرو بن رَافع عَن ابْن الْمُبَارك، الْكل عَن ابْن أبي ذِئْب، وَفِي أَكثر الرِّوَايَات: عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه، وَقد رَوَاهُ ابْن وهب عَن ابْن أبي ذِئْب فَاخْتلف عَلَيْهِ، رَوَاهُ الرّبيع عَنهُ مثل الْجَمَاعَة، وَرَوَاهُ ابْن السَّرْح عَنهُ فَلم يقل: عَن أَبِيه. وأخرجهما النَّسَائِيّ وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن خَالِد عَن ابْن أبي ذِئْب بإسقاطه أَيْضا، وَاخْتلف فِيهِ عَليّ ابْن الْمُبَارك فَأخْرجهُ ابْن حبَان من طَرِيقه بالإسقاط، وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة بإثباته، وَكَذَلِكَ اخْتلف على أَحْمد بن يُونُس، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عَنهُ عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد عَن أَبِيه كَرِوَايَة الأَصْل وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، عَن أَحْمد بن يُونُس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، هَكَذَا هُوَ فِي أَكثر رِوَايَات البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر زِيَادَة ذكر أَبِيه، وَقد اخْتلف فِيهِ على ابْن أبي ذِئْب، اخْتِلَاف آخر، فَرَوَاهُ يُونُس بن يحيى بن سابه عَن ابْن أبي ذِئْب عَن ابْن شهَاب عَن عبد الله بن ثَعْلَبَة بن صَغِير عَن أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) كَذَلِك، وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أعلم من رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ، غير ابْن أبي ذِئْب إِن كَانَ يُونُس بن يحيى حفظه عَنهُ، وَلم أر كَلَام النَّسَائِيّ فِي نُسْخَتي، وَلأبي هُرَيْرَة
حَدِيث آخر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب عَن عَمه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَيْسَ الصّيام من الْأكل وَالشرب فَقَط، إِنَّمَا الصّيام من اللَّغْو والرفث، فَإِن سابك أحد أَو جهل عَلَيْك، فَقل: إِنِّي صَائِم) .
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من لم يدع قَول الزُّور) ، أَي: من لم يتْرك، وَقد ذكرنَا تَفْسِير الزُّور عَن قريب، وَقَالَ شَيخنَا، قَوْله: هَذَا يحْتَمل أَن يُرَاد: من لم يدع ذَلِك مُطلقًا غَيره مُقَيّد بِصَوْم، وَيكون مَعْنَاهُ: أَن من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ الَّذِي هُوَ من أكبر الْكَبَائِر وَهُوَ متلبس بِهِ، فَمَاذَا يصنع بصومه؟ وَذَلِكَ كَمَا يُقَال: أَفعَال الْبر يَفْعَلهَا الْبر والفاجر وَلَا يجْتَنب النواهي إلَاّ صدِّيق، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: من لم يدع ذَلِك فِي حَال تلبسه بِالصَّوْمِ، وَهُوَ الظَّاهِر، وَقد صرح بِهِ فِي بعض طرق النَّسَائِيّ: (من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ وَالْجهل فِي الصَّوْم) . وَقد بوب التِّرْمِذِيّ على هَذَا الحَدِيث بقوله: بَاب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيد فِي الْغَيْبَة للصَّائِم. وَقَالَ شَيخنَا: فِيهِ إِشْكَال من حَيْثُ أَن الحَدِيث فِيهِ قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ، والغيبة لَيست قَول الزُّور وَلَا الْعَمَل بِهِ، إِذْ حد الْغَيْبَة على مَا هُوَ الْمَشْهُور ذكرك أَخَاك بِمَا فِيهِ مِمَّا يكرههُ، وَقَول الزُّور هُوَ الْكَذِب والبهتان، وَقد فسر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَول الزُّور فِي قَوْله فِي سُورَة الْحَج، بِشَهَادَة الزُّور، فَقَالَ: (عدلت شَهَادَة الزُّور الْإِشْرَاك بِاللَّه) ، وَهَكَذَا بوب أَبُو دَاوُد على الحَدِيث: الْغَيْبَة للصَّائِم، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ فِي (الْكُبْرَى) : مَا ينْهَى عَنهُ الصَّائِم من قَول الزُّور والغيبة، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن مَاجَه: بَاب مَا جَاءَ فِي الْغَيْبَة والرفث للصَّائِم، وَكَأَنَّهُم وَالله أعلم فَهموا من الحَدِيث حفظ الْمنطق عَن الْمُحرمَات، وَمن جُمْلَتهَا الْغَيْبَة، وَلِهَذَا بوب عَلَيْهِ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : ذكر الْخَبَر الدَّال على أَن الصّيام إِنَّمَا يتم باجتناب الْمَحْظُورَات لَا بمجانبة الطَّعَام وَالشرَاب، وَالْجمع فَقَط، وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: (من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ وَالْجهل) ، فَيحْتَمل أَن يُرَاد بِالْجَهْلِ جَمِيع الْمعاصِي، وَهَذِه اللَّفْظَة عِنْد البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب، وَعند النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَفظه: (من لم يدع قَول الزُّور وَالْجهل وَالْعَمَل بِهِ) ، قَالَ شَيخنَا: الضَّمِير فِي: بِهِ، يحْتَمل أَن يعود إِلَى الزُّور فَقَط، وَإِن كَانَ أبعد فِي الذّكر لِاتِّفَاق الرِّوَايَات عَلَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يعود على الْجَهْل فَقَط لكَونه أقرب مَذْكُور، وعَلى هَذَا فالغيبة عمل بِالْجَهْلِ، وَيحْتَمل عود الضَّمِير عَلَيْهِمَا: أَعنِي الزُّور وَالْجهل، وَإِنَّمَا أفرد الضَّمِير لاشْتِرَاكهمَا فِي تنقيص الصَّوْم. انْتهى. قلت: يجوز أَن يعود إِلَيْهِمَا بِاعْتِبَار كل وَاحِد.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أَن الْغَيْبَة والنميمة وَالْكذب: هَل يفْطر الصَّائِم؟ فَذهب الْجُمْهُور من الْأَئِمَّة إِلَى أَنه لَا يفْسد الصَّوْم بذلك، وَإِنَّمَا التَّنَزُّه عَن ذَلِك من تَمام الصَّوْم. وَعَن الثَّوْريّ: إِن الْغَيْبَة تفْسد الصَّوْم، ذكره الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) ، وَقَالَ: رَوَاهُ بشر بن الْحَارِث عَنهُ، قَالَ: وروى لَيْث عَن مُجَاهِد: (خصلتان تفسدان الصَّوْم: الْغَيْبَة وَالْكذب) ، هَكَذَا ذكره الْغَزالِيّ بِهَذَا اللَّفْظ، وَالْمَعْرُوف عَن مُجَاهِد: (خصلتان من حفظهما سلم لَهُ صَوْمه: الْغَيْبَة وَالْكذب) ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن لَيْث عَن مُجَاهِد، وروى ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم عَن يعلى بن عبيد عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: إِن الْكَذِب يفْطر الصَّائِم. وروى أَيْضا عَن يحيى بن يُوسُف عَن يحيى بن سليم عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي، قَالُوا: اتَّقوا المفطِرَين: الْكَذِب والغيبة.
قَوْله: (فَلَيْسَ لله حَاجَة) هَذَا مجَاز عَن عدم الِالْتِفَات وَالْقَبُول، فنفى السَّبَب وَأَرَادَ الْمُسَبّب، قَالَ ابْن بطال: وضع الْحَاجة مَوضِع الْإِرَادَة، إِذْ الله لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء، يَعْنِي: لَيْسَ لله إِرَادَة فِي صِيَامه، وَقَالَ أَبُو عمر: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يُؤمر بِأَن يدع صِيَامه، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التحذير من قَول الزُّور، وَمَا ذكر مَعَه، وَهُوَ مثل قَوْله: (من بَاعَ الْخمر فليشقص الْخَنَازِير) ، أَي: يذبحها، وَلم يَأْمُرهُ بذبحها، وَلكنه على التحذير والتعظيم لإثم بَائِع الْخمر، قَالَ: فَكَذَلِك من اغتاب أَو شهد زورا أَو مُنْكرا لم يُؤمر بِأَن يدع صِيَامه، وَلكنه يُؤمر باجتناب ذَلِك ليتم لَهُ أجر صَوْمه. ثمَّ قَوْله: (فَلَيْسَ لله حَاجَة) هَكَذَا لفظ (الصَّحِيح) وَكتب السّنَن وَغَيرهَا من الْكتب الْمَشْهُورَة، وَفِي بعض طرقه: (فَلَيْسَ بِهِ حَاجَة) ، يَعْنِي بِالَّذِي يَصُوم بِهَذَا الْوَصْف، رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من رِوَايَة يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري من غير ذكر أَبِيه، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَيزِيد بن هَارُون من أَئِمَّة الْمُسلمين.