«سَأَلْتُ جَابِرًا ﵁: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٨٤

الحديث رقم ١٩٨٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صوم يوم الجمعة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سألت جابرا ﵁: نهى النبي ﷺ عن صوم يوم…

«سَأَلْتُ جَابِرًا : نَهَى النَّبِيُّ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ» زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ: أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ.

سند حديث: ١٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ…

١٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «سألت جابرا ﵁: نهى النبي ﷺ عن صوم يوم…

لما كان يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين، نهى الشارع عن تخصيصه بصيام أو قيام، إلا أن يصوم يوماً معه قبله أو بعده أو يكون ضمن صوم معتاد، ولئلا يظن العامة أيضاً تخصيص يوم الجمعة بزيادة عبادة على غيره واجبة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • النهى عن صوم يوم الجمعة.
  • جواز صومه إذا قُرن بصيامٍ قبله أو بعده، أو كان في صوم معتاد.
  • يحمل النهي في صومه على التنزيه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصومه في جملة صومه الذي يصوم. ورخص بصومه إذا قُرن بغيره، ولو كان حراماً ما صِيمَ، كعيد الفطر والنحر.
  • حرص السلف على العلم تعلما وتعليمًا.
  • جواز الحلف على الفُتْيَا ولو لم يُستحلف.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «سألت جابرا ﵁: نهى النبي ﷺ عن صوم يوم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَصُومَ مِنْ شَعْبَانَ يَوْمًا وَاحِدًا، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، نَعَمْ وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ: فَصُمْ مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَوْمَيْنِ وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قَضَاءُ الْفَرْضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ.

٦٣ - بَاب صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ

وَإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ

١٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا : أنَهَى النَّبِيُّ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ: يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمِهِ.

١٩٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ"

١٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أَصُمْتِ أَمْسِ قَالَتْ لَا قَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا قَالَتْ لَا قَالَ فَأَفْطِرِي وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ "أَنَّ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَتْهُ فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ"

قَوْلُهُ: (بَابُ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمْعَةِ، وإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ زِيَادَةٌ هُنَا، وَهِيَ يَعْنِي: إِذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ بَعْدَهُ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْفَرَبْرِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ فَإِنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُعَبِّرَ الْبُخَارِيُّ عَمَّا يَقُولُهُ بِلَفْظِ يَعْنِي، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ لَقَالَ: أَعْنِي. بَلْ كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا أَصْلًا وَرَأْسًا، وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ إِطْلَاقِ التَّرْجَمَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ آخِرَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، إِذْ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ: أَوَّلُهَا حَدِيثُ جَابِرٍ وَهُوَ مُطْلَقٌ وَالتَّقْيِيدُ فِيهِ تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَثَانِيهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّقْيِيدِ، وَثَالِثُهَا حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ وَهُوَ أَظْهَرُهَا فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ) أَيْ: ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجْبِيُّ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو قُرَّةَ فِي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ، وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ رُبَّمَا رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الْحَمِيدِ، كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِمَا، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَزَادَ فُضَيْلَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَوْمَأَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ نَظَرًا، فَإِنَّهُ قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ فَذَكَرَ إِسْنَادَهُ قَالَ: وَقَدْ رُوِّيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ كَمَا قَالَ يَحْيَى، ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ. قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو سَعْدٍ الصَّغَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَمَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَأَبُو سَعْدٍ لَيْسَ كَهَؤُلَاءِ يَعْنِي: الْقَطَّانَ وَمَنْ تَابَعَهُ.

قُلْتُ: وَلَمْ

يُصِبِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ مُسْتَقِيمَةٌ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى الزِّيَادَةِ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ فِي سُنَنِهِ فَأَخْرَجَاهُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُوسَى كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلِ بْنِ خُوَيْلِدِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ كَذَلِكَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ، وَلِهَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَصَّرَ فِي إِسْنَادِهِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ لَقِيَ مُحَمَّدًا فَسَمِعَهُ مِنْهُ، أَوْ سَمِعَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَاسْتَثْبَتَ فِيهِ مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي الْمَتْنِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو سَعْدٍ بِمُتَابَعَةِ أَبِي عَاصِمٍ عَلَى ذِكْرِ عَبْدِ الْحَمِيدِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، بَلْ تَابَعَهُمَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو قُرَّةَ، وَحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ كَمَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْقَاطِهِ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ الْمَذْكُورُ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ رَوَى عَنْ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ وَهِيَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: هَذَا، وَآخَرُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَآخَرُ فِي الْأَدَبِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادٍ أَخْبَرَهُ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ مَكِّيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ بَصْرِيٌّ، وَالصَّحَابِيَّ فَهُوَ مَدَنِيٌّ، وَقَدْ أَقَامَا بِمَكَّةَ زَمَانًا.

قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ جَابِرًا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَذْكُورَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَزَادُوا أَيْضًا فِي آخِرِهِ قَالَ: نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَعَزَاهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ لِمُسْلِمٍ فَوَهَمَ. وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ لِتَأْكِيدِ الْأَمْرِ، وَإِضَافَةُ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى الْمَخْلُوقَاتِ الْمُعَظَّمَةِ تَنْوِيهًا بِتَعْظِيمِهَا، وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ فِي الْجَوَابِ بِـ نَعَمْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْأَمْرِ الْمُفَسَّرِ بِهَا.

قَوْلُهُ: (زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ يَعْنِي: أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمِهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ وَالْغَيْرُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِالزِّيَادَةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَمِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. وَلَفْظُ يَحْيَى: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَى أَنْ يَنْفَرِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ؟ قَالَ: أي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَلَفْظُ حَفْصٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُفْرَدًا. وَلَفْظُ النَّضْرِ: أَنَّ جَابِرًا سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُفْرَدَ.

قَوْلُهُ في حديث أبي هريرة: (لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ بِلَفْظِ النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا يَصُومَنَّ بِلَفْظِ النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ يَوْمًا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا بِيَوْمٍ قَبْلَهُ، وَتَكُونُ الْبَاءُ لِلْمُصَاحِبَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَشْكَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ يَوْمًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يُفْرَدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَوْبَرِ زِيَادٍ الْحَارِثِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنْتَ الَّذِي تَنْهَى النَّاسَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: هَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا، لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: لَا يَصُومُ

أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ إِلَّا فِي أَيَّامٍ مَعَهُ.

وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ لَيْلَى امْرَأَةِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا فِي أَيَّامٍ هُوَ أَحَدُهَا، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُقَيِّدُ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَتُؤَيِّدُ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ تَقْيِيدِ الْإِطْلَاقِ بِالْإِفْرَادِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ جَوَازُهُ لِمَنْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوِ اتَّفَقَ وُقُوعُهُ فِي أَيَّامٍ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِهَا كَمَنْ يَصُومُ أَيَّامَ الْبِيضِ أَوْ مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ عَرَفَةَ فَوَافَقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ صَوْمِهِ لِمَنْ نَذَرَ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ مَثَلًا أَوْ يَوْمَ شِفَاءِ فُلَانٍ.

الحديث الثالث قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) لَمْ يُنْسَبْ مُحَمَّدٌ الْمَذْكُورُ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي فِي الصِّيَامِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ وَوَافَقَهُ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْعَتَكِيِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ نِسْبَةً إِلَى بَطْنٍ مِنَ الْأَزْدِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْمَرَاغِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ ثُمَّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَهَمَّامٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، وَلَيْسَ لِجُوَيْرِيَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَتِهَا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ، وَاتَّفَقَ شُعْبَةُ، وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ، وَخَالَفَهُمَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فَقَالَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى جُوَيْرِيَةَ فَذَكَرَهُ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ طَرِيقُ شُعْبَةَ لِمُتَابَعَةِ هَمَّامٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ لَهُ، وَكَذَا حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ كَمَا سَيَأْتِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ طَرِيقُ سَعِيدٍ مَحْفُوظَةً أَيْضًا، فَإِنَّ مَعْمَرًا رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيْضًا لَكِنْ أَرْسَلَهُ.

قَوْلُهُ: (أَفْطِرِي) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ إِذًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي جَمْعِ حَدِيثِ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ وَحَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ فِيهِ لِينٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. وَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى مَنْعِ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصِّيَامِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ كَمَا ثَبَتَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَزَادَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأَمْرَ بِفِطْرِ مَنْ أَرَادَ إِفْرَادَهُ بِالصَّوْمِ، فَهَذَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَرَى بِتَحْرِيمِهِ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهِ لِمَنْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حَزْمٍ مَنْعَ صَوْمِهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي ذَرٍّ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُكْرَهُ، قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْهُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَعَلَّ النَّهْيَ مَا بَلَغَ مَالِكًا. وَزَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّ كَلَامَ مَالِكٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ إِفْرَادِهِ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَصَّ يَوْمٌ مِنَ الْأَيَّامِ بِالْعِبَادَةِ، فَيَكُونَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. وَعَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلَ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْهُمْ: يَوْمٌ لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا يُكْرَهُ وَحْدَهُ. لِكَوْنِهِ قِيَاسًا مَعَ وُجُودِ النَّصِّ. وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: كَانَ لَا يَتَعَمَّدُ فِطْرَهُ إِذَا وَقَعَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ يَصُومهَا، وَلَا يُضَادُّ ذَلِكَ كَرَاهَةَ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تصريح مهديٍّ بالتَّحديث عن (١) غيلان، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، والله أعلم (٢).

(٦٣) (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فإِذَا) بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «وإذا» (أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «يعني: إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه الزِّيادة تشبه أن تكون من الفَِرَبْريِّ أو ممَّن دونه؛ فإنها لم تقع في رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ، ويبعد أن يعبِّر البخاري عما يقوله بلفظ: «يعني»، ولو كان ذلك من كلامه لقال: أعني، بل كان يستغني عنها أصلًا ورأسًا، واعترضه العينيُّ بأنَّ عدم وقوع الزِّيادة في رواية النَّسفيِّ لا يستلزم عدم (٣) وقوعها من غيره، وليس قوله: «يعني» ببعيدٍ، فكأنَّه جعل قوله: «وإذا أصبح صائمًا فعليه أن يفطر» لغيره بطريق التَّجريد، ثمَّ أوضحه بقوله: «يعني»، فافهم فإنَّه دقيقٌ. انتهى. فليُتأمَّل ما فيه من التَّكلُّف.

١٩٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن شيبة» وهو ابن عثمان بن طلحة الحَجَبيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة المخزوميِّ (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاريَّ () زاد مسلمٌ وغيره: وهو يطوف بالبيت: (نَهَى) بحذف همزة الاستفهام، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أَنَهَى» (النَّبِيُّ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ). زاد مسلمٌ: «وربِّ هذا البيت»، وللنَّسائيِّ: «وربِّ الكعبة»، وعزاها في «العمدة» لمسلمٍ فوهم، والظَّاهر: أنَّه نقله بالمعنى. قال البخاريُّ: (زَادَ غَيْرُ أَبِي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣٦ - (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ فإذَا أصْبَحَ صَائِما يَوْمَ الجُمْعَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يُفْطِرَ يَعْنِي إذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلا يُرِيدُ أنْ يَصُومَ بَعْدَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَحكمه أَنه إِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَإِن كَانَ صَامَ قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليصمه، وَإِن كَانَ لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليفطر، لوُرُود النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَحده على مَا يَجِيء، عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَوَقع فِي كثير من الرِّوَايَات: بَاب صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يَصُوم، هَكَذَا وَقع لَا غير، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت زِيَادَة، وَهِي قَوْله: يَعْنِي إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من الْفربرِي أَو من دونه فَإِنَّهَا لم تقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ، وَيبعد أَن يعبر البُخَارِيّ عَمَّا يَقُوله بِلَفْظ: يَعْنِي، وَلَو كَانَ ذَلِك من كَلَامه لقَالَ: أَعنِي، بل كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا أصلا. قلت: عدم وُقُوع هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ لَا يسْتَلْزم عدم وُقُوعهَا من غَيره، سَوَاء كَانَ من الْفربرِي أَو من غَيره، وَالظَّاهِر أَنَّهَا من البُخَارِيّ. وَقَوله: يَعْنِي، فِي مَحَله وَلَيْسَ بِبَعِيد، لِأَنَّهُ يُوضح المُرَاد من قَوْله: (وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يفْطر) فأوضح بقوله: يَعْنِي، أَن هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِفْطَار إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، فَقَوله: (وَإِذا أصبح ... .) إِلَى آخِره، إِذا كَانَ من كَلَام غَيره فَلفظ يَعْنِي فِي مَحَله، وَإِذا كَانَ من كَلَامه فَكَأَنَّهُ جعل هَذَا لغيره بطرِيق التَّجْرِيد، ثمَّ أوضحه بقوله: يَعْنِي، فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق.

٤٨٩١ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ محَمَّدِ بنِ عَبَّادٍ قَالَ سألْتُ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ قَالَ نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أبِي عاصِمٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا مَكْرُوه، لِأَنَّهُ منهى عَنهُ، والترجمة تَتَضَمَّن معنى الحَدِيث.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عبد الحميد بن جُبَير مصغر: الْجَبْر ابْن شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة عبد الله الحَجبي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: المَخْزُومِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رَوَاهُ مَا خلا شَيْخه مكيون. وَفِيه: عبد الحميد وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير روى عَن عمته صَفِيَّة بنت شيبَة، قَالَ بَعضهم: وَهِي من صغَار الصَّحَابَة. قلت: قَالَ ابْن الْأَثِير: اخْتلف فِي صحبتهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا تصح لَهَا رُؤْيَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن عبد الحميد لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث، هَذَا، وَآخر فِي بَدْء الْخلق، وَآخر فِي الْأَدَب. وَفِيه: رِوَايَة ابْن جريج عَن عبد الحميد. وَفِي رِوَايَة: عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عبد الحميد، وَابْن جريج، رُبمَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن عباد عَن نَفسه، وَلم يذكر عبد الحميد. كَذَلِك أخرجه النَّسَائِيّ، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا يحيى، قَالَ: حَدثنَا ابْن جريج. قَالَ: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عبد الحميد بن جُبَير عَن مُحَمَّد بن عباد.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن يُوسُف بن سعيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن سُلَيْمَان بن سَالم وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن هِشَام بن عمار.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلت جَابِرا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (سَأَلت جَابر بن عبد الله وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ، أنَهَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نعم وَرب الْكَعْبَة) . قَوْله: (زَاد غير أبي عَاصِم) أَي: قَالَ البُخَارِيّ: زَاد غَيره من الشُّيُوخ

لفظ: أَن ينْفَرد بصومه، أَي: يَصُوم يَوْم الْجُمُعَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَن ينْفَرد بِصَوْم) ، وَغير أبي عَاصِم هُوَ يحيى بن سعيد الْقطَّان، وَقَالَ النَّسَائِيّ: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ (عَن يحيى عَن ابْن جريج: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل، وَلَفظه: (أَن جَابر سُئِلَ عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يفرد) . وروى أَيْضا من طَرِيق حَفْص بن غياث، وَلَفظه: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا) ، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن الْمسيب (عَن عبد الله ابْن عَمْرو: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على جوَيْرِية بنت الْحَارِث يَوْم الْجُمُعَة وَهِي صَائِمَة، فَقَالَ لَهَا: (أصمتِ أمس؟ قَالَت: لَا، قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تصومي غَدا. قَالَت: لَا، قَالَ: فأفطري) .

وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين (عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَبَا الدَّرْدَاء؟ لَا تخص يَوْم الْجُمُعَة بصيام دون الْأَيَّام، وَلَا تخص لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام دون اللَّيَالِي) ، وَابْن سِيرِين لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء، وَقد اخْتلف فِيهِ على ابْن سِيرِين، فَقيل: هَكَذَا، وَقيل: عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. وروى أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (لَا تَصُومُوا يَوْم الْجُمُعَة) ، وَفِي إِسْنَاده: الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَضَعفه الْجُمْهُور. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث بشير بن الخصاصية بِلَفْظ (لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) ، وَرِجَاله ثِقَات. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة صَالح بن جبلة (عَن أنس: أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من صَامَ الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة قصرا من لُؤْلُؤ وَيَاقُوت وَزَبَرْجَد، وَكتب لَهُ بَرَاءَة من النَّار) وَصَالح بن جبلة ضعفه الْأَزْدِيّ، فَفِي هَذَا صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مَعَ يَوْم قبله، وروى الْبَزَّار من حَدِيث عَامر بن كَدين بِلَفْظ: إِن يَوْم الْجُمُعَة فَلَا تصوموه إلَاّ أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة حُذَيْفَة الْبَارِقي (عَن جُنَادَة الْأَزْدِيّ: أَنهم دخلُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَمَانِيَة نفر، وَهُوَ ثامنهم، فَقرب إِلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَعَاما يَوْم جُمُعَة، قَالَ: كلوا. قَالُوا: صِيَام! قَالَ: أصمتم أمس؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فصائمون غَدا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فأفطروا) .

فَإِن قلت: يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن زر (عَن عبد الله، قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم من كل غرَّة شهر ثَلَاثَة أَيَّام وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة) ؟ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة حَدثنَا حَفْص حَدثنَا لَيْث عَن عُمَيْر بن أبي عُمَيْر (عَن ابْن عمر، قَالَ: مَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . وَمَا أخرجه أَيْضا عَن حَفْص عَن لَيْث عَن طَاوس (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا رَأَيْته مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . قلت: لَا نسلم هَذِه الْمُعَارضَة لِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهَا على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَامَ يَوْم الْجُمُعَة وَحده، فنهيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث يدل على أَن صَوْمه يَوْم الْجُمُعَة لم يكن فِي يَوْم الْجُمُعَة وَحده، بل إِنَّمَا كَانَ بِيَوْم قبله أَو بِيَوْم بعده، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يحمل فعله على مُخَالفَة أمره إلَاّ بِنَصّ صَرِيح صَحِيح، فَحِينَئِذٍ يكون نسخا أَو تَخْصِيصًا، وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْتَفٍ.

وَأما حكم الْمَسْأَلَة فَاخْتَلَفُوا فِي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة على خَمْسَة أَقْوَال:

أَحدهَا: كَرَاهَته مُطلقًا، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالزهْرِيّ وَمُجاهد، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد حكى أَبُو عمر عَن أَحْمد وَإِسْحَاق كَرَاهَته مُطلقًا، وَنقل ابْن الْمُنْذر وَابْن حزم منع صَوْمه عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وسلمان وَأبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وشبهوه بِيَوْم الْعِيد، فَفِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن هَذَا يَوْم جعله الله عيدا) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا صِيَام يَوْم عيد) .

القَوْل الثَّانِي: إِبَاحَته مُطلقًا من غير كَرَاهَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن، وَقَالَ مَالك: لم أسمع أحدا من أهل الْعلم وَالْفِقْه وَمن يَقْتَدِي بِهِ ينْهَى عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وصيامه حسن.

القَوْل الثَّالِث: أَنه يكره إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، فَإِن صَامَ يَوْمًا قبله أَو بعده لم يكره، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وطاووس وَأبي يُوسُف، وَفِي (كتاب الطّراز) : وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر، وَاخْتلف عَن الشَّافِعِي، فَحكى الْمُزنِيّ عَنهُ جَوَازه، وَحكى أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه عَنهُ كَرَاهَته، وَكَذَا حَكَاهُ ابْن الصّباغ عَن تَعْلِيق أبي حَامِد، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) . وَقَالَ

فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه قَالَ بِهِ جُمْهُور أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَمِمَّنْ صَححهُ من الْمَالِكِيَّة، ابْن الْعَرَبِيّ، فَقَالَ: وبكراهته يَقُول الشَّافِعِي وَهُوَ الصَّحِيح.

القَوْل الرَّابِع: مَا حَكَاهُ القَاضِي عَن الدَّاودِيّ أَن النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَن تحريه واقتصاصه دون غَيره، فَإِنَّهُ مَتى صَامَ مَعَ صَوْمه يَوْمًا غَيره فقد خرج عَن النَّهْي، لِأَن ذَلِك الْيَوْم قبله أَو بعده إِذْ لم يقل الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقد يرجح مَا قَالَه قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (لَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام، وَلَا ليلته بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي) . قلت: وَهَذَا ضَعِيف جدا، وَيَردهُ حَدِيث جوَيْرِية فِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَقَوله لَهَا: (أصمت أمس؟ قَالَت: لَا. قَالَ: تصومين غَدا؟ قَالَت: لَا. قَالَ: فأفطري) ، فَهُوَ صَرِيح فِي أَن المُرَاد بِهِ قبله يَوْم الْخَمِيس وَمَا بعده يَوْم السبت.

القَوْل الْخَامِس: أَنه يحرم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ لمن صَامَ يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده، أَو وَافق عَادَته بِأَن كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة صِيَامه، وَهُوَ قَول ابْن حزم لظواهر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن تَخْصِيصه بِالصَّوْمِ، وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ الْحَنَفِيَّة بِحَدِيث ابْن مَسْعُود: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام، وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد: كَانَ لَا يتَعَمَّد فطره إِذا وَقع فِي الْأَيَّام الَّتِي كَانَ يصومها. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَصَححهُ ابْن حبَان وَابْن عبد الْبر وَابْن حزم، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل يتْرك مَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر الحَدِيث، وَيدْفَع حجيته بِالِاحْتِمَالِ الناشيء عَن غير دَلِيل الَّذِي لَا يعْتَبر، وَلَا يعْمل بِهِ، وَهَذَا كُله عسف ومكابرة.

ثمَّ إعلم أَنهم اخْتلفُوا أَيْضا فِي الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُفردا على أَقْوَال:

الأول: مَا قَالَه النَّوَوِيّ عَن الْعلمَاء أَنه يَوْم دُعَاء وَذكر وَعبادَة من الْغسْل والتبكير إِلَى الصَّلَاة وانتظارها واستماع الْخطْبَة، وإكثار الذّكر بعْدهَا لقَوْله تَعَالَى: {فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون} (الْجُمُعَة: ٠١) . وَغير ذَلِك من الْعِبَادَات فِي يَوْمهَا، فاستحب الْفطر فِيهِ ليَكُون أعون لَهُ على هَذِه الْوَظَائِف وأدائها بنشاط وانشراح لَهَا، والتذاذ بهَا من غير ملل وَلَا سآمة. قَالَ: وَهُوَ نَظِير الْحَاج يَوْم عَرَفَة فَإِن السّنة لَهُ الْفطر، ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن قيل: لَو كَانَ كَذَلِك لم يزل النَّهْي وَالْكَرَاهَة بِصَوْم يَوْم قبله أَو بعده لبَقَاء الْمَعْنى؟ ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ يحصل لَهُ بفضيلة الصَّوْم الَّذِي قبله أَو بعده مَا يجْبر مَا قد يحصل من فتور أَو تَقْصِير فِي وظائف يَوْم الْجُمُعَة بِسَبَب صَوْمه. انْتهى قلت: فِيهِ نظر، إِذْ جبر مَا فَاتَهُ من أَعمال يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم يَوْم آخر لَا تخْتَص بِكَوْن الصَّوْم قبله بِيَوْم أَو بعده بِيَوْم، بل صَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ أفضل من صَوْم يَوْم السبت.

الثَّانِي: هُوَ كَونه يَوْم عيد، والعيد لَا صِيَام فِيهِ، وَاعْترض على هَذَا بِالْإِذْنِ بصيامه مَعَ غَيره، ورد بِأَن شبهه بالعيد لَا يسْتَلْزم استواءه مَعَه من كل جِهَة، ألَا ترى أَنه لَا يجوز صَوْمه مَعَ يَوْم قبله وَيَوْم بعده؟ .

الثَّالِث: لأجل خوف الْمُبَالغَة فِي تَعْظِيمه، فيفتتن بِهِ كَمَا افْتتن الْيَهُود بالسبت، وَاعْترض عَلَيْهِ بِثُبُوت تَعْظِيمه بِغَيْر الصّيام، وَأَيْضًا فاليهود لَا يعظمون السبت بالصيام، فَلَو كَانَ الملحوظ موافقتهم لتحتم صَوْمه لأَنهم لَا يَصُومُونَ، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَصُوم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس، وَكَانَ يَقُول: إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين، فَأحب أَن أخالفهم، وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ.

الرَّابِع: خوف اعْتِقَاد وُجُوبه، وَاعْترض عَلَيْهِ بِصَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس.

الْخَامِس: خشيَة أَن يفْرض عَلَيْهِم كَمَا خشِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من قيام اللَّيْل. قيل: هُوَ منتقض بِإِجَازَة صَوْمه مَعَ غَيره، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لجَاز بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لارْتِفَاع السَّبَب.

السَّادِس: مُخَالفَة النَّصَارَى، لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِم صَوْمه وَنحن مأمورون بمخالفتهم، نَقله الْقَمُولِيّ، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ ضَعِيف، وَلم يبين وَجهه قيل أقوى الْأَقْوَال وأولاها بِالصَّوَابِ مَا ورد فِيهِ صَرِيحًا حديثان: أَحدهمَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيره من طَرِيق عَامر بن لدين عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، (يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عيد فَلَا تجْعَلُوا يَوْم عيدكم يَوْم صِيَامكُمْ إلَاّ أَن تَصُومُوا قبله أَو بعده) . وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد حسن عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (من كَانَ مِنْكُم مُتَطَوعا من الشَّهْر فليصم يَوْم الْخَمِيس وَلَا يصم يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ يَوْم طَعَام وشراب وَذكر) .

٥٨٩١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش قَالَ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ لَا يَصُومَنَّ أحَدُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ

إلَاّ يَوْما قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (لَا يصومنَّ) بنُون التَّأْكِيد رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا يَصُوم) بِدُونِ النُّون، وَلَفظ النَّفْي، وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي. قَوْله: (إلَاّ يَوْمًا قبله) ، تَقْدِيره: إلَاّ أَن يَصُوم يَوْمًا قبله، لِأَن يَوْمًا لَا يصلح أَن يكون اسْتثِْنَاء من يَوْم الْجُمُعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ظرف ليصوم الْمُقدر، أَو يَوْم مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ بَاء المصاحبة أَي: بِيَوْم، وَأخذ بَعضهم الْوَجْه الأول من كَلَام الْكرْمَانِي وَسكت عَنهُ، ثمَّ ذكر الْوَجْه الثَّانِي بقوله: وَقَالَ الْكرْمَانِي، وَفِي طَرِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أشكاب عَن عمر بن حَفْص، شيخ البُخَارِيّ، فِيهِ: (إِلَّا أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: لَا يصم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ أَن يَصُوم قبله أَو يَصُوم بعده) ، وَلمُسلم من طَرِيق هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة: (لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من اللَّيَالِي، وَلَا يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم من بَين الْأَيَّام، إلَاّ أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم) . وَرَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَوْف عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: (نهى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم) ، وَمن طَرِيق أبي الأوبر زِيَاد الْحَارِثِيّ: (أَن رجلا قَالَ لأبي هُرَيْرَة: أَنْت الَّذِي تنْهى النَّاس عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ قَالَ: هَا، وَرب الْكَعْبَة ثَلَاثًا لقد سَمِعت مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا يَصُوم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَحده إلَاّ فِي أَيَّام مَعَه) . وَله من طَرِيق ليلى، امْرَأَة بشير بن الخصاصية، أَنه (سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) . وَهَذِه الْأَحَادِيث تقيد النَّهْي الْمُطلق فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور، وَيُؤْخَذ من الِاسْتِثْنَاء جَوَازه لمن صَامَ قبله أَو بعده، أَو اتّفق وُقُوعه فِي أَيَّام لَهُ عَادَة يصومها، كمن يَصُوم أَيَّام الْبيض أَو من لَهُ عَادَة بِصَوْم يَوْم معِين، كَيَوْم عَرَفَة فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة.

٦٨٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ ح وحدَّثني محَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شعبَةُ عنْ قتَادَةَ عنْ أبِي أيُّوبَ عنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أصُمْتِ أمْسِ قالَتْ لَا قَالَ تُرِيدينَ أنْ تَصُومِينَ غَدا قالَتْ لَا قَالَ فأفْطِرِي.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي أَيُّوب يحيى بن مَالك المراغي الْبَصْرِيّ، عَن جوَيْرِية تَصْغِير: الْجَارِيَة، بِالْجِيم الْخُزَاعِيَّة، كَانَ اسْمهَا برة وسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَكَانَت امْرَأَة حلوة مليحة لَا يكَاد يَرَاهَا أحد إلَاّ أخذت بِنَفسِهِ، وَهِي من سَبَايَا بني المصطلق، وَلما تزوج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بهَا أرسل كل الصَّحَابَة مَا فِي أَيْديهم من سهم المصطلقين، فَلَا يعلم امْرَأَة كَانَت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا، مَاتَت سنة سِتّ وَخمسين. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد، اخْتلف فِي مُحَمَّد هَذَا عَن غنْدر، فَذكر أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) والإسماعيلي: أَنه مُحَمَّد ابْن بشار الَّذِي يُقَال لَهُ بنْدَار، وَقَالَ الجياني: لَا ينْسبهُ أحد من شُيُوخنَا فِي شَيْء من الْمَوَاضِع، وَلَعَلَّه مُحَمَّد بن بشار، وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن الْمثنى يروي أَيْضا عَن غنْدر، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر يرْوى عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر كِلَاهُمَا عَن هِشَام عَن قَتَادَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ القَاضِي عَن يحيى الْقطَّان بِهِ، وَلَيْسَ لجويرية زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي البُخَارِيّ من رِوَايَتهَا سوى هَذَا الحَدِيث.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهِي صَائِمَة) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أصمت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (أَن تصومين) ، ويروى: (أَن تصومي) ، بِإِسْقَاط النُّون على الأَصْل. قَوْله: (فأفطري) ، زَاد أَبُو نعيم فِي رِوَايَته: (إِذا) .

وَقَالَ حمَّادُ بنُ الجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثني أبُو أيُّوبَ أنَّ جُوَيْرِيَّةَ حدَّثته فأمَرَهَا فأفطَرَتْ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (جمع حَدِيث هدبة بن خَالِد) قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن الْجَعْد سُئِلَ قَتَادَة عَن صِيَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو أَيُّوب فَذكره، وَقَالَ فِي آخِره: (فَأمرهَا فأفطرت) ، وَحَمَّاد بن الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَيُقَال لَهُ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَصُومَ مِنْ شَعْبَانَ يَوْمًا وَاحِدًا، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ: هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، نَعَمْ وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ: فَصُمْ مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَوْمَيْنِ وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قَضَاءُ الْفَرْضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ.

٦٣ - بَاب صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ

وَإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ

١٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا : أنَهَى النَّبِيُّ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ: يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمِهِ.

١٩٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ"

١٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أَصُمْتِ أَمْسِ قَالَتْ لَا قَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا قَالَتْ لَا قَالَ فَأَفْطِرِي وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ "أَنَّ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَتْهُ فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ"

قَوْلُهُ: (بَابُ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمْعَةِ، وإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ زِيَادَةٌ هُنَا، وَهِيَ يَعْنِي: إِذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ بَعْدَهُ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْفَرَبْرِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ فَإِنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُعَبِّرَ الْبُخَارِيُّ عَمَّا يَقُولُهُ بِلَفْظِ يَعْنِي، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ لَقَالَ: أَعْنِي. بَلْ كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا أَصْلًا وَرَأْسًا، وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ إِطْلَاقِ التَّرْجَمَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ آخِرَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، إِذْ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ: أَوَّلُهَا حَدِيثُ جَابِرٍ وَهُوَ مُطْلَقٌ وَالتَّقْيِيدُ فِيهِ تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَثَانِيهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّقْيِيدِ، وَثَالِثُهَا حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ وَهُوَ أَظْهَرُهَا فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ) أَيْ: ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجْبِيُّ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو قُرَّةَ فِي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ، وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ رُبَّمَا رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الْحَمِيدِ، كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِمَا، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَزَادَ فُضَيْلَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَوْمَأَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ نَظَرًا، فَإِنَّهُ قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ فَذَكَرَ إِسْنَادَهُ قَالَ: وَقَدْ رُوِّيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ كَمَا قَالَ يَحْيَى، ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ. قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو سَعْدٍ الصَّغَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَمَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَأَبُو سَعْدٍ لَيْسَ كَهَؤُلَاءِ يَعْنِي: الْقَطَّانَ وَمَنْ تَابَعَهُ.

قُلْتُ: وَلَمْ

يُصِبِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ مُسْتَقِيمَةٌ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى الزِّيَادَةِ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ فِي سُنَنِهِ فَأَخْرَجَاهُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو مُوسَى كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلِ بْنِ خُوَيْلِدِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ كَذَلِكَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ كَانَ رُبَّمَا دَلَّسَ، وَلِهَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَصَّرَ فِي إِسْنَادِهِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ لَقِيَ مُحَمَّدًا فَسَمِعَهُ مِنْهُ، أَوْ سَمِعَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَاسْتَثْبَتَ فِيهِ مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي الْمَتْنِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو سَعْدٍ بِمُتَابَعَةِ أَبِي عَاصِمٍ عَلَى ذِكْرِ عَبْدِ الْحَمِيدِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، بَلْ تَابَعَهُمَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو قُرَّةَ، وَحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ كَمَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْقَاطِهِ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ الْمَذْكُورُ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ رَوَى عَنْ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ وَهِيَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: هَذَا، وَآخَرُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَآخَرُ فِي الْأَدَبِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادٍ أَخْبَرَهُ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ مَكِّيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ بَصْرِيٌّ، وَالصَّحَابِيَّ فَهُوَ مَدَنِيٌّ، وَقَدْ أَقَامَا بِمَكَّةَ زَمَانًا.

قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ جَابِرًا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَذْكُورَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَزَادُوا أَيْضًا فِي آخِرِهِ قَالَ: نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَعَزَاهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ لِمُسْلِمٍ فَوَهَمَ. وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ لِتَأْكِيدِ الْأَمْرِ، وَإِضَافَةُ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى الْمَخْلُوقَاتِ الْمُعَظَّمَةِ تَنْوِيهًا بِتَعْظِيمِهَا، وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ فِي الْجَوَابِ بِـ نَعَمْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْأَمْرِ الْمُفَسَّرِ بِهَا.

قَوْلُهُ: (زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ يَعْنِي: أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمِهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ وَالْغَيْرُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِالزِّيَادَةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَمِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. وَلَفْظُ يَحْيَى: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَى أَنْ يَنْفَرِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ؟ قَالَ: أي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَلَفْظُ حَفْصٍ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُفْرَدًا. وَلَفْظُ النَّضْرِ: أَنَّ جَابِرًا سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُفْرَدَ.

قَوْلُهُ في حديث أبي هريرة: (لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ بِلَفْظِ النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا يَصُومَنَّ بِلَفْظِ النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ) تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ يَوْمًا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا بِيَوْمٍ قَبْلَهُ، وَتَكُونُ الْبَاءُ لِلْمُصَاحِبَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَشْكَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ يَوْمًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يُفْرَدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَوْبَرِ زِيَادٍ الْحَارِثِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنْتَ الَّذِي تَنْهَى النَّاسَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: هَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا، لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: لَا يَصُومُ

أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ إِلَّا فِي أَيَّامٍ مَعَهُ.

وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ لَيْلَى امْرَأَةِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَا تَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا فِي أَيَّامٍ هُوَ أَحَدُهَا، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُقَيِّدُ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَتُؤَيِّدُ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ تَقْيِيدِ الْإِطْلَاقِ بِالْإِفْرَادِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ جَوَازُهُ لِمَنْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوِ اتَّفَقَ وُقُوعُهُ فِي أَيَّامٍ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِهَا كَمَنْ يَصُومُ أَيَّامَ الْبِيضِ أَوْ مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ عَرَفَةَ فَوَافَقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ صَوْمِهِ لِمَنْ نَذَرَ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ مَثَلًا أَوْ يَوْمَ شِفَاءِ فُلَانٍ.

الحديث الثالث قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) لَمْ يُنْسَبْ مُحَمَّدٌ الْمَذْكُورُ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي فِي الصِّيَامِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ وَوَافَقَهُ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْعَتَكِيِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ نِسْبَةً إِلَى بَطْنٍ مِنَ الْأَزْدِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْمَرَاغِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ ثُمَّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَهَمَّامٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، وَلَيْسَ لِجُوَيْرِيَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَتِهَا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ، وَاتَّفَقَ شُعْبَةُ، وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ، وَخَالَفَهُمَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فَقَالَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى جُوَيْرِيَةَ فَذَكَرَهُ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ طَرِيقُ شُعْبَةَ لِمُتَابَعَةِ هَمَّامٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ لَهُ، وَكَذَا حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ كَمَا سَيَأْتِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ طَرِيقُ سَعِيدٍ مَحْفُوظَةً أَيْضًا، فَإِنَّ مَعْمَرًا رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيْضًا لَكِنْ أَرْسَلَهُ.

قَوْلُهُ: (أَفْطِرِي) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ إِذًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي جَمْعِ حَدِيثِ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ وَحَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ فِيهِ لِينٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. وَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى مَنْعِ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصِّيَامِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ كَمَا ثَبَتَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَزَادَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأَمْرَ بِفِطْرِ مَنْ أَرَادَ إِفْرَادَهُ بِالصَّوْمِ، فَهَذَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَرَى بِتَحْرِيمِهِ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهِ لِمَنْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حَزْمٍ مَنْعَ صَوْمِهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي ذَرٍّ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُكْرَهُ، قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْهُ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَعَلَّ النَّهْيَ مَا بَلَغَ مَالِكًا. وَزَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّ كَلَامَ مَالِكٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ إِفْرَادِهِ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَصَّ يَوْمٌ مِنَ الْأَيَّامِ بِالْعِبَادَةِ، فَيَكُونَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. وَعَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلَ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْهُمْ: يَوْمٌ لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا يُكْرَهُ وَحْدَهُ. لِكَوْنِهِ قِيَاسًا مَعَ وُجُودِ النَّصِّ. وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: كَانَ لَا يَتَعَمَّدُ فِطْرَهُ إِذَا وَقَعَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ يَصُومهَا، وَلَا يُضَادُّ ذَلِكَ كَرَاهَةَ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تصريح مهديٍّ بالتَّحديث عن (١) غيلان، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، والله أعلم (٢).

(٦٣) (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فإِذَا) بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «وإذا» (أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «يعني: إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه الزِّيادة تشبه أن تكون من الفَِرَبْريِّ أو ممَّن دونه؛ فإنها لم تقع في رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ، ويبعد أن يعبِّر البخاري عما يقوله بلفظ: «يعني»، ولو كان ذلك من كلامه لقال: أعني، بل كان يستغني عنها أصلًا ورأسًا، واعترضه العينيُّ بأنَّ عدم وقوع الزِّيادة في رواية النَّسفيِّ لا يستلزم عدم (٣) وقوعها من غيره، وليس قوله: «يعني» ببعيدٍ، فكأنَّه جعل قوله: «وإذا أصبح صائمًا فعليه أن يفطر» لغيره بطريق التَّجريد، ثمَّ أوضحه بقوله: «يعني»، فافهم فإنَّه دقيقٌ. انتهى. فليُتأمَّل ما فيه من التَّكلُّف.

١٩٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن شيبة» وهو ابن عثمان بن طلحة الحَجَبيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة المخزوميِّ (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاريَّ () زاد مسلمٌ وغيره: وهو يطوف بالبيت: (نَهَى) بحذف همزة الاستفهام، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «أَنَهَى» (النَّبِيُّ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ). زاد مسلمٌ: «وربِّ هذا البيت»، وللنَّسائيِّ: «وربِّ الكعبة»، وعزاها في «العمدة» لمسلمٍ فوهم، والظَّاهر: أنَّه نقله بالمعنى. قال البخاريُّ: (زَادَ غَيْرُ أَبِي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣٦ - (بابُ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ فإذَا أصْبَحَ صَائِما يَوْمَ الجُمْعَةِ فَعَلَيْهِ أنْ يُفْطِرَ يَعْنِي إذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ وَلا يُرِيدُ أنْ يَصُومَ بَعْدَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَحكمه أَنه إِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَإِن كَانَ صَامَ قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليصمه، وَإِن كَانَ لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده فليفطر، لوُرُود النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَحده على مَا يَجِيء، عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَوَقع فِي كثير من الرِّوَايَات: بَاب صَوْم يَوْم الْجُمُعَة، وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يَصُوم، هَكَذَا وَقع لَا غير، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت زِيَادَة، وَهِي قَوْله: يَعْنِي إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من الْفربرِي أَو من دونه فَإِنَّهَا لم تقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ، وَيبعد أَن يعبر البُخَارِيّ عَمَّا يَقُوله بِلَفْظ: يَعْنِي، وَلَو كَانَ ذَلِك من كَلَامه لقَالَ: أَعنِي، بل كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا أصلا. قلت: عدم وُقُوع هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ لَا يسْتَلْزم عدم وُقُوعهَا من غَيره، سَوَاء كَانَ من الْفربرِي أَو من غَيره، وَالظَّاهِر أَنَّهَا من البُخَارِيّ. وَقَوله: يَعْنِي، فِي مَحَله وَلَيْسَ بِبَعِيد، لِأَنَّهُ يُوضح المُرَاد من قَوْله: (وَإِذا أصبح صَائِما يَوْم الْجُمُعَة فَعَلَيهِ أَن يفْطر) فأوضح بقوله: يَعْنِي، أَن هَذَا لَيْسَ على إِطْلَاقه، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِفْطَار إِذا لم يصم قبله وَلَا يُرِيد أَن يَصُوم بعده، فَقَوله: (وَإِذا أصبح ... .) إِلَى آخِره، إِذا كَانَ من كَلَام غَيره فَلفظ يَعْنِي فِي مَحَله، وَإِذا كَانَ من كَلَامه فَكَأَنَّهُ جعل هَذَا لغيره بطرِيق التَّجْرِيد، ثمَّ أوضحه بقوله: يَعْنِي، فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق.

٤٨٩١ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ محَمَّدِ بنِ عَبَّادٍ قَالَ سألْتُ جابِرا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمْعَةِ قَالَ نَعَمْ زَادَ غَيْرُ أبِي عاصِمٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا مَكْرُوه، لِأَنَّهُ منهى عَنهُ، والترجمة تَتَضَمَّن معنى الحَدِيث.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عبد الحميد بن جُبَير مصغر: الْجَبْر ابْن شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة عبد الله الحَجبي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: المَخْزُومِي. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رَوَاهُ مَا خلا شَيْخه مكيون. وَفِيه: عبد الحميد وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير روى عَن عمته صَفِيَّة بنت شيبَة، قَالَ بَعضهم: وَهِي من صغَار الصَّحَابَة. قلت: قَالَ ابْن الْأَثِير: اخْتلف فِي صحبتهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا تصح لَهَا رُؤْيَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن عبد الحميد لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ ثَلَاثَة أَحَادِيث، هَذَا، وَآخر فِي بَدْء الْخلق، وَآخر فِي الْأَدَب. وَفِيه: رِوَايَة ابْن جريج عَن عبد الحميد. وَفِي رِوَايَة: عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عبد الحميد، وَابْن جريج، رُبمَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن عباد عَن نَفسه، وَلم يذكر عبد الحميد. كَذَلِك أخرجه النَّسَائِيّ، قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن عَليّ، قَالَ: حَدثنَا يحيى، قَالَ: حَدثنَا ابْن جريج. قَالَ: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عبد الحميد بن جُبَير عَن مُحَمَّد بن عباد.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن يُوسُف بن سعيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن سُلَيْمَان بن سَالم وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن هِشَام بن عمار.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلت جَابِرا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (سَأَلت جَابر بن عبد الله وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ، أنَهَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نعم وَرب الْكَعْبَة) . قَوْله: (زَاد غير أبي عَاصِم) أَي: قَالَ البُخَارِيّ: زَاد غَيره من الشُّيُوخ

لفظ: أَن ينْفَرد بصومه، أَي: يَصُوم يَوْم الْجُمُعَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَن ينْفَرد بِصَوْم) ، وَغير أبي عَاصِم هُوَ يحيى بن سعيد الْقطَّان، وَقَالَ النَّسَائِيّ: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ (عَن يحيى عَن ابْن جريج: (أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر، قَالَ: قلت لجَابِر: أسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم؟ قَالَ: أَي وَرب الْكَعْبَة) . وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل، وَلَفظه: (أَن جَابر سُئِلَ عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ فَقَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يفرد) . وروى أَيْضا من طَرِيق حَفْص بن غياث، وَلَفظه: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة مُنْفَردا) ، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن الْمسيب (عَن عبد الله ابْن عَمْرو: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل على جوَيْرِية بنت الْحَارِث يَوْم الْجُمُعَة وَهِي صَائِمَة، فَقَالَ لَهَا: (أصمتِ أمس؟ قَالَت: لَا، قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تصومي غَدا. قَالَت: لَا، قَالَ: فأفطري) .

وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين (عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَبَا الدَّرْدَاء؟ لَا تخص يَوْم الْجُمُعَة بصيام دون الْأَيَّام، وَلَا تخص لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام دون اللَّيَالِي) ، وَابْن سِيرِين لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء، وَقد اخْتلف فِيهِ على ابْن سِيرِين، فَقيل: هَكَذَا، وَقيل: عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. وروى أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (لَا تَصُومُوا يَوْم الْجُمُعَة) ، وَفِي إِسْنَاده: الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَضَعفه الْجُمْهُور. وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث بشير بن الخصاصية بِلَفْظ (لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) ، وَرِجَاله ثِقَات. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة صَالح بن جبلة (عَن أنس: أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من صَامَ الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة بنى الله لَهُ فِي الْجنَّة قصرا من لُؤْلُؤ وَيَاقُوت وَزَبَرْجَد، وَكتب لَهُ بَرَاءَة من النَّار) وَصَالح بن جبلة ضعفه الْأَزْدِيّ، فَفِي هَذَا صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مَعَ يَوْم قبله، وروى الْبَزَّار من حَدِيث عَامر بن كَدين بِلَفْظ: إِن يَوْم الْجُمُعَة فَلَا تصوموه إلَاّ أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة حُذَيْفَة الْبَارِقي (عَن جُنَادَة الْأَزْدِيّ: أَنهم دخلُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَمَانِيَة نفر، وَهُوَ ثامنهم، فَقرب إِلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طَعَاما يَوْم جُمُعَة، قَالَ: كلوا. قَالُوا: صِيَام! قَالَ: أصمتم أمس؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فصائمون غَدا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فأفطروا) .

فَإِن قلت: يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَاصِم عَن زر (عَن عبد الله، قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم من كل غرَّة شهر ثَلَاثَة أَيَّام وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة) ؟ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة حَدثنَا حَفْص حَدثنَا لَيْث عَن عُمَيْر بن أبي عُمَيْر (عَن ابْن عمر، قَالَ: مَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . وَمَا أخرجه أَيْضا عَن حَفْص عَن لَيْث عَن طَاوس (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا رَأَيْته مُفطرا يَوْم جُمُعَة قطّ) . قلت: لَا نسلم هَذِه الْمُعَارضَة لِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهَا على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَامَ يَوْم الْجُمُعَة وَحده، فنهيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث يدل على أَن صَوْمه يَوْم الْجُمُعَة لم يكن فِي يَوْم الْجُمُعَة وَحده، بل إِنَّمَا كَانَ بِيَوْم قبله أَو بِيَوْم بعده، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يحمل فعله على مُخَالفَة أمره إلَاّ بِنَصّ صَرِيح صَحِيح، فَحِينَئِذٍ يكون نسخا أَو تَخْصِيصًا، وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْتَفٍ.

وَأما حكم الْمَسْأَلَة فَاخْتَلَفُوا فِي صَوْم يَوْم الْجُمُعَة على خَمْسَة أَقْوَال:

أَحدهَا: كَرَاهَته مُطلقًا، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالزهْرِيّ وَمُجاهد، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد حكى أَبُو عمر عَن أَحْمد وَإِسْحَاق كَرَاهَته مُطلقًا، وَنقل ابْن الْمُنْذر وَابْن حزم منع صَوْمه عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وسلمان وَأبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وشبهوه بِيَوْم الْعِيد، فَفِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (إِن هَذَا يَوْم جعله الله عيدا) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا صِيَام يَوْم عيد) .

القَوْل الثَّانِي: إِبَاحَته مُطلقًا من غير كَرَاهَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن، وَقَالَ مَالك: لم أسمع أحدا من أهل الْعلم وَالْفِقْه وَمن يَقْتَدِي بِهِ ينْهَى عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وصيامه حسن.

القَوْل الثَّالِث: أَنه يكره إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، فَإِن صَامَ يَوْمًا قبله أَو بعده لم يكره، وَهُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وطاووس وَأبي يُوسُف، وَفِي (كتاب الطّراز) : وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر، وَاخْتلف عَن الشَّافِعِي، فَحكى الْمُزنِيّ عَنهُ جَوَازه، وَحكى أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه عَنهُ كَرَاهَته، وَكَذَا حَكَاهُ ابْن الصّباغ عَن تَعْلِيق أبي حَامِد، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) . وَقَالَ

فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه قَالَ بِهِ جُمْهُور أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَمِمَّنْ صَححهُ من الْمَالِكِيَّة، ابْن الْعَرَبِيّ، فَقَالَ: وبكراهته يَقُول الشَّافِعِي وَهُوَ الصَّحِيح.

القَوْل الرَّابِع: مَا حَكَاهُ القَاضِي عَن الدَّاودِيّ أَن النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَن تحريه واقتصاصه دون غَيره، فَإِنَّهُ مَتى صَامَ مَعَ صَوْمه يَوْمًا غَيره فقد خرج عَن النَّهْي، لِأَن ذَلِك الْيَوْم قبله أَو بعده إِذْ لم يقل الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ، قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقد يرجح مَا قَالَه قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (لَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام، وَلَا ليلته بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي) . قلت: وَهَذَا ضَعِيف جدا، وَيَردهُ حَدِيث جوَيْرِية فِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَقَوله لَهَا: (أصمت أمس؟ قَالَت: لَا. قَالَ: تصومين غَدا؟ قَالَت: لَا. قَالَ: فأفطري) ، فَهُوَ صَرِيح فِي أَن المُرَاد بِهِ قبله يَوْم الْخَمِيس وَمَا بعده يَوْم السبت.

القَوْل الْخَامِس: أَنه يحرم صَوْم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ لمن صَامَ يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده، أَو وَافق عَادَته بِأَن كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة صِيَامه، وَهُوَ قَول ابْن حزم لظواهر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن تَخْصِيصه بِالصَّوْمِ، وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ الْحَنَفِيَّة بِحَدِيث ابْن مَسْعُود: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام، وَقل مَا كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة، قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ حجَّة، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد: كَانَ لَا يتَعَمَّد فطره إِذا وَقع فِي الْأَيَّام الَّتِي كَانَ يصومها. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَصَححهُ ابْن حبَان وَابْن عبد الْبر وَابْن حزم، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل يتْرك مَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر الحَدِيث، وَيدْفَع حجيته بِالِاحْتِمَالِ الناشيء عَن غير دَلِيل الَّذِي لَا يعْتَبر، وَلَا يعْمل بِهِ، وَهَذَا كُله عسف ومكابرة.

ثمَّ إعلم أَنهم اخْتلفُوا أَيْضا فِي الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة مُفردا على أَقْوَال:

الأول: مَا قَالَه النَّوَوِيّ عَن الْعلمَاء أَنه يَوْم دُعَاء وَذكر وَعبادَة من الْغسْل والتبكير إِلَى الصَّلَاة وانتظارها واستماع الْخطْبَة، وإكثار الذّكر بعْدهَا لقَوْله تَعَالَى: {فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض وابتغوا من فضل الله واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون} (الْجُمُعَة: ٠١) . وَغير ذَلِك من الْعِبَادَات فِي يَوْمهَا، فاستحب الْفطر فِيهِ ليَكُون أعون لَهُ على هَذِه الْوَظَائِف وأدائها بنشاط وانشراح لَهَا، والتذاذ بهَا من غير ملل وَلَا سآمة. قَالَ: وَهُوَ نَظِير الْحَاج يَوْم عَرَفَة فَإِن السّنة لَهُ الْفطر، ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِن قيل: لَو كَانَ كَذَلِك لم يزل النَّهْي وَالْكَرَاهَة بِصَوْم يَوْم قبله أَو بعده لبَقَاء الْمَعْنى؟ ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك: بِأَنَّهُ يحصل لَهُ بفضيلة الصَّوْم الَّذِي قبله أَو بعده مَا يجْبر مَا قد يحصل من فتور أَو تَقْصِير فِي وظائف يَوْم الْجُمُعَة بِسَبَب صَوْمه. انْتهى قلت: فِيهِ نظر، إِذْ جبر مَا فَاتَهُ من أَعمال يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم يَوْم آخر لَا تخْتَص بِكَوْن الصَّوْم قبله بِيَوْم أَو بعده بِيَوْم، بل صَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ أفضل من صَوْم يَوْم السبت.

الثَّانِي: هُوَ كَونه يَوْم عيد، والعيد لَا صِيَام فِيهِ، وَاعْترض على هَذَا بِالْإِذْنِ بصيامه مَعَ غَيره، ورد بِأَن شبهه بالعيد لَا يسْتَلْزم استواءه مَعَه من كل جِهَة، ألَا ترى أَنه لَا يجوز صَوْمه مَعَ يَوْم قبله وَيَوْم بعده؟ .

الثَّالِث: لأجل خوف الْمُبَالغَة فِي تَعْظِيمه، فيفتتن بِهِ كَمَا افْتتن الْيَهُود بالسبت، وَاعْترض عَلَيْهِ بِثُبُوت تَعْظِيمه بِغَيْر الصّيام، وَأَيْضًا فاليهود لَا يعظمون السبت بالصيام، فَلَو كَانَ الملحوظ موافقتهم لتحتم صَوْمه لأَنهم لَا يَصُومُونَ، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث أم سَلمَة: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَصُوم يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس، وَكَانَ يَقُول: إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين، فَأحب أَن أخالفهم، وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ.

الرَّابِع: خوف اعْتِقَاد وُجُوبه، وَاعْترض عَلَيْهِ بِصَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس.

الْخَامِس: خشيَة أَن يفْرض عَلَيْهِم كَمَا خشِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من قيام اللَّيْل. قيل: هُوَ منتقض بِإِجَازَة صَوْمه مَعَ غَيره، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لجَاز بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لارْتِفَاع السَّبَب.

السَّادِس: مُخَالفَة النَّصَارَى، لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِم صَوْمه وَنحن مأمورون بمخالفتهم، نَقله الْقَمُولِيّ، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ ضَعِيف، وَلم يبين وَجهه قيل أقوى الْأَقْوَال وأولاها بِالصَّوَابِ مَا ورد فِيهِ صَرِيحًا حديثان: أَحدهمَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيره من طَرِيق عَامر بن لدين عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، (يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عيد فَلَا تجْعَلُوا يَوْم عيدكم يَوْم صِيَامكُمْ إلَاّ أَن تَصُومُوا قبله أَو بعده) . وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد حسن عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (من كَانَ مِنْكُم مُتَطَوعا من الشَّهْر فليصم يَوْم الْخَمِيس وَلَا يصم يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ يَوْم طَعَام وشراب وَذكر) .

٥٨٩١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ حَدثنَا الْأَعْمَش قَالَ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ لَا يَصُومَنَّ أحَدُكُم يَوْمَ الجُمُعَةِ

إلَاّ يَوْما قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (لَا يصومنَّ) بنُون التَّأْكِيد رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لَا يَصُوم) بِدُونِ النُّون، وَلَفظ النَّفْي، وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي. قَوْله: (إلَاّ يَوْمًا قبله) ، تَقْدِيره: إلَاّ أَن يَصُوم يَوْمًا قبله، لِأَن يَوْمًا لَا يصلح أَن يكون اسْتثِْنَاء من يَوْم الْجُمُعَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ظرف ليصوم الْمُقدر، أَو يَوْم مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، وَهُوَ بَاء المصاحبة أَي: بِيَوْم، وَأخذ بَعضهم الْوَجْه الأول من كَلَام الْكرْمَانِي وَسكت عَنهُ، ثمَّ ذكر الْوَجْه الثَّانِي بقوله: وَقَالَ الْكرْمَانِي، وَفِي طَرِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أشكاب عَن عمر بن حَفْص، شيخ البُخَارِيّ، فِيهِ: (إِلَّا أَن تَصُومُوا يَوْمًا قبله أَو بعده) . وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش: لَا يصم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ أَن يَصُوم قبله أَو يَصُوم بعده) ، وَلمُسلم من طَرِيق هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة: (لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من اللَّيَالِي، وَلَا يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم من بَين الْأَيَّام، إلَاّ أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم) . وَرَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَوْف عَن ابْن سِيرِين بِلَفْظ: (نهى أَن يفرد يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْم) ، وَمن طَرِيق أبي الأوبر زِيَاد الْحَارِثِيّ: (أَن رجلا قَالَ لأبي هُرَيْرَة: أَنْت الَّذِي تنْهى النَّاس عَن صَوْم يَوْم الْجُمُعَة؟ قَالَ: هَا، وَرب الْكَعْبَة ثَلَاثًا لقد سَمِعت مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا يَصُوم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة وَحده إلَاّ فِي أَيَّام مَعَه) . وَله من طَرِيق ليلى، امْرَأَة بشير بن الخصاصية، أَنه (سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: لَا تصم يَوْم الْجُمُعَة إلَاّ فِي أَيَّام هُوَ أَحدهَا) . وَهَذِه الْأَحَادِيث تقيد النَّهْي الْمُطلق فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور، وَيُؤْخَذ من الِاسْتِثْنَاء جَوَازه لمن صَامَ قبله أَو بعده، أَو اتّفق وُقُوعه فِي أَيَّام لَهُ عَادَة يصومها، كمن يَصُوم أَيَّام الْبيض أَو من لَهُ عَادَة بِصَوْم يَوْم معِين، كَيَوْم عَرَفَة فَوَافَقَ يَوْم الْجُمُعَة.

٦٨٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ ح وحدَّثني محَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شعبَةُ عنْ قتَادَةَ عنْ أبِي أيُّوبَ عنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أصُمْتِ أمْسِ قالَتْ لَا قَالَ تُرِيدينَ أنْ تَصُومِينَ غَدا قالَتْ لَا قَالَ فأفْطِرِي.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي أَيُّوب يحيى بن مَالك المراغي الْبَصْرِيّ، عَن جوَيْرِية تَصْغِير: الْجَارِيَة، بِالْجِيم الْخُزَاعِيَّة، كَانَ اسْمهَا برة وسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَكَانَت امْرَأَة حلوة مليحة لَا يكَاد يَرَاهَا أحد إلَاّ أخذت بِنَفسِهِ، وَهِي من سَبَايَا بني المصطلق، وَلما تزوج رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بهَا أرسل كل الصَّحَابَة مَا فِي أَيْديهم من سهم المصطلقين، فَلَا يعلم امْرَأَة كَانَت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا، مَاتَت سنة سِتّ وَخمسين. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد، اخْتلف فِي مُحَمَّد هَذَا عَن غنْدر، فَذكر أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) والإسماعيلي: أَنه مُحَمَّد ابْن بشار الَّذِي يُقَال لَهُ بنْدَار، وَقَالَ الجياني: لَا ينْسبهُ أحد من شُيُوخنَا فِي شَيْء من الْمَوَاضِع، وَلَعَلَّه مُحَمَّد بن بشار، وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن الْمثنى يروي أَيْضا عَن غنْدر، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر يرْوى عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر كِلَاهُمَا عَن هِشَام عَن قَتَادَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ القَاضِي عَن يحيى الْقطَّان بِهِ، وَلَيْسَ لجويرية زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي البُخَارِيّ من رِوَايَتهَا سوى هَذَا الحَدِيث.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهِي صَائِمَة) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (أصمت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (أَن تصومين) ، ويروى: (أَن تصومي) ، بِإِسْقَاط النُّون على الأَصْل. قَوْله: (فأفطري) ، زَاد أَبُو نعيم فِي رِوَايَته: (إِذا) .

وَقَالَ حمَّادُ بنُ الجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثني أبُو أيُّوبَ أنَّ جُوَيْرِيَّةَ حدَّثته فأمَرَهَا فأفطَرَتْ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (جمع حَدِيث هدبة بن خَالِد) قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن الْجَعْد سُئِلَ قَتَادَة عَن صِيَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو أَيُّوب فَذكره، وَقَالَ فِي آخِره: (فَأمرهَا فأفطرت) ، وَحَمَّاد بن الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَيُقَال لَهُ:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.5 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله