الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٥٩
الحديث رقم ٢٢٥٩ من كتاب «كتاب الشفعة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أي الجوار أقرب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﷽
بَابٌ فِي الْإِجَارَةِ
اسْتِئْجَارُِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ وَالْخَازِنُ الْأَمِينُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ
٢٢٥٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم : إن لي جارين وقد أمرت بإكرام الجار مطلقًا؛ ولا أقدر على الإهداء إليهما معًا، فإلى أيهما أهدي ليحصل لي الدخول في جملة القائمين بإكرام الجار؟ فقال صلى الله عليه وسلم : "إلى أقربهما منك بابًا".
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَالسَّقَبُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالصَّادِ أَيْضًا وَيَجُوزُ فَتْحُ الْقَافِ وَإِسْكَانُهَا: الْقُرْبُ وَالْمُلَاصَقَةُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ، يُنْتَظَرُ بِهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى إِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَأَوَّلَهُ غَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّرِيكُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ شَرِيكَ سَعْدٍ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَلِذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَا يَقْتَضِي تَسْمِيَةَ الشَّرِيكِ جَارًا، فَمَرْدُودٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَارَبَ شَيْئًا قِيلَ لَهُ: جَارٌ، وَقَدْ قَالُوا لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: جَارَةٌ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُخَالَطَةِ، انْتَهَى.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ يَمْلِكُ بَيْتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ سَعْدٍ، لَا شِقْصًا شَائِعًا مِنْ مَنْزِلِ سَعْدٍ، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ اتَّخَذَ دَارَيْنِ بِالْبَلَاطِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، وَكَانَتِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْمَسْجِدِ مِنْهُمَا لِأَبِي رَافِعٍ، فَاشْتَرَاهَا سَعْدٌ مِنْهُ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْبَابِ، فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ سَعْدًا كَانَ جَارًا لِأَبِي رَافِعٍ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ دَارَهُ لَا شَرِيكًا. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَائِلِينَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ أَنْ يَقُولُوا بِشُفْعَةِ الْجَارِ؛ لِأَنَّ الْجَارَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوِرِ مَجَازٌ فِي الشَّرِيكِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ، وَقَدْ قَامَتِ الْقَرِينَةُ هُنَا عَلَى الْمَجَازِ فَاعْتُبِرَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيْ جَابِرٍ، وَأَبِي رَافِعٍ، فَحَدِيثُ جَابِرٍ صَرِيحٌ فِي اخْتِصَاصِ الشُّفْعَةِ بِالشَّرِيكِ، وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ مَصْرُوفُ الظَّاهِرِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَارُ أَحَقَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى مِنَ الشَّرِيكِ، وَالَّذِينَ قَالُوا بِشُفْعَةِ الْجَارِ قَدَّمُوا الشَّرِيكَ مُطْلَقًا ثُمَّ الْمُشَارِكَ فِي الطَّرِيقِ. ثُمَّ الْجَارَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُجَاوِرٍ، فَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: أَحَقُّ بِالْحَمْلِ عَلَى الْفَضْلِ أَوِ التَّعَهُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ أَيْضًا، بِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنًى مَعْدُومٍ فِي الْجَارِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيكَ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ فَتَأَذَّى بِهِ، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى مُقَاسَمَتِهِ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الضَّرَرُ بِنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمَقْسُومِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب أَيُّ الْجِوَارِ أَقْرَبُ
٢٢٥٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا.
[الحديث ٢٢٥٩ - طرفاه في: ٢٥٩٥، ٦٠٢٠]
قَوْلُهُ: (بَابٌ أَيُّ الْجِوَارِ أَقْرَبُ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ لَفْظَ الْجَارِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْسَ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هُوَ ابْنُ مِنْهَالٍ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، لِحَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِوَاسِطَةٍ، وَاشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَةِ عَنْ شُعْبَةَ، لَكِنَّهُ سَمِعَ مِنَ ابْنِ مِنْهَالٍ دُونَ ابْنِ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَكَرِيمَةَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ، عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ. وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ اللَّبَقِيُّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَبِهِ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَابْنُ طَاهِرٍ، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَنْسُبْهُ وَإِنَّمَا نَسَبَهُ مَنْ نَسَبَهُ مِنَ الرُّوَاةِ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ لِمَنْ يَكُونُ أَشْهَرَ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ أَشْهَرُ مِنَ اللَّبَقِيِّ، وَمِنْ عَادَةِ الْبُخَارِيِّ إِذَا أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ.
(تَنْبِيهٌ): سَاقَ الْمَتْنَ هُنَا عَلَى لَفْظِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أبو سليمان الخطَّابيُّ مشنِّعًا عليه، وأجاب شارح «المشكاة»: بأنَّ إيراد البخاريِّ لذلك ليس بحجَّةٍ على الإمام الشَّافعيِّ ولا على الخطَّابيِّ، وقد وافق محيي السُّنَّة البغويُّ الخطَّابيَّ في ذلك، وإذا كان كذلك فلا وجه للتَّشنيع على الإمام أبي سليمان الذي لَانَ له الحديث كما لَانَ لأبي سليمان الحديد. انتهى.
٢٢٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (١)) هو ابن مِنهالٍ السُّلميُّ الأنماطيُّ، وليس هو حجَّاج بن محمَّدٍ الأعور قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج. (ح) لتحويل السَّند، قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَلِيٌّ) غير منسوبٍ، ولابن السَّكن وكريمة -كما قال (٢) في «فتح الباري» -: «عليُّ بن عبد الله»، ولابن شبُّويه: «عليُّ بن المدينيِّ»، ورجَّح أبو عليٍّ الجيَّانيُّ (٣) أنَّه: «عليُّ بن سلمة اللَّبَقيُّ» بفتح اللَّام والمُوحَّدة وبعدها قافٌ، وبه جزم الكلاباذيُّ وابن طاهرٍ، وهو الذي في رواية المُستملي، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا يُشعر بأنَّ البخاريَّ لم ينسبه، وإنَّما نسبه من نسبه من الرُّواة بحسب ما ظهر له، فإن كان كذلك فالأرجح أنَّه ابن المدينيِّ؛ لأنَّ العادة أنَّ الإطلاق إنَّما ينصرف لمن يكون أشهر، وابن المدينيِّ أشهر من اللَّبَقِيِّ، ومن عادة البخاريِّ إذا أطلق الرِّواية عن عليٍّ؛ إنَّما يقصد به عليَّ بن المدينيِّ. انتهى. وفي «اليونينيَّة»: «عليُّ بن عبد الله»، ورقم على قوله: «ابن عبد الله» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المعجمة وتخفيف المُوحَّدتين (٤)، ابن سوَّارٍ المداينيُّ، أصله من خراسان، رُمِي بالإرجاء، قيل: وكان
داعيةً، لكن (١) وثَّقه ابن معينٍ وابن المدينيِّ وأبو زرعة وغيرهم، وحكى سعيد بن عمرٍو البرذعيُّ (٢) عن أبي زرعة: أنَّه رجع عن الإرجاء، وقد احتجَّ به الجماعة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيبٍ الجَوْنيُّ، بفتح الجيم وسكون الواو وبالنُّون (قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عثمان بن عبيد الله بن مَعْمَرٍ (٣) التَّيميَّ (٤)، فيما جزم به المزِّيُّ، وقيل: هو طلحة بن عبد الله الخزاعيُّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (٥) قالت: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟) بضمِّ الهمزة (قَالَ) ﵊، وزاد أبو ذرٍّ: «لي»: (إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا) قال الزَّركشيُّ: ويُروَى: «قال: أقربُِهما» بإسقاط «إلى» وبالجرِّ على حذف الجارِّ وإبقاء عمله، ويجوز الرَّفع وهو الأكثر، وليس في الحديث ما يدلُّ على ثبوت شفعة الجوار؛ لأنَّ عائشة ﵂ إنَّما سألت عمَّن تبدأ به من جيرانها بالهديَّة، فأخبرها بأنَّ من قَرُب أَوْلى من غيره (٦)؛ لأنَّه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحبَّ أن يشاركه (٧) فيه، وأنَّه أسرع إجابةً لجاره عند النَّوائب العارضة له في أوقات الغفلة فلذلك بُدِئ به على من بَعُدَ (٨).
وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف لم يخرجه مسلمٌ، وأخرجه أبو داود في «الأدب» (٩) والمؤلِّف أيضًا فيه [خ¦٦٠٢٠] وفي «الهبة» [خ¦٢٥٩٥] والله أعلم (١٠).
((٣٧)) (كِتَابُ الإِجَارَةِ) بكسر الهمزة على المشهور، وحكى الرَّافعيُّ ضمَّها، وصاحبُ «المستعذب» فتحَها، وهي لغةً: اسمٌ للأجرة، وشرعًا: عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ قابلةٍ للبذل (١) والإباحة بعوضٍ معلومٍ، فخرج بـ «منفعةٍ»: العين، وبـ «مقصودةٍ»: التَّافه (٢) كتفَّاحةٍ للشَّمِّ، وبـ «معلومةٍ» القراض والجعالة على عملٍ مجهولٍ، وبـ «قابلةٍ للبذل والإباحة»: البُضْع، وبـ «عوضٍ»: هبة المنافع والوصيَّة بها والشَّركة والإعارة، وبـ «معلومٍ»: المساقاة والجعالة على عملٍ معلومٍ بعوضٍ مجهولٍ كالحجِّ بالرِّزق، نعم يرد عليه بيع حقِّ الممرِّ ونحوه، والجعالة على عملٍ معلومٍ بعوضٍ معلومٍ. (بسم الله الرحمن الرحيم. فِي الإِجَارَاتِ) بالجمع، كذا في رواية المُستملي، قال في «الفتح»: وسقط للنَّسفيِّ «في الإجارات» وسقط للباقين: «كتاب الإجارة».
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الإِجَارَةِ: اسْتِئْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) فيه إشارةٌ إلى قطع وَهْمِ مَنْ لعلَّه يتوهَّم أنَّه لا ينبغي استئجار الصَّالحين في الأعمال والخدم؛ لأنَّه امتهانٌ لهم، قاله ابن المُنيِّر، ولأبي ذرٍّ: «باب استئجار الرَّجل الصَّالح»، وفي بعض النُّسخ: «كتاب الإجارة في الإجارة استئجار الرَّجل الصَّالح» (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، وبالرَّفع على
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الدَّار الملاصقة بدار غَيره. وَفِيه: ثُبُوت الشُّفْعَة مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة حَاضرا أَو غَائِبا، وَسَوَاء كَانَ بدويا أَو قرويا، مُسلما أَو ذِمِّيا، صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو مَجْنُونا إِذا أَفَاق. وَقَالَ قوم من السّلف: لَا شُفْعَة لمن لم يسكن فِي الْمصر وَلَا للذِّمِّيّ، قَالَه الشّعبِيّ والْحَارث العكلي والبتي، وَزَاد الشّعبِيّ: وَلَا لغَائِب، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: وَلَا شُفْعَة لصغير، وَقَالَ الشّعبِيّ: لَا تبَاع الشُّفْعَة وَلَا توهب وَلَا تعار، هِيَ لصَاحِبهَا الَّذِي وَقعت لَهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم فِيمَا نَقله الْأَثْرَم: لَا تورث، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن سِيرِين، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْحسن بن حَيّ وَأبي سُلَيْمَان، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تورث. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الشُّفْعَة تبطل بِمَوْت الشَّفِيع قبل الْأَخْذ بعد الطّلب أَو قبله، فَلَا تورث عَنهُ وَلَا تبطل بِمَوْت المُشْتَرِي لوُجُود الْمُسْتَحق. وَفِيه: مَا يدل على مَكَارِم الْأَخْلَاق لِأَن أَبَا رَافع بَاعَ من سعد بِأَقَلّ مِمَّا أعطَاهُ غَيره، فَهُوَ من بَاب الْإِحْسَان وَالْكَرم، وَإِذا اخْتلف الشَّفِيع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مُنكر، وَلَا يَتَحَالَفَانِ، فَإِن برهنا فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الشَّفِيع عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَعند أبي يُوسُف: الْبَيِّنَة بَيِّنَة المُشْتَرِي، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد: تهاترتا وَالْقَوْل للْمُشْتَرِي، وعنهما: يقرع، وَعند مَالك: يحكم للأعدل وإلَاّ فباليمين.
٣ - (بابٌ أيُّ الجِوَارِ أقْرَبُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَي الْجوَار أقرب إِذا كَانَ ثمَّة جيران، وَقد ذكرنَا أَن الْجَار الَّذِي يسْتَحق الشُّفْعَة هُوَ الْجَار الملاصق، وَهُوَ الَّذِي دَاره على ظهر الدَّار المشفوعة، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ، والجوار بِضَم الْجِيم وَكسرهَا.
٩٥٢٢ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ ح وحدَّثني عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا شبَابَةُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو عِمْرَانَ قَالَ سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عَبْدِ الله عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ لِي جارَيْنِ فإلَى أيِّهِما أُهْدِي قَالَ إِلَى أقرَبِهِما منْكِ بَابا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح أَي الْجوَار أقرب.
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: حجاج هُوَ ابْن منهال السّلمِيّ الْأنمَاطِي، وَلَيْسَ هُوَ حجاج بن مُحَمَّد الْأَعْوَر، وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا قد روى عَن شُعْبَة، لِأَن البُخَارِيّ سمع من حجاج ابْن منهال وَلم يسمع من حجاج بن مُحَمَّد، وَلَكِن روى لَهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَليّ بن عبد الله، كَذَا وَقع فِي النِّسْبَة فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع غير مَنْسُوب حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عَليّ فَقَط، وَعَن هَذَا اخْتلفُوا فِيهِ من هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: هُوَ عَليّ بن سَلمَة اللبقي، بِفَتْح اللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالقاف: النييسابوري، وَبِه جزم الكلاباذي، وَابْن طَاهِر، وَهُوَ الَّذِي ثَبت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَقَالَ ابْن شبويه: هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ الْأَظْهر، لِأَن فِي كثير من الْمَوَاضِع يُطلق البُخَارِيّ الرِّوَايَة عَن عَليّ، وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَلِأَن الْعَادة أَنه إِذا أطلق ينْصَرف إِلَى من يكون أشهر، وَلَا شكّ أَن ابْن الْمَدِينِيّ أشهر من اللبقي. الرَّابِع: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف البائين الموحدتين بَينهمَا ألف: ابْن سوار الْفَزارِيّ أَبُو عَمْرو، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء. الْخَامِس: أَبُو عمرَان، واسْمه: عبد الْملك بن حبيب ضد الْعَدو الْجونِي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون. السَّادِس: طَلْحَة بن عبد الله، قَالَ الْحَافِظ الْمزي: هُوَ طَلْحَة ابْن عبد الله بن عُثْمَان بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَالأَصَح مَا قَالَه الْمزي، لِأَن البُخَارِيّ أخرج حَدِيث الْبَاب فِي الْهِبَة من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة، فَقَالَ: طَلْحَة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرّة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: عَن شُعْبَة عَن طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَقَالَ الْحَارِث بن عبد الله: عَن أبي عمرَان الْجونِي عَن طَلْحَة، وَلم ينْسبهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَسليمَان بن الْأَشْعَث: قَالَ شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث: عَن طَلْحَة، رجل من قُرَيْش. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَالَ يحيى بن يُونُس عَن شُعْبَة: أَخْبرنِي أَبُو عمرَان أَنه سمع طَلْحَة عَن عَائِشَة، قَالَ شُعْبَة: وَأَظنهُ سَمعه من عَائِشَة وَلم يقل سمعته مِنْهَا. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي
موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَنه من أَفْرَاده، وَأَن شُعْبَة واسطي وَعلي بن عبد الله مديني وشبابة مدائني، وَأَن أَبَا عمرَان بَصرِي. وَفِيه: أَنه لَيْسَ لطلْحَة بن عبد الله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده لم يُخرجهُ مُسلم، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن حجاج، وَفِي الْهِبَة عَن ابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَسَعِيد بن مَنْصُور.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أهدي) ، بِضَم الْهمزَة من الإهداء، وَقَالَ الْمُهلب: وَإِنَّمَا أَمر بالهدية إِلَى من قرب بَابه لِأَنَّهُ ينظر إِلَى مَا يدْخل دَار جَاره وَمَا يخرج مِنْهَا، فَإِذا رأى ذَلِك أحب أَن يُشَارك فِيهِ، وَأَنه أسْرع إِجَابَة لجاره عِنْدَمَا ينوبه من حَاجَة إِلَيْهِ فِي أَوْقَات الْغَفْلَة والغرة، فَلذَلِك بَدَأَ بِهِ على من بعد بَاب دَاره وَإِن كَانَت دَاره أقرب، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهَذَا الحَدِيث دَال على أَن اسْم الْجَار يَقع على غير الملاصق، لِأَنَّهُ قد يكون لَهُ جَار ملاصق وبابه من سكَّة غير سكته، وَله جَار بَينه وَبَين بَابه قدر ذراعين وَلَيْسَ بملاصق، وَهُوَ أدناهما بَابا. وَقد خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، فَقَالَ: إِن الْجَار الملاصق إِذا ترك الشُّفْعَة وطلبها الَّذِي يَلِيهِ وَلَيْسَ لَهُ حد وَلَا طَرِيق فَلَا شُفْعَة لَهُ، وعوام الْعلمَاء يَقُولُونَ: إِذا أوصى رجل لجيرانه أعْطى اللزيق وَغَيره إلَاّ أَبَا حنيفَة، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يعْطى إلَاّ اللزيق وَحده. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَ: خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، خرج عَن ظَاهر الْأَدَب، وَلَا ينْقل عَن إِمَام مثل أبي حنيفَة شَيْء مِمَّا قَالَه إلَاّ بمراعاة الْأَدَب، فَإِن الَّذِي ينْقل عَنهُ شَيْئا من بعده لَا يُسَاوِي مِقْدَاره وَلَا يدانيه لَا فِي الدّين وَلَا فِي الْعلم، وَأَبُو حنيفَة لَا يذهب إِلَى شَيْء إلَاّ بعد أَن يُحَقّق مدركه والسر فِيهِ، وَالْأَصْل فِي النُّصُوص التَّعْلِيل، وَلَا يدْرِي هَذَا إلَاّ من يقف على مداركها، والسر فِي وجوب الشُّفْعَة دفع الْأَذَى من الْخَارِج، وَلِهَذَا قدم الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع، ثمَّ من بعده الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع، ثمَّ من بعدهمَا للْجَار، وَلَا يحصل الضَّرَر فِي منع الشُّفْعَة إلَاّ للْجَار الملاصق لاتصال الجدران، وَوضع الأخشاب بَينه وَبَين صَاحب الْملك، وَلَا مُنَاسبَة بَين الْجَار الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة وَبَين الْجَار الَّذِي أوصى إِلَيْهِ بشء، لِأَن أَمر الشُّفْعَة مَبْنِيّ على الْقَهْر، بِخِلَاف الْوَصِيَّة. وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوَصِيَّة لجيرانه الملاصقين لأَنهم الْجِيرَان تَسْمِيَة وَعرفا، وَفِي مَذْهَب عوام الْعلمَاء عسر عَظِيم، بل لَا يحصل فِيهِ فَائِدَة على قَول من يَقُول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، وَفِي (مَرَاسِيل) أبي دَاوُد: عَن ابْن شهَاب قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَرْبَعُونَ دَارا جَار. قَالَ يُونُس: قلت لِابْنِ شهَاب: وَكَيف أَرْبَعُونَ دَارا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ عَن يَمِينه وَعَن يسَاره وَخَلفه وَبَين يَدَيْهِ. وَعَن الْحسن أَرْبَعُونَ من هُنَا وَأَرْبَعُونَ من جوانبها الْأَرْبَع أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ، وَلَو فَرضنَا أَن شخصا من أهل مصر أوصى بِثلث مَاله لجيرانه، فَخرج ثلث مَاله عشرَة دَرَاهِم مثلا، فعلى قَول الْحسن يعْطى هَذِه الْعشْرَة لمِائَة وَعشْرين نفسا، فَيحصل لكل وَاحِد مَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمُوصى إِلَيْهِ، وَأما على قَول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، فَحكمه حكم الْعَدَم، فَلَا يحصل مَقْصُود الْمُوصي وَلَا مَقْصُود الْمُوصى لَهُم. فَإِذا قُلْنَا: الْجِيرَان هم الملاصقون لَا يفوت شَيْء من ذَلِك وَيحصل مَقْصُود الْمُوصي من ذَلِك أَيْضا. وَقَالَ ابْن بطال: لَا حجَّة فِي هَذَا الحَدِيث لمن أوجب الشُّفْعَة بالجوار، لِأَن عَائِشَة إِنَّمَا سَأَلت عَمَّن تبدأ بِهِ من جِيرَانهَا بالهدية، فَأَخْبرهَا بِأَن من قرب أولى من غَيره. انْتهى. قلت: إِنَّمَا كَانَ مُرَاد ابْن بطال من هَذَا الْكَلَام التسميع للحنفية فهم مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَلَئِن سلمنَا أَنهم احْتَجُّوا بِهِ فَلهم ذَلِك لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشَارَ إِلَى أَن الْأَقْرَب أولى، فالجار الملاصق أقرب من غَيره فَيكون أَحَق من غَيره، وَلَا سِيمَا بِأَنَّهُ بَاب الْإِكْرَام وَبَاب الإهداء على التعهد والتفضل وَالْإِحْسَان. قَوْله: (قَالَ إِلَى أقربهما مِنْك بَابا) أَي: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِلَى أقرب الجارين من حَيْثُ الْبَاب، وَهنا اسْتعْمل أفعل التَّفْضِيل بِوَجْهَيْنِ، مَعَ أَنه لَا يسْتَعْمل إلَاّ بِأحد الْوُجُوه الثَّلَاثَة، لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل إلَاّ بِالْإِضَافَة. وَأما كلمة: من، فَهِيَ من صلَة الْقرب، كَمَا يُقَال: قرب من كَذَا.
وَفِيه: افتقاد الْجِيرَان بإرسال شَيْء إِلَيْهِم، وَلَا سِيمَا إِذا كَانُوا فُقَرَاء وَفِيهِمْ أَغْنِيَاء، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يُؤمن أحدكُم بِبَيْت شبعان وجاره طاوٍ) وَقد أوصى الله تَعَالَى بالجار. فَقَالَ: {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . وَقَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا زَالَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه) .
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَالسَّقَبُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالصَّادِ أَيْضًا وَيَجُوزُ فَتْحُ الْقَافِ وَإِسْكَانُهَا: الْقُرْبُ وَالْمُلَاصَقَةُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ، يُنْتَظَرُ بِهِ إِذَا كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى إِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَأَوَّلَهُ غَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّرِيكُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ شَرِيكَ سَعْدٍ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَلِذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَا يَقْتَضِي تَسْمِيَةَ الشَّرِيكِ جَارًا، فَمَرْدُودٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَارَبَ شَيْئًا قِيلَ لَهُ: جَارٌ، وَقَدْ قَالُوا لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: جَارَةٌ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُخَالَطَةِ، انْتَهَى.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ يَمْلِكُ بَيْتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ سَعْدٍ، لَا شِقْصًا شَائِعًا مِنْ مَنْزِلِ سَعْدٍ، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ اتَّخَذَ دَارَيْنِ بِالْبَلَاطِ مُتَقَابِلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، وَكَانَتِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْمَسْجِدِ مِنْهُمَا لِأَبِي رَافِعٍ، فَاشْتَرَاهَا سَعْدٌ مِنْهُ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْبَابِ، فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ سَعْدًا كَانَ جَارًا لِأَبِي رَافِعٍ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ دَارَهُ لَا شَرِيكًا. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَائِلِينَ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ أَنْ يَقُولُوا بِشُفْعَةِ الْجَارِ؛ لِأَنَّ الْجَارَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوِرِ مَجَازٌ فِي الشَّرِيكِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ، وَقَدْ قَامَتِ الْقَرِينَةُ هُنَا عَلَى الْمَجَازِ فَاعْتُبِرَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيْ جَابِرٍ، وَأَبِي رَافِعٍ، فَحَدِيثُ جَابِرٍ صَرِيحٌ فِي اخْتِصَاصِ الشُّفْعَةِ بِالشَّرِيكِ، وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ مَصْرُوفُ الظَّاهِرِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَارُ أَحَقَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى مِنَ الشَّرِيكِ، وَالَّذِينَ قَالُوا بِشُفْعَةِ الْجَارِ قَدَّمُوا الشَّرِيكَ مُطْلَقًا ثُمَّ الْمُشَارِكَ فِي الطَّرِيقِ. ثُمَّ الْجَارَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُجَاوِرٍ، فَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: أَحَقُّ بِالْحَمْلِ عَلَى الْفَضْلِ أَوِ التَّعَهُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ أَيْضًا، بِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنًى مَعْدُومٍ فِي الْجَارِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيكَ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ فَتَأَذَّى بِهِ، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى مُقَاسَمَتِهِ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الضَّرَرُ بِنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمَقْسُومِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب أَيُّ الْجِوَارِ أَقْرَبُ
٢٢٥٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا.
[الحديث ٢٢٥٩ - طرفاه في: ٢٥٩٥، ٦٠٢٠]
قَوْلُهُ: (بَابٌ أَيُّ الْجِوَارِ أَقْرَبُ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ لَفْظَ الْجَارِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ لَيْسَ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هُوَ ابْنُ مِنْهَالٍ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، لِحَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِوَاسِطَةٍ، وَاشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَةِ عَنْ شُعْبَةَ، لَكِنَّهُ سَمِعَ مِنَ ابْنِ مِنْهَالٍ دُونَ ابْنِ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَكَرِيمَةَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ، عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ. وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ اللَّبَقِيُّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَبِهِ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَابْنُ طَاهِرٍ، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَنْسُبْهُ وَإِنَّمَا نَسَبَهُ مَنْ نَسَبَهُ مِنَ الرُّوَاةِ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ لِمَنْ يَكُونُ أَشْهَرَ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ أَشْهَرُ مِنَ اللَّبَقِيِّ، وَمِنْ عَادَةِ الْبُخَارِيِّ إِذَا أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ.
(تَنْبِيهٌ): سَاقَ الْمَتْنَ هُنَا عَلَى لَفْظِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أبو سليمان الخطَّابيُّ مشنِّعًا عليه، وأجاب شارح «المشكاة»: بأنَّ إيراد البخاريِّ لذلك ليس بحجَّةٍ على الإمام الشَّافعيِّ ولا على الخطَّابيِّ، وقد وافق محيي السُّنَّة البغويُّ الخطَّابيَّ في ذلك، وإذا كان كذلك فلا وجه للتَّشنيع على الإمام أبي سليمان الذي لَانَ له الحديث كما لَانَ لأبي سليمان الحديد. انتهى.
٢٢٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ (١)) هو ابن مِنهالٍ السُّلميُّ الأنماطيُّ، وليس هو حجَّاج بن محمَّدٍ الأعور قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج. (ح) لتحويل السَّند، قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَلِيٌّ) غير منسوبٍ، ولابن السَّكن وكريمة -كما قال (٢) في «فتح الباري» -: «عليُّ بن عبد الله»، ولابن شبُّويه: «عليُّ بن المدينيِّ»، ورجَّح أبو عليٍّ الجيَّانيُّ (٣) أنَّه: «عليُّ بن سلمة اللَّبَقيُّ» بفتح اللَّام والمُوحَّدة وبعدها قافٌ، وبه جزم الكلاباذيُّ وابن طاهرٍ، وهو الذي في رواية المُستملي، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا يُشعر بأنَّ البخاريَّ لم ينسبه، وإنَّما نسبه من نسبه من الرُّواة بحسب ما ظهر له، فإن كان كذلك فالأرجح أنَّه ابن المدينيِّ؛ لأنَّ العادة أنَّ الإطلاق إنَّما ينصرف لمن يكون أشهر، وابن المدينيِّ أشهر من اللَّبَقِيِّ، ومن عادة البخاريِّ إذا أطلق الرِّواية عن عليٍّ؛ إنَّما يقصد به عليَّ بن المدينيِّ. انتهى. وفي «اليونينيَّة»: «عليُّ بن عبد الله»، ورقم على قوله: «ابن عبد الله» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المعجمة وتخفيف المُوحَّدتين (٤)، ابن سوَّارٍ المداينيُّ، أصله من خراسان، رُمِي بالإرجاء، قيل: وكان
داعيةً، لكن (١) وثَّقه ابن معينٍ وابن المدينيِّ وأبو زرعة وغيرهم، وحكى سعيد بن عمرٍو البرذعيُّ (٢) عن أبي زرعة: أنَّه رجع عن الإرجاء، وقد احتجَّ به الجماعة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيبٍ الجَوْنيُّ، بفتح الجيم وسكون الواو وبالنُّون (قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عثمان بن عبيد الله بن مَعْمَرٍ (٣) التَّيميَّ (٤)، فيما جزم به المزِّيُّ، وقيل: هو طلحة بن عبد الله الخزاعيُّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (٥) قالت: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟) بضمِّ الهمزة (قَالَ) ﵊، وزاد أبو ذرٍّ: «لي»: (إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا) قال الزَّركشيُّ: ويُروَى: «قال: أقربُِهما» بإسقاط «إلى» وبالجرِّ على حذف الجارِّ وإبقاء عمله، ويجوز الرَّفع وهو الأكثر، وليس في الحديث ما يدلُّ على ثبوت شفعة الجوار؛ لأنَّ عائشة ﵂ إنَّما سألت عمَّن تبدأ به من جيرانها بالهديَّة، فأخبرها بأنَّ من قَرُب أَوْلى من غيره (٦)؛ لأنَّه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحبَّ أن يشاركه (٧) فيه، وأنَّه أسرع إجابةً لجاره عند النَّوائب العارضة له في أوقات الغفلة فلذلك بُدِئ به على من بَعُدَ (٨).
وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف لم يخرجه مسلمٌ، وأخرجه أبو داود في «الأدب» (٩) والمؤلِّف أيضًا فيه [خ¦٦٠٢٠] وفي «الهبة» [خ¦٢٥٩٥] والله أعلم (١٠).
((٣٧)) (كِتَابُ الإِجَارَةِ) بكسر الهمزة على المشهور، وحكى الرَّافعيُّ ضمَّها، وصاحبُ «المستعذب» فتحَها، وهي لغةً: اسمٌ للأجرة، وشرعًا: عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ قابلةٍ للبذل (١) والإباحة بعوضٍ معلومٍ، فخرج بـ «منفعةٍ»: العين، وبـ «مقصودةٍ»: التَّافه (٢) كتفَّاحةٍ للشَّمِّ، وبـ «معلومةٍ» القراض والجعالة على عملٍ مجهولٍ، وبـ «قابلةٍ للبذل والإباحة»: البُضْع، وبـ «عوضٍ»: هبة المنافع والوصيَّة بها والشَّركة والإعارة، وبـ «معلومٍ»: المساقاة والجعالة على عملٍ معلومٍ بعوضٍ مجهولٍ كالحجِّ بالرِّزق، نعم يرد عليه بيع حقِّ الممرِّ ونحوه، والجعالة على عملٍ معلومٍ بعوضٍ معلومٍ. (بسم الله الرحمن الرحيم. فِي الإِجَارَاتِ) بالجمع، كذا في رواية المُستملي، قال في «الفتح»: وسقط للنَّسفيِّ «في الإجارات» وسقط للباقين: «كتاب الإجارة».
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الإِجَارَةِ: اسْتِئْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ) فيه إشارةٌ إلى قطع وَهْمِ مَنْ لعلَّه يتوهَّم أنَّه لا ينبغي استئجار الصَّالحين في الأعمال والخدم؛ لأنَّه امتهانٌ لهم، قاله ابن المُنيِّر، ولأبي ذرٍّ: «باب استئجار الرَّجل الصَّالح»، وفي بعض النُّسخ: «كتاب الإجارة في الإجارة استئجار الرَّجل الصَّالح» (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، وبالرَّفع على
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الدَّار الملاصقة بدار غَيره. وَفِيه: ثُبُوت الشُّفْعَة مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة حَاضرا أَو غَائِبا، وَسَوَاء كَانَ بدويا أَو قرويا، مُسلما أَو ذِمِّيا، صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو مَجْنُونا إِذا أَفَاق. وَقَالَ قوم من السّلف: لَا شُفْعَة لمن لم يسكن فِي الْمصر وَلَا للذِّمِّيّ، قَالَه الشّعبِيّ والْحَارث العكلي والبتي، وَزَاد الشّعبِيّ: وَلَا لغَائِب، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: وَلَا شُفْعَة لصغير، وَقَالَ الشّعبِيّ: لَا تبَاع الشُّفْعَة وَلَا توهب وَلَا تعار، هِيَ لصَاحِبهَا الَّذِي وَقعت لَهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم فِيمَا نَقله الْأَثْرَم: لَا تورث، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن سِيرِين، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ عبد الرَّزَّاق: وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْحسن بن حَيّ وَأبي سُلَيْمَان، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تورث. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الشُّفْعَة تبطل بِمَوْت الشَّفِيع قبل الْأَخْذ بعد الطّلب أَو قبله، فَلَا تورث عَنهُ وَلَا تبطل بِمَوْت المُشْتَرِي لوُجُود الْمُسْتَحق. وَفِيه: مَا يدل على مَكَارِم الْأَخْلَاق لِأَن أَبَا رَافع بَاعَ من سعد بِأَقَلّ مِمَّا أعطَاهُ غَيره، فَهُوَ من بَاب الْإِحْسَان وَالْكَرم، وَإِذا اخْتلف الشَّفِيع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مُنكر، وَلَا يَتَحَالَفَانِ، فَإِن برهنا فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الشَّفِيع عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَعند أبي يُوسُف: الْبَيِّنَة بَيِّنَة المُشْتَرِي، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد: تهاترتا وَالْقَوْل للْمُشْتَرِي، وعنهما: يقرع، وَعند مَالك: يحكم للأعدل وإلَاّ فباليمين.
٣ - (بابٌ أيُّ الجِوَارِ أقْرَبُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَي الْجوَار أقرب إِذا كَانَ ثمَّة جيران، وَقد ذكرنَا أَن الْجَار الَّذِي يسْتَحق الشُّفْعَة هُوَ الْجَار الملاصق، وَهُوَ الَّذِي دَاره على ظهر الدَّار المشفوعة، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ، والجوار بِضَم الْجِيم وَكسرهَا.
٩٥٢٢ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ ح وحدَّثني عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا شبَابَةُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو عِمْرَانَ قَالَ سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عَبْدِ الله عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ لِي جارَيْنِ فإلَى أيِّهِما أُهْدِي قَالَ إِلَى أقرَبِهِما منْكِ بَابا.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح أَي الْجوَار أقرب.
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: حجاج هُوَ ابْن منهال السّلمِيّ الْأنمَاطِي، وَلَيْسَ هُوَ حجاج بن مُحَمَّد الْأَعْوَر، وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا قد روى عَن شُعْبَة، لِأَن البُخَارِيّ سمع من حجاج ابْن منهال وَلم يسمع من حجاج بن مُحَمَّد، وَلَكِن روى لَهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَليّ بن عبد الله، كَذَا وَقع فِي النِّسْبَة فِي رِوَايَة ابْن السكن وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَقع غير مَنْسُوب حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عَليّ فَقَط، وَعَن هَذَا اخْتلفُوا فِيهِ من هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: هُوَ عَليّ بن سَلمَة اللبقي، بِفَتْح اللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالقاف: النييسابوري، وَبِه جزم الكلاباذي، وَابْن طَاهِر، وَهُوَ الَّذِي ثَبت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَقَالَ ابْن شبويه: هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ الْأَظْهر، لِأَن فِي كثير من الْمَوَاضِع يُطلق البُخَارِيّ الرِّوَايَة عَن عَليّ، وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَلِأَن الْعَادة أَنه إِذا أطلق ينْصَرف إِلَى من يكون أشهر، وَلَا شكّ أَن ابْن الْمَدِينِيّ أشهر من اللبقي. الرَّابِع: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف البائين الموحدتين بَينهمَا ألف: ابْن سوار الْفَزارِيّ أَبُو عَمْرو، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء. الْخَامِس: أَبُو عمرَان، واسْمه: عبد الْملك بن حبيب ضد الْعَدو الْجونِي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون. السَّادِس: طَلْحَة بن عبد الله، قَالَ الْحَافِظ الْمزي: هُوَ طَلْحَة ابْن عبد الله بن عُثْمَان بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَالأَصَح مَا قَالَه الْمزي، لِأَن البُخَارِيّ أخرج حَدِيث الْبَاب فِي الْهِبَة من طَرِيق غنْدر عَن شُعْبَة، فَقَالَ: طَلْحَة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرّة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: عَن شُعْبَة عَن طَلْحَة بن عبد الله الْخُزَاعِيّ، وَقَالَ الْحَارِث بن عبد الله: عَن أبي عمرَان الْجونِي عَن طَلْحَة، وَلم ينْسبهُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَسليمَان بن الْأَشْعَث: قَالَ شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث: عَن طَلْحَة، رجل من قُرَيْش. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَالَ يحيى بن يُونُس عَن شُعْبَة: أَخْبرنِي أَبُو عمرَان أَنه سمع طَلْحَة عَن عَائِشَة، قَالَ شُعْبَة: وَأَظنهُ سَمعه من عَائِشَة وَلم يقل سمعته مِنْهَا. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي خَمْسَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي
موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَنه من أَفْرَاده، وَأَن شُعْبَة واسطي وَعلي بن عبد الله مديني وشبابة مدائني، وَأَن أَبَا عمرَان بَصرِي. وَفِيه: أَنه لَيْسَ لطلْحَة بن عبد الله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده لم يُخرجهُ مُسلم، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن حجاج، وَفِي الْهِبَة عَن ابْن بشار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد وَسَعِيد بن مَنْصُور.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أهدي) ، بِضَم الْهمزَة من الإهداء، وَقَالَ الْمُهلب: وَإِنَّمَا أَمر بالهدية إِلَى من قرب بَابه لِأَنَّهُ ينظر إِلَى مَا يدْخل دَار جَاره وَمَا يخرج مِنْهَا، فَإِذا رأى ذَلِك أحب أَن يُشَارك فِيهِ، وَأَنه أسْرع إِجَابَة لجاره عِنْدَمَا ينوبه من حَاجَة إِلَيْهِ فِي أَوْقَات الْغَفْلَة والغرة، فَلذَلِك بَدَأَ بِهِ على من بعد بَاب دَاره وَإِن كَانَت دَاره أقرب، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهَذَا الحَدِيث دَال على أَن اسْم الْجَار يَقع على غير الملاصق، لِأَنَّهُ قد يكون لَهُ جَار ملاصق وبابه من سكَّة غير سكته، وَله جَار بَينه وَبَين بَابه قدر ذراعين وَلَيْسَ بملاصق، وَهُوَ أدناهما بَابا. وَقد خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، فَقَالَ: إِن الْجَار الملاصق إِذا ترك الشُّفْعَة وطلبها الَّذِي يَلِيهِ وَلَيْسَ لَهُ حد وَلَا طَرِيق فَلَا شُفْعَة لَهُ، وعوام الْعلمَاء يَقُولُونَ: إِذا أوصى رجل لجيرانه أعْطى اللزيق وَغَيره إلَاّ أَبَا حنيفَة، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يعْطى إلَاّ اللزيق وَحده. انْتهى. قلت: الَّذِي قَالَ: خرج أَبُو حنيفَة عَن ظَاهر الحَدِيث، خرج عَن ظَاهر الْأَدَب، وَلَا ينْقل عَن إِمَام مثل أبي حنيفَة شَيْء مِمَّا قَالَه إلَاّ بمراعاة الْأَدَب، فَإِن الَّذِي ينْقل عَنهُ شَيْئا من بعده لَا يُسَاوِي مِقْدَاره وَلَا يدانيه لَا فِي الدّين وَلَا فِي الْعلم، وَأَبُو حنيفَة لَا يذهب إِلَى شَيْء إلَاّ بعد أَن يُحَقّق مدركه والسر فِيهِ، وَالْأَصْل فِي النُّصُوص التَّعْلِيل، وَلَا يدْرِي هَذَا إلَاّ من يقف على مداركها، والسر فِي وجوب الشُّفْعَة دفع الْأَذَى من الْخَارِج، وَلِهَذَا قدم الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع، ثمَّ من بعده الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع، ثمَّ من بعدهمَا للْجَار، وَلَا يحصل الضَّرَر فِي منع الشُّفْعَة إلَاّ للْجَار الملاصق لاتصال الجدران، وَوضع الأخشاب بَينه وَبَين صَاحب الْملك، وَلَا مُنَاسبَة بَين الْجَار الَّذِي لَهُ الشُّفْعَة وَبَين الْجَار الَّذِي أوصى إِلَيْهِ بشء، لِأَن أَمر الشُّفْعَة مَبْنِيّ على الْقَهْر، بِخِلَاف الْوَصِيَّة. وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوَصِيَّة لجيرانه الملاصقين لأَنهم الْجِيرَان تَسْمِيَة وَعرفا، وَفِي مَذْهَب عوام الْعلمَاء عسر عَظِيم، بل لَا يحصل فِيهِ فَائِدَة على قَول من يَقُول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، وَفِي (مَرَاسِيل) أبي دَاوُد: عَن ابْن شهَاب قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَرْبَعُونَ دَارا جَار. قَالَ يُونُس: قلت لِابْنِ شهَاب: وَكَيف أَرْبَعُونَ دَارا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ عَن يَمِينه وَعَن يسَاره وَخَلفه وَبَين يَدَيْهِ. وَعَن الْحسن أَرْبَعُونَ من هُنَا وَأَرْبَعُونَ من جوانبها الْأَرْبَع أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ، وَلَو فَرضنَا أَن شخصا من أهل مصر أوصى بِثلث مَاله لجيرانه، فَخرج ثلث مَاله عشرَة دَرَاهِم مثلا، فعلى قَول الْحسن يعْطى هَذِه الْعشْرَة لمِائَة وَعشْرين نفسا، فَيحصل لكل وَاحِد مَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة وَلَا ينْتَفع بِهِ الْمُوصى إِلَيْهِ، وَأما على قَول: أهل الْمَدِينَة كلهم جيران، فَحكمه حكم الْعَدَم، فَلَا يحصل مَقْصُود الْمُوصي وَلَا مَقْصُود الْمُوصى لَهُم. فَإِذا قُلْنَا: الْجِيرَان هم الملاصقون لَا يفوت شَيْء من ذَلِك وَيحصل مَقْصُود الْمُوصي من ذَلِك أَيْضا. وَقَالَ ابْن بطال: لَا حجَّة فِي هَذَا الحَدِيث لمن أوجب الشُّفْعَة بالجوار، لِأَن عَائِشَة إِنَّمَا سَأَلت عَمَّن تبدأ بِهِ من جِيرَانهَا بالهدية، فَأَخْبرهَا بِأَن من قرب أولى من غَيره. انْتهى. قلت: إِنَّمَا كَانَ مُرَاد ابْن بطال من هَذَا الْكَلَام التسميع للحنفية فهم مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَلَئِن سلمنَا أَنهم احْتَجُّوا بِهِ فَلهم ذَلِك لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشَارَ إِلَى أَن الْأَقْرَب أولى، فالجار الملاصق أقرب من غَيره فَيكون أَحَق من غَيره، وَلَا سِيمَا بِأَنَّهُ بَاب الْإِكْرَام وَبَاب الإهداء على التعهد والتفضل وَالْإِحْسَان. قَوْله: (قَالَ إِلَى أقربهما مِنْك بَابا) أَي: قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِلَى أقرب الجارين من حَيْثُ الْبَاب، وَهنا اسْتعْمل أفعل التَّفْضِيل بِوَجْهَيْنِ، مَعَ أَنه لَا يسْتَعْمل إلَاّ بِأحد الْوُجُوه الثَّلَاثَة، لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل إلَاّ بِالْإِضَافَة. وَأما كلمة: من، فَهِيَ من صلَة الْقرب، كَمَا يُقَال: قرب من كَذَا.
وَفِيه: افتقاد الْجِيرَان بإرسال شَيْء إِلَيْهِم، وَلَا سِيمَا إِذا كَانُوا فُقَرَاء وَفِيهِمْ أَغْنِيَاء، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يُؤمن أحدكُم بِبَيْت شبعان وجاره طاوٍ) وَقد أوصى الله تَعَالَى بالجار. فَقَالَ: {وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب} (النِّسَاء: ٦٣) . وَقَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا زَالَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه) .