«كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٤٧

الحديث رقم ٢٧٤٧ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا وصية لوارث.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ…

«كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُْنَ وَالرُّبُْعَ وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.»

سند حديث: ٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ…

٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ…

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: مرضت يومًا فجاءني النبي صلى الله عليه وسلم يزورني وأبو بكر معه، وهما ماشيان، فوجداني قد فقدت وعيي، فتوضأ النبي عليه الصلاة والسلام ثم سكب الماء الذي توضأ به علي، فاستيقظت من ذلك الإغماء، فوجدت النبي عليه الصلاة والسلام فقلت: يا رسول الله، ماذا أفعل في مالي؟ وكيف أقسمه؟ فلم يرد علي بشيء حتى نزلت آية الميراث.
زاد مسلم: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176]، وعنده في رواية: فنزلت: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11].

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان سبب نزول آية الميراث.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين فنسخ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦ - بَاب لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ

٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.

[الحديث ٢٧٤٧ - طرفاه في: ٤٥٧٨، ٦٧٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فَتَرْجَمَ بِهِ كَعَادَتِهِ، وَاسْتَغْنَى بِمَا يُعْطَى حُكْمُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَقَدْ قَوَّى حَدِيثَهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِالتَّحْدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعَنْ، جَابِرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا وَقَالَ: الصَّوَابُ إِرْسَالُهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَا يَخْلُو إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ، لَكِنْ مَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا، بَلْ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ مُتَوَاتِرٌ فَقَالَ: وَجَدْنَا أَهْلَ الْفُتْيَا وَمَنْ حَفِظْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَيُؤْثِرُونَ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقُوهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَكَانَ نَقْلَ كَافَّةٍ عَنْ كَافَّةٍ، فَهُوَ أَقْوَى مِنْ نَقْلِ وَاحِدٍ.

وَقَدْ نَازَعَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرًا وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ عَلَى مُقْتَضَاهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ صِحَّةِ وَصِيَّةِ الْوَارِثِ عَدَمُ اللُّزُومِ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ: فَقَدْ قِيلَ إِنَّ عَطَاءً هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فَتَرْجَمَ بِالْحَدِيثِ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَ الْبَابِ وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا، إِلَّا أَنَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ إِخْبَارٌ بِمَا كَانَ مِنَ الْحُكْمِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ بِهَذَا التَّقْدِيرِ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ نَسْخَ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَإِثْبَاتَ الْمِيرَاثِ لَهُمَا بَدَلًا مِنْهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَجْمَعُ لَهُمَا بَيْنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَنْ دُونَهُمَا أَوْلَى بِأَنْ لَا يُجْمَعَ ذَلِكَ لَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِلَخْ فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ; وَقَدْ وَافَقَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ - وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ فِي رِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَنْ وَرْقَاءَ - عِيسَى بْنَ مَيْمُونٍ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَخَالَفَ وَرْقَاءَ، شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فَجَعَلَ مُجَاهِدًا مَوْضِعَ عَطَاءٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (وَجَعَلَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (عَنْ وَرْقَاءَ) بفتح الواو وسكون الرَّاء وبالقاف ممدودًا، ابن عمر (١) بن كليب أبي (٢) بشرٍ اليشكريِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ عبد الله (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: كَانَ المَالُ) المخلَّف عن الميِّت (لِلْوَلَدِ) ميراثًا (وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ) في أوَّل الإسلام واجبةً (لِلْوَالِدَيْنِ) على ما يراه الموصي من المساواة والتَّفضيل (فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) بآية الفرائض (فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) لفضله (وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ) مع الولد (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ) مع وجود الولد (الثُّمُنَ وَ) عند عدمه (الرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ) عند عدم الولد (الشَّطْرَ) أي: النِّصف (وَ) عند وجوده (الرُّبُعَ) واحتجَّ بحديث: «لا وصيَّة لوارثٍ» مَن قال بعدم صحَّتها للوارث مطلقًا ولو أجاز الورثة، وبه قال المزنيُّ وداود، واحتجَّ الجمهور بالزِّيادة (٣) المتقدِّمة وهي قوله: «إلَّا أن تجيز (٤) الورثة»، وبأنَّ المنع إنَّما كان في الأصل لحقِّ الورثة، فإذا أجازوه لم يمتنع، ولا أثر للإجازة والردِّ من الورثة للوصيَّة قبل موت

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَي: مَا أَرَادَ، يَعْنِي: كَانَت الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين ثمَّ نسخ مِنْهَا من كَانَ وَارِثا بِآيَة الْفَرَائِض. وَبِقَوْلِهِ: (لَا وَصِيَّة لوَارث) وَأبقى حق من لَا يَرث من الْأَقْرَبين بِالْوَصِيَّةِ على حَاله، قَالَه طَاوُوس وَغَيره. قَوْله: (وَجعل للْمَرْأَة الثّمن) ، يَعْنِي: عِنْد وجود الْوَلَد، وَجعل (الرّبع) عِنْد عَدمه. قَوْله: (والشطر) أَي: وَجعل للزَّوْج الشّطْر أَي: النّصْف، أَي: نصف المَال عِنْد عدم الْوَلَد، وَجعل (الرّبع) عِنْد وجود الْوَلَد، ثمَّ الحَدِيث دلّ على أَن: لَا وَصِيَّة للْوَارِث.

وَاخْتلفُوا إِذا أوصى لبَعض ورثته، فَأَجَازَهُ بَعضهم فِي حَيَاته، ثمَّ بدا لَهُم بعد وَفَاته. فَقَالَت طَائِفَة: ذَلِك جَائِز عَلَيْهِم وَلَيْسَ لَهُم الرُّجُوع فِيهِ، هَذَا قَول عَطاء وَالْحسن وَابْن أبي ليلى وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: لَهُم الرُّجُوع فِي ذَلِك إِن أَحبُّوا، هَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَشُرَيْح وَالْحكم وطاووس، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر. وَقَالَ مَالك: إِذا أذنوا لَهُ فِي صِحَّته فَلهم أَن يرجِعوا، وَإِن أذنوا فِي مَرضه وَحين يحجب عَن مَاله فَذَلِك جَائِز عَلَيْهِم، وَهُوَ قَول إِسْحَاق، وَعَن مَالك أَيْضا: لَا رُجُوع لَهُم إلَاّ أَن يَكُونُوا فِي كفَالَته فيرجعوا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِنَّمَا يبطل الْوَصِيَّة للْوَارِث فِي قَول أَكثر أهل الْعلم من أجل حُقُوق سَائِر الْوَرَثَة، فَإِذا أجازوها جَازَت كَمَا إِذا أَجَازُوا الزِّيَادَة على الثُّلُث، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا لَا تجوز، وَإِن أجازوها، لِأَن الْمَنْع لحق الشَّرْع فَلَو جوزناها كُنَّا قد استعملنا الحكم الْمَنْسُوخ، وَذَلِكَ غير جَائِز، وَهَذَا قَول أهل الظَّاهِر، وَقَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ قَول عبد الرَّحْمَن بن كيسَان والمزني، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَاتفقَ مَالك وَالثَّوْري والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر أَنه إِذا أَجَازُوا ذَلِك بعد وَفَاته لَزِمَهُم. وَهل هُوَ ابْتِدَاء عَطِيَّة مِنْهُم أم لَا؟ فِيهِ خلاف، وَاتَّفَقُوا على اعْتِبَار كَون الْمُوصي لَهُ وَارِثا بِيَوْم الْمَوْت حَتَّى لَو أوصى لِأَخِيهِ الْوَارِث، حَيْثُ لَا يكون لَهُ ابْن يحجب الْأَخ الْمَذْكُور، فولد لَهُ ابْن قبل مَوته يحجب الْأَخ، فَالْوَصِيَّة للْأَخ الْمَذْكُور صَحِيحَة، وَلَو أوصى لِأَخِيهِ وَله ابْن فَمَاتَ الإبن قبل موت الْمُوصي فَهِيَ وَصِيَّة لوَارِثه.

٧ - (بابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصَّدَقَة عِنْد الْمَوْت، وَإِن كَانَ فِي حَال الصِّحَّة أفضل.

٨٤٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ سُفْيَانَ عنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رجُلٌ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا رَسُولَ الله أيُّ الصَّدَقةِ أفْضلُ قَالَ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحيحٌ حَرِيصٌ تأمَلَ الغِناى وتَخْشاى الفَقْرَ وَلَا تمْهِلْ حتَّى إذَا بَلَغَتِ الحلْقُومَ قلْتَ لِفُلانِ كذَا ولِفُلانٍ كَذَا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم) إِلَى آخِره، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعمارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة ابْن جرير بن عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي، قيل: اسْمه هرم، وَقيل: عبد الله، وَقيل عبد الرَّحْمَن، وَقيل: جرير، وَقيل: عَمْرو.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب أَي الصَّدَقَة أفضل؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن عمَارَة، وَلَكِن الْإِسْنَاد هُنَاكَ كُله بِالتَّحْدِيثِ وَهنا بِالتَّحْدِيثِ فِي موضِعين وَالْبَاقِي بالعنعنة. قَوْله: (قَالَ رجل للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله) ، وَهُنَاكَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، فَقَالَ. قَوْله: (أَي الصَّدَقَة أفضل؟) وَهُنَاكَ: أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا؟ قَوْله: (وَأَنت صَحِيح حَرِيص) ، وَهُنَاكَ: (وَأَنت صَحِيح شحيح) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَلَا تمهل) بِالْجَزْمِ، لِأَنَّهُ نهي، ويروى بِالرَّفْع على أَنه نفي، وَيجوز النصب على تَقْدِير: وَأَن لَا تمهل. قَوْله: (قلت لفُلَان كَذَا) إِلَى آخِره، قَالَ الْخطابِيّ: فلَان الأول وَالثَّانِي الْمُوصى لَهُ، وَفُلَان الْأَخير الْوَارِث، لِأَنَّهُ إِن شَاءَ أبْطلهُ، وَإِن شَاءَ أجَازه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد كَانَ لفُلَان أَي: للْوَارِث، وَالثَّانِي للمورث، وَالثَّالِث للْمُوصى لَهُ.

٨ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى {مِنْ بعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان المُرَاد من قَول الله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة} (النِّسَاء: ٢٢) . وَكَأن غَرَض البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الِاحْتِجَاج إِلَى جَوَاز

إِقْرَار الْمَرِيض بِالدّينِ مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الْمقر لَهُ وَارِثا أَو جنبياً. وَقَالَ بَعضهم: وَجه الدّلَالَة أَنه، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، سوَّى بَين الْوَصِيَّة وَالدّين فِي تقديمهما على الْمِيرَاث، وَلم يفصل فَخرجت الْوَصِيَّة للْوَارِث بِالدَّلِيلِ وَبَقِي الْإِقْرَار بِالدّينِ على حَاله. انْتهى. قلت: كَمَا خرجت الْوَصِيَّة للْوَارِث للدليل، وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا وَصِيَّة لوَارث) ، فَكَذَلِك خرج الْإِقْرَار بِالدّينِ للْوَارِث بقوله (وَلَا إِقْرَار لَهُ بدين) ، وَقد تقدم. وَقَوله: {من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين} (النِّسَاء: ٢٢) . قِطْعَة من قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم} إِلَى قَوْله: {إِن الله كَانَ عليماً حكيماً} (النِّسَاء: ٢٢) . هَذِه الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا، وَهُوَ قَوْله: {وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم} إِلَى قَوْله: {وَالله عليم حَكِيم} (النِّسَاء: ٦٢) . وَالْآيَة الَّتِي هِيَ خَاتِمَة هَذِه السُّورَة، أَعنِي: سُورَة النِّسَاء. وَهُوَ قَوْله: {يستفتونك قل الله يفتيكم ... } (النِّسَاء: ٦٧١) . إِلَى آخر الْآيَة، آيَات علم الْفَرَائِض، وَهُوَ مستنبط من هَذِه الْآيَات وَمن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك مِمَّا هِيَ كالتفسير لذَلِك.

ويُذْكَرُ أنَّ شُرَيْحَاً وعُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ وطاوُوساً وعَطَاءٍ وابنَ أُذَيْنَةَ أجَازُوا إقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ

ذكر عَنْهُم مَا ذكره بِصِيغَة التمريض، لِأَنَّهُ لم يجْزم بِصِحَّة النَّقْل عَنْهُم لضعف الْإِسْنَاد إِلَى بَعضهم. بَيَانه أَن أثر شُرَيْح ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ بِلَفْظ: إِذا أقرّ فِي مرض لوَارث بدين لم يجز إلَاّ بِبَيِّنَة، وَإِذا أقرّ لوَارث جَازَ. وَفِي إِسْنَاده جَابر الْجعْفِيّ وَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ أخرج أثر طَاوُوس بِلَفْظ: إِذا أقرّ لوَارث جَازَ، وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم وَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ أثر عَطاء أخرجه ابْن أبي شيبَة بِمثلِهِ، وَكَذَلِكَ أثر ابْن أذينة أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ بِلَفْظ: فِي الرجل يقرَّ لوَارث بدين، قَالَ: يجوز. وَابْن أذينة، بِضَم الْهمزَة وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون: واسْمه عبد الرَّحْمَن، قَاضِي الْبَصْرَة، من التَّابِعين الثِّقَات، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين من الْهِجْرَة.

وقالَ الحَسَنُ أحَقُّ مَا يَصَدَّقُ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وأوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ

الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وأثره رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: قَالَ ابْن سِيرِين: لَا يجوز إِقْرَار لوَارث. قَالَ: وَقَالَ الْحسن: أَحَق مَا جَازَ عَلَيْهِ عِنْد مَوته أول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَآخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا. قَوْله: مَا يصدق على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّصْدِيق، ويروى: مَا تصدق على وزن تفعل على صِيغَة الْمَاضِي من التَّصَدُّق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: آخر، بِالنّصب وبالرفع أَي أَحَق زمَان يصدق فِيهِ الرجل فِي أَحْوَاله آخر عمره، وَالْمَقْصُود: أَن إِقْرَار الْمَرِيض فِي مرض مَوته حقيق بِأَن يصدق بِهِ وَيحكم بإنفاذه قلت: وَجه النصب بِتَقْدِير: فِي آخر يَوْم، وَوجه الرّفْع على أَنه خبر لقَوْله: أَحَق.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ والحَكَمُ إذَا أبْرَأ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِىءَ

إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْحكم، بِفتْحَتَيْنِ: ابْن عُيَيْنَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ عَن ابْن أبي ليلى عَن الحكم عَن إِبْرَاهِيم فِي الْمَرِيض: إِذا أَبْرَأ الْوَارِث من الدّين برىء، وَعَن مطرف عَن الحكم قَالَ مثله. قَوْله: (إِذا أَبْرَأ) ، أَي: المريضُ مرض الْمَوْت وارثَه من الدّين الَّذِي عَلَيْهِ بَرِىءَ الوارثُ.

وأوْصاى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ أنْ لَا تُكْشَفَ أمرَأتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ علَيْهِ بابُها

رَافع ابْن خديج بن رَافع الأوسي الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ أَبُو عبد الله، شهد أحدا وَالْخَنْدَق، وخديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره جِيم. قَوْله: (الفزارية) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء. قَوْله: (عَمَّا أُغلق عَلَيْهِ بَابهَا) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: عَن مَال أغلق عَلَيْهِ بَابهَا. ويروى: (أغلق عَلَيْهَا) ، ويروى: أغلقت عَلَيْهِ بَابهَا. و: أغلقت، على صِيغَة الْمَبْنِيّ للْفَاعِل، وَلم أرَ أحدا من الشُّرَّاح حرر هَذَا الْموضع وَلَا ذكر مَا الْمَقْصُود مِنْهُ، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ أَن الْمَرْأَة بعد موت زَوجهَا لَا يتعَرَّضُ لَهَا، فَإِن جَمِيع مَا فِي بَيته لَهَا، وَإِن لم يشْهد لَهَا زَوجهَا بذلك، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى الْإِشْهَاد وَالْإِقْرَار إِذا علم أَنه تزَوجهَا فقيرة وَأَن مَا فِي بَيتهَا من مَتَاع الرِّجَال، وَبِه قَالَ مَالك.

وَقَالَ الحَسَنُ إذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ قَدْ كنْتُ أعْتَقْتُكِ جازَ

الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَهَذَا على أَصله أَن إِقْرَار الْمَرِيض نَافِذ مُطلقًا، فَهَذَا على إِطْلَاقه يتَنَاوَل أَن يكون من جَمِيع مَاله، وَيُخَالِفهُ غَيره فَلَا يعْتق إلَاّ من الثُّلُث.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إذَا قالَتِ المَرْأةُ عِنْدَ مَوْتِها إنَّ زَوْجِي قَضانِي وقَبَضْتُ مِنْهُ جازَ

الشّعبِيّ هُوَ عَامر. قَوْله: (قضاني) ، يَعْنِي: أداني حَقي، جَازَ إِقْرَارهَا. قَالَ ابْن التِّين: لِأَنَّهَا لَا تتهم بالميل إِلَى زَوجهَا فِي تِلْكَ الْحَالة، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ لَهَا ولد من غَيره.

وقالَ بَعْضُ الناسِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بالْوَدِيعَةِ والبِضَاعَةِ والْمُضَارَبَةِ

قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : المُرَاد بِبَعْض النَّاس أَبُو حنيفَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي. قَوْله: (وَقَالَ بعض النَّاس) أَي، كالحنفية. قلت: هَذَا كُله تشنيع على أبي حنيفَة أَو على الْحَنَفِيَّة مُطلقًا، مَعَ أَن فِيهِ سوء الْأَدَب على مَا لَا يخفى. قَوْله: (لَا يجوز إِقْرَاره) ، أَي: إِقْرَار الْمَرِيض لبَعض الْوَرَثَة. قَوْله: (لسوء الظَّن بِهِ) ، أَي: بِهَذَا الْإِقْرَار، أَي: مَظَنَّة أَن يُرِيد الْإِسَاءَة بِالْبَعْضِ الآخر مِنْهُم، وَهَذَا لَا يُطلق عَلَيْهِ سوء الظَّن، وَلم يُعلل الْحَنَفِيَّة عدم جَوَاز إِقْرَار الْمَرِيض لبَعض الْوَرَثَة بِهَذِهِ الْعبارَة، بل قَالُوا: لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ ضَرَر لبَقيَّة الْوَرَثَة مَعَ وُرُود قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا وَصِيَّة لوَارث وَلَا إِقْرَار لَهُ بدين) ، وَمذهب مَالك كمذهب أبي حنيفَة: إِذا اتهمَ وَهُوَ اخْتِيَار الرَّوْيَانِيّ من الشَّافِعِيَّة، وَعَن شُرَيْح وَالْحسن بن صَالح: لَا يجوز إِقْرَار الْمَرِيض لوَارث إلَاّ لزوجته بصداقها، وَعَن الْقَاسِم وَسَالم وَالثَّوْري: لَا يجوز إِقْرَار الْمَرِيض لوَارِثه مُطلقًا، وَزعم ابْن الْمُنْذر: أَن الشَّافِعِي رَجَعَ إِلَى قَول هَؤُلَاءِ، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَالْعجب من البُخَارِيّ أَنه خصص الْحَنَفِيَّة بالتشنيع عَلَيْهِم وهم مَا هم منفردون فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَلَكِن لَيْسَ هَذَا إلَاّ بِسَبَب أَمر سبق فِيمَا بَينهم، وَالله أعلم. قَوْله: (ثمَّ اسْتحْسنَ) ، أَي: بعض النَّاس، هَذَا، أَي: رأى بالاستحسان، فَقَالَ ... إِلَى آخِره وَالْفرق بَين الْإِقْرَار بِالدّينِ وَبَين الْإِقْرَار بالوديعة والبضاعة وَالْمُضَاربَة ظَاهر، لِأَن مبْنى الْإِقْرَار بِالدّينِ على اللُّزُوم، ومبنى الْإِقْرَار بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة على الْأَمَانَة، وَبَين اللُّزُوم وَالْأَمَانَة فرق عَظِيم.

وقدْ قالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إيَّاكُمْ والظَّنَّ فَإِن الظَّن أكْذَبُ الحَدِيثِ

احْتج البُخَارِيّ بِهَذَا القَوْل نقلا عَن الْحَنَفِيَّة لسوء الظَّن بِهِ للْوَرَثَة، وَذَلِكَ لِأَن الظَّن محذر عَنهُ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إيَّاكُمْ وَالظَّن) ، وَإِنَّمَا يَصح هَذَا الِاحْتِجَاج إِذا ثَبت أَن الْحَنَفِيَّة عللوا بِسوء الظَّن بِهِ للْوَرَثَة، وَقد منعنَا هَذَا عَن قريب، وَلَئِن سلمنَا أَن هَذَا ظن فَلَا نسلم أَنه ظن فَاسد، والمحذر عَنهُ الظَّن الْفَاسِد، ثمَّ هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره مُعَلّقا طرف من حَدِيث سَيَأْتِي فِي الْأَدَب مَوْصُولا من وَجْهَيْن عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الصدْق وَالْكذب صفتان لِلْقَوْلِ لَا للظن، ثمَّ إنَّهُمَا لَا يقبلان الزِّيَادَة وَالنَّقْص، فَكيف يبْنى مِنْهُ أفعل التَّفْضِيل؟ قلت: جعل الظَّن للمتكلم فوصف بهما كَمَا وصف الْمُتَكَلّم، فَيُقَال مُتَكَلم صَادِق وكاذب، والمتكلم يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الصدْق وَالْكذب، فَيُقَال: زيد أصدق من عَمْرو، فَمَعْنَاه: الظَّن أكذب فِي الحَدِيث من غَيره.

ولَا يَحِلُّ مالُ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: آيَةُ المُنَافِقِ إذَا ائْتُمِنَ خانَ

هَذَا احتجاج آخر لما ادَّعَاهُ البُخَارِيّ، وَلَكِن لَا يَسْتَقِيم لِأَن فِيهِ تعسفاً شَدِيدا، لِأَن الْكرْمَانِي وَجهه بِالْجَرِّ الثقيل على مَا لَا يخفى، وَهُوَ أَنه إِذا وَجب ترك الْخِيَانَة وَجب الْإِقْرَار بِمَا عَلَيْهِ، وَإِذا أقرّ لَا بُد من اعْتِبَار إِقْرَاره، وإلَاّ لم يكن لإِيجَاب الْإِقْرَار فَائِدَة. انْتهى. قلت: سلمنَا وجوب ترك الْخِيَانَة، وَلَكِن لَا نسلم وجوب الْإِقْرَار بِمَا عَلَيْهِ إلَاّ فِي مَوضِع لَيْسَ فِيهِ تُهْمَة وَلَا أَذَى للْغَيْر، كَمَا فِي الْإِقْرَار للْأَجْنَبِيّ، وَأما الْإِقْرَار لوَارِثه فَفِيهِ تُهْمَة ظَاهِرَة، وأذًى ظَاهر لبَقيَّة الْوَرَثَة، وَهَذَا ظَاهر لَا يدْفع. فَإِن قلت: هَذَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦ - بَاب لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ

٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.

[الحديث ٢٧٤٧ - طرفاه في: ٤٥٧٨، ٦٧٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فَتَرْجَمَ بِهِ كَعَادَتِهِ، وَاسْتَغْنَى بِمَا يُعْطَى حُكْمُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَقَدْ قَوَّى حَدِيثَهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِالتَّحْدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعَنْ، جَابِرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا وَقَالَ: الصَّوَابُ إِرْسَالُهُ، وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَا يَخْلُو إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ، لَكِنْ مَجْمُوعُهَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا، بَلْ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ مُتَوَاتِرٌ فَقَالَ: وَجَدْنَا أَهْلَ الْفُتْيَا وَمَنْ حَفِظْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَيُؤْثِرُونَ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقُوهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَكَانَ نَقْلَ كَافَّةٍ عَنْ كَافَّةٍ، فَهُوَ أَقْوَى مِنْ نَقْلِ وَاحِدٍ.

وَقَدْ نَازَعَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرًا وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ عَلَى مُقْتَضَاهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ صِحَّةِ وَصِيَّةِ الْوَارِثِ عَدَمُ اللُّزُومِ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ: فَقَدْ قِيلَ إِنَّ عَطَاءً هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فَتَرْجَمَ بِالْحَدِيثِ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَ الْبَابِ وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا، إِلَّا أَنَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ إِخْبَارٌ بِمَا كَانَ مِنَ الْحُكْمِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ بِهَذَا التَّقْدِيرِ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ نَسْخَ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَإِثْبَاتَ الْمِيرَاثِ لَهُمَا بَدَلًا مِنْهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَجْمَعُ لَهُمَا بَيْنَ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَنْ دُونَهُمَا أَوْلَى بِأَنْ لَا يُجْمَعَ ذَلِكَ لَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِلَخْ فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ; وَقَدْ وَافَقَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ - وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ فِي رِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَنْ وَرْقَاءَ - عِيسَى بْنَ مَيْمُونٍ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَخَالَفَ وَرْقَاءَ، شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فَجَعَلَ مُجَاهِدًا مَوْضِعَ عَطَاءٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (وَجَعَلَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (عَنْ وَرْقَاءَ) بفتح الواو وسكون الرَّاء وبالقاف ممدودًا، ابن عمر (١) بن كليب أبي (٢) بشرٍ اليشكريِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ عبد الله (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: كَانَ المَالُ) المخلَّف عن الميِّت (لِلْوَلَدِ) ميراثًا (وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ) في أوَّل الإسلام واجبةً (لِلْوَالِدَيْنِ) على ما يراه الموصي من المساواة والتَّفضيل (فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) بآية الفرائض (فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) لفضله (وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ) مع الولد (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ) مع وجود الولد (الثُّمُنَ وَ) عند عدمه (الرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ) عند عدم الولد (الشَّطْرَ) أي: النِّصف (وَ) عند وجوده (الرُّبُعَ) واحتجَّ بحديث: «لا وصيَّة لوارثٍ» مَن قال بعدم صحَّتها للوارث مطلقًا ولو أجاز الورثة، وبه قال المزنيُّ وداود، واحتجَّ الجمهور بالزِّيادة (٣) المتقدِّمة وهي قوله: «إلَّا أن تجيز (٤) الورثة»، وبأنَّ المنع إنَّما كان في الأصل لحقِّ الورثة، فإذا أجازوه لم يمتنع، ولا أثر للإجازة والردِّ من الورثة للوصيَّة قبل موت

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَي: مَا أَرَادَ، يَعْنِي: كَانَت الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين ثمَّ نسخ مِنْهَا من كَانَ وَارِثا بِآيَة الْفَرَائِض. وَبِقَوْلِهِ: (لَا وَصِيَّة لوَارث) وَأبقى حق من لَا يَرث من الْأَقْرَبين بِالْوَصِيَّةِ على حَاله، قَالَه طَاوُوس وَغَيره. قَوْله: (وَجعل للْمَرْأَة الثّمن) ، يَعْنِي: عِنْد وجود الْوَلَد، وَجعل (الرّبع) عِنْد عَدمه. قَوْله: (والشطر) أَي: وَجعل للزَّوْج الشّطْر أَي: النّصْف، أَي: نصف المَال عِنْد عدم الْوَلَد، وَجعل (الرّبع) عِنْد وجود الْوَلَد، ثمَّ الحَدِيث دلّ على أَن: لَا وَصِيَّة للْوَارِث.

وَاخْتلفُوا إِذا أوصى لبَعض ورثته، فَأَجَازَهُ بَعضهم فِي حَيَاته، ثمَّ بدا لَهُم بعد وَفَاته. فَقَالَت طَائِفَة: ذَلِك جَائِز عَلَيْهِم وَلَيْسَ لَهُم الرُّجُوع فِيهِ، هَذَا قَول عَطاء وَالْحسن وَابْن أبي ليلى وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: لَهُم الرُّجُوع فِي ذَلِك إِن أَحبُّوا، هَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَشُرَيْح وَالْحكم وطاووس، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر. وَقَالَ مَالك: إِذا أذنوا لَهُ فِي صِحَّته فَلهم أَن يرجِعوا، وَإِن أذنوا فِي مَرضه وَحين يحجب عَن مَاله فَذَلِك جَائِز عَلَيْهِم، وَهُوَ قَول إِسْحَاق، وَعَن مَالك أَيْضا: لَا رُجُوع لَهُم إلَاّ أَن يَكُونُوا فِي كفَالَته فيرجعوا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِنَّمَا يبطل الْوَصِيَّة للْوَارِث فِي قَول أَكثر أهل الْعلم من أجل حُقُوق سَائِر الْوَرَثَة، فَإِذا أجازوها جَازَت كَمَا إِذا أَجَازُوا الزِّيَادَة على الثُّلُث، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا لَا تجوز، وَإِن أجازوها، لِأَن الْمَنْع لحق الشَّرْع فَلَو جوزناها كُنَّا قد استعملنا الحكم الْمَنْسُوخ، وَذَلِكَ غير جَائِز، وَهَذَا قَول أهل الظَّاهِر، وَقَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ قَول عبد الرَّحْمَن بن كيسَان والمزني، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَاتفقَ مَالك وَالثَّوْري والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر أَنه إِذا أَجَازُوا ذَلِك بعد وَفَاته لَزِمَهُم. وَهل هُوَ ابْتِدَاء عَطِيَّة مِنْهُم أم لَا؟ فِيهِ خلاف، وَاتَّفَقُوا على اعْتِبَار كَون الْمُوصي لَهُ وَارِثا بِيَوْم الْمَوْت حَتَّى لَو أوصى لِأَخِيهِ الْوَارِث، حَيْثُ لَا يكون لَهُ ابْن يحجب الْأَخ الْمَذْكُور، فولد لَهُ ابْن قبل مَوته يحجب الْأَخ، فَالْوَصِيَّة للْأَخ الْمَذْكُور صَحِيحَة، وَلَو أوصى لِأَخِيهِ وَله ابْن فَمَاتَ الإبن قبل موت الْمُوصي فَهِيَ وَصِيَّة لوَارِثه.

٧ - (بابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصَّدَقَة عِنْد الْمَوْت، وَإِن كَانَ فِي حَال الصِّحَّة أفضل.

٨٤٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ سُفْيَانَ عنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رجُلٌ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا رَسُولَ الله أيُّ الصَّدَقةِ أفْضلُ قَالَ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحيحٌ حَرِيصٌ تأمَلَ الغِناى وتَخْشاى الفَقْرَ وَلَا تمْهِلْ حتَّى إذَا بَلَغَتِ الحلْقُومَ قلْتَ لِفُلانِ كذَا ولِفُلانٍ كَذَا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم) إِلَى آخِره، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعمارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة ابْن جرير بن عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي، قيل: اسْمه هرم، وَقيل: عبد الله، وَقيل عبد الرَّحْمَن، وَقيل: جرير، وَقيل: عَمْرو.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب أَي الصَّدَقَة أفضل؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن عمَارَة، وَلَكِن الْإِسْنَاد هُنَاكَ كُله بِالتَّحْدِيثِ وَهنا بِالتَّحْدِيثِ فِي موضِعين وَالْبَاقِي بالعنعنة. قَوْله: (قَالَ رجل للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله) ، وَهُنَاكَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، فَقَالَ. قَوْله: (أَي الصَّدَقَة أفضل؟) وَهُنَاكَ: أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا؟ قَوْله: (وَأَنت صَحِيح حَرِيص) ، وَهُنَاكَ: (وَأَنت صَحِيح شحيح) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَلَا تمهل) بِالْجَزْمِ، لِأَنَّهُ نهي، ويروى بِالرَّفْع على أَنه نفي، وَيجوز النصب على تَقْدِير: وَأَن لَا تمهل. قَوْله: (قلت لفُلَان كَذَا) إِلَى آخِره، قَالَ الْخطابِيّ: فلَان الأول وَالثَّانِي الْمُوصى لَهُ، وَفُلَان الْأَخير الْوَارِث، لِأَنَّهُ إِن شَاءَ أبْطلهُ، وَإِن شَاءَ أجَازه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد كَانَ لفُلَان أَي: للْوَارِث، وَالثَّانِي للمورث، وَالثَّالِث للْمُوصى لَهُ.

٨ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى {مِنْ بعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان المُرَاد من قَول الله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة} (النِّسَاء: ٢٢) . وَكَأن غَرَض البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الِاحْتِجَاج إِلَى جَوَاز

إِقْرَار الْمَرِيض بِالدّينِ مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الْمقر لَهُ وَارِثا أَو جنبياً. وَقَالَ بَعضهم: وَجه الدّلَالَة أَنه، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، سوَّى بَين الْوَصِيَّة وَالدّين فِي تقديمهما على الْمِيرَاث، وَلم يفصل فَخرجت الْوَصِيَّة للْوَارِث بِالدَّلِيلِ وَبَقِي الْإِقْرَار بِالدّينِ على حَاله. انْتهى. قلت: كَمَا خرجت الْوَصِيَّة للْوَارِث للدليل، وَهُوَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا وَصِيَّة لوَارث) ، فَكَذَلِك خرج الْإِقْرَار بِالدّينِ للْوَارِث بقوله (وَلَا إِقْرَار لَهُ بدين) ، وَقد تقدم. وَقَوله: {من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين} (النِّسَاء: ٢٢) . قِطْعَة من قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم} إِلَى قَوْله: {إِن الله كَانَ عليماً حكيماً} (النِّسَاء: ٢٢) . هَذِه الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا، وَهُوَ قَوْله: {وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم} إِلَى قَوْله: {وَالله عليم حَكِيم} (النِّسَاء: ٦٢) . وَالْآيَة الَّتِي هِيَ خَاتِمَة هَذِه السُّورَة، أَعنِي: سُورَة النِّسَاء. وَهُوَ قَوْله: {يستفتونك قل الله يفتيكم ... } (النِّسَاء: ٦٧١) . إِلَى آخر الْآيَة، آيَات علم الْفَرَائِض، وَهُوَ مستنبط من هَذِه الْآيَات وَمن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك مِمَّا هِيَ كالتفسير لذَلِك.

ويُذْكَرُ أنَّ شُرَيْحَاً وعُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ وطاوُوساً وعَطَاءٍ وابنَ أُذَيْنَةَ أجَازُوا إقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ

ذكر عَنْهُم مَا ذكره بِصِيغَة التمريض، لِأَنَّهُ لم يجْزم بِصِحَّة النَّقْل عَنْهُم لضعف الْإِسْنَاد إِلَى بَعضهم. بَيَانه أَن أثر شُرَيْح ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ بِلَفْظ: إِذا أقرّ فِي مرض لوَارث بدين لم يجز إلَاّ بِبَيِّنَة، وَإِذا أقرّ لوَارث جَازَ. وَفِي إِسْنَاده جَابر الْجعْفِيّ وَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ أخرج أثر طَاوُوس بِلَفْظ: إِذا أقرّ لوَارث جَازَ، وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم وَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ أثر عَطاء أخرجه ابْن أبي شيبَة بِمثلِهِ، وَكَذَلِكَ أثر ابْن أذينة أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ بِلَفْظ: فِي الرجل يقرَّ لوَارث بدين، قَالَ: يجوز. وَابْن أذينة، بِضَم الْهمزَة وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون: واسْمه عبد الرَّحْمَن، قَاضِي الْبَصْرَة، من التَّابِعين الثِّقَات، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين من الْهِجْرَة.

وقالَ الحَسَنُ أحَقُّ مَا يَصَدَّقُ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وأوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ

الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وأثره رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: قَالَ ابْن سِيرِين: لَا يجوز إِقْرَار لوَارث. قَالَ: وَقَالَ الْحسن: أَحَق مَا جَازَ عَلَيْهِ عِنْد مَوته أول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَآخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا. قَوْله: مَا يصدق على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّصْدِيق، ويروى: مَا تصدق على وزن تفعل على صِيغَة الْمَاضِي من التَّصَدُّق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: آخر، بِالنّصب وبالرفع أَي أَحَق زمَان يصدق فِيهِ الرجل فِي أَحْوَاله آخر عمره، وَالْمَقْصُود: أَن إِقْرَار الْمَرِيض فِي مرض مَوته حقيق بِأَن يصدق بِهِ وَيحكم بإنفاذه قلت: وَجه النصب بِتَقْدِير: فِي آخر يَوْم، وَوجه الرّفْع على أَنه خبر لقَوْله: أَحَق.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ والحَكَمُ إذَا أبْرَأ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِىءَ

إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْحكم، بِفتْحَتَيْنِ: ابْن عُيَيْنَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ عَن ابْن أبي ليلى عَن الحكم عَن إِبْرَاهِيم فِي الْمَرِيض: إِذا أَبْرَأ الْوَارِث من الدّين برىء، وَعَن مطرف عَن الحكم قَالَ مثله. قَوْله: (إِذا أَبْرَأ) ، أَي: المريضُ مرض الْمَوْت وارثَه من الدّين الَّذِي عَلَيْهِ بَرِىءَ الوارثُ.

وأوْصاى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ أنْ لَا تُكْشَفَ أمرَأتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ علَيْهِ بابُها

رَافع ابْن خديج بن رَافع الأوسي الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ أَبُو عبد الله، شهد أحدا وَالْخَنْدَق، وخديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره جِيم. قَوْله: (الفزارية) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء. قَوْله: (عَمَّا أُغلق عَلَيْهِ بَابهَا) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: عَن مَال أغلق عَلَيْهِ بَابهَا. ويروى: (أغلق عَلَيْهَا) ، ويروى: أغلقت عَلَيْهِ بَابهَا. و: أغلقت، على صِيغَة الْمَبْنِيّ للْفَاعِل، وَلم أرَ أحدا من الشُّرَّاح حرر هَذَا الْموضع وَلَا ذكر مَا الْمَقْصُود مِنْهُ، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ أَن الْمَرْأَة بعد موت زَوجهَا لَا يتعَرَّضُ لَهَا، فَإِن جَمِيع مَا فِي بَيته لَهَا، وَإِن لم يشْهد لَهَا زَوجهَا بذلك، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى الْإِشْهَاد وَالْإِقْرَار إِذا علم أَنه تزَوجهَا فقيرة وَأَن مَا فِي بَيتهَا من مَتَاع الرِّجَال، وَبِه قَالَ مَالك.

وَقَالَ الحَسَنُ إذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ قَدْ كنْتُ أعْتَقْتُكِ جازَ

الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَهَذَا على أَصله أَن إِقْرَار الْمَرِيض نَافِذ مُطلقًا، فَهَذَا على إِطْلَاقه يتَنَاوَل أَن يكون من جَمِيع مَاله، وَيُخَالِفهُ غَيره فَلَا يعْتق إلَاّ من الثُّلُث.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إذَا قالَتِ المَرْأةُ عِنْدَ مَوْتِها إنَّ زَوْجِي قَضانِي وقَبَضْتُ مِنْهُ جازَ

الشّعبِيّ هُوَ عَامر. قَوْله: (قضاني) ، يَعْنِي: أداني حَقي، جَازَ إِقْرَارهَا. قَالَ ابْن التِّين: لِأَنَّهَا لَا تتهم بالميل إِلَى زَوجهَا فِي تِلْكَ الْحَالة، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ لَهَا ولد من غَيره.

وقالَ بَعْضُ الناسِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بالْوَدِيعَةِ والبِضَاعَةِ والْمُضَارَبَةِ

قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : المُرَاد بِبَعْض النَّاس أَبُو حنيفَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي. قَوْله: (وَقَالَ بعض النَّاس) أَي، كالحنفية. قلت: هَذَا كُله تشنيع على أبي حنيفَة أَو على الْحَنَفِيَّة مُطلقًا، مَعَ أَن فِيهِ سوء الْأَدَب على مَا لَا يخفى. قَوْله: (لَا يجوز إِقْرَاره) ، أَي: إِقْرَار الْمَرِيض لبَعض الْوَرَثَة. قَوْله: (لسوء الظَّن بِهِ) ، أَي: بِهَذَا الْإِقْرَار، أَي: مَظَنَّة أَن يُرِيد الْإِسَاءَة بِالْبَعْضِ الآخر مِنْهُم، وَهَذَا لَا يُطلق عَلَيْهِ سوء الظَّن، وَلم يُعلل الْحَنَفِيَّة عدم جَوَاز إِقْرَار الْمَرِيض لبَعض الْوَرَثَة بِهَذِهِ الْعبارَة، بل قَالُوا: لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ ضَرَر لبَقيَّة الْوَرَثَة مَعَ وُرُود قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا وَصِيَّة لوَارث وَلَا إِقْرَار لَهُ بدين) ، وَمذهب مَالك كمذهب أبي حنيفَة: إِذا اتهمَ وَهُوَ اخْتِيَار الرَّوْيَانِيّ من الشَّافِعِيَّة، وَعَن شُرَيْح وَالْحسن بن صَالح: لَا يجوز إِقْرَار الْمَرِيض لوَارث إلَاّ لزوجته بصداقها، وَعَن الْقَاسِم وَسَالم وَالثَّوْري: لَا يجوز إِقْرَار الْمَرِيض لوَارِثه مُطلقًا، وَزعم ابْن الْمُنْذر: أَن الشَّافِعِي رَجَعَ إِلَى قَول هَؤُلَاءِ، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَالْعجب من البُخَارِيّ أَنه خصص الْحَنَفِيَّة بالتشنيع عَلَيْهِم وهم مَا هم منفردون فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَلَكِن لَيْسَ هَذَا إلَاّ بِسَبَب أَمر سبق فِيمَا بَينهم، وَالله أعلم. قَوْله: (ثمَّ اسْتحْسنَ) ، أَي: بعض النَّاس، هَذَا، أَي: رأى بالاستحسان، فَقَالَ ... إِلَى آخِره وَالْفرق بَين الْإِقْرَار بِالدّينِ وَبَين الْإِقْرَار بالوديعة والبضاعة وَالْمُضَاربَة ظَاهر، لِأَن مبْنى الْإِقْرَار بِالدّينِ على اللُّزُوم، ومبنى الْإِقْرَار بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة على الْأَمَانَة، وَبَين اللُّزُوم وَالْأَمَانَة فرق عَظِيم.

وقدْ قالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إيَّاكُمْ والظَّنَّ فَإِن الظَّن أكْذَبُ الحَدِيثِ

احْتج البُخَارِيّ بِهَذَا القَوْل نقلا عَن الْحَنَفِيَّة لسوء الظَّن بِهِ للْوَرَثَة، وَذَلِكَ لِأَن الظَّن محذر عَنهُ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إيَّاكُمْ وَالظَّن) ، وَإِنَّمَا يَصح هَذَا الِاحْتِجَاج إِذا ثَبت أَن الْحَنَفِيَّة عللوا بِسوء الظَّن بِهِ للْوَرَثَة، وَقد منعنَا هَذَا عَن قريب، وَلَئِن سلمنَا أَن هَذَا ظن فَلَا نسلم أَنه ظن فَاسد، والمحذر عَنهُ الظَّن الْفَاسِد، ثمَّ هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره مُعَلّقا طرف من حَدِيث سَيَأْتِي فِي الْأَدَب مَوْصُولا من وَجْهَيْن عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الصدْق وَالْكذب صفتان لِلْقَوْلِ لَا للظن، ثمَّ إنَّهُمَا لَا يقبلان الزِّيَادَة وَالنَّقْص، فَكيف يبْنى مِنْهُ أفعل التَّفْضِيل؟ قلت: جعل الظَّن للمتكلم فوصف بهما كَمَا وصف الْمُتَكَلّم، فَيُقَال مُتَكَلم صَادِق وكاذب، والمتكلم يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الصدْق وَالْكذب، فَيُقَال: زيد أصدق من عَمْرو، فَمَعْنَاه: الظَّن أكذب فِي الحَدِيث من غَيره.

ولَا يَحِلُّ مالُ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: آيَةُ المُنَافِقِ إذَا ائْتُمِنَ خانَ

هَذَا احتجاج آخر لما ادَّعَاهُ البُخَارِيّ، وَلَكِن لَا يَسْتَقِيم لِأَن فِيهِ تعسفاً شَدِيدا، لِأَن الْكرْمَانِي وَجهه بِالْجَرِّ الثقيل على مَا لَا يخفى، وَهُوَ أَنه إِذا وَجب ترك الْخِيَانَة وَجب الْإِقْرَار بِمَا عَلَيْهِ، وَإِذا أقرّ لَا بُد من اعْتِبَار إِقْرَاره، وإلَاّ لم يكن لإِيجَاب الْإِقْرَار فَائِدَة. انْتهى. قلت: سلمنَا وجوب ترك الْخِيَانَة، وَلَكِن لَا نسلم وجوب الْإِقْرَار بِمَا عَلَيْهِ إلَاّ فِي مَوضِع لَيْسَ فِيهِ تُهْمَة وَلَا أَذَى للْغَيْر، كَمَا فِي الْإِقْرَار للْأَجْنَبِيّ، وَأما الْإِقْرَار لوَارِثه فَفِيهِ تُهْمَة ظَاهِرَة، وأذًى ظَاهر لبَقيَّة الْوَرَثَة، وَهَذَا ظَاهر لَا يدْفع. فَإِن قلت: هَذَا

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله