«أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٥

الحديث رقم ٢٧٥ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا…

«أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ. ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ.» تَابَعَهُ عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

سند حديث: ٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ…

٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا…

أخبر أبو هريرة رضي الله عنه أن الصلاة قد أُقيمت وسُوِّيت الصفوف، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام موضع صلاته تذكر قبل أن يكبر ويدخل في الصلاة أنه جنب، وإنما فهم أبو هريرة ذلك بالقرائن، لأن التذكر بالقلب لا يُطَّلَع عليه، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: الزموا أماكنكم، ثم رجع إلى الحجرة واغتسل، ثم خرج إليهم ورأسه يقطر من ماء الغسل، فكبر مكتفيًا بالإقامة السابقة، وهو حجة لقول جمهور العلماء أن الفصل جائز بين الإقامة والصلاة بالكلام مطلقًا وبالفعل إذا كان لمصلحة الصلاة، فكبر وصلى الصحابة معه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز الفصل بين الإقامة وبين الصلاة بالكلام مطلقًا، وبالفعل إذا كان لمصلحة الصلاة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وُضُوءًا بِالتَّنْوِينِ لِجَنَابَةٍ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ للجَنَابَةٌ وَلِرَفِيقَيْهِ وُضِعَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِرَسُولِ اللَّهِ بِزِيَادَةِ اللَّامِ أَيْ لِأَجْلِهِ وُضُوءٌ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ.

قَوْلُهُ: (فَكَفَأَ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَأَكْفَأَ أَيْ قَلَبَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى يَسَارِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَكَرِيمَةَ عَلَى شِمَالِهِ.

قَوْلُهُ: (ضَرَبَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ضَرْبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَلْيَقُ بِالتَّرْجَمَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَفِيهِ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ فَدَخَلَ فِي عُمُومِهِ مَوَاضِعُ الْوُضُوءِ فَلَا يُطَابِقُ قَوْلُهُ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ وَالْعُرْفِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ يَخُصُّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَإِنَّ تَقْدِيمَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَعُرْفُ النَّاسِ مِنْ مَفْهُومِ الْجَسَدِ إِذَا أُطْلِقَ بَعْدَهُ يُعْطِي ذَلِكَ اهـ. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ أَيْ مَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ تِلْكَ الْقِصَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي أَوَائِلِ الْغُسْلِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَفْظُ جَسَدِهِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، أَوِ الْمُرَادُ هُنَا بِسَائِرِ جَسَدِهِ أَيْ بَاقِيهِ بَعْدَ الرَّأْسِ لَا أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ. قُلْتُ: وَمِنْ لَازِمِ هَذَا التَّقْريرِ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَمَلَ قَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ عَلَى الْمَجَازِ أَيْ مَا بَقِيَ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِذْ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ غَسَلَ جَسَدَهُ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَحْتَجْ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ ثَانِيًا ; لِأَنَّ غَسْلَهُمَا كَانَ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِتَصَرُّفَاتِ الْبُخَارِيِّ إِذْ مِنْ شَأْنِهِ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَخْفَى أَكْثَرَ مِنَ الْأَجْلَى. وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ إِجْزَاءَ غُسْلِ الْجُمْعَةِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِجْزَاءَ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ لِمَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ التَّجْدِيدِ مُحْدِثًا.

وَالِاسْتِنْبَاطُ الْمَذْكُورُ مَبْنِيٌّ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ الْوَاقِعَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ سُنَّةٌ وَأَجْزَأَ مَعَ ذَلِكَ عَنْ غَسْلِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ بَعْدَهُ. وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ، فَمَنْ نَوَى غَسْلَ الْجَنَابَةِ وَقَدَّمَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لِفَضِيلَتِهِ ثُمَّ غَسَلَهُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ) سَقَطَ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِلْأَصِيلِيِّ فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. وَبَاقِي مَبَاحِثِ الْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْغُسْلِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

١٧ - بَاب إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ خرج كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ

٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ قِيَامًا فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ تَابَعَهُ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ.

[الحديث ٢٧٥ - طرفاه في: ٦٤٠، ٦٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا ذَكَرَ) أَيْ تَذَكَّرَ الرَّجُلُ وَهُوَ (فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ خَرَجَ)، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَكَرِيمَةَ يَخْرُجُ (كَمَا هُوَ أَيْ عَلَى حَالِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَيَمَّمُ) إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ مَنْ يُوجِبُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «ذَكَرَ» هنا من الباب الذي مصدره الذُّكر -بضمِّ الذَّال- لا مِنَ الذِّكر -بكسرها- قال: وهذه دقَّةٌ لا يفهمها إلَّا من له ذوقٌ بنكات الكلام، قال (١): ولو ذاق ما ذكرنا ما احتاج إلى تفسير «فَعَل» بـ «تَفَعَّل» (أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ) كذا لأبي ذَرٍّ وكريمة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «خرج» (كَمَا هُوَ) أي: على هيئته وحاله جنبًا (وَلَا يَتَيَمَّمُ) عملًا بما نُقِل عنِ الثَّوريِّ وإسحاق وبعض المالكيَّة، فيمن نام في المسجد فاحتلم يتيمَّم قبل أن يخرج، ولأبي حنيفة: أنَّ الجنب المسافر يمرُّ على مسجدٍ فيه عين ماءٍ يتيمَّم ويدخل المسجد، فيستقي ثمَّ يخرج الماء من المسجد.

٢٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المُسنَدِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ

أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ) أي: سُوِّيت (الصُّفُوفُ قِيَامًا) جمع: قائمٍ، منصوبٌ على الحال من مُقدَّرٍ، أي: وعدَّل القوم الصُّفوف حال كونهم قائمين، أو منصوبٌ (١) على التَّمييز لأنَّه مُفسِّرٌ لما في قوله: «وعُدِّلت الصُّفوف» من الإبهام (٢)، أي: سُوِّيت الصُّفوف من حيث القيام (فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) بضمِّ الميم، أي: في موضع صلاته (ذَكَرَ) بقلبه قبل أن يكبِّر ويدخل في الصَّلاة (أَنَّهُ جُنُبٌ) وإنِّما فهم أبو هريرة ذلك بالقرائن لأنَّ الذِّكر باطنيٌّ لا يُطَّلَع عليه (فَقَالَ) (لَنَا) وفي رواية الإسماعيليِّ: «فأشار بيده»، فيحتمل أن يكون جمع بينهما: (مَكَانَكُمْ) بالنَّصب، أي: الزموه (ثُمَّ رَجَعَ) إلى الحجرة (فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ) أي: والحال أنَّ رأسه (يَقْطُرُ) من ماء الغسل، و (٣) نسبة القطر إلى الرَّأس مجازٌ من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (فَكَبَّرَ) مكتفيًا بالإقامة السَّابقة، كما هو ظاهرٌ من تعقيبه بالفاء، وهو حجَّةٌ لقول الجمهور: إنَّ الفصل جائزٌ بينها وبين الصَّلاة بالكلام مُطلَقًا، وبالفعل إذا كان لمصلحة

الصَّلاة، وقِيلَ: يمتنع، فيُؤوَّل «فكبَّر» أي: مع رعاية ما هو وظيفةٌ للصَّلاة كالإقامة، أو يُؤوَّل قوله أوَّلًا: «أقيمت» بغير الإقامة الاصطلاحيَّة (فَصَلَّيْنَا مَعَهُ).

ورواة هذا الحديث السِّتَّة (١) ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا ومسلمٌ في «الصَّلاة» [خ¦٦٤٠]، وأبو داود في «الطَّهارَّة» و «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».

(تَابَعَهُ) الضَّمير لعثمان، أي: تابع عثمانَ بنَ عمر السَّابق قريبًا (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهمَلة- البصريُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) ابنُ رَاشدٍ، بفتح الميم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد ابن مسلمٍ، وهذه مُتابعةٌ (٢) ناقصةٌ لكن وصلها أحمد عن (٣) عبد الأعلى (وَرَوَاهُ) أي: الحديثَ، عبد الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، مما وصله المؤلِّف في أواخر أبواب «الأذان» [خ¦٦٤٠] ولم يقل: المؤلِّف، وتابعه الأوزاعيُّ لأنَّه لم ينقل لفظ الحديث بعينه، وإنَّما رواه بمعناه؛ لأنَّ المفهوم من المُتابَعة الإتيان بمثله من غير تفاوتٍ، والرِّواية أعمُّ، أو هو من التَّفنُّن في العبارة، وجزم به الحافظ ابن حجرٍ وردَّ الأوَّل.

(١٨) (بابُ نَفْضِ اليَدَيْنِ مِنَ الغُسْلِ عَنِ الجَنَابَةِ) كذا لأبي ذَرٍّ وكريمة، وفي رواية أبي ذرٍّ عنِ (٤)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْقِصَّة غير تِلْكَ الْقِصَّة. وَقَالَ: فِي كَلَام السكرماني لَازم هَذَا التَّقْدِير أَن الحَدِيث غير مُطَابق للتَّرْجَمَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَالَّذِي يظْهر لي أَن البُخَارِيّ حمل قَوْله: ثمَّ غسل جسده على الْمجَاز أَي: مَا بَقِي، وَدَلِيل ذَلِك قَوْله بعد فَغسل رجلَيْهِ، إِذْ لَو كَانَ قَوْله: (غسل جسده) مَحْمُولا، على عُمُومه لم يحْتَج لغسل رجلَيْهِ ثَانِيًا، لِأَن غسلهمَا دخل فِي الْعُمُوم، وَهَذَا أشبه بتصرفات البُخَارِيّ، إِذْ من شَأْنه الاعتناء بالأخفى أَكثر من الأجلى. قلت: مَا ثمَّ فِي هَذَا الَّذِي ذكره هَؤُلَاءِ المذكورون أَكثر كلفة من كَلَام هَذَا الْقَائِل لِأَنَّهُ تصرف فِي كَلَامهم من غير تَحْقِيق وَأبْعد من هَذَا دَعْوَاهُ أَن البُخَارِيّ حمل لفظ الْجَسَد على الْمجَاز، فَلَا يعلم هُوَ أَن الْمجَاز لَا يُصَار أليه إلَاّ عِنْد تعذر الْحَقِيقَة أَو لنكة أُخْرَى، وَأي ضَرُورَة هَاهُنَا إِلَى الْمجَاز، وَمن قَالَ: إِن البُخَارِيّ قصد هَذَا وَأبْعد من ذَلِك أَنه علل مَا ادَّعَاهُ بِغسْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلَيْهِ ثَانِيًا؟ وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون رجلَيْهِ فِي مستنقع المَاء، وَحَاصِل الْكَلَام، كَلَام ابْن الْمُنِير أقرب فِي وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: يُوسُف بن عِيسَى بن يَعْقُوب الْمروزِي، وَالْفضل بن مُوسَى أَبُو عبد الله السينَانِي، والبقية ذكرُوا عَن قريب.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين عِنْد أبي ذَر فِي الثَّانِي، وَعند غَيره أخبرنَا وَكَذَا أخبرنَا الْأَعْمَش. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع.

ذكر مَعَانِيه قَوْله: (وضوء للجنابة) بِفَتْح الْوَاو، فِي رِوَايَة كَرِيمَة وضوء لجنابة بلام وَاحِدَة فِي رِوَايَة الْكشميهني. وضوء الْجَنَابَة وَقَوله: (وضع) على بِنَاء الْمَعْلُوم، وَرَسُول الله فَاعله، ويروي على بِنَاء الْمَجْهُول، وضع لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: لأَجله قَوْله: (فاكفأ) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَرِوَايَة أبي ذَر فكفأ، أَي: قلب قَوْله: (على يسَار) كَذَا هُوَ للأكثرين، ولكريمه وَالْمُسْتَمْلِي على شِمَاله قَوْله: (ضرب يَده بِالْأَرْضِ) كَذَا هُوَ للأكثرين وللكشميهني، بِيَدِهِ الأَرْض.

قالَتْ فاتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْها فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ

فَاعل. قَالَت مَيْمُونَة وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: قَالَت عَائِشَة، وَهُوَ غلط ظَاهر، وَبَيَان الْأَحْكَام قد تقدم فِيمَا مضى.

١٧ - (بابُ إذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من إِذا ذكر فِي الْمَسْجِد أَنه جنب، وَحكمه أَنه يخرج على حَالَته وَلَا يحْتَاج إِلَى التَّيَمُّم قَوْله: (ذكر) من الْبَاب الَّذِي مصدره الذّكر بِضَم الذَّال، لَا من الْبَاب الَّذِي مصدره الذّكر بِالْكَسْرِ؟ وَهَذِه دقة لَا يفهمها إلَاّ من لَهُ ذوق من نكات الْكَلَام، فَلذَلِك فسر بَعضهم قَوْله: ذكر بقوله: تذكر فَلَو ذاق هَذَا مَا ذَكرْنَاهُ لما احْتَاجَ إِلَى تَفْسِير، فعل يتفعل. قَوْله: (يخرج) رِوَايَة أبي ذَر وكريمة وَرِوَايَة غَيرهمَا. (خرج) قَوْله: (كَمَا هُوَ) أَي: على هَيئته وحاله جنياً وَقَوله: (وَلَا يتَيَمَّم) توضيح لقَوْله كَمَا هُوَ وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا مَوْصُولَة وموصوفة وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي كالأمر الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَو كحالة هُوَ عَلَيْهَا قلت على كل تَقْدِير هَذِه الْجُمْلَة محلهَا النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي يخرج وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا فَإِن قلت: تَسْمِيَة هَذِه الْكَاف، بكاف الْمُقَارنَة تصرف مِنْهُ، واصطلاح، بل الْكَاف، هُنَا للتشبيه على أَصله وَنظر ذَلِك قَوْلك لشخص: كن أَنْت عَلَيْهِ وَالْمعْنَى: على مَا أَنْت عَلَيْهِ، ثمَّ فِي هَذَا وُجُوه من الْإِعْرَاب. الأول: أَن تكون مَا مَوْصُولَة وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: كَالَّذي هُوَ عَلَيْهِ من الْجَنَابَة. الثَّانِي: أَن يكون هُوَ خَبرا مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ، وَالتَّقْدِير: كَالَّذي هُوَ عَلَيْهِ، كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: {اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة} (سُورَة الْأَعْرَاف: ١٣٨) أَي: كَالَّذي هُوَ لَهُم آلِهَة. وَالثَّالِث: أَن تكون مَا زَائِدَة ملغاة عَن الْعَمَل وَالْكَاف، جَارة، وَهُوَ ضمير مَرْفُوع أنيب عَن الْمَجْرُور، كَمَا فِي قَوْله: مَا أَنا كَانَت وَالْمعْنَى: يخرج فِي الْمُسْتَقْبل مماثلاً لنَفسِهِ فِيمَا مضى. وَالرَّابِع: أَن تكون مَا، كَافَّة، وَهُوَ مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، أَي: عَلَيْهِ، أَو كَائِن. وَالْخَامِس: أَن تكون مَا كَافَّة، وه، فَاعل، وَالْأَصْل: يخرج كَمَا كَانَ، ثمَّ حذفت كَانَ فانفصل الضَّمِير، وعَلى هَذَا الْوَجْه يجوز أَن تكون مَا مَصْدَرِيَّة.

٢٧ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن عمر قَالَ أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ أُقِيمَت الصَّلَاة وَعدلت الصُّفُوف قيَاما وَخرج إِلَيْنَا رَسُول الله

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذكر أَنه جنب فَقَالَ لنا مَكَانكُمْ ثمَّ رَجَعَ فاغتسل ثمَّ خرج إِلَيْنَا وَرَأسه يقطر فَكبر فصلينا مَعَه) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي تقدم فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان وَعُثْمَان بن عَمْرو بن فَارس أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ وَيُونُس بن يزِيد وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم وَأَبُو سَلمَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف تقدمُوا فِي بَاب الْوَحْي (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأيلي ومدني. (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق الكوسج عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ نَحوه وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ مُخْتَصرا وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث زُهَيْر بن حَرْب فِي الصَّلَاة عَن مَحْمُود بن خَالِد وَدَاوُد بن رشيد كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُوسَى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن عَمْرو بن عُثْمَان الْحِمصِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحوه. (ذكر مَعَانِيه) قَوْله " أُقِيمَت الصَّلَاة " المُرَاد من الْإِقَامَة ذكر الْأَلْفَاظ الْمَخْصُوصَة الْمَشْهُورَة المشعرة بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاة وَهِي أُخْت الْأَذَان كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت مَعْنَاهُ إِذا نَادَى الْمُؤَذّن بِالْإِقَامَةِ فأقيم الْمُسَبّب مقَام السَّبَب قَوْله " وَعدلت " أَي سويت وتعديل الشَّيْء تقويمه يُقَال عدلته فاعتدل أَي قومته فاستقام وَفِي رِوَايَة فعدلت الصُّفُوف قبل أَن يخرج إِلَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبَين البُخَارِيّ ذَلِك فِي الصَّلَاة فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان أَنه كَانَ قبل أَن يكبر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - للصَّلَاة قَوْله " قيَاما " جمع قَائِم كتجار بِكَسْر التَّاء جمع تَاجر وَيجوز أَن يكون مصدرا جَارِيا على حَقِيقَته وَقَالَ الْكرْمَانِي فَهُوَ تَمْيِيز أَو مَحْمُول على اسْم الْفَاعِل فَهُوَ حَال (قلت) إِذا كَانَ لفظ قيَاما مصدرا يكون مَنْصُوبًا على التَّمْيِيز لِأَن فِي قَوْله وَعدلت الصُّفُوف فِيهِ إِبْهَام فيفسره قَوْله قيَاما أَي من حَيْثُ الْقيام وَإِذا كَانَ جمعا لقائم يكون انتصابه على الحالية وَذُو الْحَال مَحْذُوف تَقْدِيره وَعدل الْقَوْم الصُّفُوف حَال كَونهم قَائِمين قَوْله " فِي مُصَلَّاهُ " بِضَم الْمِيم وَهُوَ مَوضِع صلَاته قَوْله " ذكر " من بَاب الذّكر بِضَم الذَّال وَهُوَ الذّكر القلبي فَلَا يحْتَاج إِلَى تَفْسِير ذكر بِمَعْنى تذكر كَمَا فسره بَعضهم هَكَذَا قَوْله " فَقَالَ لنا مَكَانكُمْ " بِالنّصب أَي الزموا مَكَانكُمْ وَقَالَ بَعضهم وَفِيه إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل فَإِن فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن مَكَانكُمْ (قلت) لَيْسَ فِيهِ إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل بل القَوْل على حَاله وَرِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَا تَسْتَلْزِم ذَلِك لاحْتِمَال الْجمع بَين الْكَلَام وَالْإِشَارَة (فَإِن قلت) إِذا كَانَ القَوْل على بَابه فَيكون وَاقعا فِي الصَّلَاة (قلت) لَيْسَ كَذَلِك بل كَانَ ذكره أَنه جنب قبل أَن يكبر وَقبل أَن يدْخل فِي الصَّلَاة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه (قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَكبر ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم فَمَكَثُوا ثمَّ انْطلق فاغتسل وَكَانَ رَأسه يقطر مَاء فصلى بهم فَلَمَّا انْصَرف قَالَ إِنِّي خرجت إِلَيْكُم جنبا وَإِنِّي أنسيت حَتَّى قُمْت فِي الصَّلَاة) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أنس (دخل فِي صَلَاة فَكبر وَكَبَّرْنَا مَعَه ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقَوْم كَمَا أَنْتُم) وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عَليّ (كَانَ قَائِما فصلى بهم إِذا انْصَرف) وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد من حَدِيث أبي بكرَة (دخل فِي صَلَاة الْفجْر فَأَوْمأ بِيَدِهِ أَن مَكَانكُمْ) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى (ثمَّ جَاءَ وَرَأسه يقطر فصلى بهم) وَفِي أُخْرَى لَهُ مُرْسلَة " فَكبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الْقَوْم أَن اجلسوا " وَفِي مُرْسل ابْن سِيرِين وَعَطَاء وَالربيع بن أنس " كبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الْقَوْم أَن اجلسوا " (قلت) هَذَا كُله لَا يُقَاوم الَّذِي فِي الصَّحِيح وَأَيْضًا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا " ثمَّ رَجَعَ فاغتسل فَخرج إِلَيْنَا وَرَأسه يقطر فَكبر " فَلَو كَانَ كبر أَولا لما كَانَ يكبر ثَانِيًا على أَنه اخْتلف فِي الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات فَقيل أُرِيد بقوله كبر أَرَادَ أَن يكبر عملا بِرِوَايَة الصَّحِيح قبل أَن يكبر وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي البُخَارِيّ فانتظرنا تكبيره وَقيل إنَّهُمَا قضيتان أبداه الْقُرْطُبِيّ احْتِمَالا وَقَالَ النَّوَوِيّ أَنه الْأَظْهر وأبداه ابْن حبَان فِي صَحِيحه فَقَالَ بعد أَن أخرج الرِّوَايَتَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحَدِيث أبكر بكرَة وَهَذَانِ فعلان فِي موضِعين متباينين خرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مرّة فَكبر ثمَّ ذكر أَنه جنب فَانْصَرف فاغتسل ثمَّ جَاءَ فاستأنف بهم الصَّلَاة وَجَاء مرّة أُخْرَى فَلَمَّا وَقع ليكبر ذكر أَنه جنب قبل أَن يكبر فَذهب فاغتسل ثمَّ رَجَعَ فَأَقَامَ

بهم الصَّلَاة من غير أَن يكون بَين الْخَبَرَيْنِ تضَاد وَلَا تهاتر وَقَول أبي بكرَة فصلى بهم أَرَادَ بذلك بَدَأَ بتكبير مُحدث لِأَنَّهُ رَجَعَ فَبنى على صلَاته إِذْ محَال أَنه يذهب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليغتسل وَيبقى النَّاس كلهم قيَاما على حالتهم من غير إِمَام إِلَى أَن يرجع انْتهى. وَلما رأى مَالك هَذَا الحَدِيث مُخَالفا لأصل الصَّلَاة قَالَ أَنه خَاص بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وروى بعض أَصْحَابنَا أَن انتظارهم لَهُ هَذَا الزَّمن الطَّوِيل بعد أَن كبروا من قبيل الْعَمَل الْيَسِير فَيجوز مثله (فَإِن قلت) كَيفَ قلت كبروا (قلت) لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِأَن تَكْبِير الْمَأْمُومين يَقع عقيب تَكْبِير إمَامهمْ وَلَا يُؤَخر ذَلِك إِلَّا الْقَلِيل من أهل الوسوسة (فَإِن قلت) إِذا ثَبت أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يكبر فَكيف كبروا وَأَيْضًا فَكيف أَشَارَ إِلَيْهِم وَلم يتَكَلَّم وَلم انتظروه قيَاما (قلت) أما تكبيرهم فعلى رِوَايَة تَكْبِير النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأما قَوْلك وَلم يتَكَلَّم فَيردهُ مَجِيء قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَكَانكُمْ (فَإِن قلت) إِذا أثبت أَنه تكلم بِهَذِهِ اللَّفْظَة فالإشارة لماذا (قلت) يحْتَمل أَنه جمع بَين الْكَلَام وَالْإِشَارَة أَو يكون الرَّاوِي روى أَحدهمَا بِالْمَعْنَى (فَإِن قلت) هَل اقْتصر على الْإِقَامَة الأولى أَو أنشأ إِقَامَة ثَانِيَة (قلت) لم يَصح فِيهِ نقل وَلَو فعله لنقل قَوْله " ثمَّ رَجَعَ " أَي إِلَى الْحُجْرَة قَوْله " وَرَأسه يقطر " جملَة اسمية وَقعت حَالا على أَصْلهَا بِالْوَاو وَقَوله " يقطر " أَي من مَاء الْغسْل وَنسبَة الْقطر إِلَى الرَّأْس مجَاز من قبيل ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. (ذكر استنباط الْأَحْكَام) فِيهِ تَعْدِيل الصُّفُوف وَهُوَ مُسْتَحبّ بِالْإِجْمَاع وَقَالَ ابْن حزم فرض على الْمَأْمُومين تَعْدِيل الصُّفُوف الأول فَالْأول والتراص فِيهَا والمحاذاة بالمناكب والأرجل (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة أُقِيمَت الصَّلَاة فقمنا فعدلنا الصُّفُوف قبل أَن يخرج فَكيف هَذَا وَقد جَاءَ " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تروني " (قلت) لَعَلَّه كَانَ مرّة أَو مرَّتَيْنِ لبَيَان الْجَوَاز أَو لعذر أول لَعَلَّ قَوْله " فَلَا تقوموا حَتَّى تروني " بعد ذَلِك (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي (قلت) لِئَلَّا يطول عَلَيْهِم الْقيام وَلِأَنَّهُ قد يعرض لَهُ عَارض فَيتَأَخَّر بِسَبَب. وَقد اخْتلف الْعلمَاء من السّلف فَمن بعدهمْ مَتى يقوم النَّاس إِلَى الصَّلَاة وَمَتى يكبر الإِمَام فَذهب الشَّافِعِي وَطَائِفَة إِلَى أَنه يسْتَحبّ أَن لَا يقوم أحد حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة وَكَانَ أنس يقوم إِذا قَالَ الْمُؤَذّن قد قَامَت الصَّلَاة وَبِه قَالَ أَحْمد وَقَالَ أَبُو حنيفَة والكوفيون يقومُونَ فِي الصَّفّ إِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة فَإِذا قَالَ قد قَامَت الصَّلَاة كبر الإِمَام وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن سُوَيْد بن غَفلَة وَقيس بن أبي سَلمَة وَحَمَّاد وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف لَا يكبر الإِمَام حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن (قلت) مَذْهَب مَالك أَن السّنة عِنْده أَن يشرع الإِمَام فِي الصَّلَاة بعد فرَاغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة وندائه باستواء الصَّفّ وَعِنْدنَا يشرع عِنْد التَّلَفُّظ بقوله قد قَامَت الصَّلَاة وَقَالَ زفر إِذا قَالَ قد قَامَت الصَّلَاة قَامُوا وَإِذا قَالَ ثَانِيًا افتتحوا وَعَن أبي يُوسُف أَنه يشرع عقيب الْفَرَاغ من الْإِقَامَة مُحَافظَة على القَوْل بِمثل مَا يَقُوله الْمُؤَذّن وَبِه قَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَفِيه أَن الإِمَام إِذا طَرَأَ لَهُ مَا يمنعهُ من التَّمَادِي اسْتخْلف بِالْإِشَارَةِ لَا بالْكلَام وَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ لأَصْحَاب مَالك حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَفِيه جَوَاز الْبناء فِي الْحَدث وَهُوَ قَوْله أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِيه جَوَاز النسْيَان على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فِي الْعِبَادَات. وَفِيه كَمَا قَالَ ابْن بطال حجَّة لمَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة أَن تَكْبِير الْمَأْمُوم يَقع بعد تَكْبِير الإِمَام وَهُوَ قَول عَامَّة الْفُقَهَاء قَالَ وَالشَّافِعِيّ أجَاز تَكْبِير الْمَأْمُوم قبل إِمَامه أَي فِيمَا إِذا أحرم مُنْفَردا ثمَّ نوى الِاقْتِدَاء فِي أثْنَاء الصَّلَاة لِأَنَّهُ روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا رَوَاهُ مَالك عَن إِسْمَاعِيل بن أبي الحكم عَن عَطاء بن يسَار أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كبر فِي صَلَاة من الصَّلَوَات ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم بِيَدِهِ أَن امكثوا فَلَمَّا قدم كبر وَالشَّافِعِيّ لَا يَقُول بالمرسل وَمَالك الَّذِي رَوَاهُ لم يعْمل بِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي صَحَّ عِنْده أَنه لم يكبر انْتهى. (قلت) ذكر ابْن بطال أَن أَبَا حنيفَة مَعَ مَالك غير صَحِيح لِأَن مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الْمَأْمُوم يجب عَلَيْهِ أَن يكبر مَعَ الإِمَام مُقَارنًا وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد يكبر بعده ثمَّ قيل الْخلاف فِي الْأَفْضَلِيَّة. وَفِيه مَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على أَن الْجنب إِذا دخل فِي الْمَسْجِد نَاسِيا فَذكر فِيهِ أَنه جنب يخرج وَلَا يتَيَمَّم فَلذَلِك ذكر فِي التَّرْجَمَة بقوله يخرج كَمَا هُوَ وَلَا يتَيَمَّم وَقَالَ ابْن بطال من التَّابِعين من يَقُول أَن الْجنب إِذا نسي فَدخل الْمَسْجِد فَإِنَّهُ يتَيَمَّم وَيخرج قَالَ والْحَدِيث يرد عَلَيْهِم (قلت) من الَّذين ذَهَبُوا إِلَى التَّيَمُّم الثَّوْريّ واسحق قَالَ وَكَذَا قَول أبي حنيفَة فِي الْجنب الْمُسَافِر يمر على مَسْجِد فِيهِ عين مَاء فَإِنَّهُ يتَيَمَّم وَيدخل الْمَسْجِد فيستقي ثمَّ يخرج المَاء من الْمَسْجِد وَفِي نَوَادِر ابْن أبي زيد من نَام فِي الْمَسْجِد ثمَّ احْتَلَمَ يَنْبَغِي أَن يتَيَمَّم

لِخُرُوجِهِ وَقَالَ الشَّافِعِي لَهُ العبور فِي الْمَسْجِد من غير لبث كَانَت لَهُ حَاجَة أَو لَا وَمثله عَن الْحسن وَابْن الْمسيب وَعَمْرو بن دِينَار وَأحمد وَعَن الشَّافِعِي لَهُ الْمكْث فِيهِ إِذا تَوَضَّأ وَقَالَ دَاوُد والمزني يجوز لَهُ الْمكْث فِيهِ مُطلقًا واعتبره بالمشرك وتعلقوا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْمُؤمن لَا ينجس) وروى سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه بِسَنَد جيد عَن عَطاء " رَأَيْت رجَالًا من الصَّحَابَة يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِد وَعَلَيْهِم الْجَنَابَة إِذا توضؤوا للصَّلَاة " وَحَدِيث وَفد ثَقِيف وَإِنْزَالهمْ فِي الْمَسْجِد وَأهل الصّفة وَغَيرهم كَانُوا يبيتُونَ فِي الْمَسْجِد وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول يجلس الْجنب فِيهِ ويمر فِيهِ إِذا تَوَضَّأ ذكره ابْن الْمُنْذر وَاحْتج من أَبَاحَ العبور بقوله تَعَالَى {وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل} قَالَ الشَّافِعِي قَالَ بعض الْعلمَاء الْقُرْآن مَعْنَاهُ لَا تقربُوا مَوَاضِع الصَّلَاة وَأجَاب من منع بِأَن المُرَاد بِالْآيَةِ نفس الصَّلَاة وَحملهَا على مَكَانهَا مجَازًا وَحملهَا على عمومها أَي لَا تقربُوا الصَّلَاة وَلَا مَكَانهَا على هَذِه الْحَال إِلَّا أَن تَكُونُوا مسافرين فَتَيَمَّمُوا وأقربوا ذَلِك وصلوا وَقد نقل الرَّازِيّ عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس أَن المُرَاد بعابري السَّبِيل الْمُسَافِر يعْدم المَاء يتَيَمَّم وَيُصلي وَالتَّيَمُّم لَا يرفع الْجَنَابَة فأبيح لَهُم الصَّلَاة تَخْفِيفًا. وَفِي طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل لِأَنَّهُ خرج وَرَأسه يقطر. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ينطف وَهِي بمعناها

(تَابعه عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ) أَي تَابع عُثْمَان ابْن عمر عبد الْأَعْلَى السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة عَن معمر بِفَتْح الْمِيم بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَهَذِه مُتَابعَة نَاقِصَة وَهُوَ تَعْلِيق للْبُخَارِيّ وَهُوَ مَوْصُول عِنْد الإِمَام أَحْمد عَن عبد الْأَعْلَى قَوْله " وَرَوَاهُ " أَي روى هَذَا الحَدِيث عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَرِوَايَته مَوْصُولَة عِنْد البُخَارِيّ فِي أَوَائِل أَبْوَاب الْإِمَامَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ بَعضهم ظن بَعضهم أَن السَّبَب فِي التَّفْرِقَة بَين قَوْله تَابعه وَبَين قَوْله وَرَوَاهُ كَون الْمُتَابَعَة وَقعت بِلَفْظِهِ وَالرِّوَايَة بِمَعْنَاهُ وَلَيْسَ كَمَا ظن بل هُوَ من التفنن فِي الْعبارَة انْتهى. (قلت) أَرَادَ بقوله ظن بَعضهم الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرحه فَإِن قلت لم قَالَ أَولا تَابعه وَثَانِيا رَوَاهُ قلت لم يقل وَتَابعه الْأَوْزَاعِيّ إِمَّا لِأَنَّهُ لم ينْقل لفظ الحَدِيث بِعَيْنِه بل رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ إِذْ الْمَفْهُوم من الْمُتَابَعَة الْإِتْيَان بِمثلِهِ على وَجهه بِلَا تفَاوت وَالرِّوَايَة أَعم من ذَلِك وَإِمَّا لِأَنَّهُ يكون موهما بِأَنَّهُ تَابع عُثْمَان أَيْضا وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ لَا وَاسِطَة بَين الْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ وَإِمَّا للتفنن فِي الْكَلَام أَو لغير ذَلِك انْتهى فَهَذَا كَمَا رَأَيْت جَوَاب الْكرْمَانِي عَنهُ بِثَلَاثَة أجوبة وَكلهَا جِيَاد وَالْجَوَاب الَّذِي استحسنه هَذَا الْقَائِل من الْكرْمَانِي أَيْضا وَلَكِن قَصده الغمز فِيهِ حَيْثُ يَأْخُذ ثمَّ ينْسبهُ إِلَى الظَّن مَعَ علمه بِأَن الَّذِي اخْتَارَهُ بمعزل عَن هَذَا الْفَنّ

١٨ - (بابُ نَفْضِ اليدَيْنِ مِنْ الغُسْلِ عَنُ الجَنَابَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم نفض الْيَدَيْنِ من الْجَنَابَة، ويروي من غسل الْجَنَابَة، وَكلمَة من الأولى مُتَعَلقَة بالنفض، وَالثَّانيَِة بِالْغسْلِ.

والمناسبة بَين الْأَبْوَاب ظَاهِرَة لِأَن كلهَا فِي أَحْكَام الْغسْل.

٢٧٦ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ أخْبرنا أبُو حَمْزةَ قالَ سَمِعْتُ الأعْمَشَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ قالَتْ مَيْمُونَةُ وضعَتُ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غُسْلاً فَسَتَرْتَهُ بِثَوْبٍ وَصَبَّ عَلى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ صبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ فَضَربَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا ثُمَّ غَسَلها فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وأفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْباً فَلَمْ يَأْخُذُهُ فانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فَإِن: مَا فَائِدَة هَذِه التَّرْجَمَة من حَيْثُ الْفِقْه؟ قلت: الْإِشَارَة بهَا إِلَى أَن لَا يتخيل أَن مثل هَذَا الْفِعْل اطراح لأثر الْعِبَادَة ونفض لَهُ فَبين أَن هَذَا جَائِز وَنبهَ أَيْضا على رد قَول من زعم أَن تَركه للثوب من قبيل

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وُضُوءًا بِالتَّنْوِينِ لِجَنَابَةٍ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ للجَنَابَةٌ وَلِرَفِيقَيْهِ وُضِعَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِرَسُولِ اللَّهِ بِزِيَادَةِ اللَّامِ أَيْ لِأَجْلِهِ وُضُوءٌ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ.

قَوْلُهُ: (فَكَفَأَ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَأَكْفَأَ أَيْ قَلَبَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى يَسَارِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَكَرِيمَةَ عَلَى شِمَالِهِ.

قَوْلُهُ: (ضَرَبَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ضَرْبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَلْيَقُ بِالتَّرْجَمَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَفِيهِ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ فَدَخَلَ فِي عُمُومِهِ مَوَاضِعُ الْوُضُوءِ فَلَا يُطَابِقُ قَوْلُهُ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ وَالْعُرْفِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ يَخُصُّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَإِنَّ تَقْدِيمَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَعُرْفُ النَّاسِ مِنْ مَفْهُومِ الْجَسَدِ إِذَا أُطْلِقَ بَعْدَهُ يُعْطِي ذَلِكَ اهـ. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ أَيْ مَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ تِلْكَ الْقِصَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي أَوَائِلِ الْغُسْلِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَفْظُ جَسَدِهِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، أَوِ الْمُرَادُ هُنَا بِسَائِرِ جَسَدِهِ أَيْ بَاقِيهِ بَعْدَ الرَّأْسِ لَا أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ. قُلْتُ: وَمِنْ لَازِمِ هَذَا التَّقْريرِ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَمَلَ قَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ عَلَى الْمَجَازِ أَيْ مَا بَقِيَ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِذْ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ غَسَلَ جَسَدَهُ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَحْتَجْ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ ثَانِيًا ; لِأَنَّ غَسْلَهُمَا كَانَ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِتَصَرُّفَاتِ الْبُخَارِيِّ إِذْ مِنْ شَأْنِهِ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَخْفَى أَكْثَرَ مِنَ الْأَجْلَى. وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ إِجْزَاءَ غُسْلِ الْجُمْعَةِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِجْزَاءَ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ لِمَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ التَّجْدِيدِ مُحْدِثًا.

وَالِاسْتِنْبَاطُ الْمَذْكُورُ مَبْنِيٌّ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ الْوَاقِعَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ سُنَّةٌ وَأَجْزَأَ مَعَ ذَلِكَ عَنْ غَسْلِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ بَعْدَهُ. وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ، فَمَنْ نَوَى غَسْلَ الْجَنَابَةِ وَقَدَّمَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لِفَضِيلَتِهِ ثُمَّ غَسَلَهُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ) سَقَطَ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِلْأَصِيلِيِّ فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. وَبَاقِي مَبَاحِثِ الْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْغُسْلِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

١٧ - بَاب إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ خرج كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ

٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ قِيَامًا فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ تَابَعَهُ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ.

[الحديث ٢٧٥ - طرفاه في: ٦٤٠، ٦٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا ذَكَرَ) أَيْ تَذَكَّرَ الرَّجُلُ وَهُوَ (فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ خَرَجَ)، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَكَرِيمَةَ يَخْرُجُ (كَمَا هُوَ أَيْ عَلَى حَالِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَيَمَّمُ) إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ مَنْ يُوجِبُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «ذَكَرَ» هنا من الباب الذي مصدره الذُّكر -بضمِّ الذَّال- لا مِنَ الذِّكر -بكسرها- قال: وهذه دقَّةٌ لا يفهمها إلَّا من له ذوقٌ بنكات الكلام، قال (١): ولو ذاق ما ذكرنا ما احتاج إلى تفسير «فَعَل» بـ «تَفَعَّل» (أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ) كذا لأبي ذَرٍّ وكريمة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «خرج» (كَمَا هُوَ) أي: على هيئته وحاله جنبًا (وَلَا يَتَيَمَّمُ) عملًا بما نُقِل عنِ الثَّوريِّ وإسحاق وبعض المالكيَّة، فيمن نام في المسجد فاحتلم يتيمَّم قبل أن يخرج، ولأبي حنيفة: أنَّ الجنب المسافر يمرُّ على مسجدٍ فيه عين ماءٍ يتيمَّم ويدخل المسجد، فيستقي ثمَّ يخرج الماء من المسجد.

٢٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المُسنَدِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ

أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ) أي: سُوِّيت (الصُّفُوفُ قِيَامًا) جمع: قائمٍ، منصوبٌ على الحال من مُقدَّرٍ، أي: وعدَّل القوم الصُّفوف حال كونهم قائمين، أو منصوبٌ (١) على التَّمييز لأنَّه مُفسِّرٌ لما في قوله: «وعُدِّلت الصُّفوف» من الإبهام (٢)، أي: سُوِّيت الصُّفوف من حيث القيام (فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) بضمِّ الميم، أي: في موضع صلاته (ذَكَرَ) بقلبه قبل أن يكبِّر ويدخل في الصَّلاة (أَنَّهُ جُنُبٌ) وإنِّما فهم أبو هريرة ذلك بالقرائن لأنَّ الذِّكر باطنيٌّ لا يُطَّلَع عليه (فَقَالَ) (لَنَا) وفي رواية الإسماعيليِّ: «فأشار بيده»، فيحتمل أن يكون جمع بينهما: (مَكَانَكُمْ) بالنَّصب، أي: الزموه (ثُمَّ رَجَعَ) إلى الحجرة (فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ) أي: والحال أنَّ رأسه (يَقْطُرُ) من ماء الغسل، و (٣) نسبة القطر إلى الرَّأس مجازٌ من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (فَكَبَّرَ) مكتفيًا بالإقامة السَّابقة، كما هو ظاهرٌ من تعقيبه بالفاء، وهو حجَّةٌ لقول الجمهور: إنَّ الفصل جائزٌ بينها وبين الصَّلاة بالكلام مُطلَقًا، وبالفعل إذا كان لمصلحة

الصَّلاة، وقِيلَ: يمتنع، فيُؤوَّل «فكبَّر» أي: مع رعاية ما هو وظيفةٌ للصَّلاة كالإقامة، أو يُؤوَّل قوله أوَّلًا: «أقيمت» بغير الإقامة الاصطلاحيَّة (فَصَلَّيْنَا مَعَهُ).

ورواة هذا الحديث السِّتَّة (١) ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا ومسلمٌ في «الصَّلاة» [خ¦٦٤٠]، وأبو داود في «الطَّهارَّة» و «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».

(تَابَعَهُ) الضَّمير لعثمان، أي: تابع عثمانَ بنَ عمر السَّابق قريبًا (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهمَلة- البصريُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) ابنُ رَاشدٍ، بفتح الميم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد ابن مسلمٍ، وهذه مُتابعةٌ (٢) ناقصةٌ لكن وصلها أحمد عن (٣) عبد الأعلى (وَرَوَاهُ) أي: الحديثَ، عبد الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، مما وصله المؤلِّف في أواخر أبواب «الأذان» [خ¦٦٤٠] ولم يقل: المؤلِّف، وتابعه الأوزاعيُّ لأنَّه لم ينقل لفظ الحديث بعينه، وإنَّما رواه بمعناه؛ لأنَّ المفهوم من المُتابَعة الإتيان بمثله من غير تفاوتٍ، والرِّواية أعمُّ، أو هو من التَّفنُّن في العبارة، وجزم به الحافظ ابن حجرٍ وردَّ الأوَّل.

(١٨) (بابُ نَفْضِ اليَدَيْنِ مِنَ الغُسْلِ عَنِ الجَنَابَةِ) كذا لأبي ذَرٍّ وكريمة، وفي رواية أبي ذرٍّ عنِ (٤)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْقِصَّة غير تِلْكَ الْقِصَّة. وَقَالَ: فِي كَلَام السكرماني لَازم هَذَا التَّقْدِير أَن الحَدِيث غير مُطَابق للتَّرْجَمَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَالَّذِي يظْهر لي أَن البُخَارِيّ حمل قَوْله: ثمَّ غسل جسده على الْمجَاز أَي: مَا بَقِي، وَدَلِيل ذَلِك قَوْله بعد فَغسل رجلَيْهِ، إِذْ لَو كَانَ قَوْله: (غسل جسده) مَحْمُولا، على عُمُومه لم يحْتَج لغسل رجلَيْهِ ثَانِيًا، لِأَن غسلهمَا دخل فِي الْعُمُوم، وَهَذَا أشبه بتصرفات البُخَارِيّ، إِذْ من شَأْنه الاعتناء بالأخفى أَكثر من الأجلى. قلت: مَا ثمَّ فِي هَذَا الَّذِي ذكره هَؤُلَاءِ المذكورون أَكثر كلفة من كَلَام هَذَا الْقَائِل لِأَنَّهُ تصرف فِي كَلَامهم من غير تَحْقِيق وَأبْعد من هَذَا دَعْوَاهُ أَن البُخَارِيّ حمل لفظ الْجَسَد على الْمجَاز، فَلَا يعلم هُوَ أَن الْمجَاز لَا يُصَار أليه إلَاّ عِنْد تعذر الْحَقِيقَة أَو لنكة أُخْرَى، وَأي ضَرُورَة هَاهُنَا إِلَى الْمجَاز، وَمن قَالَ: إِن البُخَارِيّ قصد هَذَا وَأبْعد من ذَلِك أَنه علل مَا ادَّعَاهُ بِغسْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلَيْهِ ثَانِيًا؟ وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون رجلَيْهِ فِي مستنقع المَاء، وَحَاصِل الْكَلَام، كَلَام ابْن الْمُنِير أقرب فِي وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: يُوسُف بن عِيسَى بن يَعْقُوب الْمروزِي، وَالْفضل بن مُوسَى أَبُو عبد الله السينَانِي، والبقية ذكرُوا عَن قريب.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين عِنْد أبي ذَر فِي الثَّانِي، وَعند غَيره أخبرنَا وَكَذَا أخبرنَا الْأَعْمَش. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع.

ذكر مَعَانِيه قَوْله: (وضوء للجنابة) بِفَتْح الْوَاو، فِي رِوَايَة كَرِيمَة وضوء لجنابة بلام وَاحِدَة فِي رِوَايَة الْكشميهني. وضوء الْجَنَابَة وَقَوله: (وضع) على بِنَاء الْمَعْلُوم، وَرَسُول الله فَاعله، ويروي على بِنَاء الْمَجْهُول، وضع لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: لأَجله قَوْله: (فاكفأ) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَرِوَايَة أبي ذَر فكفأ، أَي: قلب قَوْله: (على يسَار) كَذَا هُوَ للأكثرين، ولكريمه وَالْمُسْتَمْلِي على شِمَاله قَوْله: (ضرب يَده بِالْأَرْضِ) كَذَا هُوَ للأكثرين وللكشميهني، بِيَدِهِ الأَرْض.

قالَتْ فاتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْها فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ

فَاعل. قَالَت مَيْمُونَة وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: قَالَت عَائِشَة، وَهُوَ غلط ظَاهر، وَبَيَان الْأَحْكَام قد تقدم فِيمَا مضى.

١٧ - (بابُ إذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من إِذا ذكر فِي الْمَسْجِد أَنه جنب، وَحكمه أَنه يخرج على حَالَته وَلَا يحْتَاج إِلَى التَّيَمُّم قَوْله: (ذكر) من الْبَاب الَّذِي مصدره الذّكر بِضَم الذَّال، لَا من الْبَاب الَّذِي مصدره الذّكر بِالْكَسْرِ؟ وَهَذِه دقة لَا يفهمها إلَاّ من لَهُ ذوق من نكات الْكَلَام، فَلذَلِك فسر بَعضهم قَوْله: ذكر بقوله: تذكر فَلَو ذاق هَذَا مَا ذَكرْنَاهُ لما احْتَاجَ إِلَى تَفْسِير، فعل يتفعل. قَوْله: (يخرج) رِوَايَة أبي ذَر وكريمة وَرِوَايَة غَيرهمَا. (خرج) قَوْله: (كَمَا هُوَ) أَي: على هَيئته وحاله جنياً وَقَوله: (وَلَا يتَيَمَّم) توضيح لقَوْله كَمَا هُوَ وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا مَوْصُولَة وموصوفة وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي كالأمر الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَو كحالة هُوَ عَلَيْهَا قلت على كل تَقْدِير هَذِه الْجُمْلَة محلهَا النصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي يخرج وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا فَإِن قلت: تَسْمِيَة هَذِه الْكَاف، بكاف الْمُقَارنَة تصرف مِنْهُ، واصطلاح، بل الْكَاف، هُنَا للتشبيه على أَصله وَنظر ذَلِك قَوْلك لشخص: كن أَنْت عَلَيْهِ وَالْمعْنَى: على مَا أَنْت عَلَيْهِ، ثمَّ فِي هَذَا وُجُوه من الْإِعْرَاب. الأول: أَن تكون مَا مَوْصُولَة وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: كَالَّذي هُوَ عَلَيْهِ من الْجَنَابَة. الثَّانِي: أَن يكون هُوَ خَبرا مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ، وَالتَّقْدِير: كَالَّذي هُوَ عَلَيْهِ، كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: {اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة} (سُورَة الْأَعْرَاف: ١٣٨) أَي: كَالَّذي هُوَ لَهُم آلِهَة. وَالثَّالِث: أَن تكون مَا زَائِدَة ملغاة عَن الْعَمَل وَالْكَاف، جَارة، وَهُوَ ضمير مَرْفُوع أنيب عَن الْمَجْرُور، كَمَا فِي قَوْله: مَا أَنا كَانَت وَالْمعْنَى: يخرج فِي الْمُسْتَقْبل مماثلاً لنَفسِهِ فِيمَا مضى. وَالرَّابِع: أَن تكون مَا، كَافَّة، وَهُوَ مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، أَي: عَلَيْهِ، أَو كَائِن. وَالْخَامِس: أَن تكون مَا كَافَّة، وه، فَاعل، وَالْأَصْل: يخرج كَمَا كَانَ، ثمَّ حذفت كَانَ فانفصل الضَّمِير، وعَلى هَذَا الْوَجْه يجوز أَن تكون مَا مَصْدَرِيَّة.

٢٧ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن عمر قَالَ أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ أُقِيمَت الصَّلَاة وَعدلت الصُّفُوف قيَاما وَخرج إِلَيْنَا رَسُول الله

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذكر أَنه جنب فَقَالَ لنا مَكَانكُمْ ثمَّ رَجَعَ فاغتسل ثمَّ خرج إِلَيْنَا وَرَأسه يقطر فَكبر فصلينا مَعَه) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي تقدم فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان وَعُثْمَان بن عَمْرو بن فَارس أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ وَيُونُس بن يزِيد وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم وَأَبُو سَلمَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف تقدمُوا فِي بَاب الْوَحْي (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وأيلي ومدني. (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق الكوسج عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ نَحوه وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ مُخْتَصرا وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث زُهَيْر بن حَرْب فِي الصَّلَاة عَن مَحْمُود بن خَالِد وَدَاوُد بن رشيد كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحْو حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُوسَى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن عَمْرو بن عُثْمَان الْحِمصِي عَن الْوَلِيد بن مُسلم نَحوه. (ذكر مَعَانِيه) قَوْله " أُقِيمَت الصَّلَاة " المُرَاد من الْإِقَامَة ذكر الْأَلْفَاظ الْمَخْصُوصَة الْمَشْهُورَة المشعرة بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاة وَهِي أُخْت الْأَذَان كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت مَعْنَاهُ إِذا نَادَى الْمُؤَذّن بِالْإِقَامَةِ فأقيم الْمُسَبّب مقَام السَّبَب قَوْله " وَعدلت " أَي سويت وتعديل الشَّيْء تقويمه يُقَال عدلته فاعتدل أَي قومته فاستقام وَفِي رِوَايَة فعدلت الصُّفُوف قبل أَن يخرج إِلَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبَين البُخَارِيّ ذَلِك فِي الصَّلَاة فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان أَنه كَانَ قبل أَن يكبر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - للصَّلَاة قَوْله " قيَاما " جمع قَائِم كتجار بِكَسْر التَّاء جمع تَاجر وَيجوز أَن يكون مصدرا جَارِيا على حَقِيقَته وَقَالَ الْكرْمَانِي فَهُوَ تَمْيِيز أَو مَحْمُول على اسْم الْفَاعِل فَهُوَ حَال (قلت) إِذا كَانَ لفظ قيَاما مصدرا يكون مَنْصُوبًا على التَّمْيِيز لِأَن فِي قَوْله وَعدلت الصُّفُوف فِيهِ إِبْهَام فيفسره قَوْله قيَاما أَي من حَيْثُ الْقيام وَإِذا كَانَ جمعا لقائم يكون انتصابه على الحالية وَذُو الْحَال مَحْذُوف تَقْدِيره وَعدل الْقَوْم الصُّفُوف حَال كَونهم قَائِمين قَوْله " فِي مُصَلَّاهُ " بِضَم الْمِيم وَهُوَ مَوضِع صلَاته قَوْله " ذكر " من بَاب الذّكر بِضَم الذَّال وَهُوَ الذّكر القلبي فَلَا يحْتَاج إِلَى تَفْسِير ذكر بِمَعْنى تذكر كَمَا فسره بَعضهم هَكَذَا قَوْله " فَقَالَ لنا مَكَانكُمْ " بِالنّصب أَي الزموا مَكَانكُمْ وَقَالَ بَعضهم وَفِيه إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل فَإِن فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن مَكَانكُمْ (قلت) لَيْسَ فِيهِ إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل بل القَوْل على حَاله وَرِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَا تَسْتَلْزِم ذَلِك لاحْتِمَال الْجمع بَين الْكَلَام وَالْإِشَارَة (فَإِن قلت) إِذا كَانَ القَوْل على بَابه فَيكون وَاقعا فِي الصَّلَاة (قلت) لَيْسَ كَذَلِك بل كَانَ ذكره أَنه جنب قبل أَن يكبر وَقبل أَن يدْخل فِي الصَّلَاة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه (قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَكبر ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم فَمَكَثُوا ثمَّ انْطلق فاغتسل وَكَانَ رَأسه يقطر مَاء فصلى بهم فَلَمَّا انْصَرف قَالَ إِنِّي خرجت إِلَيْكُم جنبا وَإِنِّي أنسيت حَتَّى قُمْت فِي الصَّلَاة) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أنس (دخل فِي صَلَاة فَكبر وَكَبَّرْنَا مَعَه ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقَوْم كَمَا أَنْتُم) وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عَليّ (كَانَ قَائِما فصلى بهم إِذا انْصَرف) وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد من حَدِيث أبي بكرَة (دخل فِي صَلَاة الْفجْر فَأَوْمأ بِيَدِهِ أَن مَكَانكُمْ) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى (ثمَّ جَاءَ وَرَأسه يقطر فصلى بهم) وَفِي أُخْرَى لَهُ مُرْسلَة " فَكبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الْقَوْم أَن اجلسوا " وَفِي مُرْسل ابْن سِيرِين وَعَطَاء وَالربيع بن أنس " كبر ثمَّ أَوْمَأ إِلَى الْقَوْم أَن اجلسوا " (قلت) هَذَا كُله لَا يُقَاوم الَّذِي فِي الصَّحِيح وَأَيْضًا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا " ثمَّ رَجَعَ فاغتسل فَخرج إِلَيْنَا وَرَأسه يقطر فَكبر " فَلَو كَانَ كبر أَولا لما كَانَ يكبر ثَانِيًا على أَنه اخْتلف فِي الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات فَقيل أُرِيد بقوله كبر أَرَادَ أَن يكبر عملا بِرِوَايَة الصَّحِيح قبل أَن يكبر وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي البُخَارِيّ فانتظرنا تكبيره وَقيل إنَّهُمَا قضيتان أبداه الْقُرْطُبِيّ احْتِمَالا وَقَالَ النَّوَوِيّ أَنه الْأَظْهر وأبداه ابْن حبَان فِي صَحِيحه فَقَالَ بعد أَن أخرج الرِّوَايَتَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحَدِيث أبكر بكرَة وَهَذَانِ فعلان فِي موضِعين متباينين خرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مرّة فَكبر ثمَّ ذكر أَنه جنب فَانْصَرف فاغتسل ثمَّ جَاءَ فاستأنف بهم الصَّلَاة وَجَاء مرّة أُخْرَى فَلَمَّا وَقع ليكبر ذكر أَنه جنب قبل أَن يكبر فَذهب فاغتسل ثمَّ رَجَعَ فَأَقَامَ

بهم الصَّلَاة من غير أَن يكون بَين الْخَبَرَيْنِ تضَاد وَلَا تهاتر وَقَول أبي بكرَة فصلى بهم أَرَادَ بذلك بَدَأَ بتكبير مُحدث لِأَنَّهُ رَجَعَ فَبنى على صلَاته إِذْ محَال أَنه يذهب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليغتسل وَيبقى النَّاس كلهم قيَاما على حالتهم من غير إِمَام إِلَى أَن يرجع انْتهى. وَلما رأى مَالك هَذَا الحَدِيث مُخَالفا لأصل الصَّلَاة قَالَ أَنه خَاص بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وروى بعض أَصْحَابنَا أَن انتظارهم لَهُ هَذَا الزَّمن الطَّوِيل بعد أَن كبروا من قبيل الْعَمَل الْيَسِير فَيجوز مثله (فَإِن قلت) كَيفَ قلت كبروا (قلت) لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِأَن تَكْبِير الْمَأْمُومين يَقع عقيب تَكْبِير إمَامهمْ وَلَا يُؤَخر ذَلِك إِلَّا الْقَلِيل من أهل الوسوسة (فَإِن قلت) إِذا ثَبت أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يكبر فَكيف كبروا وَأَيْضًا فَكيف أَشَارَ إِلَيْهِم وَلم يتَكَلَّم وَلم انتظروه قيَاما (قلت) أما تكبيرهم فعلى رِوَايَة تَكْبِير النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأما قَوْلك وَلم يتَكَلَّم فَيردهُ مَجِيء قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَكَانكُمْ (فَإِن قلت) إِذا أثبت أَنه تكلم بِهَذِهِ اللَّفْظَة فالإشارة لماذا (قلت) يحْتَمل أَنه جمع بَين الْكَلَام وَالْإِشَارَة أَو يكون الرَّاوِي روى أَحدهمَا بِالْمَعْنَى (فَإِن قلت) هَل اقْتصر على الْإِقَامَة الأولى أَو أنشأ إِقَامَة ثَانِيَة (قلت) لم يَصح فِيهِ نقل وَلَو فعله لنقل قَوْله " ثمَّ رَجَعَ " أَي إِلَى الْحُجْرَة قَوْله " وَرَأسه يقطر " جملَة اسمية وَقعت حَالا على أَصْلهَا بِالْوَاو وَقَوله " يقطر " أَي من مَاء الْغسْل وَنسبَة الْقطر إِلَى الرَّأْس مجَاز من قبيل ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال. (ذكر استنباط الْأَحْكَام) فِيهِ تَعْدِيل الصُّفُوف وَهُوَ مُسْتَحبّ بِالْإِجْمَاع وَقَالَ ابْن حزم فرض على الْمَأْمُومين تَعْدِيل الصُّفُوف الأول فَالْأول والتراص فِيهَا والمحاذاة بالمناكب والأرجل (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة أُقِيمَت الصَّلَاة فقمنا فعدلنا الصُّفُوف قبل أَن يخرج فَكيف هَذَا وَقد جَاءَ " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تروني " (قلت) لَعَلَّه كَانَ مرّة أَو مرَّتَيْنِ لبَيَان الْجَوَاز أَو لعذر أول لَعَلَّ قَوْله " فَلَا تقوموا حَتَّى تروني " بعد ذَلِك (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي (قلت) لِئَلَّا يطول عَلَيْهِم الْقيام وَلِأَنَّهُ قد يعرض لَهُ عَارض فَيتَأَخَّر بِسَبَب. وَقد اخْتلف الْعلمَاء من السّلف فَمن بعدهمْ مَتى يقوم النَّاس إِلَى الصَّلَاة وَمَتى يكبر الإِمَام فَذهب الشَّافِعِي وَطَائِفَة إِلَى أَنه يسْتَحبّ أَن لَا يقوم أحد حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة وَكَانَ أنس يقوم إِذا قَالَ الْمُؤَذّن قد قَامَت الصَّلَاة وَبِه قَالَ أَحْمد وَقَالَ أَبُو حنيفَة والكوفيون يقومُونَ فِي الصَّفّ إِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة فَإِذا قَالَ قد قَامَت الصَّلَاة كبر الإِمَام وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن سُوَيْد بن غَفلَة وَقيس بن أبي سَلمَة وَحَمَّاد وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف لَا يكبر الإِمَام حَتَّى يفرغ الْمُؤَذّن (قلت) مَذْهَب مَالك أَن السّنة عِنْده أَن يشرع الإِمَام فِي الصَّلَاة بعد فرَاغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة وندائه باستواء الصَّفّ وَعِنْدنَا يشرع عِنْد التَّلَفُّظ بقوله قد قَامَت الصَّلَاة وَقَالَ زفر إِذا قَالَ قد قَامَت الصَّلَاة قَامُوا وَإِذا قَالَ ثَانِيًا افتتحوا وَعَن أبي يُوسُف أَنه يشرع عقيب الْفَرَاغ من الْإِقَامَة مُحَافظَة على القَوْل بِمثل مَا يَقُوله الْمُؤَذّن وَبِه قَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَفِيه أَن الإِمَام إِذا طَرَأَ لَهُ مَا يمنعهُ من التَّمَادِي اسْتخْلف بِالْإِشَارَةِ لَا بالْكلَام وَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ لأَصْحَاب مَالك حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَفِيه جَوَاز الْبناء فِي الْحَدث وَهُوَ قَوْله أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِيه جَوَاز النسْيَان على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فِي الْعِبَادَات. وَفِيه كَمَا قَالَ ابْن بطال حجَّة لمَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة أَن تَكْبِير الْمَأْمُوم يَقع بعد تَكْبِير الإِمَام وَهُوَ قَول عَامَّة الْفُقَهَاء قَالَ وَالشَّافِعِيّ أجَاز تَكْبِير الْمَأْمُوم قبل إِمَامه أَي فِيمَا إِذا أحرم مُنْفَردا ثمَّ نوى الِاقْتِدَاء فِي أثْنَاء الصَّلَاة لِأَنَّهُ روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا رَوَاهُ مَالك عَن إِسْمَاعِيل بن أبي الحكم عَن عَطاء بن يسَار أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كبر فِي صَلَاة من الصَّلَوَات ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم بِيَدِهِ أَن امكثوا فَلَمَّا قدم كبر وَالشَّافِعِيّ لَا يَقُول بالمرسل وَمَالك الَّذِي رَوَاهُ لم يعْمل بِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي صَحَّ عِنْده أَنه لم يكبر انْتهى. (قلت) ذكر ابْن بطال أَن أَبَا حنيفَة مَعَ مَالك غير صَحِيح لِأَن مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الْمَأْمُوم يجب عَلَيْهِ أَن يكبر مَعَ الإِمَام مُقَارنًا وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد يكبر بعده ثمَّ قيل الْخلاف فِي الْأَفْضَلِيَّة. وَفِيه مَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على أَن الْجنب إِذا دخل فِي الْمَسْجِد نَاسِيا فَذكر فِيهِ أَنه جنب يخرج وَلَا يتَيَمَّم فَلذَلِك ذكر فِي التَّرْجَمَة بقوله يخرج كَمَا هُوَ وَلَا يتَيَمَّم وَقَالَ ابْن بطال من التَّابِعين من يَقُول أَن الْجنب إِذا نسي فَدخل الْمَسْجِد فَإِنَّهُ يتَيَمَّم وَيخرج قَالَ والْحَدِيث يرد عَلَيْهِم (قلت) من الَّذين ذَهَبُوا إِلَى التَّيَمُّم الثَّوْريّ واسحق قَالَ وَكَذَا قَول أبي حنيفَة فِي الْجنب الْمُسَافِر يمر على مَسْجِد فِيهِ عين مَاء فَإِنَّهُ يتَيَمَّم وَيدخل الْمَسْجِد فيستقي ثمَّ يخرج المَاء من الْمَسْجِد وَفِي نَوَادِر ابْن أبي زيد من نَام فِي الْمَسْجِد ثمَّ احْتَلَمَ يَنْبَغِي أَن يتَيَمَّم

لِخُرُوجِهِ وَقَالَ الشَّافِعِي لَهُ العبور فِي الْمَسْجِد من غير لبث كَانَت لَهُ حَاجَة أَو لَا وَمثله عَن الْحسن وَابْن الْمسيب وَعَمْرو بن دِينَار وَأحمد وَعَن الشَّافِعِي لَهُ الْمكْث فِيهِ إِذا تَوَضَّأ وَقَالَ دَاوُد والمزني يجوز لَهُ الْمكْث فِيهِ مُطلقًا واعتبره بالمشرك وتعلقوا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْمُؤمن لَا ينجس) وروى سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه بِسَنَد جيد عَن عَطاء " رَأَيْت رجَالًا من الصَّحَابَة يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِد وَعَلَيْهِم الْجَنَابَة إِذا توضؤوا للصَّلَاة " وَحَدِيث وَفد ثَقِيف وَإِنْزَالهمْ فِي الْمَسْجِد وَأهل الصّفة وَغَيرهم كَانُوا يبيتُونَ فِي الْمَسْجِد وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول يجلس الْجنب فِيهِ ويمر فِيهِ إِذا تَوَضَّأ ذكره ابْن الْمُنْذر وَاحْتج من أَبَاحَ العبور بقوله تَعَالَى {وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل} قَالَ الشَّافِعِي قَالَ بعض الْعلمَاء الْقُرْآن مَعْنَاهُ لَا تقربُوا مَوَاضِع الصَّلَاة وَأجَاب من منع بِأَن المُرَاد بِالْآيَةِ نفس الصَّلَاة وَحملهَا على مَكَانهَا مجَازًا وَحملهَا على عمومها أَي لَا تقربُوا الصَّلَاة وَلَا مَكَانهَا على هَذِه الْحَال إِلَّا أَن تَكُونُوا مسافرين فَتَيَمَّمُوا وأقربوا ذَلِك وصلوا وَقد نقل الرَّازِيّ عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس أَن المُرَاد بعابري السَّبِيل الْمُسَافِر يعْدم المَاء يتَيَمَّم وَيُصلي وَالتَّيَمُّم لَا يرفع الْجَنَابَة فأبيح لَهُم الصَّلَاة تَخْفِيفًا. وَفِي طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل لِأَنَّهُ خرج وَرَأسه يقطر. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى ينطف وَهِي بمعناها

(تَابعه عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ) أَي تَابع عُثْمَان ابْن عمر عبد الْأَعْلَى السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة عَن معمر بِفَتْح الْمِيم بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَهَذِه مُتَابعَة نَاقِصَة وَهُوَ تَعْلِيق للْبُخَارِيّ وَهُوَ مَوْصُول عِنْد الإِمَام أَحْمد عَن عبد الْأَعْلَى قَوْله " وَرَوَاهُ " أَي روى هَذَا الحَدِيث عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَرِوَايَته مَوْصُولَة عِنْد البُخَارِيّ فِي أَوَائِل أَبْوَاب الْإِمَامَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ بَعضهم ظن بَعضهم أَن السَّبَب فِي التَّفْرِقَة بَين قَوْله تَابعه وَبَين قَوْله وَرَوَاهُ كَون الْمُتَابَعَة وَقعت بِلَفْظِهِ وَالرِّوَايَة بِمَعْنَاهُ وَلَيْسَ كَمَا ظن بل هُوَ من التفنن فِي الْعبارَة انْتهى. (قلت) أَرَادَ بقوله ظن بَعضهم الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرحه فَإِن قلت لم قَالَ أَولا تَابعه وَثَانِيا رَوَاهُ قلت لم يقل وَتَابعه الْأَوْزَاعِيّ إِمَّا لِأَنَّهُ لم ينْقل لفظ الحَدِيث بِعَيْنِه بل رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ إِذْ الْمَفْهُوم من الْمُتَابَعَة الْإِتْيَان بِمثلِهِ على وَجهه بِلَا تفَاوت وَالرِّوَايَة أَعم من ذَلِك وَإِمَّا لِأَنَّهُ يكون موهما بِأَنَّهُ تَابع عُثْمَان أَيْضا وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ لَا وَاسِطَة بَين الْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ وَإِمَّا للتفنن فِي الْكَلَام أَو لغير ذَلِك انْتهى فَهَذَا كَمَا رَأَيْت جَوَاب الْكرْمَانِي عَنهُ بِثَلَاثَة أجوبة وَكلهَا جِيَاد وَالْجَوَاب الَّذِي استحسنه هَذَا الْقَائِل من الْكرْمَانِي أَيْضا وَلَكِن قَصده الغمز فِيهِ حَيْثُ يَأْخُذ ثمَّ ينْسبهُ إِلَى الظَّن مَعَ علمه بِأَن الَّذِي اخْتَارَهُ بمعزل عَن هَذَا الْفَنّ

١٨ - (بابُ نَفْضِ اليدَيْنِ مِنْ الغُسْلِ عَنُ الجَنَابَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم نفض الْيَدَيْنِ من الْجَنَابَة، ويروي من غسل الْجَنَابَة، وَكلمَة من الأولى مُتَعَلقَة بالنفض، وَالثَّانيَِة بِالْغسْلِ.

والمناسبة بَين الْأَبْوَاب ظَاهِرَة لِأَن كلهَا فِي أَحْكَام الْغسْل.

٢٧٦ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ أخْبرنا أبُو حَمْزةَ قالَ سَمِعْتُ الأعْمَشَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ قالَتْ مَيْمُونَةُ وضعَتُ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غُسْلاً فَسَتَرْتَهُ بِثَوْبٍ وَصَبَّ عَلى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ صبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ فَضَربَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا ثُمَّ غَسَلها فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وأفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْباً فَلَمْ يَأْخُذُهُ فانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فَإِن: مَا فَائِدَة هَذِه التَّرْجَمَة من حَيْثُ الْفِقْه؟ قلت: الْإِشَارَة بهَا إِلَى أَن لَا يتخيل أَن مثل هَذَا الْفِعْل اطراح لأثر الْعِبَادَة ونفض لَهُ فَبين أَن هَذَا جَائِز وَنبهَ أَيْضا على رد قَول من زعم أَن تَركه للثوب من قبيل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.1 / 29.5
الإضاءة 61%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الله أكبر