«أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ، فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4657

الحديث رقم 4657 من كتاب «سورة براءة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إلا الذين عاهدتم من المشركين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن أبا بكر ﵁ بعثه، في الحجة التي أمره رسول…

«أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ، فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أَنْ لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ». فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾

سند حديث: ٤٦٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا…

٤٦٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أن أبا بكر ﵁ بعثه، في الحجة التي أمره رسول…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَتَتَبَّعُ بِهَا الْفَسَاطِيطَ أَقْرَؤُهَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُونُوا حَضَرُوا خُطْبَةَ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ عَرَفَةَ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ) هُوَ مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَالْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي مَنْعِهِمْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدُوا الْحَجَّ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَجُّ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ صَرَّحَ لَهُمْ بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَيَكُونُ مَا وَرَاءَهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُنَا الْحَرَمُ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ، النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ كِلَاهُمَا عَنْهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ، فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ، فَسَمِعَ رَغْوَةَ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا عَلِيٌّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ: أَمِيرٌ أَوْ رَسُولٌ؟ فَقَالَ: بَلْ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةٍ أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرَوِّيَةِ بِيَوْمٍ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ بِمَنَاسِكِهِمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَامَ عَلِيٌّ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةً حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَوْمُ النَّفَرِ كَذَلِكَ فَيُجْمَعُ بِأَنَّ عَلِيًّا قَرَأَهَا كُلَّهَا فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ يُؤَذِّنُ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ إِلَخْ، وَكَانَ يَسْتَعِينُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ فِي

الْأَذَانِ بِذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَامَ عَلِيٌّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَى: ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، فَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي بِهَا، فَإِذَا بُحَّ قَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَنَادَى بِهَا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِبَرَاءَةٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ قَالَ: لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَلِيٍّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ يَعْلَى عِنْدَ أَحْمَدَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَشْرُ آيَاتٍ مِنْ بَرَاءَةٍ بَعَثَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ: أَدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ فَحَيْثُمَا لَقِيتَهُ فَخُذْ مِنْهُ الْكِتَابَ، فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَ - أَوْ لَكِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: لَا يُؤَدِّي - عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ، قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ، بَلِ الْمُرَادُ رَجَعَ مِنْ حَجَّتِهِ، قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَشْرُ آيَاتٍ فَالْمُرَادُ أَوَّلُهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

٤ - بَاب: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

٤٦٥٧ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أَنْ لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ

ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، فَلَهُ فِيهِ طَرِيقَانِ، وَسِيَاقُهُ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ عُقَيْلٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ صَالِحٍ فَوَقَعَ فِي آخِرِهَا فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَدْ أَدْرَجَهَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ، وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ انْتَهَى وَقَوْلُهُ وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ هُوَ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ وَمِنْ مُنَادَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ النَّحْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَسِيَاقُ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا نَادَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يُنَادِي بِهِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ

مِنْ قِبَلِ أَبِي بَكْرٍ شَيْئَانِ: مَنْعُ حَجِّ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْعُ طَوَافِ الْعُرْيَانِ، وَأَنَّ عَلِيًّا أَيْضًا كَانَ يُنَادِي بِهِمَا، وَكَانَ يَزِيدُ: مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَأَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ. وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأَخِيرَةَ كَالتَّوْطِئَةِ لِأَنْ لَا يَحُجَّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَأَمَّا الَّتِي قَبْلَهَا فَهِيَ الَّتِي اخْتُصَّ عَلِيٌّ بِتَبْلِيغِهَا، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِرْسَالِ عَلِيٍّ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ جَرَتْ بِأَنْ لَا يَنْقُضَ الْعَهْدَ إِلَّا مَنْ عَقَدَهُ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَأَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ بِبَرَاءَةٍ، فَكُنَّا نُنَادِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، فَكُنْتُ أُنَادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرِ إِلَخْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَأَصْلُهُ فِي هَذَا الصَّحِيحِ رَفْعُهُ أَيْ يَوْمُ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمُ النَّحْرِ، قَالَ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْحَجِّ الْأَصْغَرِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ الْعُمْرَةَ، وَصَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ،

وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْقِرَانُ وَالْأَصْغَرُ الْإِفْرَادُ. وَقِيلَ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ لِأَنَّ فِيهِ تَتَكَمَّلُ بَقِيَّةُ الْمَنَاسِكِ. وَعَنِ الثَّوْرِيِّ: أَيَّامُ الْحَجِّ تُسَمَّى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كَمَا يُقَالُ يَوْمُ الْفَتْحِ. وَأَيَّدَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا. وَقِيلَ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِذَا كَانَتْ صَبِيحَةُ النَّحْرِ وَقَفَ الْجَمِيعُ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقِيلَ لَهُ الْأَكْبَرُ لِاجْتِمَاعِ الْكُلِّ فِيهِ، وَعَنِ الْحَسَنِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاتِّفَاقِ حَجِّ جَمِيعِ الْمِلَلِ فِيهِ: وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ النَّحْرُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِذَا انْسَلَخَ قَبْلَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفُتِ الْحَجُّ بِخِلَافِ الْعَاشِرِ فَإِنَّ اللَّيْلَ إِذَا انْسَلَخَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَاتَ.

وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَرَجَّحَ الْمَوْقُوفَ، وَقَوْلُهُ فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ مِنْ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْصَحَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى تَبْلِيغِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِبَرَاءَةٍ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَدْحَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْمَعُوهَا مِنْ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ قَائِلِهِ حَمَلَهُ عَلَيْهَا ظَنُّهُ أَنَّ الْمُرَادَ تَبْلِيغُ بَرَاءَةٍ كُلِّهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ أبو (١) يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعدِ بن إبراهيم (٢) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ) أي: بعث أبا هريرة (فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم، أي: جعله (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا) أميرًا (قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فِي رَهْطٍ) وهو ما دون (٣) العشرة من الرِّجال (يُؤَذِّنُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يؤذِّنون» (فِي النَّاسِ) بمنًى: (أَلَّا يَحُجَّنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ) بالنَّصب (بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ؛ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) وهذه الزِّيادة أدرجها شعيبٌ عن أبي هريرة كما في «الجزية» [خ¦٣١٧٧] ولفظه عن أبي هريرة: «بعثني أبو بكرٍ فيمن يؤذِّن يوم النَّحر بمنًى: لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ، ويوم الحجِّ الأكبر يوم النَّحر، وإنَّما قيل: الأكبر؛ من أجل قول النَّاس: الحجُّ الأصغر، فنبذ أبو بكرٍ إلى النَّاس في ذلك العام، فلم يحجَّ عام حجَّة الوداع التي حجَّ فيها النَّبيُّ ﷺ مشركٌ» وقول (٤) حميدٍ (٥) هذا استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكرٍ يوم النَّحر، فدلَّ على أنَّ المراد بـ ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ يوم النَّحر، وسياق رواية شعيبٍ يُوهِم أنَّ ذلك ممَّا نادى به أبو هريرة، وليس كذلك؛ فقد تظافرت الرِّوايات عن أبي هريرة بأنَّ الذي كان ينادي به أبو هريرة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مُنْقَطع أَي: أَن الله بَرِيء مِنْهُم وَلَكِن الَّذين عاهدتم فثبتوا على الْعَهْد فكفوا عَنْهُم بَقِيَّة الْمدَّة. قَوْله: (ثمَّ لم ينقصوكم شَيْئا) ، أَي: من شُرُوط الْعَهْد، وقرىء بالضاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وَلم يظاهروا) أَي: وَلم يعاونوا عَلَيْكُم أحدا. قَوْله: (إِلَى مدتهم) ، أَي إِلَى انْقِضَاء مدتهم. قَوْله: {إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ} أَي: الْمُوفينَ بعهدهم.

آذَنَهُمْ أعْلَمَهُمْ

أَي: معنى آذنهم أعلمهم، وَالْمرَاد بِهِ مُطلق الْإِعْلَام لِأَنَّهُ من الإيذان، وَقد ذَكرْنَاهُ.

٤٦٥٦ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدّثنا اللَّيْثُ حدّثني عُقَيْلٌ قَالَ ابنُ شِهابٍ فأخْبرني حُمَيْدُ ابنُ عبدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ رضيَ الله عَنهُ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي المُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْر يُؤَذِّنونَ بِمنًى أنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولَا يَطوفَ بالبَيْتِ عُرْيانٌ قَالَ حُمَيْدٌ ثُمَّ أرْدَفَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ فأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ فأذّنَ مَعَنا عَلِيٌّ فِي أهلِ منى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ وأنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيان. .

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب. قَوْله: (أَن لَا يحجّ) ويروى: ألَاّ بِفَتْح الْهمزَة وإدغام النُّون فِي اللَّام. قَوْله: (بعد الْعَام) أَي: بعد الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ الْإِعْلَام بذلك. قَوْله: (وَلَا يطوف) بِالنّصب عطفا على أَن لَا يحجّ. قَوْله: (قَالَ حميد) هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمَذْكُور فِيهِ، وَاسْتشْكل الطَّحَاوِيّ فِي قَوْله: أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث أَبَا بكر ثمَّ أردفه عليا رَضِي الله عَنهُ، فَأمره أَن يُؤذن فَكيف يبْعَث أَبُو بكر أَبَا هُرَيْرَة؟ ثمَّ أجَاب بقوله: إِن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: كنت مَعَ عَليّ حِين بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِبَرَاءَة إِلَى أهل مَكَّة، فَكنت أنادي مَعَه بذلك حَتَّى يصهل صوتي، وَكَانَ يُنَادي بِأَمْر أبي بكر، بِمَا يلقنه عَليّ بِمَا أَمر بتبليغه. قَوْله: (أَن يُؤذن بِبَرَاءَة) يجوز فِيهِ الرّفْع بِالتَّنْوِينِ على سَبِيل الْحِكَايَة. والجر بِالْبَاء، وَيجوز أَن يكون عَلامَة الْجَرّ فَتْحة. قَوْله: (قَالَ أَبَا هُرَيْرَة) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (بِبَرَاءَة) . لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا السُّورَة كلهَا، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيره، قَالُوا: بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَا بكر أَمِيرا على الْمَوْسِم سنة تسع، وَبعث عَليّ بن أبي طَالب بِثَلَاثِينَ آيَة أَو أَرْبَعِينَ من بَرَاءَة الحَدِيث. قَوْله: (وَأَن لَا يحجّ) إِلَى آخِره، اسْتشْكل فِيهِ الْكرْمَانِي بِأَن عليا رَضِي الله عَنهُ، كَانَ مَأْمُورا بِأَن يُؤذن بِبَرَاءَة، فَكيف يُؤذن بِأَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ أذن بِبَرَاءَة، وَمن جملَة مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك من قَوْله تَعَالَى فِيهَا: {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا} (التَّوْبَة: ٢٨) وَيحْتَمل أَن يكون أَمر أَن يُؤذن بِبَرَاءَة وَبِمَا أَمر أَبُو بكر أَن يُؤذن بِهِ أَيْضا، انْتهى. قلت: فَإِنَّهُ الْجَواب عَن زِيَادَة قَوْله: (وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان) وَعَن شَيْء آخر رَوَاهُ الشّعبِيّ: حَدثنِي مُحرز بن أبي هُرَيْرَة عَن أَبِيه قَالَ: كنت مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، حِين بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُنَادي، فَكَانَ إِذا صَهل ناديت. قلت: بِأَيّ شَيْء كُنْتُم تنادون؟ قَالَ: بِأَرْبَع لَا يطوف بِالْكَعْبَةِ عُرْيَان، وَمن كَانَ لَهُ عهد من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعهده إِلَى مدَّته، وَلَا يدْخل الْجنَّة إلَاّ نفس مُؤمنَة، وَلَا يحجّ بعد عامنا مُشْرك. وَرَوَاهُ ابْن جرير عَن الشّعبِيّ بِهِ من غير وَجه.

٤ - (بَاب: {إلاّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ} (التَّوْبَة: ٤)

قد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ ذكر هَذِه.

٤٦٥٧ - ح دَّثنا إسْحَاقُ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدّثنا أبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابنِ شِهَابٍ أنَّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله عنْهُ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أمَّرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ

أنْ لَا يَحُجَنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيانٌ فَكان حُمَيْدٌ يَقُولُ يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ مِنْ أجْلِ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ. .

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، كَذَا جزم بِهِ الْحَافِظ الْمزي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه ابراهيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان التَّابِعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن. وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد. قَوْله: (فَكَانَ حميد يَقُول) إِلَى آخِره، قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (من أجل حَدِيث أبي هُرَيْرَة) لِأَنَّهُ نَادَى بِإِذن أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، يَوْم النَّحْر.

٥ - (بَاب: {فَقَاتِلُوا أئِمَّةَ الْكُفْر إنهُمْ لَا أيْمانَ لَهُمْ} (التَّوْبَة: ١٢)

وَفِي بعض النّسخ: بَاب: {فَقَاتلُوا} وَأول الْآيَة: {وَإِن نكثوا إِيمَانهم من بعد عَهدهم وطعنوا فِي دينكُمْ فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر إِنَّهُم لَا أَيْمَان لَهُم لَعَلَّهُم ينتهون} قَوْله: (وَإِن نكثوا) أَي: وَإِن نكث هَؤُلَاءِ الْمُشْركُونَ الَّذين عاهدتموهم على مُدَّة مُعينَة، قَوْله إِيمَانهم أَي عهودهم وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ بِكَسْر الْهمزَة وَهِي قِرَاءَة شَاذَّة قَوْله وطعنوا فِي دينكُمْ أَي عابوه وَانْتَقَصُوهُ قَوْله: (فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر) قَالَ قَتَادَة وَغَيره: أَئِمَّة الْكفْر كَأبي جهل وَعتبَة وَشَيْبَة وَأُميَّة بن خلف وَعدد رجَالًا، وَالصَّحِيح أَن الْآيَة عَامَّة لَهُم ولغيرهم. وَعَن حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ: مَا قوتل أهل هَذِه الْآيَة بعد. وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب مثله وَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَعِكْرِمَة بن أبي جهل وَسَائِر رُؤَسَاء قُرَيْش الَّذين نقضوا الْعَهْد وهم الَّذين همُّوا بِإِخْرَاج الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ مجاهدهم: أهل فَارس وَالروم.

٤٦٥٨ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا إسْماعيلُ حدَّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ قَالَ كُنا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْ أصْحابِ هاذِهِ الْآيَة إلَاّ ثَلاثَةٌ ولَا مِنَ المُنافِقِينَ إِلَّا أرْبَعَةٌ فَقَالَ أعْرَابِيٌّ إنكُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تُخْبِرُونا فَلَا نَدْرِي فَما بَال هاؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبَقِّرُونَ بُيُوتنا ويَسْرِقُونَ أعْلَاقَنا قَالَ أُولَئِكَ الفُسَّاقُ أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَاّ أرْبَعَةٌ أحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ المَاءَ البارِدَ لَما وَجَدَ بَرْدَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا بَقِي من أَصْحَاب هَذِه الْآيَة) لِأَن إِيرَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِهَذِهِ التَّرْجَمَة يدل على أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة هُوَ. قَوْله: {فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر} الْآيَة، وَلَكِن الْإِسْمَاعِيلِيّ اعْترض بِمَا رَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل عَن زيد: سَمِعت حُذَيْفَة يَقُول: مَا بَقِي من الْمُنَافِقين من أهل هَذِه الْآيَة: {لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء} (الممتحنة: ١) إِلَّا أَرْبَعَة أنفس، ثمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَإِذا كَانَ مَا ذكر فِي خبر سُفْيَان فَحق هَذَا أَن يخرج فِي سُورَة الممتحنة. وَأما ذكر الْمُنَافِقين فِي الْقُرْآن فَفِي كثير من سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَغَيرهمَا، فَلِمَ أَتَى بِهَذَا الحَدِيث فِي ذكرهم؟ قلت: هَذَا النَّسَائِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وافقا البُخَارِيّ على إخراجهما من طَرِيق إِسْمَاعِيل عِنْد آيَة بَرَاءَة وَلَيْسَ عِنْدهمَا تعْيين الْآيَة كَمَا أخرجهَا البُخَارِيّ أَيْضا مُبْهمَة.

وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد.

قَوْله: (أَصْحَاب) بِالنّصب على أَنه منادى حذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: (تخبرونا) خبر: إِن، ويروى: تخبروننا، على الأَصْل لِأَن النُّون لَا تحذف إلَاّ بناصب أَو جازم، وَلَكِن قد ذكرنَا أَنه لُغَة بعض الْعَرَب وَهِي لُغَة فصيحة، وتخبرونا بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: (إلَاّ ثَلَاثَة) سمى مِنْهُم فِي رِوَايَة أبي بشر عَن مُجَاهِد: أَبُو سُفْيَان بن حَرْب، وَفِي رِوَايَة معمر عَن قَتَادَة: أَبُو جهل بن هِشَام وَعتبَة بن ربيعَة وَأَبُو سُفْيَان وَسُهيْل بن عَمْرو، ورد هَذَا بِأَن أَبَا جهل وَعتبَة قتلا ببدر، وَإِنَّمَا ينطبق التَّفْسِير على من نزلت الْآيَة الْمَذْكُورَة وهم أَحيَاء، فَيصح فِي أَن أَبَا سُفْيَان وَسُهيْل بن عَمْرو وَقد أسلما جَمِيعًا. قَوْله: (إلَاّ أَرْبَعَة) لم يُوقف على أسمائهم.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَتَتَبَّعُ بِهَا الْفَسَاطِيطَ أَقْرَؤُهَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُونُوا حَضَرُوا خُطْبَةَ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ عَرَفَةَ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ) هُوَ مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وَالْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي مَنْعِهِمْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدُوا الْحَجَّ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَجُّ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ صَرَّحَ لَهُمْ بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَيَكُونُ مَا وَرَاءَهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُنَا الْحَرَمُ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ، النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ كِلَاهُمَا عَنْهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ رَجَعَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ، فَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ ثَوَّبَ بِالصُّبْحِ، فَسَمِعَ رَغْوَةَ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا عَلِيٌّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ: أَمِيرٌ أَوْ رَسُولٌ؟ فَقَالَ: بَلْ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةٍ أَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرَوِّيَةِ بِيَوْمٍ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ بِمَنَاسِكِهِمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَامَ عَلِيٌّ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ بَرَاءَةً حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَوْمُ النَّفَرِ كَذَلِكَ فَيُجْمَعُ بِأَنَّ عَلِيًّا قَرَأَهَا كُلَّهَا فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ يُؤَذِّنُ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ إِلَخْ، وَكَانَ يَسْتَعِينُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ فِي

الْأَذَانِ بِذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَامَ عَلِيٌّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَى: ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، فَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي بِهَا، فَإِذَا بُحَّ قَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَنَادَى بِهَا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِبَرَاءَةٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَا الْحُلَيْفَةِ قَالَ: لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَلِيٍّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ يَعْلَى عِنْدَ أَحْمَدَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَشْرُ آيَاتٍ مِنْ بَرَاءَةٍ بَعَثَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَبِي بَكْرٍ لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ: أَدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ فَحَيْثُمَا لَقِيتَهُ فَخُذْ مِنْهُ الْكِتَابَ، فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَ - أَوْ لَكِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: لَا يُؤَدِّي - عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ، قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ، بَلِ الْمُرَادُ رَجَعَ مِنْ حَجَّتِهِ، قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَشْرُ آيَاتٍ فَالْمُرَادُ أَوَّلُهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

٤ - بَاب: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

٤٦٥٧ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أَنْ لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ

ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، فَلَهُ فِيهِ طَرِيقَانِ، وَسِيَاقُهُ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ عُقَيْلٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ صَالِحٍ فَوَقَعَ فِي آخِرِهَا فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَدْ أَدْرَجَهَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ، وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ انْتَهَى وَقَوْلُهُ وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ هُوَ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ وَمِنْ مُنَادَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ النَّحْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَسِيَاقُ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا نَادَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يُنَادِي بِهِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ

مِنْ قِبَلِ أَبِي بَكْرٍ شَيْئَانِ: مَنْعُ حَجِّ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْعُ طَوَافِ الْعُرْيَانِ، وَأَنَّ عَلِيًّا أَيْضًا كَانَ يُنَادِي بِهِمَا، وَكَانَ يَزِيدُ: مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَأَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ. وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأَخِيرَةَ كَالتَّوْطِئَةِ لِأَنْ لَا يَحُجَّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَأَمَّا الَّتِي قَبْلَهَا فَهِيَ الَّتِي اخْتُصَّ عَلِيٌّ بِتَبْلِيغِهَا، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِرْسَالِ عَلِيٍّ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ جَرَتْ بِأَنْ لَا يَنْقُضَ الْعَهْدَ إِلَّا مَنْ عَقَدَهُ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَأَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَرِّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ بِبَرَاءَةٍ، فَكُنَّا نُنَادِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، فَكُنْتُ أُنَادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قِيلَ الْأَكْبَرِ إِلَخْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَأَصْلُهُ فِي هَذَا الصَّحِيحِ رَفْعُهُ أَيْ يَوْمُ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمُ النَّحْرِ، قَالَ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْحَجِّ الْأَصْغَرِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ الْعُمْرَةَ، وَصَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ،

وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْقِرَانُ وَالْأَصْغَرُ الْإِفْرَادُ. وَقِيلَ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ لِأَنَّ فِيهِ تَتَكَمَّلُ بَقِيَّةُ الْمَنَاسِكِ. وَعَنِ الثَّوْرِيِّ: أَيَّامُ الْحَجِّ تُسَمَّى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كَمَا يُقَالُ يَوْمُ الْفَتْحِ. وَأَيَّدَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا. وَقِيلَ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِذَا كَانَتْ صَبِيحَةُ النَّحْرِ وَقَفَ الْجَمِيعُ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقِيلَ لَهُ الْأَكْبَرُ لِاجْتِمَاعِ الْكُلِّ فِيهِ، وَعَنِ الْحَسَنِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاتِّفَاقِ حَجِّ جَمِيعِ الْمِلَلِ فِيهِ: وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ النَّحْرُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِذَا انْسَلَخَ قَبْلَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفُتِ الْحَجُّ بِخِلَافِ الْعَاشِرِ فَإِنَّ اللَّيْلَ إِذَا انْسَلَخَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَاتَ.

وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَرَجَّحَ الْمَوْقُوفَ، وَقَوْلُهُ فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ مِنْ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْصَحَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى تَبْلِيغِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِبَرَاءَةٍ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَدْحَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْمَعُوهَا مِنْ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ قَائِلِهِ حَمَلَهُ عَلَيْهَا ظَنُّهُ أَنَّ الْمُرَادَ تَبْلِيغُ بَرَاءَةٍ كُلِّهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ أبو (١) يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعدِ بن إبراهيم (٢) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ) أي: بعث أبا هريرة (فِي الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم، أي: جعله (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا) أميرًا (قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فِي رَهْطٍ) وهو ما دون (٣) العشرة من الرِّجال (يُؤَذِّنُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يؤذِّنون» (فِي النَّاسِ) بمنًى: (أَلَّا يَحُجَّنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ) بالنَّصب (بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ؛ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) وهذه الزِّيادة أدرجها شعيبٌ عن أبي هريرة كما في «الجزية» [خ¦٣١٧٧] ولفظه عن أبي هريرة: «بعثني أبو بكرٍ فيمن يؤذِّن يوم النَّحر بمنًى: لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيت عريانٌ، ويوم الحجِّ الأكبر يوم النَّحر، وإنَّما قيل: الأكبر؛ من أجل قول النَّاس: الحجُّ الأصغر، فنبذ أبو بكرٍ إلى النَّاس في ذلك العام، فلم يحجَّ عام حجَّة الوداع التي حجَّ فيها النَّبيُّ ﷺ مشركٌ» وقول (٤) حميدٍ (٥) هذا استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكرٍ يوم النَّحر، فدلَّ على أنَّ المراد بـ ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ يوم النَّحر، وسياق رواية شعيبٍ يُوهِم أنَّ ذلك ممَّا نادى به أبو هريرة، وليس كذلك؛ فقد تظافرت الرِّوايات عن أبي هريرة بأنَّ الذي كان ينادي به أبو هريرة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مُنْقَطع أَي: أَن الله بَرِيء مِنْهُم وَلَكِن الَّذين عاهدتم فثبتوا على الْعَهْد فكفوا عَنْهُم بَقِيَّة الْمدَّة. قَوْله: (ثمَّ لم ينقصوكم شَيْئا) ، أَي: من شُرُوط الْعَهْد، وقرىء بالضاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وَلم يظاهروا) أَي: وَلم يعاونوا عَلَيْكُم أحدا. قَوْله: (إِلَى مدتهم) ، أَي إِلَى انْقِضَاء مدتهم. قَوْله: {إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ} أَي: الْمُوفينَ بعهدهم.

آذَنَهُمْ أعْلَمَهُمْ

أَي: معنى آذنهم أعلمهم، وَالْمرَاد بِهِ مُطلق الْإِعْلَام لِأَنَّهُ من الإيذان، وَقد ذَكرْنَاهُ.

٤٦٥٦ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدّثنا اللَّيْثُ حدّثني عُقَيْلٌ قَالَ ابنُ شِهابٍ فأخْبرني حُمَيْدُ ابنُ عبدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ رضيَ الله عَنهُ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي المُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْر يُؤَذِّنونَ بِمنًى أنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولَا يَطوفَ بالبَيْتِ عُرْيانٌ قَالَ حُمَيْدٌ ثُمَّ أرْدَفَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ فأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ فأذّنَ مَعَنا عَلِيٌّ فِي أهلِ منى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ وأنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيان. .

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب. قَوْله: (أَن لَا يحجّ) ويروى: ألَاّ بِفَتْح الْهمزَة وإدغام النُّون فِي اللَّام. قَوْله: (بعد الْعَام) أَي: بعد الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ الْإِعْلَام بذلك. قَوْله: (وَلَا يطوف) بِالنّصب عطفا على أَن لَا يحجّ. قَوْله: (قَالَ حميد) هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمَذْكُور فِيهِ، وَاسْتشْكل الطَّحَاوِيّ فِي قَوْله: أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث أَبَا بكر ثمَّ أردفه عليا رَضِي الله عَنهُ، فَأمره أَن يُؤذن فَكيف يبْعَث أَبُو بكر أَبَا هُرَيْرَة؟ ثمَّ أجَاب بقوله: إِن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: كنت مَعَ عَليّ حِين بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِبَرَاءَة إِلَى أهل مَكَّة، فَكنت أنادي مَعَه بذلك حَتَّى يصهل صوتي، وَكَانَ يُنَادي بِأَمْر أبي بكر، بِمَا يلقنه عَليّ بِمَا أَمر بتبليغه. قَوْله: (أَن يُؤذن بِبَرَاءَة) يجوز فِيهِ الرّفْع بِالتَّنْوِينِ على سَبِيل الْحِكَايَة. والجر بِالْبَاء، وَيجوز أَن يكون عَلامَة الْجَرّ فَتْحة. قَوْله: (قَالَ أَبَا هُرَيْرَة) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (بِبَرَاءَة) . لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا السُّورَة كلهَا، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيره، قَالُوا: بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَا بكر أَمِيرا على الْمَوْسِم سنة تسع، وَبعث عَليّ بن أبي طَالب بِثَلَاثِينَ آيَة أَو أَرْبَعِينَ من بَرَاءَة الحَدِيث. قَوْله: (وَأَن لَا يحجّ) إِلَى آخِره، اسْتشْكل فِيهِ الْكرْمَانِي بِأَن عليا رَضِي الله عَنهُ، كَانَ مَأْمُورا بِأَن يُؤذن بِبَرَاءَة، فَكيف يُؤذن بِأَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ أذن بِبَرَاءَة، وَمن جملَة مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك من قَوْله تَعَالَى فِيهَا: {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا} (التَّوْبَة: ٢٨) وَيحْتَمل أَن يكون أَمر أَن يُؤذن بِبَرَاءَة وَبِمَا أَمر أَبُو بكر أَن يُؤذن بِهِ أَيْضا، انْتهى. قلت: فَإِنَّهُ الْجَواب عَن زِيَادَة قَوْله: (وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان) وَعَن شَيْء آخر رَوَاهُ الشّعبِيّ: حَدثنِي مُحرز بن أبي هُرَيْرَة عَن أَبِيه قَالَ: كنت مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، حِين بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُنَادي، فَكَانَ إِذا صَهل ناديت. قلت: بِأَيّ شَيْء كُنْتُم تنادون؟ قَالَ: بِأَرْبَع لَا يطوف بِالْكَعْبَةِ عُرْيَان، وَمن كَانَ لَهُ عهد من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعهده إِلَى مدَّته، وَلَا يدْخل الْجنَّة إلَاّ نفس مُؤمنَة، وَلَا يحجّ بعد عامنا مُشْرك. وَرَوَاهُ ابْن جرير عَن الشّعبِيّ بِهِ من غير وَجه.

٤ - (بَاب: {إلاّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ} (التَّوْبَة: ٤)

قد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ ذكر هَذِه.

٤٦٥٧ - ح دَّثنا إسْحَاقُ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدّثنا أبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابنِ شِهَابٍ أنَّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله عنْهُ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أمَّرَهُ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ

أنْ لَا يَحُجَنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيانٌ فَكان حُمَيْدٌ يَقُولُ يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ مِنْ أجْلِ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ. .

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، كَذَا جزم بِهِ الْحَافِظ الْمزي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه ابراهيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان التَّابِعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن. وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد. قَوْله: (فَكَانَ حميد يَقُول) إِلَى آخِره، قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (من أجل حَدِيث أبي هُرَيْرَة) لِأَنَّهُ نَادَى بِإِذن أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، يَوْم النَّحْر.

٥ - (بَاب: {فَقَاتِلُوا أئِمَّةَ الْكُفْر إنهُمْ لَا أيْمانَ لَهُمْ} (التَّوْبَة: ١٢)

وَفِي بعض النّسخ: بَاب: {فَقَاتلُوا} وَأول الْآيَة: {وَإِن نكثوا إِيمَانهم من بعد عَهدهم وطعنوا فِي دينكُمْ فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر إِنَّهُم لَا أَيْمَان لَهُم لَعَلَّهُم ينتهون} قَوْله: (وَإِن نكثوا) أَي: وَإِن نكث هَؤُلَاءِ الْمُشْركُونَ الَّذين عاهدتموهم على مُدَّة مُعينَة، قَوْله إِيمَانهم أَي عهودهم وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ بِكَسْر الْهمزَة وَهِي قِرَاءَة شَاذَّة قَوْله وطعنوا فِي دينكُمْ أَي عابوه وَانْتَقَصُوهُ قَوْله: (فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر) قَالَ قَتَادَة وَغَيره: أَئِمَّة الْكفْر كَأبي جهل وَعتبَة وَشَيْبَة وَأُميَّة بن خلف وَعدد رجَالًا، وَالصَّحِيح أَن الْآيَة عَامَّة لَهُم ولغيرهم. وَعَن حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ: مَا قوتل أهل هَذِه الْآيَة بعد. وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب مثله وَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَعِكْرِمَة بن أبي جهل وَسَائِر رُؤَسَاء قُرَيْش الَّذين نقضوا الْعَهْد وهم الَّذين همُّوا بِإِخْرَاج الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ مجاهدهم: أهل فَارس وَالروم.

٤٦٥٨ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا إسْماعيلُ حدَّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ قَالَ كُنا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْ أصْحابِ هاذِهِ الْآيَة إلَاّ ثَلاثَةٌ ولَا مِنَ المُنافِقِينَ إِلَّا أرْبَعَةٌ فَقَالَ أعْرَابِيٌّ إنكُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تُخْبِرُونا فَلَا نَدْرِي فَما بَال هاؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبَقِّرُونَ بُيُوتنا ويَسْرِقُونَ أعْلَاقَنا قَالَ أُولَئِكَ الفُسَّاقُ أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَاّ أرْبَعَةٌ أحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ المَاءَ البارِدَ لَما وَجَدَ بَرْدَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا بَقِي من أَصْحَاب هَذِه الْآيَة) لِأَن إِيرَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِهَذِهِ التَّرْجَمَة يدل على أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة هُوَ. قَوْله: {فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر} الْآيَة، وَلَكِن الْإِسْمَاعِيلِيّ اعْترض بِمَا رَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل عَن زيد: سَمِعت حُذَيْفَة يَقُول: مَا بَقِي من الْمُنَافِقين من أهل هَذِه الْآيَة: {لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء} (الممتحنة: ١) إِلَّا أَرْبَعَة أنفس، ثمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَإِذا كَانَ مَا ذكر فِي خبر سُفْيَان فَحق هَذَا أَن يخرج فِي سُورَة الممتحنة. وَأما ذكر الْمُنَافِقين فِي الْقُرْآن فَفِي كثير من سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَغَيرهمَا، فَلِمَ أَتَى بِهَذَا الحَدِيث فِي ذكرهم؟ قلت: هَذَا النَّسَائِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وافقا البُخَارِيّ على إخراجهما من طَرِيق إِسْمَاعِيل عِنْد آيَة بَرَاءَة وَلَيْسَ عِنْدهمَا تعْيين الْآيَة كَمَا أخرجهَا البُخَارِيّ أَيْضا مُبْهمَة.

وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد.

قَوْله: (أَصْحَاب) بِالنّصب على أَنه منادى حذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: (تخبرونا) خبر: إِن، ويروى: تخبروننا، على الأَصْل لِأَن النُّون لَا تحذف إلَاّ بناصب أَو جازم، وَلَكِن قد ذكرنَا أَنه لُغَة بعض الْعَرَب وَهِي لُغَة فصيحة، وتخبرونا بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: (إلَاّ ثَلَاثَة) سمى مِنْهُم فِي رِوَايَة أبي بشر عَن مُجَاهِد: أَبُو سُفْيَان بن حَرْب، وَفِي رِوَايَة معمر عَن قَتَادَة: أَبُو جهل بن هِشَام وَعتبَة بن ربيعَة وَأَبُو سُفْيَان وَسُهيْل بن عَمْرو، ورد هَذَا بِأَن أَبَا جهل وَعتبَة قتلا ببدر، وَإِنَّمَا ينطبق التَّفْسِير على من نزلت الْآيَة الْمَذْكُورَة وهم أَحيَاء، فَيصح فِي أَن أَبَا سُفْيَان وَسُهيْل بن عَمْرو وَقد أسلما جَمِيعًا. قَوْله: (إلَاّ أَرْبَعَة) لم يُوقف على أسمائهم.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.3 / 29.5
الإضاءة 28%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56