«بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨١٤

الحديث رقم ٤٨١٤ من كتاب «سورة الزمر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة…

«بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ».

المُؤْمِنُ

قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ

⦗١٢٧⦘

يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

﴿الطَّوْلُِ﴾ التَّفَضُّلُ، ﴿دَاخِرِينَ﴾ خَاضِعِينَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ الْإِيمَانُ، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يَعْنِي الْوَثَنَ، ﴿يُسْجَرُونَ﴾ تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ، ﴿تَمْرَحُونَ﴾ تَبْطَرُونَ.

وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ وَاللهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾، وَيَقُولُ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ، وَإِنَّمَا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ مَنْ عَصَاهُ.

سند حديث: ٤٨١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ…

٤٨١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة…

يخبرنا الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أن المدة التي تكون بين نفخة الصعق ونفخة البعث أربعون، فسئل رضي الله عنه عن هذا العدد؟ هل يقصد به الأيام أو الشهور أو السنوات؟ فامتنع عن الجواب، إشارة منه إلى أنه لم يسمع شيئا في ذلك من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر أن الله تعالى يرسل مطرًا غليظًا كمني الرجال، فينبت منه الناس في قبورهم كما تنبت حبة السيل ثم تخرج، ثم يقوم الناس إلى يوم الحساب لرب العالمين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • ينبغي على العبد أن يمتنع من الجواب إذا سئل عن شيء لا يعلمه.
  • فيه بيان كيفية إعادة الأبدان وهذا من أمور الغيب.
  • جميع الجسد يبلى إلا هذا العظم يبقى؛ ليعاد تركيب الإنسان منه مرة أخرى.
  • قدرة الله -سبحانه وتعالى- على النشأة الثانية، وبعث مَن في القبور ليوم البعث والحشر والنشور.
  • بين النفختين أربعون سنة.
  • ورع أبي هريرة -رضي الله عنه- وتحريه في النقل كما سمع، ولم يجزم من عنده بشيء.
  • حرص أصحاب أبي هريرة على السؤال عما أشكل عليهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهو الفزعُ، كما وقع في النمل: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] ثمَّ يعقبُ ذلك الفزع للموتَى زيادةً فيما هُم فيه وللأحياء موتًا، ثمَّ ينفخُ الثَّانية للبعثِ فيفيقونَ أجمعونَ، فمَن كان مقبُورًا انشقَّت عنه الأرضُ فخرجَ من قبرهِ، ومن ليس بمقبورٍ لا يحتاجُ إلى ذلك، وقد ثبتَ أنَّ موسى ممَّن قبرَ في الحياةِ الدُّنيا، كما في مسلمٍ: أنَّ النَّبيَّ قال: «مررتُ على مُوسى ليلةَ أُسرِي بي عند الكثيبِ الأحمرِ وهو قائمٌ يصلِّي في قبرهِ». أخرجهُ عقب حديثِ أبي هريرة وأبي سعيدٍ (١)، وقد استُشكل كونُ جميع الخلقِ يصعقونَ مع أنَّ الموتَى لا إحساسَ لهم؛ فقيل: المرادُ أنَّ الَّذين يُصعقونَ هم الأحياءُ، وأمَّا الموتَى فهم في الاستثناء في قولهِ: ﴿إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [النمل: ٨٧] أي: إلَّا من سبقَ له الموتُ قبل ذلك فإنَّه لا يصعقُ، وإلى هذا جنحَ القرطبيُّ، ولا يعارضهُ ما ورد في الحديثِ: أنَّ موسى ممَّن استثنَى الله؛ لأنَّ الأنبياء أحياءٌ عند الله، وإن كانُوا في صورةِ الأمواتِ بالنِّسبةِ إلى أهل الدُّنيا، وقال عياضٌ: يحتملُ أن يكون المراد صعقةَ فزعٍ بعد البعثِ حين (٢) تنشقُّ السَّماءُ والأرضُ، وتعقَّبه القرطبيُّ بأنَّه صرَّح بأنَّه حين (٣) يخرجُ من قبرهِ يلقى موسى وهو متعلِّقٌ بالعرشِ، وهذا إنَّما هو عند نفخةِ البعثِ. انتهى. ويردُّه قوله صريحًا كما تقدم: «إنَّ النَّاسَ يُصعقونَ فأُصعقُ معهم … » [خ¦٢٤١١] إلى آخره قاله في «الفتح».

٤٨١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضم العين، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «قال: قَالَ» (أَبِي) حفصُ بنُ غياث بنِ طلقٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبيِّ ) أنَّه (قَالَ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ما بينَ النَّفختينِ»

أي: نفخةَ الإماتةِ ونفخةَ البعثِ (أَرْبَعُونَ، قَالُوا) أي: أصحابُ أبي هريرة، ولم يعرف الحافظُ ابن حجرٍ اسم أحدٍ منهم (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ) بموحدةٍ، أي: امتنعت عن تعيين ذلك (قَالَ) أي: السَّائلُ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ. قَالَ) السَّائلُ (١): (أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ) أي: امتنعتُ عن تعيينِ ذلك؛ لأنِّي لا أدرِي الأربعين الفاصلة بين النَّفختينِ أأيَّامٌ أم سنونٌ أم شهورٌ، وعند ابنِ مَرْدويه من طريق زيدِ بنِ أسلمَ عن أبي هُريرة قال: بين النَّفختينِ أربعون، قالوا: أربعونَ ماذا؟ قال: هكذا سمعت. وعنده أيضًا من وجه ضعيفٍ عن ابنِ عبَّاس قال: بين النَّفختينِ أربعون سنة، وعند ابن المبارك عن الحسن مرفوعًا: «بين النَّفختينِ أربعونَ سنةً، يميت اللهُ تعالى بها كل حيٍّ، والأخرى يحيي اللهُ تعالى بها كلَّ ميِّتٍ»، وقال الحليميُّ: اتَّفقتِ الرِّواياتُ على أنَّ بين النَّفختينِ أربعين سنةً، وفي «جامع ابن وهب»: أربعين جمعةً. وسندهُ منقطعٌ (وَيَبْلَى) بفتح أوَّله، أي: يفنَى (كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة، ويقال: عجمَ -بالميم أيضًا- وهو عظمٌ لطيفٌ في أصل الصُّلبِ؛ وهو رأسُ العصعصِ بين الأليتينِ، وعند أبي داود والحاكم وابن أبي الدُّنيا من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «إنَّه مثل حبَّة الخردلِ» ولمسلم من طريق أبي الزِّناد، عن الأعرجِ، عن أبي هريرة: «كلُّ ابنِ آدمَ يأكلُهُ التُّرابُ إلَّا عجب الذَّنبِ» (٢) (فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ) ولمسلم أيضًا من طريق همَّام، عن أبي هُريرة: «إنَّ في الإنسانِ عَظمًا لا تأكلُهُ الأرضُ أبدًا، فيه يركَّبُ يوم القيامة»، قال: أيُّ عظمٍ؟ قال: «عَجْبُ الذَّنب». وهو يردُّ على المزنيِّ حيث قال: إنَّ (٣) «إلَّا» هنا بمعنى الواو، أي: وعجبُ الذَّنبِ أيضًا يبلى.

وقوله: «يبلى كلُّ شيءٍ من الإنسانِ» عامٌّ يختصُّ (٤) منه الأنبياءُ؛ لأنَّ الأرضَ لا تأكلُ

أجسادهم، وقد ألحق ابنُ عبد البَرِّ بهم الشُّهداءَ (١)، والقرطبيُّ المؤذِّنَ المحتسبَ.

(((٤٠))) (المُؤْمِنُ) مكِّيَّة، وآيُها خمس أو ثمان وثمانون.

(قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا) أي: ﴿حم﴾ ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «سورة المؤمن» ولغيرهما (٢): «حم» ولأبي ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاريُّ: ويقال: ﴿حم﴾ (٣) مجازُها» (مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ) أي: حكمُها حكمُ الأحرفِ المقطَّعة في أوائل السُّورِ، فكلُّ ما يقال في ﴿الم﴾ و ﴿ص﴾ يقال في ﴿حم﴾. وقد اختلفَ في هذه الحروف المقطَّعة الَّتي في أوائل السُّور (٤) على أكثر من ثلاثين قولًا. فقيل: هي عِلمٌ مستورٌ وسرٌّ محجوبٌ استأثرَ الله بعلمهِ. وقال الصِّدِّيق: للهِ في كلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّه في القرآنِ أوائلُ السُّورِ. وعن علي: لكلِّ كتابٍ صَفوة، وصفوةُ هذا الكتابِ حروف التَّهجي. وذهب آخرون إلى أنَّ المرادَ منها معلومٌ، فيقال (٥): ممَّا روي عن ابنِ عبَّاس في ﴿الم﴾

الألف إشارةٌ إلى الأحديَّةِ، واللَّام إلى لطفهِ، والميمُ إلى ملكهِ، ويقال: بعضُها يدلُّ على أسماء الذَّات، وبعضُها على أسماء الصِّفات، ويقال في ﴿الم﴾: أنا الله أعلمُ، وفي ﴿المص﴾: أنا الله أفصِلُ، وفي ﴿الر﴾: أنا الله أرى (وَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ: «فيقالُ (١)» في ﴿حم﴾ (بَلْ هُوَ اسْمٌ) أي: من أسماءِ القرآنِ، أو اسمٌ للسورةِ كغيرها من الفواتحِ، واختارهُ كثيرٌ من المحقِّقين (لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) بإثبات: «أبي» في الفرعِ كغيرهِ، ونسبها في «الفتح» لروايةِ القابسيِّ، وقال: إنَّ ذلك خطأ، والصَّواب إسقاطها، فيصيرُ: شريحُ بن أوفى (العَبْسِيِّ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة بعدها مهملة، وكان مع عليِّ بن أبي طالبٍ يوم الجمل، وكان على محمد بنِ طلحةَ ابنِ عبيدِ الله عمامةٌ سوداء، فقال علي: لا تقتُلوا صاحبَ العمامةِ السَّوداء فإنَّما أخرجه برُّه لأبيهِ، فلقيه شريحُ بن أوفى فأهوى له بالرُّمحِ، فتلا: ﴿حم﴾ فقتله، فقال شريح: (يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ) بالشين المعجمة والجيم، والجملة حاليَّة، والمعنى: والرُّمحُ مشتبك مختلطٌ (فَهَلَّا) حرفُ تحضيضٍ (تَلَا) قرأ (حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ) أي: إلى الحرب. وقال الكِرمانيُّ: وجه الاستدلال به هو أنَّه أعربهُ، ولو لم يكن اسمًا لما دخلَ عليه الإعرابُ. انتهى.

وبذلك قرأَ عيسى بن عمر، وهي تحتملُ وجهين: أنَّها منصوبة بفعلٍ مقدَّر، أي: اقرأ حم، ومنعت من الصَّرف للعلميَّة والتَّأنيث، أو العلميَّة وشبْه العُجْمة؛ لأنَّه ليس في الأوزانِ العربيةِ وزن فاعيل، بخلاف الأعجميَّة نحو: قابيل وهابيل، أو أنَّها حركة بناء تخفيفًا كأيْنَ وكيفَ، وقيل (٢): كان مرادُ محمد بن طلحةَ بقوله: أذكِّرك ﴿حم﴾ قوله تعالى في ﴿حم. عسق﴾: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] كأنَّه (٣) يذكِّره بقرابتهِ؛ ليكون ذلك دافعًا له عن قتلهِ.

(﴿الطَّوْلِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] هو (التَّفَضُّلُ). وقال قتادة: النِّعمُ، وأصله الإنعامُ الَّذي تطول مدَّته على صاحبهِ.

(﴿دَاخِرِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] قال أبو عُبيدة: أي (خَاضِعِينَ) وقال السُّدِّي: صاغرينَ ذليلينَ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيح: (﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١] هي (الإِيمَانُ) المنجِّي من النَّار.

(﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر: ٤٣] يَعْنِي: الوَثَنَ) الَّذي تعبدونهُ من دون الله تعالى ليست له استجابة دَعوة، أو ليست له عبادةٌ في الدُّنيا؛ لأنَّ الوثنَ لا يدَّعِي ربوبيته (١)، ولا يدعو إلى عبادتهِ، وفي الآخرةِ يتبرَّأُ من عابديهِ.

(﴿يُسْجَرُونَ﴾) في قولهِ: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] أي: (تُوقَدُ بِهِمِ النَّارُ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤].

(﴿تَمْرَحُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] أي: (تَبْطَرُونَ) وفي قولهِ: ﴿تَفْرَحُونَ﴾ و ﴿تَمْرَحُونَ﴾ التَّجنيس المحرَّفُ؛ وهو أن يقعَ الفرقُ بين اللَّفظين بحرفٍ.

(وَكَانَ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ) العدويُّ البصريُّ، التَّابعيُّ الزَّاهد، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا (يَذْكُرُ) بفتح أوَّله وتخفيف الكاف، ولأبي ذرٍّ: «يُذَكَّرُ» بضم أوله وتشديد الكاف مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله، ولم يذكر الحافظ ابن حجرٍ غيرها. وقال في «انتقاض الاعتراض»: إنَّها الرِّوايةُ، واعترض العينيُّ ابنَ حجرٍ في التَّشديد، وصحَّح التَّخفيف (٢)، أي: يخوِّفُ النَّاس (النَّارَ) فهو على حذف (٣) أحدِ المفعولين (فَقَالَ) له (رَجُلٌ) -لم يعرفِ الحافظ ابنُ حجرٍ اسمه- مستفهمًا (٤): (لِمَ تُقَنِّطُ النَّاس؟) أي: من رحمةِ الله (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ وَاللهُ ﷿

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أبدا، فِيهِ يركب يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالُوا: أَي عظم هُوَ؟ قَالَ: عجب الذَّنب، رَوَاهُ مُسلم. قَوْله: (فِيهِ يركب الْخلق) ، لَا يُعَارضهُ حَدِيث سلمَان: إِن أول مَا خلق من آدم رَأسه، لِأَن هَذَا فِي حق آدم وَذَاكَ فِي حق بنيه، وَقيل: المُرَاد بقول سُلَيْمَان: نفخ الرّوح فِي آدم لَا خلق جسده.

٠٤ - (سورَةُ المُؤْمِنِ)

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْمُؤمن، وَفِي بعض النّسخ الْمُؤمن، بِغَيْر لفظ: سُورَة، وَفِي بَعْضهَا: سُورَة الْمُؤمن حم.

(بِسم الله الرحمان الرَّحِيم)

لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر، وَهِي مَكِّيَّة بِلَا خلاف، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد الزمر وَقبل حم السَّجْدَة وَبعد السَّجْدَة الشورى ثمَّ الزخرف ثمَّ الدُّخان ثمَّ الجاثية ثمَّ الْأَحْقَاف، وَهِي أَرْبَعَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَسِتُّونَ حرفا، وَألف وَمِائَة وتسع وَتسْعُونَ كلمة، وَخمْس وَثَمَانُونَ آيَة.

قَالَ مُجاهِدٌ: حم مَجازُها مَجازُ أوَائِلِ السُّوَرِ

قَوْله: (حم) فِي مَحل الِابْتِدَاء: (ومجازها) ، مُبْتَدأ ثَان. وَقَوله: (مجَاز أَوَائِل السُّور) ، خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، ومجازها بِالْجِيم وَالزَّاي أَي: طريقها أَي حكمهَا حكم سَائِر الْحُرُوف الْمُقطعَة الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور للتّنْبِيه على أَن هَذَا الْقُرْآن من جنس هَذِه الْحُرُوف، وَقيل: القرع الْعَصَا عَلَيْهِم. وَعَن عِكْرِمَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حم إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَهِي مِفْتَاح خَزَائِن رَبك، جلّ جَلَاله، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ إسم الله الْأَعْظَم، وَعنهُ: قسم أقسم الله بِهِ، وَعَن قَتَادَة: إسم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَعَن الشّعبِيّ: شعار السُّورَة، وَعَن عَطاء الْخُرَاسَانِي: الْحَاء افْتِتَاح أَسمَاء الله تَعَالَى: حَلِيم وَحميد وَحي وحنان وَحَكِيم وحفيظ وحبِيب، وَالْمِيم افْتِتَاح اسْمه: مَالك ومجيد ومنان. وَعَن الضَّحَّاك وَالْكسَائِيّ: مَعْنَاهُ قضى مَا هُوَ كَائِن، كَأَنَّهُمَا أَرَادَا الْإِشَارَة إِلَى: حم، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْمِيم.

ويُقالُ: بَلْ هُوَ إسْمٌ، لِقَوْلِ شُرَيْحِ بنِ أبي أوْفَى العَبْسِيِّ:

(يُذَكِّرُني حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ ... فَهَلَاّ تَلَا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ)

الْقَائِلُونَ بِأَن لفظ: حم إسم هم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ الْآن، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول الشَّاعِر الْمَذْكُور حَيْثُ وَقع لفظ: حم، فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَنْصُوبًا على المفعولية، وَكَذَا قَرَأَ عِيسَى بن عمر: أَعنِي بِفَتْح الْمِيم، وَقيل: يجوز أَن يكون لالتقاء الساكنين. قلت: الْقَاعِدَة أَن السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ، وَيجوز الْفَتْح وَالْكَسْر فِي الْحَاء وهما قراءتان. قَوْله: (وَيُقَال) فِي رِوَايَة أبي ذَر: قَالَ البُخَارِيّ: وَيُقَال قَوْله: (شُرَيْح بن أبي أوفى) هَكَذَا وَقع ابْن أبي أوفى فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ شُرَيْح بن أوفى الْعَبْسِي، وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، يَوْم الْجمل، وَكَانَ شعار أَصْحَاب عَليّ رَضِي الله عَنهُ، يومئذٍ حم، فَلَمَّا نهد شُرَيْح لمُحَمد بن طَلْحَة بن عبيد الله الملقب بالسجاد وطعنه، قَالَ: حم، فَقَالَ شُرَيْح: يذكرنِي حَامِيم، الْفَاعِل فِيهِ مُحَمَّد السَّجَّاد، وَقيل، لما طعنه شُرَيْح قَالَ: {أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله} (غَافِر: ٨٢) فَهُوَ معنى قَوْله: (يذكرنِي حَامِيم) . قَوْله: (وَالرمْح شَاجر) جملَة إسمية وَقعت حَالا من: شجر الْأَمر يشجر شجوراً إِذا اخْتَلَط، واشتجر الْقَوْم وتشاجروا إِذا تنازعوا وَاخْتلفُوا وَالْمعْنَى هُنَا: وَالرمْح مشتبك مختلط. قَوْله: (فَهَلا) حرف تحضيض مُخْتَصّ بالجمل الفعلية الخبرية، وَالْمعْنَى: هلا كَانَ هَذَا قبل تشاجر الرماح عِنْد قيام الْحَرْب، قَوْله: (قبل التَّقَدُّم) ، أَي: إِلَى الْحَرْب، وَأول هَذَا الْبَيْت على مَا ذكره الْحسن بن المظفر النَّيْسَابُورِي فِي: (مأدبة الأدباء) :

(وَأَشْعَث قوّام بآيَات ربه ... قَلِيل الْأَذَى فِيمَا ترى الْعين مُسلم)

(هتكت بصدر الرمْح جيب قَمِيصه ... فَخر صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ)

(على غير شَيْء غير أَن لَيْسَ تَابعا ... عليا وَمن لَا يتبع الْحق يظلم)

يذكرنِي حميم ... .

وَذكر عمر بن شبة بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق: أَن مَالِكًا الأشتر النَّخعِيّ قتل مُحَمَّد بن طَلْحَة، وَقَالَ فِي ذَلِك شعرًا وَهُوَ:

(واشعث قوام بآيَات ربه ... الأبيات)

وَذكر أَبُو محنف لوط فِي كِتَابه (حَرْب الْجمل) : الَّذِي قتل مُحَمَّدًا مُدْلِج بن كَعْب، رجل من بني سعد بن بكر، وَفِي كتاب الزبير بن أبي بكر: كَانَ مُحَمَّد أَمرته عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، بِأَن يكف يَده فَكَانَ كلما حمل عَلَيْهِ رجل قَالَ: نشدتك بحاميم، حَتَّى شدّ عَلَيْهِ رجل من بني أَسد بن خُزَيْمَة يُقَال لَهُ: حَدِيد فنشده بحاميم فَلم ينْتَه وَقَتله، وَقيل: قَتله كَعْب بن مُدْلِج من بني منقذ بن طريف، وَيُقَال: قَتله عِصَام بن مُقْشَعِر النصري، وَعَلِيهِ كَثْرَة الحَدِيث وَقَالَ المرزباني: هُوَ الثبت وَهُوَ يخدش فِي إِسْنَاد البُخَارِيّ لِأَن هذَيْن الْإِمَامَيْنِ إِلَيْهِمَا يرجع فِي هَذَا الْبَاب. قلت: الزَّمَخْشَرِيّ الْعَلامَة ذكر هَذَا الْبَيْت فِي أول سُورَة الْبَقَرَة وَنسبه إِلَى شُرَيْح بن أوفى الْمَذْكُور، وَفِي (الحماسة) البحترية قَالَ عدي بن حَاتِم.

(من مبلغ أفناء مذْحج انني ... ثأرت بحالي ثمَّ لم أتأثم)

(تركت أَبَا بكر ينوء بصدره ... بصفين مخضوب الكعوب من الدَّم)

(يذكرنِي ثَأْرِي غَدَاة لَقيته ... فأجررته رُمْحِي فَخر على الْفَم)

(يذكرنِي ياسين حِين طعنته ... فَهَلا تَلا ياسين قبل التَّقَدُّم)

الطَّوْلُ التَّفَضُّلُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول} (غَافِر: ٣) وَفَسرهُ بالتفضل، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: تَقول الْعَرَب للرجل إِنَّه لذُو طول على قومه أَي: ذُو فضل عَلَيْهِم، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. فِي قَوْله: (ذِي الطول، قَالَ: ذِي السعَة والغنى، وَمن طَرِيق عِكْرِمَة: ذِي المنن، وَمن طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: ذِي النعماء.

داخِرِينَ خَاضِعِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {سيدخلون جَهَنَّم داخرين} (غَافِر: ٠٦) وَفَسرهُ بقوله: (خاضعين) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن السّديّ: صاغرين.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: إلَى النَّجاةِ إِلَى الْإِيمَان

أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيَا قوم مَالِي أدعوكم إِلَى النجَاة وتدعونني إِلَى النَّار} (غَافِر: ١٤) وَفسّر قَوْله: إِلَى النجَاة، بقوله: إِلَى الْإِيمَان.

لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ يَعْنِي لِلْوَثَنِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا جرم إِنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَة فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة} (غَافِر: ٣٤) وَقَالَ: لَيْسَ للوثن دَعْوَة، هَذَا من تَتِمَّة كَلَام الرجل الَّذِي آمن بمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ الَّذِي أخبر الله تَعَالَى عَنهُ بقوله: {وَقَالَ الَّذِي آمن يَا قوم اتبعوني أهدكم سَبِيل الرشاد} (غَافِر: ٨٣) وَكَانَ من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه مِنْهُ وَمن قومه، وَعَن السّديّ وَمُقَاتِل: كَانَ ابْن عَم فِرْعَوْن، وَعَن ابْن عَبَّاس، أَن اسْمه حزقيل، وَعَن وهب بن مُنَبّه: خزيبال، وَعَن إِسْحَاق: خزبيل، وَقيل: حبيب.

يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {إِذا الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيم ثمَّ فِي النَّار يسجرون} (غَافِر: ٢٧) وَفَسرهُ بقوله: (توقد بهم النَّار) . وَعَن مُجَاهِد: يصيرون وقوداً فِي النَّار.

تَمْرَحُونَ: تَبْطَرُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكُم بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تمرحون} (غَافِر: ٥٧) وَفَسرهُ بقوله: تبطرون، من البطر بِالْبَاء الْمُوَحدَة والطاء الْمُهْملَة.

وكانَ العلَاءُ بنُ زِيادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ فَقَالَ رجُلٌ لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ قَالَ وَأَنا أقْدِرُ أنْ أُقَنِّطُ النَّاسَ وَالله عَزَّ وجلَّ يَقُولُ: {يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله} (الزمر: ٣٥) ويَقُولُ: {وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصْحابُ النَّارِ} (غَافِر: ٣٤) ولكنَّكُمْ تُحِبُّونَ أنْ تُبَشَّرُوا بالجَنَّةِ عَلَى مَساوِيءِ أعْمالِكُم وإنَّما بَعَثَ الله مُحَمَّداً صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُبَشِّراً بالجَنَّةِ لَمِنْ أطاعَهُ ومُنْذِراً بالنَّارِ مَنْ عَصاهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهو الفزعُ، كما وقع في النمل: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] ثمَّ يعقبُ ذلك الفزع للموتَى زيادةً فيما هُم فيه وللأحياء موتًا، ثمَّ ينفخُ الثَّانية للبعثِ فيفيقونَ أجمعونَ، فمَن كان مقبُورًا انشقَّت عنه الأرضُ فخرجَ من قبرهِ، ومن ليس بمقبورٍ لا يحتاجُ إلى ذلك، وقد ثبتَ أنَّ موسى ممَّن قبرَ في الحياةِ الدُّنيا، كما في مسلمٍ: أنَّ النَّبيَّ قال: «مررتُ على مُوسى ليلةَ أُسرِي بي عند الكثيبِ الأحمرِ وهو قائمٌ يصلِّي في قبرهِ». أخرجهُ عقب حديثِ أبي هريرة وأبي سعيدٍ (١)، وقد استُشكل كونُ جميع الخلقِ يصعقونَ مع أنَّ الموتَى لا إحساسَ لهم؛ فقيل: المرادُ أنَّ الَّذين يُصعقونَ هم الأحياءُ، وأمَّا الموتَى فهم في الاستثناء في قولهِ: ﴿إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [النمل: ٨٧] أي: إلَّا من سبقَ له الموتُ قبل ذلك فإنَّه لا يصعقُ، وإلى هذا جنحَ القرطبيُّ، ولا يعارضهُ ما ورد في الحديثِ: أنَّ موسى ممَّن استثنَى الله؛ لأنَّ الأنبياء أحياءٌ عند الله، وإن كانُوا في صورةِ الأمواتِ بالنِّسبةِ إلى أهل الدُّنيا، وقال عياضٌ: يحتملُ أن يكون المراد صعقةَ فزعٍ بعد البعثِ حين (٢) تنشقُّ السَّماءُ والأرضُ، وتعقَّبه القرطبيُّ بأنَّه صرَّح بأنَّه حين (٣) يخرجُ من قبرهِ يلقى موسى وهو متعلِّقٌ بالعرشِ، وهذا إنَّما هو عند نفخةِ البعثِ. انتهى. ويردُّه قوله صريحًا كما تقدم: «إنَّ النَّاسَ يُصعقونَ فأُصعقُ معهم … » [خ¦٢٤١١] إلى آخره قاله في «الفتح».

٤٨١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضم العين، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «قال: قَالَ» (أَبِي) حفصُ بنُ غياث بنِ طلقٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبيِّ ) أنَّه (قَالَ: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ما بينَ النَّفختينِ»

أي: نفخةَ الإماتةِ ونفخةَ البعثِ (أَرْبَعُونَ، قَالُوا) أي: أصحابُ أبي هريرة، ولم يعرف الحافظُ ابن حجرٍ اسم أحدٍ منهم (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ) بموحدةٍ، أي: امتنعت عن تعيين ذلك (قَالَ) أي: السَّائلُ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ. قَالَ) السَّائلُ (١): (أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ) أبو هريرة: (أَبَيْتُ) أي: امتنعتُ عن تعيينِ ذلك؛ لأنِّي لا أدرِي الأربعين الفاصلة بين النَّفختينِ أأيَّامٌ أم سنونٌ أم شهورٌ، وعند ابنِ مَرْدويه من طريق زيدِ بنِ أسلمَ عن أبي هُريرة قال: بين النَّفختينِ أربعون، قالوا: أربعونَ ماذا؟ قال: هكذا سمعت. وعنده أيضًا من وجه ضعيفٍ عن ابنِ عبَّاس قال: بين النَّفختينِ أربعون سنة، وعند ابن المبارك عن الحسن مرفوعًا: «بين النَّفختينِ أربعونَ سنةً، يميت اللهُ تعالى بها كل حيٍّ، والأخرى يحيي اللهُ تعالى بها كلَّ ميِّتٍ»، وقال الحليميُّ: اتَّفقتِ الرِّواياتُ على أنَّ بين النَّفختينِ أربعين سنةً، وفي «جامع ابن وهب»: أربعين جمعةً. وسندهُ منقطعٌ (وَيَبْلَى) بفتح أوَّله، أي: يفنَى (كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة، ويقال: عجمَ -بالميم أيضًا- وهو عظمٌ لطيفٌ في أصل الصُّلبِ؛ وهو رأسُ العصعصِ بين الأليتينِ، وعند أبي داود والحاكم وابن أبي الدُّنيا من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «إنَّه مثل حبَّة الخردلِ» ولمسلم من طريق أبي الزِّناد، عن الأعرجِ، عن أبي هريرة: «كلُّ ابنِ آدمَ يأكلُهُ التُّرابُ إلَّا عجب الذَّنبِ» (٢) (فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ) ولمسلم أيضًا من طريق همَّام، عن أبي هُريرة: «إنَّ في الإنسانِ عَظمًا لا تأكلُهُ الأرضُ أبدًا، فيه يركَّبُ يوم القيامة»، قال: أيُّ عظمٍ؟ قال: «عَجْبُ الذَّنب». وهو يردُّ على المزنيِّ حيث قال: إنَّ (٣) «إلَّا» هنا بمعنى الواو، أي: وعجبُ الذَّنبِ أيضًا يبلى.

وقوله: «يبلى كلُّ شيءٍ من الإنسانِ» عامٌّ يختصُّ (٤) منه الأنبياءُ؛ لأنَّ الأرضَ لا تأكلُ

أجسادهم، وقد ألحق ابنُ عبد البَرِّ بهم الشُّهداءَ (١)، والقرطبيُّ المؤذِّنَ المحتسبَ.

(((٤٠))) (المُؤْمِنُ) مكِّيَّة، وآيُها خمس أو ثمان وثمانون.

(قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا) أي: ﴿حم﴾ ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «سورة المؤمن» ولغيرهما (٢): «حم» ولأبي ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاريُّ: ويقال: ﴿حم﴾ (٣) مجازُها» (مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ) أي: حكمُها حكمُ الأحرفِ المقطَّعة في أوائل السُّورِ، فكلُّ ما يقال في ﴿الم﴾ و ﴿ص﴾ يقال في ﴿حم﴾. وقد اختلفَ في هذه الحروف المقطَّعة الَّتي في أوائل السُّور (٤) على أكثر من ثلاثين قولًا. فقيل: هي عِلمٌ مستورٌ وسرٌّ محجوبٌ استأثرَ الله بعلمهِ. وقال الصِّدِّيق: للهِ في كلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّه في القرآنِ أوائلُ السُّورِ. وعن علي: لكلِّ كتابٍ صَفوة، وصفوةُ هذا الكتابِ حروف التَّهجي. وذهب آخرون إلى أنَّ المرادَ منها معلومٌ، فيقال (٥): ممَّا روي عن ابنِ عبَّاس في ﴿الم﴾

الألف إشارةٌ إلى الأحديَّةِ، واللَّام إلى لطفهِ، والميمُ إلى ملكهِ، ويقال: بعضُها يدلُّ على أسماء الذَّات، وبعضُها على أسماء الصِّفات، ويقال في ﴿الم﴾: أنا الله أعلمُ، وفي ﴿المص﴾: أنا الله أفصِلُ، وفي ﴿الر﴾: أنا الله أرى (وَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ: «فيقالُ (١)» في ﴿حم﴾ (بَلْ هُوَ اسْمٌ) أي: من أسماءِ القرآنِ، أو اسمٌ للسورةِ كغيرها من الفواتحِ، واختارهُ كثيرٌ من المحقِّقين (لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) بإثبات: «أبي» في الفرعِ كغيرهِ، ونسبها في «الفتح» لروايةِ القابسيِّ، وقال: إنَّ ذلك خطأ، والصَّواب إسقاطها، فيصيرُ: شريحُ بن أوفى (العَبْسِيِّ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة بعدها مهملة، وكان مع عليِّ بن أبي طالبٍ يوم الجمل، وكان على محمد بنِ طلحةَ ابنِ عبيدِ الله عمامةٌ سوداء، فقال علي: لا تقتُلوا صاحبَ العمامةِ السَّوداء فإنَّما أخرجه برُّه لأبيهِ، فلقيه شريحُ بن أوفى فأهوى له بالرُّمحِ، فتلا: ﴿حم﴾ فقتله، فقال شريح: (يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ) بالشين المعجمة والجيم، والجملة حاليَّة، والمعنى: والرُّمحُ مشتبك مختلطٌ (فَهَلَّا) حرفُ تحضيضٍ (تَلَا) قرأ (حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ) أي: إلى الحرب. وقال الكِرمانيُّ: وجه الاستدلال به هو أنَّه أعربهُ، ولو لم يكن اسمًا لما دخلَ عليه الإعرابُ. انتهى.

وبذلك قرأَ عيسى بن عمر، وهي تحتملُ وجهين: أنَّها منصوبة بفعلٍ مقدَّر، أي: اقرأ حم، ومنعت من الصَّرف للعلميَّة والتَّأنيث، أو العلميَّة وشبْه العُجْمة؛ لأنَّه ليس في الأوزانِ العربيةِ وزن فاعيل، بخلاف الأعجميَّة نحو: قابيل وهابيل، أو أنَّها حركة بناء تخفيفًا كأيْنَ وكيفَ، وقيل (٢): كان مرادُ محمد بن طلحةَ بقوله: أذكِّرك ﴿حم﴾ قوله تعالى في ﴿حم. عسق﴾: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] كأنَّه (٣) يذكِّره بقرابتهِ؛ ليكون ذلك دافعًا له عن قتلهِ.

(﴿الطَّوْلِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] هو (التَّفَضُّلُ). وقال قتادة: النِّعمُ، وأصله الإنعامُ الَّذي تطول مدَّته على صاحبهِ.

(﴿دَاخِرِينَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] قال أبو عُبيدة: أي (خَاضِعِينَ) وقال السُّدِّي: صاغرينَ ذليلينَ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الفِريابيُّ من طريق ابنِ أبي نجيح: (﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١] هي (الإِيمَانُ) المنجِّي من النَّار.

(﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [غافر: ٤٣] يَعْنِي: الوَثَنَ) الَّذي تعبدونهُ من دون الله تعالى ليست له استجابة دَعوة، أو ليست له عبادةٌ في الدُّنيا؛ لأنَّ الوثنَ لا يدَّعِي ربوبيته (١)، ولا يدعو إلى عبادتهِ، وفي الآخرةِ يتبرَّأُ من عابديهِ.

(﴿يُسْجَرُونَ﴾) في قولهِ: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] أي: (تُوقَدُ بِهِمِ النَّارُ) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤].

(﴿تَمْرَحُونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] أي: (تَبْطَرُونَ) وفي قولهِ: ﴿تَفْرَحُونَ﴾ و ﴿تَمْرَحُونَ﴾ التَّجنيس المحرَّفُ؛ وهو أن يقعَ الفرقُ بين اللَّفظين بحرفٍ.

(وَكَانَ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ) العدويُّ البصريُّ، التَّابعيُّ الزَّاهد، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا (يَذْكُرُ) بفتح أوَّله وتخفيف الكاف، ولأبي ذرٍّ: «يُذَكَّرُ» بضم أوله وتشديد الكاف مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله، ولم يذكر الحافظ ابن حجرٍ غيرها. وقال في «انتقاض الاعتراض»: إنَّها الرِّوايةُ، واعترض العينيُّ ابنَ حجرٍ في التَّشديد، وصحَّح التَّخفيف (٢)، أي: يخوِّفُ النَّاس (النَّارَ) فهو على حذف (٣) أحدِ المفعولين (فَقَالَ) له (رَجُلٌ) -لم يعرفِ الحافظ ابنُ حجرٍ اسمه- مستفهمًا (٤): (لِمَ تُقَنِّطُ النَّاس؟) أي: من رحمةِ الله (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ وَاللهُ ﷿

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أبدا، فِيهِ يركب يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالُوا: أَي عظم هُوَ؟ قَالَ: عجب الذَّنب، رَوَاهُ مُسلم. قَوْله: (فِيهِ يركب الْخلق) ، لَا يُعَارضهُ حَدِيث سلمَان: إِن أول مَا خلق من آدم رَأسه، لِأَن هَذَا فِي حق آدم وَذَاكَ فِي حق بنيه، وَقيل: المُرَاد بقول سُلَيْمَان: نفخ الرّوح فِي آدم لَا خلق جسده.

٠٤ - (سورَةُ المُؤْمِنِ)

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْمُؤمن، وَفِي بعض النّسخ الْمُؤمن، بِغَيْر لفظ: سُورَة، وَفِي بَعْضهَا: سُورَة الْمُؤمن حم.

(بِسم الله الرحمان الرَّحِيم)

لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر، وَهِي مَكِّيَّة بِلَا خلاف، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد الزمر وَقبل حم السَّجْدَة وَبعد السَّجْدَة الشورى ثمَّ الزخرف ثمَّ الدُّخان ثمَّ الجاثية ثمَّ الْأَحْقَاف، وَهِي أَرْبَعَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَسِتُّونَ حرفا، وَألف وَمِائَة وتسع وَتسْعُونَ كلمة، وَخمْس وَثَمَانُونَ آيَة.

قَالَ مُجاهِدٌ: حم مَجازُها مَجازُ أوَائِلِ السُّوَرِ

قَوْله: (حم) فِي مَحل الِابْتِدَاء: (ومجازها) ، مُبْتَدأ ثَان. وَقَوله: (مجَاز أَوَائِل السُّور) ، خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، ومجازها بِالْجِيم وَالزَّاي أَي: طريقها أَي حكمهَا حكم سَائِر الْحُرُوف الْمُقطعَة الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور للتّنْبِيه على أَن هَذَا الْقُرْآن من جنس هَذِه الْحُرُوف، وَقيل: القرع الْعَصَا عَلَيْهِم. وَعَن عِكْرِمَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حم إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَهِي مِفْتَاح خَزَائِن رَبك، جلّ جَلَاله، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ إسم الله الْأَعْظَم، وَعنهُ: قسم أقسم الله بِهِ، وَعَن قَتَادَة: إسم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَعَن الشّعبِيّ: شعار السُّورَة، وَعَن عَطاء الْخُرَاسَانِي: الْحَاء افْتِتَاح أَسمَاء الله تَعَالَى: حَلِيم وَحميد وَحي وحنان وَحَكِيم وحفيظ وحبِيب، وَالْمِيم افْتِتَاح اسْمه: مَالك ومجيد ومنان. وَعَن الضَّحَّاك وَالْكسَائِيّ: مَعْنَاهُ قضى مَا هُوَ كَائِن، كَأَنَّهُمَا أَرَادَا الْإِشَارَة إِلَى: حم، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْمِيم.

ويُقالُ: بَلْ هُوَ إسْمٌ، لِقَوْلِ شُرَيْحِ بنِ أبي أوْفَى العَبْسِيِّ:

(يُذَكِّرُني حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ ... فَهَلَاّ تَلَا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ)

الْقَائِلُونَ بِأَن لفظ: حم إسم هم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ الْآن، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول الشَّاعِر الْمَذْكُور حَيْثُ وَقع لفظ: حم، فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَنْصُوبًا على المفعولية، وَكَذَا قَرَأَ عِيسَى بن عمر: أَعنِي بِفَتْح الْمِيم، وَقيل: يجوز أَن يكون لالتقاء الساكنين. قلت: الْقَاعِدَة أَن السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ، وَيجوز الْفَتْح وَالْكَسْر فِي الْحَاء وهما قراءتان. قَوْله: (وَيُقَال) فِي رِوَايَة أبي ذَر: قَالَ البُخَارِيّ: وَيُقَال قَوْله: (شُرَيْح بن أبي أوفى) هَكَذَا وَقع ابْن أبي أوفى فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ شُرَيْح بن أوفى الْعَبْسِي، وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، يَوْم الْجمل، وَكَانَ شعار أَصْحَاب عَليّ رَضِي الله عَنهُ، يومئذٍ حم، فَلَمَّا نهد شُرَيْح لمُحَمد بن طَلْحَة بن عبيد الله الملقب بالسجاد وطعنه، قَالَ: حم، فَقَالَ شُرَيْح: يذكرنِي حَامِيم، الْفَاعِل فِيهِ مُحَمَّد السَّجَّاد، وَقيل، لما طعنه شُرَيْح قَالَ: {أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله} (غَافِر: ٨٢) فَهُوَ معنى قَوْله: (يذكرنِي حَامِيم) . قَوْله: (وَالرمْح شَاجر) جملَة إسمية وَقعت حَالا من: شجر الْأَمر يشجر شجوراً إِذا اخْتَلَط، واشتجر الْقَوْم وتشاجروا إِذا تنازعوا وَاخْتلفُوا وَالْمعْنَى هُنَا: وَالرمْح مشتبك مختلط. قَوْله: (فَهَلا) حرف تحضيض مُخْتَصّ بالجمل الفعلية الخبرية، وَالْمعْنَى: هلا كَانَ هَذَا قبل تشاجر الرماح عِنْد قيام الْحَرْب، قَوْله: (قبل التَّقَدُّم) ، أَي: إِلَى الْحَرْب، وَأول هَذَا الْبَيْت على مَا ذكره الْحسن بن المظفر النَّيْسَابُورِي فِي: (مأدبة الأدباء) :

(وَأَشْعَث قوّام بآيَات ربه ... قَلِيل الْأَذَى فِيمَا ترى الْعين مُسلم)

(هتكت بصدر الرمْح جيب قَمِيصه ... فَخر صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ)

(على غير شَيْء غير أَن لَيْسَ تَابعا ... عليا وَمن لَا يتبع الْحق يظلم)

يذكرنِي حميم ... .

وَذكر عمر بن شبة بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق: أَن مَالِكًا الأشتر النَّخعِيّ قتل مُحَمَّد بن طَلْحَة، وَقَالَ فِي ذَلِك شعرًا وَهُوَ:

(واشعث قوام بآيَات ربه ... الأبيات)

وَذكر أَبُو محنف لوط فِي كِتَابه (حَرْب الْجمل) : الَّذِي قتل مُحَمَّدًا مُدْلِج بن كَعْب، رجل من بني سعد بن بكر، وَفِي كتاب الزبير بن أبي بكر: كَانَ مُحَمَّد أَمرته عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، بِأَن يكف يَده فَكَانَ كلما حمل عَلَيْهِ رجل قَالَ: نشدتك بحاميم، حَتَّى شدّ عَلَيْهِ رجل من بني أَسد بن خُزَيْمَة يُقَال لَهُ: حَدِيد فنشده بحاميم فَلم ينْتَه وَقَتله، وَقيل: قَتله كَعْب بن مُدْلِج من بني منقذ بن طريف، وَيُقَال: قَتله عِصَام بن مُقْشَعِر النصري، وَعَلِيهِ كَثْرَة الحَدِيث وَقَالَ المرزباني: هُوَ الثبت وَهُوَ يخدش فِي إِسْنَاد البُخَارِيّ لِأَن هذَيْن الْإِمَامَيْنِ إِلَيْهِمَا يرجع فِي هَذَا الْبَاب. قلت: الزَّمَخْشَرِيّ الْعَلامَة ذكر هَذَا الْبَيْت فِي أول سُورَة الْبَقَرَة وَنسبه إِلَى شُرَيْح بن أوفى الْمَذْكُور، وَفِي (الحماسة) البحترية قَالَ عدي بن حَاتِم.

(من مبلغ أفناء مذْحج انني ... ثأرت بحالي ثمَّ لم أتأثم)

(تركت أَبَا بكر ينوء بصدره ... بصفين مخضوب الكعوب من الدَّم)

(يذكرنِي ثَأْرِي غَدَاة لَقيته ... فأجررته رُمْحِي فَخر على الْفَم)

(يذكرنِي ياسين حِين طعنته ... فَهَلا تَلا ياسين قبل التَّقَدُّم)

الطَّوْلُ التَّفَضُّلُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول} (غَافِر: ٣) وَفَسرهُ بالتفضل، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: تَقول الْعَرَب للرجل إِنَّه لذُو طول على قومه أَي: ذُو فضل عَلَيْهِم، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. فِي قَوْله: (ذِي الطول، قَالَ: ذِي السعَة والغنى، وَمن طَرِيق عِكْرِمَة: ذِي المنن، وَمن طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: ذِي النعماء.

داخِرِينَ خَاضِعِينَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {سيدخلون جَهَنَّم داخرين} (غَافِر: ٠٦) وَفَسرهُ بقوله: (خاضعين) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن السّديّ: صاغرين.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: إلَى النَّجاةِ إِلَى الْإِيمَان

أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيَا قوم مَالِي أدعوكم إِلَى النجَاة وتدعونني إِلَى النَّار} (غَافِر: ١٤) وَفسّر قَوْله: إِلَى النجَاة، بقوله: إِلَى الْإِيمَان.

لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ يَعْنِي لِلْوَثَنِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لَا جرم إِنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَة فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة} (غَافِر: ٣٤) وَقَالَ: لَيْسَ للوثن دَعْوَة، هَذَا من تَتِمَّة كَلَام الرجل الَّذِي آمن بمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ الَّذِي أخبر الله تَعَالَى عَنهُ بقوله: {وَقَالَ الَّذِي آمن يَا قوم اتبعوني أهدكم سَبِيل الرشاد} (غَافِر: ٨٣) وَكَانَ من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه مِنْهُ وَمن قومه، وَعَن السّديّ وَمُقَاتِل: كَانَ ابْن عَم فِرْعَوْن، وَعَن ابْن عَبَّاس، أَن اسْمه حزقيل، وَعَن وهب بن مُنَبّه: خزيبال، وَعَن إِسْحَاق: خزبيل، وَقيل: حبيب.

يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {إِذا الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيم ثمَّ فِي النَّار يسجرون} (غَافِر: ٢٧) وَفَسرهُ بقوله: (توقد بهم النَّار) . وَعَن مُجَاهِد: يصيرون وقوداً فِي النَّار.

تَمْرَحُونَ: تَبْطَرُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكُم بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تمرحون} (غَافِر: ٥٧) وَفَسرهُ بقوله: تبطرون، من البطر بِالْبَاء الْمُوَحدَة والطاء الْمُهْملَة.

وكانَ العلَاءُ بنُ زِيادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ فَقَالَ رجُلٌ لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ قَالَ وَأَنا أقْدِرُ أنْ أُقَنِّطُ النَّاسَ وَالله عَزَّ وجلَّ يَقُولُ: {يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله} (الزمر: ٣٥) ويَقُولُ: {وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصْحابُ النَّارِ} (غَافِر: ٣٤) ولكنَّكُمْ تُحِبُّونَ أنْ تُبَشَّرُوا بالجَنَّةِ عَلَى مَساوِيءِ أعْمالِكُم وإنَّما بَعَثَ الله مُحَمَّداً صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُبَشِّراً بالجَنَّةِ لَمِنْ أطاعَهُ ومُنْذِراً بالنَّارِ مَنْ عَصاهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله